
أثار تصريح المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن، عقب تأهل المنتخب المصري إلى دور الـ(16) في كأس العالم 2026، الذي قال فيه: "أهدي هذا الفوز إلى الشعب المصري والشعب الفلسطيني، ذلك الشعب الطيب الكريم"[i]، إلى جانب رفعه العلم الفلسطيني، ردود فعل إسرائيلية واسعة تجاوزت التغطية الرياضية إلى حملات إعلامية وسياسية اتسمت بانتقادات حادة ومحاولات لتأطير الحدث باعتباره توظيفًا سياسيًا للرياضة. ولم يكن لافتًا حجم الاهتمام الإسرائيلي بالحدث فحسب، بل طبيعة الخطاب الذي تعامل معه بوصفه تحديًا سياسيًا ورمزيًا يتجاوز دلالاته الرياضية المباشرة.
تكتسب هذه الواقعة أهميتها في ظل التحولات التي شهدها المجال الرياضي الدولي، حيث لم تعد البطولات الكبرى فضاءات للمنافسة الرياضية فحسب، بل تحولت إلى منصات للدبلوماسية العامة والقوة الناعمة، وإلى ساحات تتنافس فيها الدول والفاعلون غير الحكوميين على التأثير في الرأي العام العالمي وإنتاج السرديات المرتبطة بالقضايا الدولية.
وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الغضب الإسرائيلي لم يكن مرتبطًا بالموقف المصري في ذاته، بقدر ما عكس إدراكًا لتنامي حضور القضية الفلسطينية في الفضاء الرياضي الدولي، وتحول البطولات العالمية إلى منصات قادرة على إعادة إنتاج التعاطف الدولي مع الفلسطينيين خارج الأطر السياسية والدبلوماسية التقليدية. وفي ضوء ذلك، تسعى الورقة إلى تحليل دلالات رد الفعل الإسرائيلي، وبيان العوامل التي جعلت من حدث رياضي مناسبة لتجدد التنافس على السردية والشرعية بين الفلسطينيين وإسرائيل، واستكشاف حدود توظيف الرياضة في الصراع السياسي المعاصر.
الفضاء الرمزي في الرياضة الدولية
لم تعد الرياضة في العلاقات الدولية نشاطًا ترفيهيًا أو مجالًا للتنافس الرياضي فحسب، وإنما تحولت إلى إحدى أدوات الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة، بما أتاح للدول والفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين توظيفها في تعزيز المكانة الدولية، والتأثير في الرأي العام العالمي، ودعم أهداف السياسة الخارجية من خلال ما توفره الأحداث الرياضية الكبرى من حضور إعلامي وجماهيري عابر للحدود[ii]. ونتيجة لذلك، غدت البطولات الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم، فضاءات رمزية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، لتصبح ساحات للتنافس على الشرعية، وإنتاج السرديات، وإيصال الرسائل السياسية والإنسانية إلى جمهور عالمي واسع.
ومع التطور المتسارع لوسائل الاتصال الرقمية، اتسع تأثير هذا الفضاء الرمزي، إذ لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسيلة لنقل الأحداث الرياضية، بل أصبحت أداة لربط الجماهير بالأحداث الدولية لحظةً بلحظة، بما أوجد فضاءً تفاعليًا عابرًا للحدود تتقاطع فيه المشاعر الرياضية مع التفاعلات الاجتماعية والمواقف السياسية. وفي هذا السياق، صاغ الباحث البريطاني سكوت رايت Scott Wright مفهوم "الفضاء الثالث "Third Space للدلالة على الفضاءات الرقمية التي تمتزج فيها التفاعلات الاجتماعية بالنقاشات السياسية خارج الأطر الرسمية، بما يجعلها بيئةً لإنتاج المواقف وتداولها بصورة تلقائية بين الأفراد[iii].
