تقدير موقف: إعادة تشكّل موقف الخضر البريطاني: من نقد إسرائيل إلى مناقشة الصهيونية

 

إعادة تشكّل موقف الخضر البريطاني: من نقد إسرائيل إلى مناقشة الصهيونية

 

في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أقرّ مؤتمر حزب الخضر في إنجلترا وويلز Green Party of England and Wales  قرارًا بعنوان "الصهيونية عنصرية Zionism is Racism"، بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813. وبموجب القرار، تبنّى الحزب رسميًا موقفًا مناهضًا للصهيونية، ودعا إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية[1]. 

يأتي هذا التحول في سياق مسار سياسي وفكري تبلور داخل الحزب خلال السنوات التي أعقبت اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ فبعد أن كان موقفه يرتكز على وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل، أخذ تدريجيًا في تبني مواقف أكثر تشددًا تجاه السياسات الإسرائيلية، شملت الدعوة إلى العقوبات ووقف التعاون العسكري ودعم المقاطعة، وصولًا إلى تبني موقف مناهض للصهيونية والدعوة إلى نموذج الدولة الديمقراطية الواحدة. ومن هنا، تتناول هذه الورقة مسار هذا التحول ودلالاته، في سياقه البريطاني والأوروبي، وتقرأ مواقف القوى السياسية المختلفة منه، بما في ذلك المعارضة داخل الحزب والحركة الخضراء الأوروبية، وردود الفعل الإسرائيلية، وغياب موقف فلسطيني رسمي معلن، وصولًا إلى تقدير حدود هذا التحول وإمكاناته السياسية في ظل استمرار التمسك الدولي بحل الدولتين.

دوافع إقرار الخضر

جاء قرار حزب الخضر في إنجلترا وويلز في سياق تحول تدريجي في موقفه من القضية الفلسطينية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ فبعد أن انصبّ خطابه على انتقاد السياسات والممارسات الإسرائيلية، ومناهضة الاحتلال والاستيطان، والمطالبة بوقف تصدير الأسلحة، اتسع موقفه ليطال الصهيونية ذاتها، ويربط الحزب هذا التحول بتفاقم الأوضاع الإنسانية والسياسية في غزة والضفة الغربية، واستمرار الاحتلال والاستيطان، وما يصفه بالانتهاكات والجرائم الجسيمة بحق الفلسطينيين[2].

وقد بدأ هذا التحول مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حين دعا حزب الخضر إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية المدنيين، مع إدانة هجمات حماس وانتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية والحصار المفروض على غزة. وفي تلك المرحلة، ظل موقفه مؤطرًا ضمن حل الدولتين وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. ومع استمرار الحرب وتفاقم الانتهاكات، اتجه الحزب تدريجيًا إلى مواقف أكثر تشددًا تجاه الحكومة الإسرائيلية، شملت الدعوة إلى فرض عقوبات وقيود على التعاون العسكري والاستخباراتي معها، قبل أن يتجاوز نقد السياسات الإسرائيلية إلى مساءلة الإطار السياسي للصراع، وصولًا إلى تبني موقف مناهض للصهيونية والدعوة إلى دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية.[3]

وفي أعقاب إقرار القرار، أكد زعيم الحزب زاك بولانسكي ضرورة الفصل بين معاداة السامية وانتقاد الدولة الإسرائيلية، مشددًا على مواصلة الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ومواجهة التمييز والكراهية ضد اليهود في بريطانيا[4].

يمكن رصد أبرز الدوافع التي قادت حزب الخضر في إنجلترا وويلز إلى هذا التحول في عدد من العوامل المترابطة:

  • تفاقم الوضع الإنساني والسياسي في غزة والضفة الغربية: ربط الحزب تحوله بتدهور الأوضاع الإنسانية، واستمرار الاحتلال والاستيطان، وما يصفه بالانتهاكات والجرائم الجسيمة بحق الفلسطينيين.

  • تصاعد انتقاد السياسات الإسرائيلية: تطور موقف الحزب من انتقاد الممارسات والسياسات الإسرائيلية إلى المطالبة بإجراءات أكثر حدة، شملت حظر تصدير الأسلحة، وفرض العقوبات، ووقف التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل.

