• د. محمد اشتية

أقل من مقدمة

واجهت إيران ما يسمى 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين وألمانيا) وعلى مدار أشهر من المفاوضات ما بين مسقط وجنيف وفينا من أجل الوصول إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني والحصار الدولي المفروض على إيران.  وقد توجت هذه المفاوضات باتفاق أولي في 12/4/2015 وتحت الصياغة النهائية في 14/7/2015 ووقع في فيينا.

ومن خلال قراءتنا لهذا الاتفاق نريد أن نقرأ مجريات الأمور في المنطقة العربية ومحاولات الهيمنة عليها ودور إيران في ذلك.

ماذا يجري في المنطقة

في 19/8 من عام 2000 كان ياسر عرفات وفريق فلسطيني يتفاوض مع ايهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي وفريقه في كامب ديفيد وكانت تلك المفاوضات بدأت تتجه نحو الفشل وكل يجمع حقائبه للعودة إلى المجهول.  كان ياسر عرفات متوتر كثيراً وهو يوعز لفريقه بأن الأمور انتهت إلى فشل وأن الجانب الأمريكي، رغم الوعودات، حتماً سينأى باللائمة على الفلسطينيين وتحميلهم مسؤولية الفشل.

في ظل هذه الأجواء ذهب أحد أعضاء الوفد الفلسطيني إلى السيد جورج تينيت وكان يرأس وكالة الاستخبارات الأمريكية وطلب منه أن يطمئن ياسر عرفات بأنه لن يتحمل مسؤولية الفشل.  فذهب جورج تينيت إلى عرفات وقال له من بين ما قال ” لا تقلق سيدي الرئيس فأنت تعيش في منطقة لا الجغرافيا ولا الديمغرافيا فيها ثابتتين”.

على هذه الأرضية بدأ وحل الدم العربي يغرق المنطقة وفيه تبدلت الفصول عند العرب وغاب ربيعهم العربي وقد يكون غياباً طويلاً.

ان المنطقة العربية والتي كانت قد قسمتها اتفاقية سايكس بيكو  إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا قد بدأ يجري تفتيت المقسم فيها منذ بداية عام 2011 وبداية مرحلة وحل الدم العربي.

ان العراق وبالأمر الواقع اليوم مقسمة إلى مربعات تتوزع بين الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب والوسط ومثلث السنة وضلعه الرئيس في بغداد.  وليبيا مقسمة بين شرق وغرب، واليمن قسمت إلى مربعات عشائرية، وسوريا في طريق التقسيم، وفلسطين مقسمة بين غزة والضفة.

أما فيما يتعلق بالديمغرافيا فإن هناك 3 مليون لاجئ عراقي و 4 مليون لاجئ سوري و200 ألف لاجئ يمني و 250 ألف لاجئ ليبي إضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين مضى على لجوئهم أكثر من 67 عاماً.

في ظل هذا التمزيق للأرض وسكانها في المنطقة العربية وانهيار دول المقاومة أو الممانعة أو الصمود والتصدي بما كان يشمل ليبيا وسوريا والعراق بدأت إسرائيل تعيش العصر الذهبي لوجودها الذي تشكل على أثر نكبة فلسطين في عام 1948.

الاستراتيجيات المتصارعة للهيمنة على المنطقة العربية

عاشت المنطقة العربية تحت حكم وهيمنة الدول الأجنبية سنوات طوال فالعثمانيون حكموا المنطقة لمدة 400 سنة تلاهم البريطانيون إلا أن أفلت الهيمنة البريطانية مع نهاية الحرب العالمية الثانية لتأخذ الولايات المتحدة دور بريطانيا في الساحة الدولية.  وقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 إلى احتكار الولايات المتحدة للدور الوحيد ضمن واقع القطب الواحد الذي تولد عن غياب المعسكر السوفييتي.

حاولت بعض الدول في مختلف القارات أن تخلق قوى إقليمية تهيمن على محيطها.  وفي الشرق العربي برزت ثلاثة دول تحاول كل منها أن تفرض سطوتها وتتصارع فيما بينها وهي إسرائيل وتركيا وإيران.