وفي الحالة الفلسطينية، لم تؤدِّ الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية وانقطاع متكرر للكهرباء والاتصالات، إلى عزل الفلسطينيين عن الأحداث الرياضية الدولية، بل أسهم الفضاء الرقمي في إبقائهم جزءًا من المشهد الجماهيري المصاحب لها. فقد حرص الفلسطينيون، ولا سيما في قطاع غزة، على متابعة مباريات كأس العالم والتفاعل معها، وإظهار دعمهم للمنتخبات العربية، وفي مقدمتها المنتخب المصري، بما عكس تمسكهم بالحياة واستمرار اندماجهم في الفضاءين العربي والدولي رغم ظروف الحرب. كما أتاح هذا التفاعل انتقال مشاعر التضامن والدعم عبر المنصات الرقمية إلى المجال الإعلامي المصاحب للبطولة، بحيث لم يعد اللاعبون أو الأجهزة الفنية بمنأى عن المزاج الجماهيري الذي تشكل بصورة آنية عبر الفضاء الرقمي.
أوجد هذا التفاعل بيئةً اتصالية جعلت الرسائل الصادرة عن الفاعلين الرياضيين أكثر قابلية للانتشار والتأويل السياسي، بعدما أصبحت المنصات الرقمية تنقلها إلى ملايين المتابعين لحظة صدورها، بعيدًا عن حدود الملعب أو السياق الرياضي المباشر. لذلك، لم يعد إهداء المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن الفوز إلى الشعبين المصري والفلسطيني مجرد تصريح أعقب مباراة، بل أصبح جزءًا من نقاش عام امتد سريعًا إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حيث أُعيد تفسيره وتداوله بوصفه رسالة تتجاوز إطارها الرياضي، الأمر الذي فتح المجال أمام تباين القراءات والمواقف تجاهه.
الغضب الإسرائيلي: مؤشرات التصعيد ودلالاته
لم يُنظر في إسرائيل إلى تصريح المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن بوصفه موقفًا رياضيًا عابرًا، بل باعتباره رسالة سياسية صدرت من منصة رياضية عالمية ذات تأثير جماهيري واسع. وقد عكست التغطية الإعلامية العبرية وطبيعة التفاعل الرقمي مجموعة من المؤشرات التي تكشف طبيعة الإدراك الإسرائيلي للحدث، ويمكن إجمالها في الآتي:
إعادة تأطير الحدث سياسيًا، سعت وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها القناة 12 ويديعوت أحرونوت وواللا، إلى تقديم إهداء الفوز للشعب الفلسطيني ورفع العلم الفلسطيني باعتباره استغلالًا سياسيًا لمنصة كأس العالم، وليس تعبيرًا إنسانيًا أو موقفًا رياضيًا[iv]. وقد رافق ذلك استخدام توصيفات من قبيل "الاستفزاز" و"معاداة السامية" و"تسييس الرياضة"
اتساع نطاق الرسالة، ركزت التغطية العبرية على أن التصريح صدر عقب إنجاز تاريخي للمنتخب المصري، وفي بطولة تُعد الأكثر مشاهدة عالميًا، الأمر الذي منح الرسالة انتشارًا استثنائيًا، وجعلها تصل إلى جمهور دولي يتجاوز المتابعين التقليديين للقضية الفلسطينية.
الدفاع عن رواية الإسرائيلية، كشفت التغطية الإسرائيلية عن إدراك متزايد بأن الأحداث الرياضية الكبرى لم تعد بمنأى عن الصراع السياسي، وأن الرسائل المؤيدة لفلسطين أصبحت قادرة على الوصول إلى الرأي العام العالمي عبر فضاءات يصعب ضبطها أو التحكم في مضامينها.
تعبئة الرأي العام الإسرائيلي، لم يقتصر التفاعل على وسائل الإعلام، بل امتد إلى المنصات الرقمية الإسرائيلية التي شهدت حملات انتقاد واسعة ودعوات لمقاطعة المنتخب المصري وتشجيع منافسيه، بما يعكس انتقال رد الفعل من التغطية الإعلامية إلى التعبئة الجماهيرية.
