
بين التفاهمات والوقائع: مسار متناقض نحو إنهاء الحرب في فلسطين
تتجه الجهود السياسية الراهنة إلى تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال من ترتيبات الحرب إلى تفاهمات يُفترض أن تفتح الطريق أمام إنهائها. وتتحرك في هذا المسار اتصالات متعددة الأطراف تشمل مجلس السلام وحماس والفصائل الفلسطينية وإسرائيل، مع بحث ترتيبات تتصل بالوضع الأمني والإنساني وإعادة الإعمار ومستقبل إدارة قطاع غزة. لكن المسار السياسي يصطدم بواقع ميداني يسير في اتجاه مختلف؛ فالضغط العسكري والقيود الإنسانية في غزة يتواصلان، فيما تتسارع في الضفة الغربية عمليات الاستيطان والضم الفعلي وعنف المستوطنين والعمليات العسكرية، وتعود داخل الحكومة الإسرائيلية دعوات التهجير إلى الواجهة.
تقوم هذه الورقة على فرضية أن الفجوة بين التفاهمات والوقائع لم تعد مجرد مشكلة في تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه، وإنما باتت تكشف تعارضًا أعمق بين مسار سياسي يفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب ومسار إسرائيلي يعيد تشكيل الواقع الفلسطيني ميدانيًا. فكلما تقدمت الاتصالات نحو ترتيبات جديدة، استمرت إسرائيل في إنتاج وقائع قد تقيد إمكانية تنفيذها أو تغير مضمونها، بما يطرح احتمال أن تتحول التفاهمات من أداة لإنهاء الحرب إلى إطار لإعادة التفاوض على شروطها ومخرجاتها. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تقود التفاهمات السياسية الجارية إلى إنهاء الحرب في فلسطين، أم أن الوقائع التي تُنتجها إسرائيل في غزة والضفة الغربية تدفع في الاتجاه المعاكس؟
قطاع غزة: التفاهمات السياسية ومسار الحرب
تقوم التفاهمات الراهنة على إطار أوسع من مجرد تثبيت وقف إطلاق النار، يستند إلى خطة ترامب ذات البنود العشرين لإنهاء الحرب في غزة. وتنص الخطة على وقف العمليات العسكرية، إدخال المساعدات بصورة كاملة، إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية، إعادة الإعمار، منع التهجير القسري، نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة وتفكيك بنيتها العسكرية، إنشاء قوة استقرار دولية، وربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من القطاع بمستوى التقدم في عملية نزع السلاح[1]. وبهذا المعنى، لا تقدم الخطة وقف إطلاق النار بوصفه نهاية للحرب فحسب، بل باعتباره مدخلًا إلى ترتيبات أمنية وسياسية يفترض أن تنهي الحالة العسكرية وتعيد تشكيل إدارة القطاع.
ويحتل نزع سلاح حماس موقعًا مركزيًا في هذه الترتيبات. فقد جرى التوافق خلال المفاوضات الأخيرة على صيغة تدريجية للتعامل مع السلاح، تبدأ بجرده وتخزينه تحت إشراف آلية فلسطينية ودوليّة، ثم إخراجه من الخدمة ضمن عملية تحقق دولية، وصولًا إلى إنهاء القدرة العسكرية للفصائل. وقد أعلنت إدارة ترامب في 30 يوليو/تموز 2026 التوصل إلى اتفاق بشأن "النزع الكامل للسلاح"[2]، فيما أكدت الترتيبات المعلنة أن العملية ستتم على مراحل وبإشراف دولي، وأن الانسحاب الإسرائيلي يرتبط باستكمالها. وتكتسب هذه الصياغة أهمية خاصة لأن اختلاف المصطلحات بين "الجرد والتخزين" و"نزع السلاح" لا يغير جوهر المسار المتفق عليه: وضع الأسلحة خارج الاستخدام العسكري بصورة دائمة، وإنهاء قدرة الفصائل على إعادة إنتاج بنيتها المسلحة.