أولاً

إسرائيل:

تتمتع إسرائيل بمجموعة مؤهلات تجعلها قادرة على أن تحاول أن تأخذ المنطقة تحت جناحيها وأهم هذه المؤهلات هي التفوق العسكري والقدرة الاقتصادية.

يقول ديفيد روبرتس من المعهد الملكي للخدمات الموحدة (RUSI) انه ليس سراً ان القدرة العسكرية الإسرائيلية تعتبر الأفضل تجهيزاً وتدريباً في كل المنطقة.  ويبلغ عدد القوى الفاعلة في الجيش الإسرائيلي حوالي 187.000 عنصر عسكري منهم 133 ألف في الجيش النظامي متضمن على 107 ألف من المجندين النظاميين.  أما سلاح البحرية فيضم 9.500 بحار في الخدمة وهناك 34 ألف يخدمون في سلاح الطيران.  وهناك في إسرائيل حوالي 565 ألف جندي احتياط.

وتملك إسرائيل حوالي 3000 دبابة و 10 آلاف ناقلة جنود مدرعة و 5.432 مدفع.  كما تملك 3 غواصات من نوع دلفين للمناورة من صنع ألمانيا و 57 سفينة حربية.  وأما سلاح الجو فيضم 460 طائرة منها 168 طائرة مقاتلة متنوعة بين اف 15 و اف 16 وهناك 81 طائرة هليوكبتر  منها 30 كوبرا و 30 اباتشي إضافة إلى 200 طائرة هليوكبتر للنقل.  أما دفاعاتها الحيوية فتشمل 48 منصة إطلاق صواريخ أرض-جو و 920 مدفع مضاد للطائرات.  ويصل مدى صاروخ أريحا (3) إلى حوالي 5 آلاف كيلو متر في حين يصل أريحا (2) إلى 2.800كم وأريحا (1) إلى 1.400كم. ويعتقد أن إسرائيل تملك 250 قنبلة نووية.

من جانب آخر فإن عدد اليهود في إسرائيل حوالي 6.1 مليون نسمة منهم حوالي 1.4 مليون ذكور في سن 16-49.  أما موازنة وزارة الدفاع فكانت في عام 2013 حوالي 13.5 مليار دولار.

أما فيما يتعلق بقدرة إسرائيل الاقتصادية فإن الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي لعام 2014 قد بلغ حوالي 300 مليار دولار في حين بلغ معدل دخل الفرد حوالي 32 ألف دولار.

بلغت صادرات إسرائيل حوالي 65 مليار دولار في نهاية عام 2014 في حين بلغت وارداتها حوالي 72 مليار أي الميزان التجاري متوازن بعض الشيء.  وأهم صادراتها تركز على التكنولوجيا والأسلحة والألماس والأدوية والمنتجات الزراعية والألبسة.  في حين تركزت وارداتها على المواد الخام ومعدات دفاعية، سيارات البترول والحبوب.

بلغت نسبة البطالة في إسرائيل حوالي 4% ونسبة التضخم حوالي 3%.

حاولت إسرائيل بهذه القدرات العسكرية والاقتصادية أن تفرض معادلة تخصص على دول المنطقة والتي نسميها (4M) وهي money, minds, market and  muscles. .  وهذه المعادلة تخلق تقسيم عمل في المنطقة بتخصصات مكمل بعضها للآخر ، ولكنها مبنية على عقلية عنصرية حيث تعتبر إسرائيل نفسها انها العقل والتكنولوجيا والاختراع (Mind) وان الدول العربية الخليجية لديها المال (Money) في حين تتخصص الدول العربية غير النفطية بتصدير الأيدي العاملة الرخيصة وخاصة هؤلاء الذين يبيعون عضلاتهم في سوق العمل (Muscles).  ويكون الشرق الأوسط جمعية سوق  (Market) للمنتجات الإسرائيلية.  وتحمي إسرائيل اقتصادها هذا بقوتها العسكرية المتفوقة التي ذكرناها أعلاه، وقد تحدث شمعون بيرس عن الشرق الأوسط الجديد الذي يستند إلى ذلك التقسيم للعمل في المنطقة والذي يبقي لإسرائيل تفوقها.