تكشف المؤشرات السابقة أن الغضب الإسرائيلي لم يكن رد فعل على موقف رياضي عابر، وإنما على قدرة الرياضة الدولية على إعادة إنتاج القضية الفلسطينية في فضاء عالمي يصعب ضبطه أو التحكم في مساراته. فإهداء الفوز للشعب الفلسطيني لم يكتسب أهميته من مضمونه فحسب، بل من صدوره في حدث يحظى بمتابعة جماهيرية وإعلامية غير مسبوقة، الأمر الذي منح الرسالة أثرًا سياسيًا ورمزيًا تجاوز حدود الملعب. وتثير هذه القراءة تساؤلًا جوهريًا حول مدى اتساق الموقف الإسرائيلي؛ إذ يصعب فهم رفض إسرائيل توظيف الرياضة عندما تخدم الرواية الفلسطينية، بمعزل عن ممارساتها المتكررة في توظيف الرياضة ذاتها لخدمة أهدافها السياسية والدبلوماسية.
ولم يقتصر التفاعل مع الحدث على وسائل الإعلام والجمهور، بل امتد إلى المستوى الرسمي لدى طرفي الصراع، بما يؤكد أن الواقعة تجاوزت إطارها الرياضي لتتحول إلى ساحة لتبادل الرسائل السياسية والرمزية. ففي إسرائيل، وجّه وزير الخارجية جدعون ساعر رسالة علنية إلى الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي عبر حسابه الرسمي على منصة إنستغرام، دعاه فيها إلى "إعادة كأس العالم الرابعة إلى الأرجنتين" قبيل مواجهة المنتخبين المصري والأرجنتيني، في خطوة تعكس انخراطًا رسميًا في التفاعل مع الحدث وما حمله من دلالات سياسية ورمزية[v].
وفي المقابل، وجّه الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم رسالة شكر وتقدير إلى المدير الفني للمنتخب المصري، حسام حسن، مشيدًا بموقفه الداعم للقضية الفلسطينية، ومؤكدًا أن بعض الانتصارات لا تُقاس بنتائج المباريات، وإنما بالمواقف الإنسانية والوطنية[vi]. ويعكس تزامن هذين الموقفين انتقال التنافس على السردية من المجالين الإعلامي والجماهيري إلى المستوى الرسمي، بما يؤكد أن الأحداث الرياضية الكبرى باتت تشكل فضاءً لتبادل الرسائل السياسية والتنافس على التأثير في الرأي العام الدولي.
حدود التوظيف الإسرائيلي للرياضة الدولية
أعاد موقف المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن تسليط الضوء على أحد أوجه التناقض في المقاربة الإسرائيلية للرياضة الدولية. ففي الوقت الذي وصفت فيه إسرائيل رفع العلم الفلسطيني والتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني بأنه "تسييس للرياضة"، فإنها دأبت، على مدى سنوات، على توظيف الأحداث والفعاليات الرياضية باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة الهادفة إلى تحسين صورتها الدولية، وتعزيز شرعية سياساتها، وإعادة إنتاج روايتها في الفضاء الدولي. ولا يكشف ذلك عن رفضٍ لتسييس الرياضة بقدر ما يعكس رفضًا لتوظيفها عندما تُنتج رواية مغايرة للرواية الإسرائيلية.
في هذا الإطار، سعت إسرائيل إلى استثمار عدد من الفعاليات الرياضية ذات الحضور العالمي لخدمة أهدافها الدبلوماسية. ففي عام 2013 استضافت نادي برشلونة الإسباني ضمن ما عُرف بـ"جولة السلام"، في محاولة لتسويق صورة تعكس الانفتاح والتعايش، كما حرصت على إدراج زيارة إلى حائط البراق (الذي تطلق عليه إسرائيل "حائط المبكى") ضمن برنامج الجولة، بما حمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع الرياضي للزيارة[vii]. غير أن الجولة لم تقتصر على الجانب الإسرائيلي، بل شملت أيضًا لقاءات مع مسؤولين وأطفال فلسطينيين، الأمر الذي حدّ من قدرة إسرائيل على احتكار الرسائل السياسية المصاحبة للحدث.
