أحمد عز الدين أسعد[1]

عرَّت أزمة كورونا مقولات “إسرائيل” الكبرى، وبرز خطاب الاقتصاد كأولوية على الأمن والصحة في إسرائيل، فتم السماح للعمال الفلسطينيين المبيت في أماكن عملهم، والبقاء في “إسرائيل” إبان عيد الفصح اليهودي 8-15 نيسان/ أبريل 2020، لقد قلبت المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية نهج الهيمنة الذي يقوم في الأساس على المقولة الأمنية وحفظ الأمن كأولوية مركزية في المجتمع الإسرائيلي، ليتوافق في زمن كورونا مع حاجة المنظومة الاستعمارية لليد العاملة الفلسطينية لتحريك عجلة الاقتصاد الإسرائيلي في مجالات أساسية كالبناء والتشييد والزراعة والخدمات.

 تغاضت، بل وساهمت، المنظومة الاستعمارية في تسهيل تهريب العمال من وإلى “إسرائيل”، بينما كانت في السابق تعتقل وحتى تقتل أي عامل يحاول الدخول عن طريق التهريب، تبدلت المعادلة فأصبحت الحكومة الفلسطينية وأجهزتها التنفيذية تقوم بدور الرقيب على تهريب العمال خوفًا من تفشي فايروس كورونا، وتحوله إلى وباء في المجتمع الفلسطيني.

عمدت “إسرائيل” إلى استغلال العمال الفلسطينيين منذ سنوات الاحتلال الأولى، فالعامل لا يحصل على أبسط حقوقه التي تكفلها القوانين الإسرائيلية وتلك الدولية المتصلة بالعمل في ظروف الاستعمار، وفي “زمن كورونا” تصبح معاناة العامل الفلسطيني مركبة، فيعاني العمال من العنصرية في التعامل مع العامل المريض الذي يتم رميه على قارعة الطريق، ووضع العمال في أماكن غير لائقة للسكن، والانكشاف بمواجهة خطر اصابته بفايروس كورونا داخل “إسرائيل”؛ واستغلال العامل الفلسطيني للعمل في خطوط المواجهة الأمامية مع الفايروس، فيما يقف على الجانب الآخر معاناة العامل وهاجسه المرتبط بفقدان مصدر الرزق أن انقطع عن العمل في الوقت الذي اضحى تصريح العمل يمثل رباط عمل كاثوليكي بين العامل والمشغل.

تنطلق مقاربة الورقة من فكرة مركزية تتمثل في أن “إسرائيل” ليست دولة احتلال هدفها الربح المادي واستغلال قوة عمل الفلسطيني؛ وإنما هي منظومة استعمار استيطاني هدفها محو وإزالة وتطهير الفلسطينيين عرقيًا وثقافيًا واجتماعيًا ومكانيًا.

أولًا. ما قبل كورونا: واقع العمال وسياسات الاستغلال

إن غالبية العمال الفلسطينيين في “إسرائيل” هم من الضفة الغربية بالدرجة الأولى، وهم من المناطق الريفية ومخيمات اللاجئين، وغالبيتهم من الذكور، يعملون بشكل أساسي في قطاعات التشييد والبناء، والخدمات الفندقية والتجارة والزراعة. ويفضل رأس المال الإسرائيلي العمالة الفلسطينية؛ كونها عمالةً مرنة، حيث يعمل العمال في الصباح ويعودون مساءً إلى منازلهم، وفائض عملهم يخدم الرأسمال الإسرائيلي الاستعماري، ونفقات الفلسطينيين ومصاريفهم تعود إلى الاقتصاد الإسرائيلي، الذي أَلَحقَ الاقتصاد الفلسطيني به بشكل بنيوي منذ احتلال عام 1967. يبلغ عدد العمال العاملين في “إسرائيل” ما بين 130-140 ألف عامل، منهم ما لا يقل عن 30 ألف عامل يعلمون بدون تصاريح، ما يجعل من التصاريح والبطاقات الممغنطة والحواجز أدوات استلاب للحياة اليومية للعامل الفلسطيني الذي يعاني معاملة غير إنسانية من قبل المقاول الفلسطيني والمراقبين (سواء فلسطينيين أو إسرائيليين) وسيد العمل الإسرائيلي (المشغل)، كما يطال الاستلاب حقوق العامل كالإجازات والعطل والتأمين الصحي وتعويضات إصابات العمل.. الخ.[1]