كانت إسرائيل قد بدأت بنسج علاقات سرية مع بعض الدول العربية في السر والعلن ففتحت شعارات وممثليات ومكاتب تمثيل وعلاقات أمنية وغيره.  وذلك منذ بداية عملية السلام في المنطقة والتي جرت في مدريد عام 1991.  جاء وحل الدم العربي لتغيب فيه دول عديدة وايديولوجيات متباينة وتبرز قوى جديدة في معظمها قوى دينية متطرفة ولكنها لم تصل دفة الحكم حتى الآن في أي بلد عربي ما عدا حالة مصر والتي تغير فيها الحال بعد انتخاب مرسي وقلب نظامه بحالة جماهيرية أطاحت به ليتسلم الحكم الجيش برئاسة الرئيس الذي انتخب لاحقا عبد الفتاح السيسي.

حالة الغليان العربية وقول هيلاري كلينتون أن لا أحد محصن قد أخافت بعض العرب والذين بدأت علاقتهم بإسرائيل تتراجع بعض الشيء.  كما أن عدم استقرار المنطقة أمنياً قد جعل إسرائيل تعيد حساباتها ولكن حتماً العديد من العرب أصبحوا أكثر حذراً في العلاقة مع إسرائيل وتراجعت العلاقة العربية – الإسرائيلية أيضا بسبب العدوان على غزة وفشل المسار السياسي مع الفلسطينيين ولكنه لم يكن أساس هذا التراجع.

هذا الحال جعل استراتيجية الهيمنة الإسرائيلية تبدأ في حالة تراجع ليس من ناحية القدرات الذاتية ولكن من ناحية قدرة التأثير في مجريات الأمور في المنطقة الأمر الذي أفقد إسرائيل امتدادها وتراجع أدواتها.  وبالتالي فإن مشروعها للسيطرة قد بدأ في خطوات إلى الخلف رغم أنها في عصر ذهبي حتى الآن لا يهددها أحد.

ثانياً:

تركيا

تركيا دولة عضو في حلف الناتو  وهي ثاني أكبر دولة في هذه المنظمة.  وهي دولة مسلمة سنية عدد سكانها حوالي 80 مليون نسمة ومساحتها حوالي 800 ألف كم2 وموقعها استراتيجي، وطول سواحلها حوالي 7200كم، وإسلام تركيا السنية يتقاطع مع معظم الدول العربية في المنطقة.

وقدرات تركيا متعددة ولكن لأغراض المقارنة سنركز التحليل على القدرات العسكرية والاقتصادية.

لدى تركيا حوالي 410.500 جندي و 185 ألف جندي احتياط وتلك 3778 دبابة وحوالي 7500 مدرعة مقاتلة وألف مدفع قاذف اوتوماتيكي و 697 مدفعية و 811 نظام إطلاق صواريخ متعدد.  ولديها حوالي 1020 طائرة منها 223 مقاتلة ومعترضة و 200 طائرة ذات جناح ثابت و 270 طائرة تدريب عسكري و 443 طائرة هليوكبتر منها  59 للهجوم.  وتملك تركيا 115 بارجة بحرية و 13 غواصة و 50 خفر سواحل و 32 كاسحة ألغام.

وتبلغ موازنة وزارة الدفاع حوالي 18 مليار دولار.  أما قدرات تركيا الاقتصادية فتتلخص في أن ما تنتجه تركيا من بضائع وخدمات محلية يبلغ حوالي 800 مليار دولار في العام وهو ما يعرف بالناتج المحلي الإجمالي. في حين يبلغ معدل دخل الفرد حوالي 10 آلاف دولار.  أما نسبة البطالة فبلغت حوالي 10% من القوى العاملة ونسبة التضخم قد بلغت حوالي 8%.