غير أن التقدم في هذا المسار السياسي لا يجد ما يماثله على الأرض. فبينما جرى إحراز تفاهمات بشأن المبدأ وآليات التنفيذ، لم يظهر تقدم ميداني مماثل في الملفات التي يفترض أن ترافق نزع السلاح، وعلى رأسها وقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية. بل إن التطورات الميدانية تشير إلى استمرار العمليات والضربات والضغط على القطاع، فيما لا يزال الانسحاب مرتبطًا بشروط إسرائيلية تتجاوز مجرد الالتزام بالتفاهمات السياسية. وقد أكدت مصادر مجلس السلام أن الانسحاب الإسرائيلي وراء الخط الأصفر لن يتم قبل استكمال عملية نزع السلاح، بما يجعل التنفيذ مرتبطًا بسلسلة متبادلة من الالتزامات، لا بخطوة فلسطينية منفردة[3].
المفارقة هنا ليست في وجود خلافات حول تفاصيل التنفيذ، وإنما في أن المسار التفاوضي استطاع الوصول إلى تفاهمات بشأن أحد أكثر الملفات تعقيدًا، بينما لم ينتج المسار الميداني المقابل تغييرًا يتناسب مع حجم تلك التفاهمات. وهذا يفرض الانتقال من سؤال ما إذا كانت الأطراف قد اتفقت على المبادئ إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا تستمر وتتقدم اللقاءات نحو تفاهمات جديدة، وتترافق معها تصريحات إيجابية بشأن مسار إنهاء الحرب، بينما تواصل إسرائيل إنتاج وقائع ميدانية تؤخر أو تعيد تعريف الشروط التي يفترض أن تجعل تنفيذ هذه التفاهمات ممكنًا؟
الضفة الغربية: وقائع تتجاوز التفاهمات
لم يقتصر المسار السياسي الذي قادته الولايات المتحدة على ترتيبات إنهاء الحرب في غزة، بل امتد إلى مستقبل الأراضي الفلسطينية وآفاق التسوية السياسية. ففي سبتمبر/أيلول 2025 أعلن ترامب بوضوح أنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، في موقف جاء في مواجهة دعوات إسرائيلية متزايدة إلى فرض السيادة على أجزاء من الضفة، وفي سياق تحذيرات عربية ودولية من أن الضم سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية ويزيد من زعزعة الاستقرار الإقليمي[4].
لكن ما يجري في الضفة الغربية يتحرك في اتجاه مختلف. فخلال الفترة نفسها، واصلت إسرائيل إنتاج وقائع تتجاوز التوسع الاستيطاني، وتمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي للضفة. وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن في أغسطس/آب 2026، وصفت الأمم المتحدة الوضع في الضفة بأنه بلغ "نقطة حرجة"، مشيرة إلى أن سلطات التخطيط الإسرائيلية تقدمت أو وافقت منذ بداية العام على نحو 12,360 وحدة استيطانية، بما يعكس تسارعًا واضحًا في تكريس الوجود الاستيطاني وتوسيع السيطرة على الأرض. كما حذرت الإحاطة من أن هذه التطورات لا تجري بصورة منفصلة، وإنما تسهم مجتمعة في إعادة تشكيل الضفة الغربية والدفع نحو الضم الفعلي[5].
وتتخذ هذه العملية بعدًا أكثر وضوحًا مع انتقال بعض مظاهر الإدارة من الإطار العسكري إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية. ففي أغسطس/آب 2026 وجّه وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس الجيش إلى إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية[6].
ويترافق التحول الإداري مع انتقال الاستيطان من مستوى التخطيط والمصادقة إلى مستوى التنفيذ والعطاءات. ففي أغسطس/آب 2026 طرحت إسرائيل عطاءً لبناء1,200 وحدة استيطانية ضمن مشروع E1[7]. وقد حذرت جهات أوروبية من أن تنفيذ مشروع E1 بصورة خاصة يضر بصورة جوهرية بإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، نظرًا لموقعه وتأثيره على التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة والقدس الشرقية. ولا يجري هذا التوسع الاستيطاني بمعزل عن استخدام القوة العسكرية. فالاقتحامات والعمليات والاعتقالات والقتل مستمرة في مدن وبلدات الضفة، بالتوازي مع تصاعد عنف المستوطنين.
