
انتخابات التجديد النصفي الأميركية 2026
عقاب الحزب الحاكم أم إعادة اصطفاف؟
أُجريت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وهي الأولى في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، وشملت مقاعد مجلس النواب كافة (435 مقعداً)، و35 مقعداً من مقاعد مجلس الشيوخ المئة، إضافة إلى 36 منصب حاكم ولاية[1]. وأسفرت النتائج الأولية عن انتقال السيطرة على المجلسين إلى الحزب الديمقراطي؛ إذ تشير التقديرات إلى حصوله على ما يزيد على 250 مقعداً في مجلس النواب، و54 مقعداً على الأقل في مجلس الشيوخ، مع بقاء مقعدَي ميسيسيبي وألاسكا قيد الفرز حتى تاريخه[2].
ولا تقتصر دلالة هذه النتائج على انتقال الأغلبية، بل تمتد إلى نطاقها الجغرافي؛ فقد انتزع الديمقراطيون سبعة مقاعد جمهورية في مجلس الشيوخ، من بينها مقاعد في تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية، وهي ولايات لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عقود، من دون أن يخسروا أي مقعد كانوا يشغلونه.
غير أن انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر لا يكفي، من منظور علم الاجتماع السياسي، للاستدلال على تحوّل أيديولوجي في المجتمع الأميركي؛ إذ يفسّر صموئيل كيرنيل Samuel Kernell في نظريته عن "التصويت السلبي" تراجع حزب الرئيس في الانتخابات النصفية بأن الرافضين لأداء الرئيس أكثر إقبالاً على التصويت من المؤيدين له، فتعبّر النتيجة عن رفض أداء الحزب الحاكم أكثر مما تعبّر عن الثقة ببديله[3]. ومن هنا تسعى هذه الورقة إلى قراءة طبيعة هذا التصويت ومحدداته، والوقوف على دلالاته وانعكاساته على السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً.
النتائج الأولية وتحوّل موازين القوى
أفرزت انتخابات التجديد النصفي تحولاً واسعاً في موازين القوى داخل المؤسسات الأميركية، إذ انتقلت السيطرة على مجلسَي الكونغرس من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي. ففي مجلس النواب تجاوز الديمقراطيون عتبة الأغلبية البالغة 218 مقعداً، محققين أكبر أغلبية لحزبهم منذ عام 2008[4].
وفي مجلس الشيوخ انتزعوا سبعة مقاعد كان يشغلها الجمهوريون، من بينها مقاعد في ولايات تُعدّ معاقل تقليدية للحزب الجمهوري، كتكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية. وامتد هذا التحول إلى مستوى الولايات، فبات الديمقراطيون يشغلون أغلبية مناصب الحكام لأول مرة منذ نحو عقدين
[5].
موازين القوى قبل الانتخابات وبعدها، وفق النتائج الأولية المعلنة حتى السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2026
المؤسسة | قبل الانتخابات | بعد الانتخابات (نتائج أولية حتى 7 نوفمبر) |
مجلس النواب (435) | الجمهوريون 219، والديمقراطيون 214 | الديمقراطيون 254، والجمهوريون 162، و19 دائرة لم تُحسم |
مجلس الشيوخ (100) | الجمهوريون 53، والديمقراطيون 47 | الديمقراطيون 54، والجمهوريون 44، ومقعدان لم يُحسما (ميسيسيبي وألاسكا) |
حكام الولايات (50) | الجمهوريون 26، والديمقراطيون 24 | الديمقراطيون 28 على الأقل |
تظهر الأرقام تحوّل موازين القوى لصالح الحزب الديمقراطي؛ فلم يكسب الحزب الجمهوري سوى دائرتين في مجلس النواب. ويتضح حجم هذا التحول عند مقارنته بانتخابات 2018 في ولاية ترامب الأولى؛ فقد فاز الديمقراطيون بمجلس النواب بعد أن كسبوا أربعين مقعداً، لكن الجمهوريين احتفظوا بمجلس الشيوخ ووسّعوا أغلبيتهم فيه[6].
أما في 2026 فقد خسر الجمهوريون المجلسين معاً، وحقق الديمقراطيون أكبر أغلبية لهم في مجلس النواب منذ 2008. وبهذا تنتهي سيطرة الجمهوريين على الكونغرس والبيت الأبيض معاً )السلطة التنفيذية والتشريعية)، وتبدأ مع انعقاد الكونغرس الجديد في كانون الثاني/يناير 2027 مرحلة حكومة منقسمة حتى نهاية ولاية ترامب الثانية[7].
التصويت العقابي وحدود التحول الأيديولوجي

لا تكفي النتائج وحدها لفهم طبيعة التصويت في انتخابات 2026، ولا لتفسير الفارق الكبير الذي حققه الديمقراطيون؛ فهي تبين لمن صوت الناخبون، لكنها لا تبين لماذا صوّتوا. ولفهم ذلك، يمكن الرجوع إلى استطلاعات الرأي التي أجريت مع الناخبين بعد تصويتهم.