تركيا أرادت دائماً أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي وعينت وزيراً مختصاً لإنجاز هذا الغرض وجندت حليفتها الولايات المتحدة لهذا الغرض ولكن أوروبا لم تكن جاهزة لا أيديولوجيا ولا معنويا لاستيعاب تركيا ضمن منظومتها وقد توج ذلك عندما قال نائب وزير الخارجية الألمانية هيلموت شيفر للوزير التركي أن أوروبا نادي مسيحي ولا يمكن إدخال 80 مليون مسلم إلى هذا النادي.

كان ذلك صفعة في وجه تركيا التي طالما نظرت إلى أوروبا على أنها قبلة تركيا وحاولت تعديل قوانينها والحفاظ على حقوق الإنسان والديمقراطية كل ذلك كمؤهلات الدخول إلى النادي الأوروبي ولكن ذلك كله باء بالفشل.

تنبهت تركيا إلى ماضيها غير البعيد في الشرق العربي وعملت استدارة من النظر إلى الغرب إلى النظر إلى الشرق.  وفي الشرق تعلم تركيا أن فلسطين هي نقطة التقاء العرب ومن يعمل لأجل فلسطين تحبه الجماهير العربية بشكل عام.  من هذا الافتراض تصادم اردوغان رئيس الوزراء التركي في حينه مع شمعون بيرس من على منصة مؤتمر دافوس الاقتصادي وصاح في وجهه وغادر المنصة وترك بيرس مع عمرو موسى.  واعتبر ذلك صفعة من اردوغان لوجه بيرس مع عمرو موسى.  وبعد ذلك جاء إبحار السفينة التركية مرمرة نحو شواطئ غزة من أجل كسر الحصار وجرى اقتحام للسفينة وقتل عدد من المشاركين على متنها من قبل كوماندوز  إسرائيلي.  كان ذلك شكلا من التحدي عبرت من خلاله أنقرة بقيادتها الإسلامية الجديدة برئاسة اردوغان عن انخراطها في مشاكل المنطقة وانها جاهزة لمواقف محددة.

انتعشت ذكريات العرب مع الأتراك وبدأ التاريخ يكتب صفحة جديدة، وأصبح المواليد في غزة يسمون باسم اردوغان، ودفقت الاستثمارات العربية على تركيا بسبب الاستقرار السياسي.  وبسبب الإجراءات 11/9….الخ .  حاولت تركيا أن تنسج محورا للمسلمين السنة في المنطقة تتزعمه هي، كما حاولت أن تقدم نموذجاً للإسلام الديمقراطي المنفتح ليكون نموذجا في المنطقة.  وفعلاً استوعبت الولايات المتحدة النموذج التركي وأصبحت تروج له.  وتناغم ذلك مع توجهات القيادة القطرية بتبني ودعم الاخوان على افتراض أنهم الأكثر اعتدالا من بين التيارات الإسلامية في المنطقة.

أصبحت استانبول مركز الثقل العالمي لحركة الاخوان المسلمين وتقاسمت هي والدوحة مقرات لحركة حماس، حيث تواجدت القيادة السياسية في الدوحة في حين كانت القيادة العسكرية في استانبول.

جاء انتخاب الرئيس السيسي في مصر  على أنقاض المواجهة مع الاخوان وعزل الرئيس مرسي والمحور الذي تبلور  في مواجهة الاخوان بما يضم بالإضافة إلى مصر، السعودية والامارات والكويت التي حلت مجلس النواب ذو الصبغة الإسلامية، والأردن وهزيمة النهضة في تونس.  كل ذلك دفع الاستراتيجية التركية نحو إخفاق كبير وبدأ الهيمنة التركية على أرضية النموذج التركي والامكانيات المتاحة غير ممكنة وفي تراجع.

