تقدير موقف : اسرائيل وتقويض مقومات البقاء الفلسطيني

فرضت حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحولات لافتة في أدوات إدارة الصراع، إذ لم يعد استخدام القوة العسكرية وحده كافيًا لتحقيق الأهداف الإسرائيلية، بل برز اتجاه متزايد نحو توظيف الأدوات القانونية والتنظيمية لإعادة إنتاج أنماط السيطرة على الفلسطينيين. وتكشف الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل خلال الفترة الأخيرة عن انتقال متدرج من استهداف المجال المادي المباشر إلى استهداف المقومات التي تتيح استمرار المجتمع الفلسطيني ومؤسساته وشبكات إسناده.
وتندرج ضمن هذا التحول مساران متوازيان؛ الأول يتعلق بإحكام السيطرة على الموارد المالية الفلسطينية وتوسيع آليات الاقتطاع والاحتجاز، بينما يستهدف الثاني تضييق الفضاء الإنساني من خلال إخضاع عمل المنظمات الدولية لقيود سياسية وأمنية متزايدة. ولا تكمن أهمية هذين المسارين في آثارهما المباشرة فحسب، وإنما فيما يعكسانه من توجه إسرائيلي نحو إعادة تعريف العلاقة مع الفلسطينيين عبر التحكم بمصادر التمويل، وتقليص دور الفاعلين الدوليين، وإضعاف قدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها.
من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى السيطرة على الموارد المالية وتقييد العمل الإنساني باعتبارهما ملفين منفصلين، بقدر ما يمثلان وجهين لسياسة أشمل تستهدف تقويض مقومات البقاء الفلسطيني، عبر إضعاف المؤسسات الوطنية وتقليص شبكات الإسناد الدولية وتعميق مستويات الهشاشة الاقتصادية والإنسانية. وبناءً عليه، تحاول هذه الورقة تحليل هذين المسارين، واستجلاء دلالاتهما السياسية، وقراءة انعكاساتهما المحتملة على طبيعة العلاقة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها مع الفلسطينيين.

تقدير موقف : اسرائيل وتقويض مقومات البقاء الفلسطيني