فقد أظهر استطلاع شبكة CBS News، الذي شمل آلاف الناخبين، أن نسبة تأييد ترامب بلغت 38%، وهي الأدنى لرئيس أمريكي في انتخابات التجديد النصفي، وأن الدافع الأبرز لدى ناخبي الديمقراطيين كان معارضة ترامب[8].
وفي الاتجاه نفسه، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة SSRS لصالح شبكة NBC News ومؤسسات إعلامية كبرى أخرى أن نحو 7)) من كل (10) ناخبين يريدون أن يمارس الكونغرس رقابة أكبر على الرئيس[9]. وتشير هذه المعطيات إلى أن التصويت جاء في جوهره عقاباً للرئيس وحزبه.
وفي المقابل، لا تكشف الاستطلاعات نفسها عن ثقة واسعة بالحزب الديمقراطي؛ إذ أظهر استطلاع CBS News أن أكثر من نصف الناخبين ينظرون إليه نظرة سلبية، وإن منحوه أفضلية على الجمهوريين في إدارة الاقتصاد. وتدعم تجربة ولاية ترامب الأولى هذا الحذر في التفسير؛ فالتحول الذي منح الديمقراطيين مجلس النواب في 2018 لم يكن تحولاً دائماً، إذ عاد ترامب إلى البيت الأبيض في 2024. وهذا يرجح أن الناخب الأمريكي يستخدم انتخابات التجديد النصفي أداةً لمحاسبة الرئيس، لا للتعبير عن تبدل في قناعاته الأيديولوجية.
وتكشف استطلاعات الرأي عن القضايا التي تشغل الناخب الأمريكي، وتفسّر تصويته العقابي ضد الجمهوريين؛ فقد عدّ نحو (4 من كل 10) ناخبين الاقتصاد قضيتهم الأولى، وكان عدد من قالوا إن أوضاعهم المالية ساءت ضعف عدد من قالوا إنها تحسنت[10].
كما رأت أغلبية الناخبين أن الرسوم الجمركية أضرت بالاقتصاد، وأن قرار الحرب على إيران كان خاطئاً. وقد أقرّ ترامب ونائبه جي دي فانس بأن الحرب على إيران وأثرها في الأسعار أسهما في خسائر الحزب، وهي الأسوأ منذ نصف قرن[11].
دلالات وانعكاسات التجديد النصفي على السياسة الأميركية
يحد التجديد النصفي لعام 2026 انفراد الحزب الجمهوري بالسلطة، ويفتح مرحلة جديدة من توازن القوى بين البيت الأبيض والكونغرس. فعلى المستوى الداخلي، يمتلك الديمقراطيون أدوات الرقابة والمساءلة والتحكم في الموازنة، وعلى المستوى الخارجي يكتسبون قدرة أكبر على مساءلة الإدارة في قرارات الحرب والإنفاق الخارجي. غير أن هذا التحول يمنحهم القدرة على كبح سياسات ترامب، لا على فرض سياساتهم البديلة. وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة دلالات التجديد النصفي وانعكاساته على المستويين الداخلي والخارجي على النحو الآتي:
داخلياً
توسع أدوات الرقابة والمساءلة: يمنح الكونغرس الجديد الديمقراطيين أدوات واسعة لمساءلة الإدارة؛ إذ تنتقل إليهم رئاسة اللجان في المجلسين، ومعها صلاحية التحقيق واستدعاء المسؤولين، وتشير صحيفة واشنطن بوست إلى أنهم يستعدون لإطلاق موجة من التحقيقات في أداء إدارة ترامب[12]. كما يتحكمون في إقرار الموازنة الاتحادية، ويملك مجلس الشيوخ صلاحية المصادقة على تعيينات الرئيس أو رفضها، بما فيها الوزراء والقضاة الاتحاديون.
ولهذه المواجهة سابقة في ولاية ترامب الأولى؛ ففي كانون الأول/ديسمبر 2018 رفض ترامب توقيع أي موازنة لا تتضمن (5.7) مليار دولار لبناء الجدار على الحدود مع المكسيك، فدخلت الحكومة الاتحادية إغلاقاً استمر (35) يوماً. وانتهى الإغلاق في كانون الثاني/يناير 2019 بتراجع ترامب أمام رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي، وتوقيعه قانوناً لإعادة فتح الحكومة دون تمويل الجدار.
تحدي ترامب والمواجهة المحتملة: في المقابل، يتجه ترامب إلى المواجهة؛ فقد أعلن قبل الانتخابات أنه سيصبح "السيد فيتو" إذا خسر حزبه الكونغرس[13]، أي أنه سيرد التشريعات التي يقرّها الديمقراطيون.