وبرزت حدود هذا التوظيف بصورة أوضح عام 2018، عندما أُلغيت المباراة الودية التي كانت مقررة بين منتخبي الأرجنتين وإسرائيل قبيل انطلاق كأس العالم في روسيا. فقد نُقلت المباراة من حيفا إلى القدس بدعم من الحكومة الإسرائيلية، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها محاولة لإضفاء شرعية رمزية على السيادة الإسرائيلية المزعومة على المدينة. غير أن القرار قوبل بضغوط سياسية وحقوقية واسعة انتهت بإلغاء المباراة، فيما وصف مهاجم المنتخب الأرجنتيني غونزالو هيغواين قرار الانسحاب بأنه "القرار الصحيح"، في دلالة على أن الاعتبارات السياسية باتت مؤثرة في القرارات الرياضية ذات البعد الدولي[viii].
وتكشف هذه السوابق أن قدرة إسرائيل على توظيف الرياضة تظل مقيدة بطبيعة القضية التي تسعى إلى توظيفها من أجلها؛ فبينما يمكن للرياضة أن تؤدي دورًا في تحسين الصورة أو دعم الرسائل الدبلوماسية، فإن فعاليتها تتراجع عندما ترتبط بقضايا محل نزاع قانوني وسياسي واسع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس. كما تؤكد أن الفضاء الرياضي لم يعد مجالًا يمكن احتكار رسائله أو التحكم في اتجاهاتها، بل تحول إلى ساحة تتنافس فيها السرديات السياسية على كسب الشرعية والتأثير في الرأي العام الدولي.
الخلاصة
تشير الوقائع إلى أن إسرائيل تواجه تحديًا متزايدًا في الفضاء الرياضي الدولي؛ فاستمرار حرب الإبادة في قطاع غزة وما خلّفته من آثار إنسانية واسعة أسهما في تعزيز حضور القضية الفلسطينية داخل المجال الرياضي العالمي، ودفعا قطاعات متزايدة من الجماهير والرياضيين إلى التعبير عن مواقف تضامنية معها.
وأمام هذا التحول، بات الاعتراض الإسرائيلي ينصب على مظاهر هذا التضامن أكثر من انصبابه على أسبابه، في محاولة للحد من انتقال القضية الفلسطينية إلى فضاءات دولية يصعب التحكم في رسائلها. وبهذا، تحولت الرياضة من أداة سعت إسرائيل إلى توظيفها لتعزيز روايتها إلى فضاء يعيد إنتاج الحضور الدولي للقضية الفلسطينية، ويكشف في الوقت ذاته
[i]Middle East Eye. (2026, July 4). I dedicate this victory to both the Egyptian people and the kind, generous Palestinian people, https://2u.pw/3mSgaX
[ii]Jonathan Grix. (2024). Sport Diplomacy, “Soft Power,” and “Sportswashing”. American Behavioral Scientist, https://2u.pw/ixR4fa
[iii]Scott Wright. (2012), "From 'Third Place' to 'Third Space': Everyday Political Talk in Non-Political Online Spaces," Javnost – The Public, Vol. 19, No. 3, pp. 5–20, at p. 5
[iv]Ynet News. (2026, July 4). Egypt's World Cup knockout stage breakthrough becomes a Palestinian, https://2u.pw/VB5men
[v] Gideon Sa'ar.)July 6, 2026(, Instagram Reel, "Message to Argentine President Javier Milei," accessed July 6, 2026.
[vi] بوابة الأهرام، (6 يوليو/تموز 2026)، الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم يشكر حسام حسن على دعمه للقضية الفلسطينية، https://2u.pw/s843Sh
[vii]FC Barcelona. (2013, August 4). 'Peace Tour': Visit to Israel. FC Barcelona, https://2u.pw/eFPhV0
[viii]Reuters. (2018, June 5). Argentina cancel final World Cup warmup against Israel – Higuain. Reuters, https://2u.pw/z7lXgt