توازى مع هذا تراجع شعبية حزب اردوغان ووقوع تركيا في شرك المواجهة مع سوريا وداعش والأكراد وبالتالي أصبحت تركيا طرفاً في المنطقة واستقوت بحلف الناتو ضد داعش ووفرت قواعد عسكرية للولايات المتحدة على أراضيها.  وبهذا فقدت تركيا حلفاءها في محور السنة وباتت في مواجهة مع الشيعة والعلويين والأكراد والسنة.

ثالثاً:

إيران

إيران دولة ايديولوجية اسلامية عقيدتها مستندة إلى المذهب الشيعي والذي من أهم المبادئ فيه هو ولاية الفقيه التي تعني الموجه الايديولوجي الأول وقراراته نافذة وسلطته تتخطى النظام السياسي والرئاسة.  إيران الإسلامية جاءت نتاج ثورة شعبية قادها الخميني وأطاحت بشاه إيران في عام 1978 وهي دولة بترولية والثانية من ناحية الإنتاج بعد المملكة العربية السعودية.  ويتوزع المسلمون الشيعة في معظم الدول العربية والإسلامية منهم في إيران أساساً ثم العراق وشرق السعودية ولبنان وسوريا واليمن والبحرين والامارات والكويت وتركيا وباكستان والهند وغيره من دول آسيا.

يبلغ عدد سكان إيران حوالي 78 مليون نسمة، 95% منهم شيعة، وفرس.

كانت إيران محشورة بين دولتين عدوتين أولهما أفغانستان السنية المتطرفة تحت حكم طالبان وعناصر القاعدة والثانية  العراق العربية تحت حكم البعثيين قواد القومية العربية خلال حكم صدام حسين.

تعاونت إيران مع الولايات المتحدة من أجل إسقاط نظام طالبان واحتلال أفغانستان من قبل قوات الناتو في 7/10/2001، كما تعاونتا من أجل إسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق في 10/3/2003 وتسلم الشيعة مقاليد الحكم في العراق ولأول مرة في العصر الحديث.

خاضت إيران حربها الأولى ضد العراق في عام 1980 والتي استمرت حوالي 8 سنوات قتل فيها حوالي مليون إنسان.  اكتسب جيشها خبرة عسكرية هامة.  وقد أصبح لديه في عام 2014 حوالي 545 ألف جندي  وحوالي 1.8 مليون جندي احتياط.  ولدى إيران 1658 دبابة و 1315 عربة مدرعة و 2078 مدفعية و 320 قاذف أوتوماتيكي، و 1474 نظام إطلاق صواريخ و 471 طائرة منها 137 مقاتلة و 119 طائرة مهاجمة و 196 طائرة نقل عسكرية و 78 طائرة تدريب و 123 هليوكبتر منها 12 طائرة هجومية.  وتملك إيران قوة بحرية تقدر بحوالي 397 منشأة و 32 غواصة و 111 طراد خفر سواحل و 7 كاسحات ألغام بحرية.

تنتج إيران حوالي 3.5 مليون برميل بترول يومياً ولديها احتياطي حوالي 160 مليار برميل ومساحة إيران حوالي 1.6 مليون كم2.  تبلغ الموازنة العسكرية للجيش الإيراني حوالي 6 مليار دولار سنويا.

أما قدرات إيران الاقتصادية فيقدر ناتجها المحلي الإجمالي لعام 2013 بحوالي 411 مليار في حين بلغ معدل دخل الفرد 12.00 دولار سنوياً.  بلغت القوى العاملة الإيرانية حوالي 27 مليون إنسان 16% منهم عاطلون عن العمل وهناك حوالي 18% من السكان يعيشون على أقل من 11 دولار يوميا .  وهذا كله رغم الحصار والعقوبات التي تفرضها أمريكا وأوروبا على إيران.

