يحيى قاعود- باحث في الشأن السياسي

تقديم

عقد اللقاء الأول بين رئيس الوزراء نفتالي بينت والرئيس الأمريكي جو بايدن بواشنطن 27 أب 2021، بعد تأجيل يوم واحد بسبب التفجيرات بأفغانستان، وبالرغم من أن الملف الرئيس للقاء هو “النووي الإيراني” إلا انه ليس الوحيد. مما يثير تساؤل حول قدرة بينت صاحب الحكومة الائتلافية المرتبكة على تغييب القضية الفلسطينية، ومدى استجابة الولايات المتحدة للتطلعات الإسرائيلية، خاصة بعد تصريحاتها بشأن إعادة بناء العلاقات مع الفلسطينيين وموقفها من التسوية السياسية المؤيد لـ مبدأ حل الدولتين.

إدارتين جديدتين وقضايا متعددة

وصل الديمقراطي جوزيف بايدن إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير 2021، وأمامه العديد من الملفات الداخلية- جائحة كورونا- والخارجية خاصة منطقة الشرق الأوسط والملف النووي الإيراني، وتعقيدات الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني التي تركها الرئيس السابق دونالد ترامب. أما الحكومة الائتلافية الهشة  بالرغم من ازاحتها لبنيامين نتنياهو، إلا انها يمكن أن تنهار إذا ما تعرض الائتلاف لأي اختلال خاصة فيما يتعلق بقضايا خارجية كالملف النووي الإيراني، والتسوية السياسية مع الفلسطينيين بما فيها مواجهة عسكرية بقطاع غزة.

رغم تأكيدات الإدارة الأمريكية الجديدة لأمن إسرائيل وتمويلها عسكرياً، إلا أن رؤيتها للتسوية السياسية تختلف إلى حد ما عن الإدارة الجمهورية السابقة. في حين أن الحكومة الإسرائيلية المشكلة من ائتلاف “يميني ديني” برئاسة نفتالي بينت؛ فقد استمرت في سياسة الحصار والاستيطان والتهديد بالقوة العسكرية، رغم حديث بينت عن “تقليص الصراع” الذي يتمحور حول الانعاش الاقتصادي للواقع المتردي في الأراضي الفلسطينية، وهو ما يشكل نقطة الالتقاء بين الإدارتين الجديدتين.

الأولوية الإسرائيلية

أكدت الصحف والأخبار الإسرائيلية بأن الأولوية الإسرائيلية التي يحملها بينت في زيارته للولايات المتحدة هي “الملف النووي الإيراني”، على الرغم مما جاء في تصريح صادر بتاريخ 18 أب 2021 عن البيت الأبيض حول الزيارة الرسمية التي ستناقش قضايا متعلقة بالأمن الإقليمي والعالمي. بالإضافة إلى فرصة “مناقشة الجهود الرامية إلى دفع السلام والأمن والرخاء للإسرائيليين والفلسطينيين وأهمية العمل من أجل مستقبل أكثر سلاماً”[1].

مثل الملف النووي الإيراني أولوية أولى لـ بينيت على حساب القضية الفلسطينية، وهو ما أكده خلال مقابلته الأولى مع صحفية نيويورك تايمز في 24 أب 2021 بقولة “سأقدم رؤية استراتيجية جديدة بشأن إيران، ستشمل تعزيز العلاقات مع الدول العربية المعارضة لنفوذ إيران الإقليمي وطموحاتها النووية”[2]. وهو ما دفع باتجاهه زئيف الكين وزير الإسكان والبناء “نجح بينيت في تغيير الخطاب ووضْع ايران وليس القضية الفلسطينية على رأس سلم الأولويات”.[3]

استبق بينيت لقاءه مع بايدن بمجموعة تصريحات بشأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؛ فقد تحدث عن التوسع الاستيطاني “الحكومة ستستمر بسياسة إسرائيل طويلة الأمد لتوسيع المستوطنات القائمة في الضفة الغربية، والتي يعتبرها كثير من العالم غير قانونية بموجب القانون الدولي وعائقًا أمام إنشاء دولة فلسطينية مستقبلية في الأراضي المحتلة… ستواصل إسرائيل السياسة المعيارية للنمو الطبيعي”[4].

يفرق بينت بين “الضم” و”التوسع” وكأنهما سياستين مختلفتين، محاولاً تضليل الرأي العام الأمريكي والعالمي ويتلاعب بالقانون الدولي. الأمر سيان إن كان “ضم” أو “توسع” فهو مقام على أراضي الدولة الفلسطينية بحسب قرارات الشرعية الدولية، وليس معيق لإقامة الدولة فحسب، ولكنه مخالف للمبادئ الدولية وميثاق جنيف الرابع حول قوانين الحرب عام 1949، بالإضافة إلى نص قرار مجلس الأمن رقم (2334) لعام 2016 الذي يدين بناء المستوطنات وتوسيعها.