تمثل الطبقة العاملة الفلسطينية طاقة مهدورة في المجتمع بسبب هشاشة الهياكل النقابية الناظمة، وغياب عاملي الوعي والتنظيم للطبقة ذاتها؛ وارتهانها لشروط المشغل الإسرائيلي وتصريح العمل؛ الى جانب تخيلات قطاع كبيرة من العمال أنهم يتمتعون باستقلالية كبيرة عن المجتمع الفلسطيني والحكومة الفلسطينية كونهم مرتبطين بالمبنى الاقتصاد الإسرائيلي، كانت لهذه العوامل وسطوة رأس المال الفلسطيني وقوة وهيمنة رأس المال الإسرائيلي دور في إجهاض قانون الضمان الاجتماعي الفلسطيني (الذي كان من المفروض أن يحمي بالأساس الطبقة العاملة). يجني العامل في إسرائيل أجراً يومياً تتراوح ما بين 200-700 شيقل، تعتمد على مستوى مهارته وطبيعة مهنته، وهذه الطبقة لا تشارك في الحياة العامة الفلسطينية (يبدأ نهارها الساعة 2 فجرًا ويعودون إلى المنازل بعد الغروب) إلا بمدخولها الشهري الذي يبقي عجلة الاقتصاد الفلسطيني تدور، وتتكامل مع دورة الاقتصاد الإسرائيلي، ورغم الإسهام الاقتصادي للعمال إلا أن العمالة في “إسرائيل” تشكل هشاشة في المبنى الاجتماعي الفلسطيني كونها عرضة لأية أزمات أو تغييرات سياسية أو أمنية أو اقتصادية.

تعتبر المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة عام 1967 غير شرعية وفق القانون الدولي، وبسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والحياتية يعمل الفلسطيني في المستوطنات في مجالات البناء، والصناعة، والزراعة، والخدمات، في ظروف عمل صعبة وبدون رقابة، وتعمل العاملات الفلسطينيات في المستوطنات في مجال والزراعة والعمل المنزلي، حيث القيود أقل في المستوطنات من تلك المفروضة على العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، لكن يتلقى العاملون في المستوطنات أجورًا أقل من العاملين في “إسرائيل” على الرغم من أن هناك قرار من محكمة العدل العليا الإسرائيلية يقضي بتطبيق قانون العمل الإسرائيلي على المستوطنات.[2]

ثانيًا. اختبارات أمنية: بوابات طولكرم 2019.. وسيناريو2020

قامت السلطات الإسرائيلية بفتح مجموعة من البوابات في محافظة طولكرم نهاية أيلول/ سبتمبر 2019، سبقها  تراخي الجيش الإسرائيلي عن سد فتحات أحدثها المواطنون الفلسطينيون في السلك الشائك الذي يعتبر جزءًا من الجدار في شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل من عام 2019 في ظل أزمة الرواتب التي عانى منها موظفو القطاع العام الفلسطيني، في الوقت الذي كانت تغلق فيه كل ثغرة في السلك الشائك مباشرة بعد فتحها قبل أزمة الرواتب لدى السلطة الفلسطينية في عام 2019، وقد سقط عدد من العمال شهداء وجرحى في محاولتهم الدخول إلى العمل بالقفز عن الجدار أو الدخول من ثغرات في الأسلاك.