ان القدرة العسكرية الإيرانية والايديولوجيا الدينية المستندة إلى المذهب الشيعي والحضور الشيعي في مختلف دول المنطقة والقدرة الاقتصادية الإيرانية اليوم وما سيوفره لها الاتفاق النووي من استعادة أموالها المحجوزة في البنوك الأمريكية والأوروبية سيجعل من ايران القوة الأكبر في المنطقة والتي ستهيمن فعلا عبر أدواتها وامتداداتها البشرية ذات التأثير الواسع على المنطقة وبالتوافق مع أطراف دولية خاصة وان ايران اليوم والشيعة بشكل عام يبدون معتدلين بالمقارنة مع السنة الذين هم خميرة القاعدة أحيانا وداعش أحيانا أخرى.

الاتفاق النووي بين إيران و 5+1

فاوضت إيران الدول الغربية أكثر من 21 شهراً وتكثفت المفاوضات في الأشهر الأخيرة والتي تمخض عنها الاتفاق الموقع في فيينا.  وقد جاء الاتفاق في 159 صفحة ويضم 5 ملاحق وملخص فحواه يرمي رفع الحصار  الدولي عن إيران مقابل وقف للبرنامج النووي الإيراني العسكري ووضع هذا البرنامج تحت رقابة دولية.  وهناك العديد من التفصيل متعلقة بالبرنامج بحيث يتم تخصيص أجهزة الطرد المركزي من 19 ألف إلى 6 آلاف وأن لا يتعدى تخصيب اليورانيوم 3.76% وكل ذلك مرتبط بجداول زمنية.

ما يهمنا هنا هو ليس التفاصيل الفنية للاتفاق ولكن أسسه.  إيران بحاجة إلى رفع الحصار وأمريكا تريد وقف البرنامج النووي  ولهذا وصف الاتفاق ربح-ربح لكل طرف.  الاتفاق لا ينص على رفع الحصار مرة واحدة بل يعتمد على تقرير الوكالة الذرية للطاقة ولا ينص أيضاً على تدمير يعتمد على تقرير الوكالة  الذرية للطاقة ولا ينص أيضاً على تدمير البنية التحتية للبرنامج النووي بل سيبقى ليخدم أغراض سلمية.  واشنطن من جانبها تدرك أنه لو لم يتم الوصول إلى اتفاق، ورغم الحصار فإن بمقدور إيران إنتاج 10 قنابل ذرية في غضون 3 شهور.

الولايات المتحدة دوافعها وأهدافها للوصول إلى الاتفاق متعددة وأهمها أن اوباما الذي حصل على جائزة نوبل للسلام يريد إنجاز على صعيد السياسة الخارجية والاتفاق يوفر له ذلك خاصة ان كل المنطقة في الشرق الأوسط مشتعلة.

ليس هذا فحسب، فإن برنامج اوباما الانتخابي كان مستنداً إلى وقف الحرب في العراق وسحب جيشه من هناك ومن افغانستان. وقيادة الجيش الأمريكي لا تريد حرب جديدة بعد حرب افغانستان والعراق رغم دفع الجمهوريين للرئيس الأمريكي نحو العرب ويسانده في ذلك اللوبي اليهودي وإسرائيل.

إن خيارات الرئيس الأمريكي محصورة في اما الحرب أو الاتفاق أو استمرار الحصار.  فهو لا يريد الحرب ويدرك أن الحصار غير قادر على وقف البرنامج النووي الإيراني لأنه لا يتلقى مساعدة من الصين وروسيا وجنوب إفريقيا والبرازيل وفنزويلا وغيره من الدول.  وبالتالي لم يبق أمامه إلا الاتفاق.  يقول جون كيري أمام الكونغرس: نحن نختلف مع المعارضين لهذا الاتفاق بأنهم لم يطرحوا البديل وان أي بديل قائم على الحرب والمواجهة فإن أصحابه لا يعرفون موازين القوى أو الواقع في المنطقة فإيران ليست هدفاً سهلاً.

الولايات المتحدة تريد أيضاً قطع الطريق على الصين ومنع امتدادها عبر طريق الحرير الواصل من الصين إلى أواسط آسيا وصولاً إلى إيران.