أما عملية التسوية السياسية؛ فيستند بينت في رؤيته إلى مواقفه السابقة المعارضة لإقامة الدولة الفلسطينية، والتي أكدها في حواره مع نيويورك تايمز “لن يكون هناك حل للصراع مع الفلسطينيين في المستقبل المنظور”، ويتذرع بالانقسام الفلسطيني الذي تغذيه إسرائيل بالحصار والتحكم بالمال الذي يدخل غزة والضفة الغربية، وخطورة وجود حماس في السلطة بالرغم من عدم توقف المحادثات معها.

وعلى الرغم من  معارضه بينت الصريحة لتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن إعادة فتح القنصلية الأمريكية بقولة أن “القدس عاصمة إسرائيل… إنها ليست عاصمة الدول الأخرى.[5]” إلا أنه يتفق مع  الإدارة الأمريكية فيما يتعلق برؤية “الحل الاقتصادي” بقولة إن “هذه الحكومة ستحقق اختراقات دراماتيكية في الاقتصاد”.

تتماشى الرؤية الاقتصادية لـ بينيت مع بايدن الذي استأنف تقديم مساعدات للفلسطينيين، حيث صرح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في زيارته لرام الله 25 أيار 2021 بأن “الولايات المتحدة ستقدم دفعة إضافية بقيمة 75 مليون دولار من المساعدات التنموية والاقتصادية للفلسطينيين في عام 2021”[6]. يبدو أن الحل الاقتصادي يمثل جوهر أي رؤية حول الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وهو ما يمكن ان نلمسه في الإدارات الأمريكية المتعاقبة على اختلاف توجهاتها، ولعل أخرها رؤية ترامب “السلام من أجل الازدهار”.

الحسابات الأمريكية

أجرى بينت أولى لقاءاته الرسمية في واشنطن الخميس 26 أب 2021  مع وزير الخارجية بلينكن الذي غرد عبر ( (twitter”ناقشنا أهمية الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك التزام أمريكا بأمن إسرائيل”[7]. إن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية استراتيجية لا تخضع لتقدير الإدارات الأمريكية وحدها، لكن لكل إدارة حساباتها السياسية الخاصة بها، وهو ما أوضحه تصريح بايدن بعد عقد الاجتماع مع بينت مباشرة في المؤتمر الصحفي “ناقشنا عدة ملفات… ناقشنا طرق لدعم الازدهار والسلام من أجل الاسرائيليين والفلسطينيين”[8]. أما بينت تجاهل الحديث عن القضية الفلسطينية وركز في تصريحاته على إشكاليات المنطقة والمخاطر التي تواجه إسرائيل كداعش وحركة حماس، وأسهب في الحديث عن الملف النووي الإيراني.

أيضاً كان هنالك نقاش معمق حول طبيعة العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ومكانة القدس في عقلية الحكومة الائتلافية “منذ أشهر كان هناك صواريخ تطلق على المدن الإسرائيلية، وحينها تم اختبار الصداقة الأمريكية- الإسرائيلية، لا يوجد لدينا حليف أكبر وأهم من الولايات المتحدة، فأنا جئت إليك من القدس عاصمتنا الأبدية”[9]. وبحسب مصادر جريدة القدس طلب بينت في الاجتماع عدم إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس تخوفاً من انفلات تحالفه وسقوط حكومته[10].

وبالرغم من تجاهل بينت للقضية الفلسطينية في المؤتمر الصحفي، أكد بيان البيت الأبيض عقب الاجتماع بأن الرئيس بايدن شدد على أهمية اتخاذ خطوات عملية لتحسين حياة الفلسطينيين ودعم الفرص الاقتصادية، وأشار إلى أهمية الامتناع عن الأعمال التي تفاقم التوترات وتقوض جهود بناء الثقة، وأعاد بايدن التأكيد على وجهة نظره بأن حل الدولتين السبيل الوحيد القابل للتطبيق للتوصل إلى حل دائم للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني[11].

وتبقى تقديم الفرص الاقتصادية ومكانة إسرائيل الإقليمية، مدخل يحظى بتوافق إدارة كل من بايدن وبينت؛ فقد أعرب بايدن عن دعمة الكامل لعلاقات قوية وواسعة بين إسرائيل والمنطقة العربية، وأشار بايدن وبينت بأن الشركات التاريخية بين إسرائيل ومصر والأردن حاسمة للاستقرار الإقليمي[12].

يشتمل ترتيب الاجتماعات بين رؤساء الدول أجندة للموضوعات المراد مناقشتها، ويبدو واضحاً من التصريحات الأمريكية وحساباتها بأن القضية الفلسطينية كانت احدها. وبالرغم من ذلك، لم تتضح بعد جدية الإدارة الأمريكية بتنفيذ تصريحاتها الخاصة بإعادة فتح القنصلية الأمريكية بالقدس أو مكتب منظمة التحرير في واشنطن على الرغم من وجود دعوات أمريكية رسمية وغير رسمية بشأن فرض عقوبات أو تقييد المساعدات الأمريكية لإسرائيل بعد العدوان الأخير على غزة، إلا أن الرئيس بايدن لم يستجيب بعد لأي من تلك الدعوات[13]. وعلى النقيض تماماً هنالك تأكيدات دائمة بأمن إسرائيل وحمايتها.