ربما كان عدم إغلاق تلك الفتحات، محاولة لدراسة وتقييم أمني إسرائيلي لدخول الفلسطينيين بدون تصريح؛ أي أن العملية كانت لدراسة السلوك الفلسطيني من أجل بناء سياسات إسرائيلية لاحقة. كما قام الجيش الاسرائيلي بإزالة الأقفال عن البوابات المخصصة لدخول المزارعين إلى أراضيهم عبر تصاريح من الإدارة المدنية الإسرائيلية في مناطق: زيتا، عتيل، باقة الشرقية وغيرها، حيث تمكن الفلسطينيون من هناك الدخول إلى الأراضي المستعمَرة عام 1948 رغم تواجد الجنود الإسرائيليين في نقاط قريبة من البوابات.[3]

لقد شكلت تلك الحادثة مختبرًا ميدانيًا إسرائيليًا لتقييم نتائج فتح البوابات أو السماح بعمليات تهريب العمال وقياس أثر التهريب على الأمن الإسرائيلي؛ وفي آذار/ مارس 2020 مارست إسرائيل سلوكًا مشابهًا، فقد تم التغاضي عن فتح ثغرات التهريب في طولكرم لدخول العمال، وسمحت بعمليات تهريب العمال بشكل كبير من أقصى جنوب الضفة الغربية إلى أقصى شمالها، وبرزت مافيات تهريب العمال من الضفة الغربية إلى إسرائيل مع غض الطرف عنها من قبل إسرائيل ومنظومتها الأمنية الاستعمارية، بل ورعايتها أحيانًا أخرى.

في منتصف آذار/ مارس 2020 انتشرت العديد من الفيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعي، تظهر تهريب العمال ودخولهم إلى إسرائيل بشكل فردي أو جماعي في طوابير كبيرة في مناطق يطا والظاهرية وجنوب الضفة الغربية وشمالها، قام الأمن الفلسطيني بضبط عدد من تلك الحالات، في حين أقدم جيش الاحتلال يوم الخميس 9/4/2020 بعمل فتحات في الاسلاك الشائكة وهي جزء من الجدار، مع فتح عبارات المياه والصرف الصحي من خلال رفع البوابات الضخمة التي كانت تغلقها في قرية حبلة جنوب شرق قلقيلية من اجل تسهيل دخول العمال وخروجهم من وإلى الضفة وأراضي فلسطين المستعمَرة عام 1948 دون عمل الفحوصات الوقائية المطلوبة.[4]

سهلت إسرائيل خلال أزمة كورونا عمليات تهريب العمال إلى إسرائيل ورعتها عبر مافيات التهريب وسماسرة العمال، في حين كانت سابقًا تشدد من إجراءاتها الأمنية على تهريب العمال وكافحت الظاهرة بشكل كبير، ويمكن فهم السلوك الإسرائيلي من باب المحافظة على الوضع القائم، وضمان عدم تفجر الأوضاع في الضفة نتيجة الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي، فعملت “إسرائيل” في السنوات الماضية من خلال الإدارة المدنية ومنسقها على حملات لرفع المنع الأمني ومنح تسهيلات للعمال، ورفعت أعداد تصاريح العمل الممنوحة للعمال؛ من أجل السيطرة على الوضع الأمني من خلال الحاق أكبر عدد من الشباب للعمل في “إسرائيل” والارتهان للتصريح والموافقة الأمنية ومنظومة العمل الإسرائيلي لأغراض أمنية تفضي إلى الحفاظ على الاستقرار والهدوء وعدم تصاعد عمليات المقاومة التي علت موجتها في الأعوام 2015-2017.

ثالثًا. معادلة كورونا: الاقتصاد أولًا

تم اكتشاف أولى الإصابات بفايروس كورنا في فلسطين في مدينة بيت لحم بتاريخ 5 آذار/ مارس 2020، ومساء الجمعة 6 آذار/ مارس أعلن رئيس الوزراء محمد اشتيه حالة الطوارئ استنادًا الى مرسوم رئاسي أصدره الرئيس محمود عباس يقضي بإعلان حالة الطوارئ، لمنع تفشي فايروس كورونا.

قرر جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم الجمعة الموافق 6 آذار/ مارس 2020 بفرض اغلاق كامل على الأراضي الفلسطينية بسبب “عيد البوريم” (المساخر)، وقد “تقرر إغلاق كامل أراضي الضفة ومعابر غزة بدءًا من منتصف ليلة السبت- الاحد المقبل، وحتى منتصف ليلة الأربعاء- الخميس”[5]. أي أن سياسية إسرائيل كانت صارمة في الاغلاق ومنع دخول العمال إلى “إسرائيل” قبل انتشار الوباء في الضفة الغربية، أما عند تفشي وباء كورونا في الضفة الغربية، أصبحت أولويات إسرائيل مختلفة وارتفعت الأصوات التي تطالب بدخول العمال ومبيتهم في إسرائيل حتى لا تتوقف عجلة الاقتصاد الذي يشكل العامل الفلسطيني طاقة مهمة فيه في قطاعات حيوية مثل البناء، والتجارة، والفندقة، والصناعات التحويلة، والزراعة، وغيرها.