لقد خدم الاتفاق جميع الأطراف بما يريد كل منهم ما عدا إسرائيل التي شنت حرباً إعلامية ودبلوماسية وتحريضية ضد الاتفاق.

الموقف الإسرائيلي

كان الموقف الإسرائيلي دائماً يدفع بالأمور إلى التأزيم والتدمير خارج حدوده، فعندما حاول جون كيري إحياء المسار التفاوضي بين الفلسطينيين وإسرائيل كانت جميع تصريحات نتنياهو  تتعلق بالنووي الإيراني وفي خطابه في الكونغرس تركز  خطابه أيضاً على التحريض على إيران.

إسرائيل كانت تقول لننتهي من العراق المتطرفة ومن ثم نبدأ بالحل على المسار الفلسطيني ودمرت العراق ولم يجري شيء.  ثم بدأت تقول ان الخط اليوم هو ايران وتدعو إلى تدميرها ليبدأ العمل بالمسار الفلسطيني.  وبالتالي إسرائيل تريد للعالم أن يبقى منشغلا في قضايا أخرى غير الموضوع الفلسطيني لتحرر إسرائيل من الضغط الدولي.

جن جنون نتنياهو والقيادة السياسية في إسرائيل مع وقبل توقيع الاتفاق وشنت إسرائيل حملة واسعة من العلاقات العامة والدبلوماسية هدفها التحريض على الاتفاق من أجل رفضه.  ويتركز الجهد الإسرائيلي على الكونغرس من أجل دفعه لرفض الاتفاق مع ما يرافق ذلك من تحريض على الرئيس اوباما تحت الادعاء بأنه باع أمن إسرائيل لإيران وان إسرائيل تتعرض لخطر وجودي واعتبر  نتنياهو أن الاتفاق “خطأ تاريخي”.

أما المؤسسة الأمنية الإسرائيلية فاعتبرت أن ما تم الاتفاق عليه هو أفضل الخيارات المتاحة أمام المجتمع الدولي.

في واقع الأمر فإن الرفض الإسرائيلي للاتفاق ما هو إلا الشعور بخسارة معركة الهيمنة على المنطقة وان ميزان القوى في الإقليم بدأ يتجه نحو إيران. وأنه لم يعد لإسرائيل عدو في المنطقة تبتز العالم الأوروبي والأمريكي بسببه.  إسرائيل كانت دائماً عدو توجه كل تركيزها نحوه أما الآن فالمنطقة في حالة رثة وإيران في حالة سلام مع العالم واتفاق دولي رعته الأمم المتحدة ونال التصويت بالإجماع في مجلس الأمن.

الخلاصـــة:

فشل الحصار المفروض على إيران من النيل من برنامجها النووي ولو استمر هذا الحصار لتمكنت إيران من أن تصبح دولة نووية كما فشلت إيران في أن تصبح دولة نووية وانها رأت أن مقايضة البرنامج النووي برفع الحصار لهو أسلم لها وأضمن لمستقبلها في المنطقة خاصة أنها تعيش حالة من الإرهاق الاقتصادي بسبب انخراطها المباشر في الحرب في سوريا وفي العراق وفي اليمن.

ان الاتفاق قد أنهى عزلة إيران دولياً وأصبح وزراء أوروبا يتراكضون لنيل نصيبهم من كعكة إيران الاقتصادية التي يتوقع لها أن تنمو بشكل كبير بسبب رفع الحصار وتوفر الأموال والاحتياجات الهائلة للتنمية والتطوير وخلق فرص عمل وإنعاش قطاعات اقتصادية مولدة للتصدير والعمالة.  وستحاول إيران استغلال الثغرات القائمة في العلاقات بين أمريكا وحلفائها من أجل أن يكون التفاوض معها مباشرة.