وتكشف حالة قصرة في محافظة نابلس طبيعة أكثر مباشرة لهذا الواقع. ففي أغسطس/آب حاصر مستوطنون منازل فلسطينية في البلدة، وقطعوا عنها المياه والكهرباء ومنعوا سكانها من الوصول إلى الخارج، قبل أن تستمر القيود مع إقامة حواجز وبوابات جديدة حول المنازل. وتحول الحصار، الذي بدأ باعتداءات من المستوطنين، إلى واقع أكثر استدامة يحد من حركة السكان ووصولهم إلى الخدمات والأراضي.
اجراءات إسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع
لا تقتصر الإجراءات الإسرائيلية المتزامنة مع مسار التفاهمات على العمليات العسكرية، وإنما تمتد إلى السكان والأرض والمؤسسات الفلسطينية والدور الدولي ومآلات التسوية السياسية. ويمكن رصد أبرزها في الآتي:
التهجير: هدف مستمر، أعاد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 2 سبتمبر/أيلول 2026 طرح "الهجرة" من غزة باعتبارها جزءًا من الحل، وقال إن إسرائيل مستعدة لتسهيل خروج الفلسطينيين «"بحرًا أو جوًا أو بأي وسيلة". وفي اليوم التالي طرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة من سبع سنوات لإخراج سكان غزة، تبدأ بنقل 250 ألف فلسطيني في السنة الأولى. وتكشف هذه التصريحات أن التهجير لا يزال حاضرًا في تصور أطراف مؤثرة داخل الحكومة الإسرائيلية للمرحلة المقبلة[8].
عدم الانسحاب من غزة، أكد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في 3 سبتمبر/أيلول أن إسرائيل "لن تنسحب" من المواقع التي تسيطر عليها في غزة، وقال إن القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو 60% من القطاع. ويضع هذا الموقف استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مواجهة التصور السياسي الذي يفترض أن يقود إلى انسحاب تدريجي ضمن ترتيبات إنهاء الحرب[9].
طرد دول من مركز دعم غزة، طردت إسرائيل ممثلي إسبانيا من المركز في أبريل/نيسان 2026، ثم طردت ممثلي هولندا في أغسطس/آب، فيما بحثت الحكومة الإسرائيلية إبعاد ممثلي بريطانيا ودول أوروبية أخرى. وربط وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر هذه الإجراءات بمواقف تلك الدول تجاه إسرائيل، بينما كان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قد دعا إلى تفكيك المركز وطرد مصر وبريطانيا منه. والمركز أُنشئ في كريات غات لمراقبة وقف إطلاق النار وتنسيق المساعدات والمشاركة في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب[10].
تقليص الحضور الأممي، اتخذت الحكومة الإسرائيلية إجراءات ضد الأونروا والمؤسسات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك إغلاق منشآت للأونروا في القدس الشرقية وتقييد قدرتها على العمل. ويؤدي ذلك إلى تقليص أحد أهم أشكال الحضور الدولي المؤسسي في الأراضي الفلسطينية في وقت يفترض فيه تعزيز القدرة الدولية على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
تقويض السلطة الفلسطينية ماليًا ومؤسسيًا، واصلت الحكومة الإسرائيلية احتجاز أو خصم أموال المقاصة المستحقة للسلطة الفلسطينية، فيما أقر الكنيست في يونيو/حزيران 2026 قانونًا يسمح بخصم مبالغ إضافية من الإيرادات التي تحولها إسرائيل إلى السلطة. كما أقر الكنيست في يوليو/تموز مشروعًا في القراءة الأولى لتجميد مبالغ مرتبطة بالأموال التي تحولها السلطة إلى غزة. وتؤدي هذه الإجراءات إلى تقليص الموارد التي تعتمد عليها السلطة في دفع الرواتب وتقديم الخدمات، وبالتالي إضعاف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
رفض إقامة الدولة الفلسطينية، أعلنت الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رفضها إقامة دولة فلسطينية، وهو موقف أكدته إسرائيل مجددًا في أغسطس/آب 2026 أثناء رفضها خارطة الطريق لاستكمال تنفيذ خطة إنهاء الحرب. وقد اعتبرت ثماني دول عربية وإسلامية أن الرفض الإسرائيلي للدولة الفلسطينية يمثل تقويضًا مباشرًا للخطة ولمسار السلام[11].