الرد الفلسطيني

أصدرت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين يوم 25 أب 2021 بيانا أدانت فيه تصريحات ومواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت لصحيفة نيويورك تايمز، ووصفتها بالعدوان على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية العادلة والمشروعة، واستخفافاً بالمواقف الأمريكية المعلنة تجاه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، خاصة المواقف التي ترفض الاستيطان وتتمسك بحل الدولتين[14]. فيما رأى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني، أن تصريحات بينيت تعبر عن “حزب المستوطنين” والتي من شأنها تقويض كل فرص السلام، وإمكانية الوصول الى حل الدولتين[15].

رداً على تصريحات بينت تعتزم القيادة الفلسطينية عقد لقاء بحسب ما أدلى به عزام الأحمد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لتلفزيون فلسطين في 25 أب 2021 بأنه “خلال الايام المقبلة سيكون هناك لقاء قمة ثلاثي مصري أردني فلسطيني لتنسيق المواقف والجهود”. وأضاف “المطلوب من الإدارة الأمريكية أن تمارس ضغط حقيقي على إسرائيل للانصياع لـ حل الدولتين”[16].

يتطلع الفلسطينيون إلى دور أمريكي فاعل بشأن تسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وخلق بيئة مناسبة لإطلاق مفاوضات التسوية تحت مظلة الرباعية الدولية ودول عالمية أخرى وفق المرجعيات الدولية. وهو ما أكد عليه الأحمد بقولة “التسوية السياسية تعنى حل الصراع وليس إدارته”، وأضاف “لن نقبل الآن أو في المستقبل أن تقود الولايات المتحدة عملية السلام منفردة، متمسكون برؤية الرئيس محمود عباس للتسوية من خلال مؤتمر دولي للسلام، وبمشاركة الرباعية الدولية ودول أخرى”[17].

الخلاصة

تنسجم زيارة نفتالي بينت إلى واشنطن مع مواقف اليمين الإسرائيلي الذي يحكم إسرائيل منذ أثتنى عشر عاماً، والتي تتبنى إظهار الملف النووي الإيراني بأنه الخطر القائم والوحيد في المنطقة، والذي يتطلب جهود الولايات المتحدة والدول العربية كافة. في المقابل، يتجاهل بينت القضية الفلسطينية وما ترتكبه إسرائيل من إجراءات وانتهاكات يومية بحق الفلسطينيين. وبالرغم من اختلاف الحسابات الأمريكية عن الأولوية الإسرائيلية، إلا أنها لم تظهر حتى الآن جدية في فتح مسارات لعملية التسوية تطبيقاً للتصريحات والمواقف التي تتبناها بشأن الصراع.

 

للتحميل اضغط هنا

 

[1] Biden set to meet with Israel’s prime minister on Aug 26 -White House , Reuters, Aug18, 2021 https://reut.rs/3z48WcY

[2] New Israeli Leader Backs Hard Line on Iran but Softer Tone With U.S., The New York Times, Aug. 24, 2021, https://nyti.ms/3jiK4IX

[3] الوزير زئيف الكين : رئيس الوزراء بينت افلح في وضْع ايران وليس القضية الفلسطينية على رأس سلم الأولويات الامريكية، مكان- هيئة البث الإسرائيلي، 26 أب 2021،

[4] Ibid.

[5] Ibid.

[6] بلينكن يعلن عن مساعدات أمريكية لغزة ويتعهد بإعادة فتح قنصلية القدس، Reuters، 26 أيار 2021، https://reut.rs/3DuIyvm

[7] حساب وزير الخارجية الأمريكي على twitter،

[8] فيديو المؤتمر الصحفي للقاء بايدن- بينت،

[9] المرجع السابق.

[10] بايدن لبينت :سنناقش سبل السلام ..والاخير طلب عدم إعادة فتح القتصلية بالقدس للحفاظ على حكومته، جريدة القدس، 28 أب 2021،

[11] Readout of President Joseph R. Biden, Jr.’s Meeting with Prime Minister Naftali Bennett…, The White House, August 27, 2021,

[12] Ibid.

[13] في أول لقاء وجها لوجه مع بايدن.. بينيت يسعى لبث “روح جديدة” بين البلدين، Euronews، 26 أب 2021،

[14] الخارجية والمغتربين// بينت يستبق لقائه الرئيس بايدن بالإعلان عن مواقفه المعادية للسلام، وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، 25 أباب 2021،

[15] مجدلاني: تصريحات بينيت حول رفض إقامة الدولة الفلسطينية تنسجم مع رؤية حكومته اليمينية، موقع منظمة التحرير الفلسطينية، 26 أب 2021،

[16] تلفزيون فلسطين، برنامج ملف اليوم، 25 أب 2021، https://bit.ly/3zsyscf

[17] المرجع السابق.