ان الاتفاق لا يمنع إيران أن تعزز صناعات الأسلحة التقليدية لديها وهذا سيعطيها هامش كبير أمام القدرة الإسرائيلية وسيمكنها في المستقبل المتوسط أن توازي ما تملكه إسرائيل من أسلحة تقليدية.  الخيار النووي الإيراني سيبقى قائماً لأنه غير متعلق بالبنى التحتية فقط بل أيضاً بالمعرفة.  إيران تملك المعرفة ولديها من العلاقات مع روسيا والصين ما سيمكنها من استقدام معرفة وتكنولوجيا إذا ما كتب لهذا الاتفاق أن يفشل.  ولكن الواضح أن الولايات المتحدة وأوروبا واليابان معنيين بإنجاح الاتفاق وأن إسرائيل رغم تشويشها لن تستطيع إلا أن تخضع في نهاية المطاف لشروط الاتفاق ولن يكون في مقدورها أن تزج العالم في ضربة عسكرية ضد إيران فهي تهدد بذلك منذ 10 سنوات وأكثر.  والذي ستلجأ له إسرائيل الآن هو ابتزاز واشنطن من أجل حزمة من المساعدات العسكرية بما يشمل طائرات F35 و V22 وحماية منشآتها النووية عن الرقابة الدولية.  وقد تطلب معارضة المشروع الفرنسي المتعلقة بفلسطين وإسرائيل إذا ما طرح على مجلس الأمن.

إن التقديرات تبين أن الاتفاق الإيراني-الأمريكي والدولي لم يقف عند حد النووي الإيراني بل يتضمن ترتيبات أمنية للمنطقة ككل وبالاتفاق مع إيران.  إن مثل هذا الأمر إذا ثبتت صحته فإن إيران الآن تجلس في مقعد السائق في قيادة المنطقة الأمر الذي سيدفع المملكة العربية السعودية لإعادة التفكير في علاقاتهم بالولايات المتحدة أولاً وبالإقليم ثانياً.  تحاول السعودية والتي تعتقد أن الحرب في المنطقة ليست بين سنة وشيعة بل بين عرب وفرس منذ معركة ذي قار حتى يومنا هذا حشد حالة عربية من أجل مواجهة إيران وحتماً ستكون هي ومصر وستحاول استيعاب تركيا في هذا المحور من أجل لجم التوسع والهيمنة الإيرانية. المحزن في صراع المحاور الإسرائيلية – الإيرانية – التركية أن العرب غائبون تماماً وهم ليسوا أكثر من “ستالايت دش” يستقبل ولا يرسل.

ان الواضح أنه سينتج عن هذا الاتفاق معالجة ملفات المنطقة جميعها وستبدأ مرحلة المقايضات والمساومة بين مختلف القضايا فالملف السوري مرتبط بالإيراني ومرتبط بالحال في اليمن.  والمهم بالنسبة لنا هو كيف نجعل فلسطين أحد القضايا المرتبطة مع المنطقة وتفويت الفرصة على الذين يدعون بأن المشكلة الفلسطينية شيء ومشاكل المنطقة الأخرى شيء واحد.

بالنسبة لفلسطين لم تعد ايران بعد الاتفاق النووي ايران الصديقة فهي تريد أن تقدم أوراق اعتمادها للمجتمع الدولي على أنها بثوب جديد وهو ثوب الاعتدال وفي ظل المعطيات الجديدة فإن تبنيها لحركة حماس سوف يتراجع وهي آخر معاقل المعاداة للسلطة ولفتح و م. ت. ف ولسياسة كل منهم. وعليه لابد لنا من فتح حوار مع ايران من أجل تصويب موقفها ليس فقط بما يتعلق بالعالم بل بنا أيضاً وعلينا أيضاً إعادة صياغة علاقتنا في المنطقة على ضوء المتغيرات الجديدة دونما خسارة للذين يقفون معنا دائماً في السراء والضراء.

إن مصلحة فلسطين أن ينجح الاتفاق الايراني – الأمريكي ولكن علينا نحن والعرب أن نشن حملة دبلوماسية وعلاقات عامة لوضع البرنامج النووي الإسرائيلي تحت الرقابة الدولية وتحويله من برنامج نووي عسكري إلى برنامج سلمي.

  • رئيس مجلس إدارة مركز الأبحاث.