يرجّح ذلك أن تشهد السنتان المقبلتان صراعاً على الموازنة والتشريعات بدل التوافق، مع احتمال لجوء الطرفين إلى تسويات جزئية في الملفات التي لا يستطيع أي منهما حسمها منفرداً.
خارجياً
تقييد الحرب على إيران: تمثل الحرب على إيران الاختبار الأبرز لقدرة الكونغرس الجديد على تقييد السياسة الخارجية للرئيس؛ فقد أعلن قادة الديمقراطيين قبل الانتخابات أنهم سيعملون على قطع تمويل الحرب إذا استعادوا الأغلبية، وباتوا اليوم يملكون أداة التمويل اللازمة لذلك[14]. ويتوقع أن يستخدموا الأداة نفسها ورقةَ ضغط على الإدارة في ملف الحرب الروسية الأوكرانية.
غير أن قدرة الكونغرس في السياسة الخارجية تبقى محدودة؛ فقد أطلق ترامب الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير 2026 دون تفويض من الكونغرس، رغم تصويت الديمقراطيين مراراً لإنهائها¹². ولذلك يُتوقع أن يفرض الكونغرس الجديد قيوداً وكلفة سياسية على قرارات الرئيس، دون أن يغيّر اتجاه السياسة الخارجية الأميركية جذرياً.
تقييد مساعدة إسرائيل، يكشف تصويت مجلس الشيوخ في نيسان/أبريل 2026 عن اتجاه متصاعد داخل الحزب الديمقراطي نحو التدقيق في الدعم العسكري لإسرائيل؛ إذ صوّت (36) سيناتوراً ديمقراطياً ومستقلاً ضد صفقة أسلحة لها، بعد أن كانوا (23) في العام السابق[15]. وقد استبق ترامب انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، فأعلن يوم الانتخابات أن الولايات المتحدة ستوقف مساعداتها السنوية لإسرائيل، البالغة نحو (4) مليارات دولار، بحلول نهاية عام 2026، رابطاً القرار صراحة بالسياسة الداخلية الأمريكية. ومع انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، يُرجَّح أن تخضع المساعدات العسكرية لإسرائيل لرقابة أشد.
خلاصة
أفرزت انتخابات التجديد النصفي تحوّلاً في موازين القوى لصالح الحزب الديمقراطي، جاء في جوهره عقاباً لترامب وسياساته أكثر منه تحوّلاً أيديولوجياً في المجتمع الأمريكي. ويمنح هذا التحول الديمقراطيين أدوات لكبح سياسات الرئيس داخلياً وخارجياً، لا لفرض سياسات بديلة، لتدخل الولايات المتحدة مرحلة حكومة منقسمة حتى نهاية ولاية ترامب الثانية.
[1] The Washington Post. (4 November 2026). Democrats win control of House, Senate as voters spurn Trump, https://2u.pw/AORIbK
[2] CNBC. (5 November 2026). Mississippi Senate election: Democrat Scott Colom narrowly leads Republican Cindy Hyde-Smith, https://2u.pw/opeRYN
[3] Kernell, S. (1977). Presidential Popularity and Negative Voting: An Alternative Explanation of the Midterm Congressional Decline of the President’s Party. American Political Science Review, 71(1), 44–66
[4] CBS News. (3 November 2026). 2026 House midterm election results as Democrats capture majority with major wins, https://2u.pw/q4BOan
[5] Associated Press. (4 November 2026). Democrats capture governorships in Texas and other GOP-controlled states in rebuke to Republicans, https://2u.pw/GzVl6Z
[6] CNN. (5 November 2026). 2026 Midterm Election Results: Democrats projected to win over 250 House seats, https://2u.pw/w4e5ah
[7] NPR. (3 November 2026). Democrats win full control of Congress, ushering in a new era of divided government, https://2u.pw/3waXCP2
[8] CBS News. (3 November 2026). See CBS News exit poll results for the 2026 midterm elections, https://2u.pw/o8SZzO
[9] GV Wire. (3 November 2026). Economy, Trump Loom Large for Voters in Early 2026 Exit Polls. https://2u.pw/59rW0Um
[10] Ibid, GV Wire.
[11] The Washington Post. (4 November 2026). Democrats win Congress as Trump, Republicans confront midterm losses, https://2u.pw/Y5RKBr
[12] The Washington Post. Op. cit.
[13] NewsNation. (1 November 2026). Trump says he’ll become ‘Mr. Veto’ if Democrats take Congress, https://2u.pw/ueNC41
[14] Foreign Policy. (4 November 2026). Where Democrats Can Thwart Trump’s Foreign Policy, https://2u.pw/hH5VfE
[15] قناة الحرة. (3 أكتوبر، 2026). انتخابات التجديد النصفي.. كيف ترسم ملامح الشرق الأوسط؟، https://2u.pw/2jIa13