خلاصة
تظهر هذه الإجراءات، مجتمعة، أن إسرائيل لا تتعامل فقط مع كيفية إنهاء حرب البقاء، وإنما مع شكل الواقع الفلسطيني الذي سيأتي بعدها: من يبقى على الأرض، ومن يسيطر عليها، ومن يديرها، وما حدود الدور الدولي فيها، وما قدرة السلطة الفلسطينية على العمل، وما إذا كان إطار أوسلو سيبقى قائمًا، وما إذا كانت الدولة الفلسطينية ستظل نتيجة سياسية ممكنة أصلًا.
وبينما يقترب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي وتتزايد رهانات اليمين على خطاب أكثر تشددًا تجاه غزة والضفة، يعيش الشعب الفلسطيني في كلا المنطقتين واقعًا ميدانيًا وإنسانيًا بالغ القسوة، تتواصل فيه العمليات العسكرية والتهجير والاستيطان والقيود على الحياة اليومية. وفي المقابل، تستمر المفاوضات واللقاءات والاتصالات السياسية بحثًا عن ترتيبات لإنهاء الحرب، من دون أن يقابل هذا الحراك تقدم ميداني وسياسي حقيقي يغيّر الواقع القائم. وهنا تتسع الفجوة بين مسار تفاوضي يفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب ومسار ميداني وسياسي يواصل إنتاج وقائع جديدة؛ بما يجعل السؤال لم يعد فقط متى تنتهي الحرب، وإنما أي واقع فلسطيني يجري تشكيله بينما يجري التفاوض على إنهائها.
[1] The White House. (January 16, 2026), Statement on President Trump’s Comprehensive Plan to End the Gaza Conflict, The White House, https://2u.pw/z1KzPS
[2] Michelle Stoddart .(July 30, 2026), Trump announces Hamas disarmament agreement as part of Gaza peace plan, ABC News, https://2u.pw/TH70en
[3] الجزيرة (3 أغسطس/آب 2026)، مجلس السلام: إسرائيل لن تنسحب قبل نزع السلاح.. والوسطاء يدينون الخروقات، الجزيرة، https://2u.pw/Q8yt6h
[4] Jeff Mason and Steve Holland (September 26, 2025), ‘Time to stop’: Trump vows Israel will not annex West Bank, Reuters, https://2u.pw/BFuDhE
[5] الأمم المتحدة (12 أغسطس/آب 2026)، الأمم المتحدة: الضفة الغربية عند "نقطة حرجة" مع تصاعد العنف والتهجير وتوسع المستوطنات، الأمم المتحدة، https://2u.pw/QVdRRa
[6]Shir Perets (August 14, 2026), Katz orders IDF to prepare to transfer West Bank civilian enforcement to police after Kusra chaos, The Jerusalem Post, https://2u.pw/nABebT
[7]ToI Staff (August 19, 2026), Government opens bidding to build 1,200 homes in controversial E1 settlement project, The Times of Israel, https://2u.pw/0KpBBX
[8] Jeff Mason and Steve Holland (September 4, 2026), Netanyahu partners renew calls for removal of Gazans as Israeli election nears, Reuters, https://2u.pw/OXrdeY
[9] Reuters (August 9, 2026), Netanyahu says Trump’s new Gaza plan is unacceptable, Reuters, https://2u.pw/MipuUe
[10] العربي الجديد (27 أغسطس/آب 2026)، إسرائيل تطرد منتقديها من مركز تنسيق غزة، العربي الجديد، https://2u.pw/66qQJu
[11] وزارة الخارجية القطرية (16 أغسطس/آب 2026)، وزراء خارجية قطر و7 دول عربية وإسلامية يدينون الرفض الإسرائيلي المعلن لخارطة الطريق الرامية لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، وزارة الخارجية القطرية، https://2u.pw/rI02AC