خلال أزمة كورونا وفي ظل اعلان دولة فلسطين حالة الطوارئ، كان العمال في حيرة من أمرهم، اغلاق شبه كامل تقوم به المؤسسة الفلسطينية الرسمية، مع تعطيل غالبية المرافق من حضانات ورياض أطفال ومدارس وجامعات ومنح موظفي القطاعين العام والخاص إجازة مدفوعة الأجر، أما العمال فكانوا مشغولين بسؤال العمل والعيش وسط جدل شعبي، اثر ذلك أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني بتاريخ 17/3/2019 أن على العمال الفلسطينيين ترتيب مبيتهم مع مشغليهم خلال 3 أيام، وأعلن منع التنقل بين المحافظات مطالبًا العمال العاملين في المستوطنات بعدم التوجه إليها حرصًا على سلامتهم وسلامة عائلاتهم وشعبهم عقب تسجيل معدلات إصابة مرتفعة بين المستوطنين.[6]

دخل إلى “إسرائيل” تحت هذه الشروط ما يقارب 45-47 ألف عامل فلسطيني، وبينت رابطة شركات الانشاء في إسرائيل في تصريح لها “إن عمال البناء الفلسطينيين البالغ عددهم 70 ألفًا يشكلون زهاء ثلث القوة العاملة في قطاع الإنشاءات بإسرائيل”، وقال شاي بوزنر (مسؤول في الرابطة) إن قطاع البناء والانشاءات يسهم بنسبة 11٪ في الناتج المحلي الإجمالي بإسرائيل بقيمة 158 مليار شيقل، ما يعادل 43 مليار دولار سنويًا”.[7] أي أن دافع استجلاب العمال وتسكينهم في أماكن عملهم من قبل حكومة إسرائيل هدف اقتصادي بحت في ظل انهيارات اقتصادية أخرى بسب الجائحة.

قررت قوات الاحتلال فرض الاغلاق الكامل على الضفة الغربية وقطاع غزة يوم الأربعاء 18 آذار/ مارس 2020 حتى اشعار آخر، فرضت على إثرها إجراءات جديدة على العمال، وقد اتخذ وزير الأمن الإسرائيلي نفتالي بيتنت هذا القرار بعد مشاورات أمنية على خلفية تفشي كورونا في الأراضي الفلسطينية، واتخذ عدد من القرارات المتصلة تحت ذريعة الحد من تفشي كورونا، منها: السماح بدخول عمال وتجار فلسطينيين إلى إسرائيل للعمل فقط في المرافق الاقتصادية الرئيسية في مجالات الصحة، الزراعة، البناء، والخدمات الاجتماعية، أما المجالات الأخرى فتحدد وفق الاحتياجات من قبل وزارة الأمن وسلطة الطوارئ القومية الإسرائيلية.

وبين بينت أن دخول العمال محصور بحملة التصاريح الأمنية الصادرة عن “الشاباك”، وعليهم النوم في إسرائيل مدة تتراوح ما بين شهر إلى شهرين، ويتحمل أرباب عملهم مسؤوليتهم بعد تقديم تعهدات أمام الهيئة الأمنية، فحددت إقامة عمال الزراعة داخل إسرائيل بشهر، وشهرين لعمال البناء والمرافق الأخرى، وتقرر منع أي من عمال بيت لحم وبيت جالا وأرطاس والدوحة من دخول إسرائيل، اتخذت هذه القرارات بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، ومنسق شؤون المناطق، ومجلس الأمن القومي، والشاباك، بعد مشاورات مع وزارة البناء والإسكان وبمصادقة رئيس الحكومة الإسرائيلية.[8]