  • الانتقال من نقد السياسات إلى مناقشة الصهيونية: لم يعد موقف الحزب محصورًا في مساءلة الحكومة الإسرائيلية وسياساتها، بل امتد إلى الصهيونية باعتبارها، وفق القرار، "مشروعًا سياسيًا إثنيًا قوميًّا"، وهو ما يمثل جوهر التحول السياسي والفكري في موقفه.

  • تبني أدوات ضغط دولية ومدنية: أكد الحزب دعمه لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، إلى جانب الدعوة إلى حظر شامل لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل.

  • إعادة التفكير في نموذج التسوية السياسية: يمثل دعم إقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية أبرز مظاهر التحول؛ إذ ينقل موقف الحزب من التركيز على تغيير السياسات الإسرائيلية إلى مناقشة طبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يضمن الحقوق الفلسطينية.

وسبق إقرار القرار استطلاع رأي داخلي أجرته مجموعة Jewish Greens داخل الحزب، كشف عن تباين واضح في مواقف الأعضاء تجاه القرار المقترح؛ فعلى الرغم من أن 81% من المشاركين عرّفوا أنفسهم بأنهم مناهضون للصهيونية أو غير صهيونيين، لم يحظَ القرار بتأييد موحد بينهم، بما يؤكد أن الجدل حوله كان قائمًا داخل الحزب قبل طرحه للتصويت[5]، خاصة أن نسبة المناهضون للصهيونية لم تنعكس في التصويت.

ورغم إقرار القرار بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813، فإنه لم يكن محل إجماع داخل الحزب؛ فقد رفضه أربعة من أصل خمسة نواب، هم إيلي تشاونزEllie Chowns، وسيان بيريSian Berry، وأدريان رامزي Adrian Ramsay، وكارلا دينيرCarla Denyer، وهم من أبرز القيادات البرلمانية السابقة والحالية للحزب. وفي المقابل، غاب زعيم الحزب زاك بولانسكي Zack Polanski عن التصويت، دون أن يعلن رفضه للقرار، وهو ما يعكس تباينًا واضحًا بين أغلبية المؤتمر من جهة، وعدد من أبرز ممثلي الحزب وقيادته السياسية من جهة أخرى[6]. وامتدت هذه المعارضة إلى الاستقالة من الحزب؛ إذ استقالت ساندي روثفنSandy Ruthven، رئيسة مجلس أمناء منظمة العفو الدولية في بريطانيا وعضوة قديمة في حزب الخضر، من الحزب احتجاجًا على القرار، واتهمته بعدم مواجهة معاداة السامية[7].

لم يقتصر أثر القرار على إعادة تعريف موقف حزب الخضر البريطاني تجاه الصهيونية، بل فتح أيضًا نقاشًا سياسيًا واسعًا حول موقع الحزب داخل المشهدين البريطاني والأوروبي، وحدود التحول الذي أقدم عليه. وقد انعكس ذلك في موجة من الانتقادات السياسية والإعلامية.

المعارضة الأوروبية للقرار

في بريطانيا، كشف القرار عن فجوة واضحة بين حزب الخضر وبقية الأحزاب الرئيسية، التي وإن اختلفت في مواقفها تجاه إسرائيل وفلسطين، ظلت عمومًا ضمن إطار حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وقد قوبل القرار بمعارضة واضحة؛ فقد وصفته رئيسة حزب العمال بريدجيت فيليبسون Bridget Phillipson بأنه "مثير عار"[8]، فيما أعربت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك Kemi Badenoch عن استيائها الشديد منه، واعتبره النائب عن الديمقراطيين الليبراليين لوك تايلور Luke Taylor موقفًا "غير مسؤول"، مؤكدًا أنه يقوض مسار حل الدولتين[9].

