
في إسرائيل: الحساب النفسي كلفة النصر الدموي
For Israel, a psychological reckoning is the cost of bloody victory
مجلّة The Economist البريطانية
(16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025)
ترجمة وتحرير: يسار أبو خشوم
يتناول هذا المقال التحولات النفسية والاجتماعية التي تشهدها إسرائيل في أعقاب الحرب على غزة، بوصفها ثمنا داخليا لما تصفه القيادة السياسية بنصر عسكري. ويركّز على تراجع الشعور بالأمان، وتصاعد الهجرة، خاصة في أوساط الشباب والمتعلمين، وعلى ملامح أزمة نفسية جماعية آخذة في التعمق. كما يناقش العلاقة بين الاستنزاف العسكري المستمر والانقسام السياسي الداخلي وتآكل الثقة بمستقبل الدولة. فيما يلي ترجمة تلخيصية للمقال:
تكشف الحروب، مع مرور الوقت، وجها آخر غير ذلك الذي يظهر على شاشات الأخبار وخرائط العمليات العسكرية. تظهر آثارها في النفوس قبل أن تظهر في الإحصاءات، وتترك بصمتها في المجتمعات قبل أن تُسجَّل في كتب التاريخ. تعيش إسرائيل منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 واحدة من هذه اللحظات الفاصلة، حيث فرضت تفوقا عسكريا واضحا على خصومها، لكنها دفعت في المقابل كلفة نفسية واجتماعية ثقيلة. بدأ هذا الثمن يظهر في تراجع الإحساس بالأمان، وفي قلق جماعي يتسلل إلى الحياة اليومية، وفي أسئلة وجودية يطرحها كثيرون حول جدوى العيش في ظل حرب مفتوحة بلا أفق واضح. ثمّة شعور متزايد بأن النصر، حين يأتي بهذه الكلفة، يتحول إلى عبء طويل الأمد لا إلى مصدر طمأنينة.
نصر يراكم القلق ولا يصنع استقرارا
أظهرت إسرائيل خلال العامين الماضيين قدرة عالية على الحشد العسكري وعلى إدارة عمليات واسعة النطاق، ونجحت في فرض واقع ميداني يميل لصالحها. غير أن هذا التفوق لم يفتح بابا نحو استقرار دائم، بل كرّس حالة استنفار مستمرة جعلت القلق جزءا من الحياة اليومية. عاش الإسرائيليون على إيقاع التهديد الدائم، وتوقعوا انفجار الجبهات في أي لحظة، بينما بقي وقف إطلاق النار في غزة هشّا ومعلّقا، وبقي أي أفق لتسوية سياسية مع الفلسطينيين غائبا. في مثل هذا المناخ، تآكل الإحساس بأن القوة العسكرية قادرة على ضمان مستقبل آمن.
زاد هذا الواقع الأمني تعقيدا مع احتدام الانقسام السياسي الداخلي. دفعت حكومات يقودها بنيامين نتنياهو، وتستند إلى تحالفات مع قوى يمينية ودينية متشددة، المجتمع إلى مزيد من الاستقطاب. شعر كثير من الإسرائيليين، خاصة في الأوساط العلمانية والمتعلمة، بأن الدولة لم تعد تعكس قيمهم ولا تطلعاتهم، وبأن السياسة تسير في اتجاه يصعب التعايش معه على المدى الطويل. لعلّ هذا الإحساس بالاغتراب الداخلي هو ما جعل فكرة الرحيل تخرج من إطار الاحتمال النظري إلى خيار عملي يناقشه الناس بجدية متزايدة.
الهجرة كمرآة لتصدع أعمق
تعكس أرقام الهجرة هذا التحول بوضوح. سجّلت إسرائيل منذ عام 2023 ارتفاعا ملحوظا في أعداد المغادرين، ثم تسارع هذا الارتفاع خلال عام 2024 بعد اندلاع الحرب على غزة. لا تكمن خطورة هذه الظاهرة في عدد المغادرين وحده، بل في طبيعة الفئات التي اختارت الرحيل. غادر شبان في مقتبل العمر، وحملة شهادات عليا، وعاملون في قطاعات البحث العلمي والتكنولوجيا والطب، وهي القطاعات التي قامت عليها القوة الاقتصادية الإسرائيلية خلال العقود الماضية.
تشكل هذه الفئات نسبة محدودة من السكان، لكنها تؤدي دورا محوريا في إنتاج المعرفة والابتكار. يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي إلى حد كبير على هذه النخب، ويعتمد معها على قدرتها على البقاء والاستمرار. غير أن طبيعة هذه المهن تجعل أصحابها أكثر قابلية للتنقل، وأكثر حساسية تجاه المناخ السياسي والنفسي العام. حين يتراجع الشعور بالاستقرار، وحين يتعزز الإحساس بأن المستقبل غامض، يصير الانتقال إلى بيئات أكثر هدوءا وأقل توترا خيارا سهلا ومتاحا. فثمّة قلق حقيقي من أن يتحول هذا المسار إلى نزيف طويل الأمد يصعب تعويضه.
مجتمع مثقل بصدمة طويلة
لا تتوقف كلفة الحرب عند حدود السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى أعماق المجتمع. أدت التعبئة الواسعة لقوات الاحتياط واستمرار حالة الطوارئ إلى إنهاك نفسي طال الجنود وعائلاتهم وسائر فئات المجتمع. عاد كثيرون من الجبهات وهم يحملون آثارا نفسية ثقيلة، بينما عاش آخرون في الداخل تحت ضغط الخوف والانتظار والقلق المستمر. ومع غياب تصور واضح لنهاية الحرب أو لما بعدها، تراكمت هذه المشاعر وتحولت إلى حالة عامة يصعب احتواؤها.
تظهر ملامح هذه الأزمة في ارتفاع حالات الانتحار في صفوف الجنود، وفي تزايد الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية، رغم الأموال التي خصصتها الدولة لهذا الغرض. غير أن كثيرا من المختصين يرون أن هذه الإجراءات تعالج الأعراض ولا تلامس الجذور. لا يواجه المجتمع أزمة فردية عابرة، بل يعيش صدمة ممتدة تمس الإحساس بالمعنى وبالقدرة على الاحتمال. في مثل هذا السياق، ينظر بعض الإسرائيليين إلى الهجرة بوصفها خلاصا نفسيا قبل أن تكون قرارا مهنيا.
خاتمة
تُظهر التجربة الإسرائيلية الراهنة أن النصر العسكري، حين يأتي في سياق حرب طويلة ودامية، يفرض ثمنا داخليا قد يكون أشد وطأة من الخسائر الميدانية. راكم هذا النصر قلقا جماعيا، وعمّق الانقسام الداخلي، ودفع فئات واسعة إلى التشكيك في المستقبل. في دولة يقوم جزء كبير من قوتها على رأس المال البشري، يبدو نزيف الكفاءات مؤشرا خطيرا على تصدع أعمق. لعلّ الحساب النفسي الذي تواجهه إسرائيل اليوم هو الكلفة الأثقل لهذا النصر، كلفة ستبقى حاضرة في المجتمع طويلا، حتى بعد أن تخفت أصوات المدافع.
للتحميل : الحساب النفسي ترجمات.pdf