كما سمحت إسرائيل للعمال الفلسطينيين بالمبيت داخل إسرائيل خلال عيد الفصح الذي يستمر قرابة أسبوع في سياسة لم تكن متبعة في الأعوام السابقة، ويعمل هؤلاء العمال يوم الأربعاء الموافق 8/4/2020 حتى الظهيرة، مع التوقف عن العمل يوم الخميس الموافق 9/4/2020، واستئناف العمل صباح يوم الجمعة، وهي سابقة لم تكن في السنوات السابقة، حيث كانت تفرض إسرائيل إغلاقًا شاملًا على الفلسطينيين خلال أيام عيد الفصح. وقد فسر الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم القرار الإسرائيلي بأنه انعكاس للرغبة الإسرائيلية في استمرار عجلة الاقتصاد على حساب العامل الفلسطيني.[9] فيما صرح وزير العمل الفلسطيني نصري أبو جيش لوكالة الأناضول أن الالاف من العمال عادوا إلى منازلهم مع اقتراب عيد الفصح، ويتوقع أن عدد العمال الذين بقوا في أماكن عملهم في ظل الاغلاق بالتزامن مع عيد الفصح يقارب 22 الف عامل.[10]

هنا تكمن المفارقة العجيبة، أن إسرائيل على مدار سنوات الاحتلال منذ عام 1967 دأبت على فرض طوق أمني على الضفة الغربية، وتمنع حركة الدخول والخروج منها وإليها، وأشهر حالات الإغلاق تلك في حرب الخليج الثانية عام 1991، وهذا ما أصبح متبعًا في الأعياد اليهودية والأزمات السياسية، وهذا ما يؤكد أن المشروع الاستعماري الإسرائيلي مركب في أولوياته وسياساته تجاه الفلسطينيين، فأحيانًا يتم تسويق الفلسطينيين على أنهم خطر أمني ويمنع دخولهم وخروجهم، وعندما تتعلق المسألة بالاقتصاد الإسرائيلي ونموه كاقتصاد استعمار استيطاني قائم على سرقة الأرض وجهد السكان الاصلانيين ومواردهم الطبيعية، فتكون الأولية للاقتصاد ويتم إنزال الأمن إلى المرتبة الثانية، كما يمكن فهم منطق الرأسمال الإسرائيلي بعنفه البنيوي الاستعماري وجشعة الذي يهدف إلى الربح أولًا، فقد ساهمت قوى الاقتصاد الإسرائيلي المركزية بتحويل مبنى الاقتصاد الإسرائيلي من اقتصاد حكومي إلى اقتصاد السوق الحر في عام 1985 بعد فترة الكساد الاقتصادي في إسرائيل (1973-1985)، وذات القوى تلك حملت مشروع السلام الاقتصادي مع الفلسطينيين ودفعته إلى طاولة المفاوضات وتوج بمسار أوسلو، من أجل أهداف اقتصادية والانفتاح على الأسواق في الإقليم ودول أخرى من العالم.

هناك علاقة قوية ومركزية بين المبنى الاقتصاد الإسرائيلي والمبنى الأمني والعسكري، فالمجمع العسكري الصناعي في إسرائيل أحد أهم الأركان المركزية في الاقتصاد الإسرائيلي، ووحدة 8200 التي تتجسس على الفلسطينيين غالبية ضباطها يعملون لاحقًا بعد انهاء الخدمة في شركات الاتصالات الإسرائيلية، كما أصبح يعقوب بيري (رئيس الموساد سابقًا) مديرًا لشركة سلكوم للاتصالات، وشغل افرايم هليفي (رئيس الموساد سابقًا) مناصب عيدية في شركات اتصالات، أي أن هناك علاقة مركبة ومعقدة داخل إسرائيل بين الرأسمال ومنظومة الأمن، وقد مارست تلك المنظومة الرأسمالية الضخمة سطوتها على الحكومة الإسرائيلية في قضية العمال خلال أزمة كورونا، وأبقتهم في أماكن عملهم في ظل حالات الاغلاق المشددة في الأعياد.