ويكتسب هذا التباين دلالته من أن الموقف البريطاني السائد، رغم تطوره نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتشديد الانتقاد للسياسات الإسرائيلية، لا يزال قائمًا على حل الدولتين بوصفه الإطار السياسي للحل، بينما تجاوز حزب الخضر هذا الإطار بتبنيه موقفًا مناهضًا للصهيونية والدعوة إلى دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية.

في أوروبا، اعترض حزب الخضر الأوروبي (EGP) في بيانه عبر موقعه الإلكتروني على توجه حزب الخضر في إنجلترا وويلز، معتبرًا أنه يتعارض مع الموقف السياسي المشترك للأحزاب الخضراء الأوروبية، والقائم على دعم حل الدولتين وحق الفلسطينيين والإسرائيليين في تقرير المصير، في حين اتجه الحزب البريطاني إلى تبني موقف مناهض للصهيونية والدعوة إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية[10].

وامتدت الانتقادات إلى داخل الحركة الخضراء الأوروبية؛ إذ وصف فيليكس بانازاك Felix Banaszak، الرئيس المشارك لحزب الخضر الألماني، قرار الخضر في إنجلترا بأنه "غير مقبول ولا يُحتمل"، معتبرًا أنه يتعارض مع موقف حزبه والموقف المشترك للخضر الأوروبيين، ومؤكدًا وجود موقف واسع داخل الحركة الخضراء الأوروبية يؤيد حق إسرائيل في الوجود[11].

موقف مؤيد يتجاوز قرار حزب الخضر

في الاتجاه المعاكس للانتقادات الأوروبية والبريطانية، برز موقف مؤيد للقرار من داخل حزب الخضر الاسكتلندي؛ إذ أبدى روس غريرRoss Greer، الرئيس المشارك للحزب، تأييده للموقف المناهض للصهيونية، وذهب في بعض تصريحاته أبعد من القرار نفسه، واصفًا إنشاء إسرائيل بأنه "فعل عنصري" ارتبط بـ" التطهير العرقي"، ورافضًا تأييد حق إسرائيل في الوجود بوصفها وطنًا حصريًا لليهود[12].

 

رد الفعل الإسرائيلي وقراءة الموقف الفلسطيني

قوبل القرار الإسرائيلي باستهجان وتصعيد دبلوماسي قاسٍ، إذ وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية قرار حزب الخضر بأنه "نص معادٍ للسامية"، معتبرة أنه ينكر حق الشعب اليهودي في تقرير المصير، واتهمت الحزب بمنح شرعية للإرهاب والسعي إلى تقويض وجود دولة إسرائيل. وفي أعقاب القرار، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر منع زعيم حزب الخضر بولانسكي من دخول إسرائيل، في خطوة عكست انتقال الموقف الإسرائيلي من الإدانة السياسية للقرار إلى اتخاذ إجراء دبلوماسي رسمي بحقه.[13]

في المقابل، يمكن قراءة غياب موقف فلسطيني رسمي معلن تجاه قرار حزب الخضر باعتباره صمتًا سياسيًا له دلالته، في ظل تمسك القيادة الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، وفق قرارات الشرعية الدولية، مع دعم المواقف الدولية المناصرة للحقوق الفلسطينية، وما تتخذه الأحزاب والحكومات والدول من إجراءات رادعة تجاه السياسات الإسرائيلية المخالفة للقانون الدولي. غير أن هذا الدعم يظل منسجمًا مع النهج السياسي الرسمي للقيادة الفلسطينية الذي يستند إلى قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، بما يجعل الدعوة إلى تبني حل سياسي بديل عن حل الدولتين خروجًا عن هذا النهج السياسي.

الخلاصة

يمكن النظر إلى قرار حزب الخضر في إنجلترا وويلز بوصفه تطورًا سياسيًا في إعادة إدخال مفهوم الصهيونية إلى النقاش السياسي الدولي من زاوية علاقتها بالسياسات والممارسات الإسرائيلية في فلسطين، وليس باعتباره طرحًا غير مسبوق؛ فقد سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة أن اعتمدت عام 1975 القرار 3379 الذي اعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، قبل أن يُلغى هذا القرار عام 1991 بالقرار 46/86. ومن هذه الزاوية، فإن أهمية قرار حزب الخضر تكمن في إعادة طرح المسألة في سياق سياسي معاصر، وربطها مجددًا بالنقاش حول طبيعة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وما نتج عنه من سياسات وممارسات على الأرض.