رابعًا. غريزة إسرائيل الاستعمارية العنصرية: نهج التعامل مع العمال

تعاملت إسرائيل بغريزة استعمارية غير مسؤولة مع العمال الفلسطينيين الذين يعملون في فلسطين المستعمَرة عام 1948 والعاملين في المستوطنات على الأراضي المستعمرة عام 1967، وهنا تسرد بعض الحالات من بين مئات الحالات المغمورة وغير المكتشفة بعد، بتاريخ 19 آذار/ مارس نشر عامل فلسطيني فيديو على الفيسبوك يبين فيه طرد الشرطة الإسرائيلية لمجموعة من العمال بعد مداهمة مكان مبيتهم وطالبتهم بالعودة إلى الضفة الغربية، ووصف العامل عملية دخولهم صباحًا مع أمتعتهم عبر الحواجز بــ(التغريبة الفلسطينية)[11]، ولم يوفر المشغلون الإسرائيليون ظروف ملائمة لمبيت العمال، فجزء كبير من العمال ينام في ذات الورشة أو المعمل الذي يعمل فيه، والبعض الآخر ينام في أماكن مكتظة تفتقر للشروط الصحية المطلوبة.

تعامل الأطباء والشرطة في “إسرائيل” بسادية استعمارية مع العامل مالك غانم (29 عام)، عندما رفضوا إدخاله إلى المستشفى وأجروا له الفحوصات على مدخلها، وسلموه للشرطة الإسرائيلية التي قامت بإلقائه عند حاجز بيت سيرا بالقرب من مدينة نابلس بتاريخ 23/3/2020 بسبب ارتفاع حرارته، وبعد الفحوصات الطبية الفلسطينية، تبين أن غانم غير مصاب بفايروس كورونا،[12] وبعدها بأيام تم القاء عامل آخر في سلفيت بطريقة مشابهة، أي أن “إسرائيل” تستغل قوة العامل وتهدرها في تكثيف عملية الاستعمار وبناء الدولة الاستعمارية، وتستغل ضعفه بإلقائه على قارعة الطريق دون الاكتراث بالقوانين العمالية أو الحقوقية الإنسانية.

ومع اقتراب عيد الفصح تعاملت “إسرائيل” ومنظومتها الأمنية بطريقة لا أخلاقية من خلال نقل بعض العمال إلى منطقة سطح مرحبا في مدينة البيرة، وقامت بإنزالهم من الحافلة وإطلاق النار في الهواء وقطع التيار الكهربائي عن المنطقة، حتى يهرب العمال إلى منازلهم، ولا يتسنى لأجهزة الأمنية الفلسطينية والطب الوقائي ولجان الطوارئ التعامل مع العمال من خلال إجراء الفحوصات لهم ونقلهم إلى منازلهم وأماكن الحجر للمصابين منهم[13]، كما فتحت البوابات والأسلاك الشائكة في منطقة قلقيلية لتسهيل عودة العمال إلى بيوتهم دون علم الطب الوقائي ولجان الطوارئ التي تعمل لمصلحة العمال وعائلاتهم تجنبًا لانتشار الفايروس، عدد كبير من العمال عاد الضفة بعد دخوله إلى العمل لعدم توفر أماكن تصلح للمبيت، وآخرون عانوا من ظروف قاسية نتيجة الإهمال الصحي والطبي، أي أن “إسرائيل” تتعامل مع العامل بغريزة عنصرية ولا ترى فيه إلا خادم يحقق مشروعها الاستعماري ببعده الاقتصادي والخدماتي.

خاتمة سياستيه: ما العمل؟

تظهر العديد من المؤشرات أن العمال الفلسطينيين في “إسرائيل” جزء هام في دوران عجلة الاقتصاد الإسرائيلي، كونهم يعملون في ظروف صعبة وبأجور متدنية لا يمكن لعامل أجنبي أن يقبل بها، ودورة رأس المال تعيد تلك الأموال التي يحصل عليها العامل الفلسطيني إلى “إسرائيل”. ما يمكن عمله وفي ظل خطة الحكومة الفلسطينية الحالية بالانفكاك عن الاحتلال؛ اتخاذ مجموعة من التدابير بعد انتهاء أزمة كورونا وربما في ظل الأزمة أن أمكن، أهمها:

  • تفعيل دور النقابات والاتحادات العمالية ووزارة العمل الفلسطينية والمطالبة بجباية مستحقات العمال الفلسطينيين المتراكمة لدى إسرائيل منذ عام 1967.
  • اتباع سياسية عامة من أجل تسجيل العمال في النقابات وتوعيتهم بحقوقهم الواردة في قانون العمل الإسرائيلي.
  • مكافحة قراصنة وسماسرة التصاريح كونهم يرهقون العمال بمبالغ مرتفعة كأجرة للتصريح؛ يعود جزء كبير من نفعها إلى موظفي الإدارة المدنية المتعاونين مع السماسرة.
  • إعادة النظر في قضية صندوق الضمان الاجتماعي وقانونه بشكل جدي ولصالح الطبقة العاملة والفئات المهمشة، الأكثر عرضة للتآكل في وقت الأزمات السياسية والاقتصادية.
  • الاستثمار في قطاعي الزراعة والصناعة وتحويل جزء من العمال إلى تلك البنى الإنتاجية الفلسطينية كخطوة أولى في الانفكاك عن الاحتلال.
  • تشجيع المشاريع الإنتاجية الصغيرة التي تخفف من حدة الاعتمادية على العمل في “إسرائيل”.

لتحميل الورقة اضغط هنا

[1] باحث في الدراسات العربية والإسرائيلية؛ فلسطين.

[2]أحمد عز الدين أسعد. “من وحي الحياة اليومية للعامل الفلسطيني: ملاحظات أولية عن الاغتراب”. شؤون فلسطينية، عدد 275-276، ربيع وصيف 2019، ص 157-159.

[3]وضع عمال الأراضي العربية المحتلة. جنيف: مكتب العمل الدولي. 2013: ص 21-22.

[4]“بالصور: البوابات بين طولكرم والداخل مفتوحة.. السلطة: لا نعلم”. الترا فلسطين. 25 سبتمبر 2019، استرجع بتاريخ 4/9/2020. https://bit.ly/2wnBHpU

[5]“الاحتلال يقص أسلاكًا شائكة ويفتح عبارات قرب قلقيلية لتهريب العمال”. القدس. الجمعة 10 نيسان 2020، العدد 18198، ص 15.

[6]“الاحتلال يفرض إغلاق كامل على الأراضي الفلسطينية”. القدس. السبت 7 آذار 2020، العدد 18164: ص 1.

[7]“اشتيه: 3 أيام للعمال في إسرائيل لترتيب مبيتهم بأماكن عملهم”. القدس، الأربعاء 18 آذار 2020، العدد 18175، ص1.

[8]“إسرائيل توفر مساكن للعمال الفلسطينيين”. مونت كارلو الدولية / رويترز، 23/3/2020. استرجع بتاريخ 11/4/2020. https://bit.ly/34smO2c

[9]“الاحتلال يفرض اغلاق على الضفة والقطاع وقيودًا جديدة على العمال”. القدس، الأربعاء 18 آذار 2020، العدد 18175، ص 1، 19.

[10]عوض الرجوب. “مع عودة آلاف العمال من إسرائيل.. كيف استعدت السلطة لفحصهم؟” الجزيرة، 8/4/2020. استرجع بتاريخ 10/4/2020. https://bit.ly/3aUVpIJ

[11]قيس أبو سمرة. ” مخاوف فلسطينية من تفشي “كورونا” مع عودة العمال من إسرائيل”. الأناضول. 8/4/2020. استرجع بتاريخ 10/4/2020. https://bit.ly/3a5Ienf

[12]فيديو نشره عمال من محافظة الخليل، استرجع بتاريخ 9/4/2020 https://bit.ly/2UWwHC0

[13]“غانم يفضح عنصرية الاحتلال: منذ ارتفاع حرارته حتى إلقائه قرب حاجز (بيت سيرا)”. عرب 48. 24/3/2020. https://bit.ly/2RrNmLD استرجع بتاريخ 10/4/2020.

[14]مقطع فيديو منشور بتاريخ 5 نيسان/ أبريل على فيسبوك. https://bit.ly/2UZnbhN استرجع بتاريخ 10/4/2020.