وفي المقابل، فإن طرح الدولة الواحدة ليس جديدًا في الحالة الفلسطينية، فقد طُرح في مراحل مختلفة من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك داخل منظمة التحرير الفلسطينية، كما برز مجددًا كلما تراجعت إمكانية تطبيق حل الدولتين نتيجة استمرار الاحتلال والاستيطان وتآكل مقومات الدولة الفلسطينية. غير أن الانتقال من طرح الدولة الواحدة بوصفها خيارًا سياسيًا أو فكريًا إلى اعتبارها إطارًا عمليًا للحل يواجه تحديات كبيرة، في ظل الإطار السياسي والقانوني الذي كرسته قرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وفي مقدمتها اتفاقيات أوسلو، والتي قامت على أساس مسار تفاوضي يرتبط بإقامة حكم ذاتي فلسطيني وصولًا إلى تسوية نهائية للصراع.

وعليه، فإن قرار حزب الخضر يمثل تحولًا في مستوى الخطاب السياسي، من التركيز على نقد السياسات الإسرائيلية إلى مساءلة الصهيونية بوصفها إطارًا سياسيًا، إلا أن هذا التحول لا يعني بالضرورة امتلاك بديل سياسي قابل للتطبيق عن الإطار الذي استندت إليه قرارات الشرعية الدولية والمسار السياسي الفلسطيني. وتبقى المسألة الأساسية مرتبطة بمدى إمكانية تحويل الطروحات البديلة، وفي مقدمتها الدولة الواحدة، من خطاب سياسي إلى صيغة عملية تحظى بالقبول الفلسطيني والإسرائيلي والدولي، وتستجيب في الوقت ذاته لحقوق الشعب الفلسطيني ومتطلبات التسوية السياسية للصراع.

 


 


[1] Green Party of England and Wales. (4 October 2026). Green Party adopts anti-Zionist policy. Green Party of England and Wales, https://2u.pw/pA9EcE

[2] Green Party of England and Wales. (4 October 2026). op. cit.

[3] Green Party of England and Wales. (17 October 2023). Green Party calls for immediate ceasefire to end civilian deaths in Israel-Gaza conflict, https://2u.pw/nJMRo5

[4] Green Party of England and Wales. (4 October 2026). op. cit.

[5] Jewish Greens. (2 October 2026). Survey results briefing: Motion E2 “Zionism is Racism” and E3 “Building a consensus in support for Palestinian liberation”, https://2u.pw/AZhHUV

[6] ITV News. (4 October 2026). Greens make ‘Zionism is racism’ party policy as Polanski skips vote, https://2u.pw/D4z3jM

[7] The Guardian. (5 October 2026). Green party of England and Wales facing international ostracism over ‘Zionism is racism’ vote, https://2u.pw/YUBkuh

[8] The Guardian. (6 October 2026). Labour figures rule out working with Greens after ‘Zionism is racism’ vote. The Guardian, https://2u.pw/6hPXId

[9] ITV News. (6 October 2026). ‘This is disgusting’: Kemi Badenoch ‘appalled’ and ‘embarrassed’ by Green Party Zionism vote, https://2u.pw/4HZrPy

[10] European Green Party. (2026, October 5). EGP position on Motion “Zionism is racism” at GPEW Congress. European Greens, https://2u.pw/eX4Ku7

[11] The Guardian. (5 October 2026). op. cit.

[12] The Scottish Sun. (6 October 2026). Ross Greer says Israel’s creation was racism and ethnic cleansing, https://2u.pw/9lYROdT

[13] Ynet. (5 October 2026). Israel bans UK Green Party leader Zack Polanski after ‘Zionism is racism’ vote, https://2u.pw/uuo3Kz 

تقدير موقف: إعادة تشكّل موقف الخضر البريطاني: من نقد إسرائيل إلى مناقشة الصهيونية