تقدير موقف: الدور المتصاعد لإدارة ترامب في قطاع غزة بين: الوساطة السياسية والطموحات الاقتصادية

تقدير موقف

الدور المتصاعد لإدارة ترامب في قطاع غزة بين: الوساطة السياسية والطموحات الاقتصادية

 

مقدمة 

منذ عودة إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، طرأ تحول جوهري على طبيعة الحرب في قطاع غزة، تمثل في تصاعد مستوى تدخل إدارة ترامب مقارنة بإدارة سلفة جو بايدن، التي اقتصرت على إدارة الصراع من منظور أمني. فقد تبنت إدارة ترامب نهجًا أكثر شمولًا، استخدمت فيه أدوات دبلوماسية واقتصادية، وعكست توجهات تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. ولم يعد الدور الأمريكي محصورًا في الضغط السياسي، بل باتت واشنطن فاعلًا مباشرًا يسعى لإعادة تشكيل المشهد في غزة بما يتماشى مع رؤية استراتيجية أوسع، تقوم على مبدأ "الهدوء مقابل التنمية"، كمقدمة لتسوية طويلة الأمد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

يسعى هذا التقدير إلى تسليط الضوء على الدور المتنامي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة الأزمة في قطاع غزة، من حيث الأهداف والسياسات والمخاطر المحتملة. ويهدف إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات المتعلقة بطبيعة الحضور الأمريكي المتصاعد في غزة على الصعيد السياسي والاقتصادي على حد سواء، بعد ما فرضته الحرب من تحولات جوهرية في موازين القوى، وما تبعها من ترتيبات جديدة تقودها واشنطن ضمن رؤية لإعادة هيكلة المشهد الفلسطيني في قطاع غزة والمنطقة.

أولاً: تنامي الدور الأمريكي في أزمة غزة

قبل الحرب على غزة ظلت العلاقة بين واشنطن وغزة تُدار عبر أدوات غير مباشرة، أبرزها الضغوط السياسية على حماس، ودعم إسرائيل أمنيًا. لكن الحرب الأخيرة شكّلت لحظة انعطاف. فقد وجدت إدارة ترامب في هذا الصراع فرصة لتكريس تدخلها كقوة "منظمة للأزمات" ووسيط إجباري لوقف إطلاق النار. 

من أبرز التحولات التي أحدثها دخول إدارة ترامب على خط الأزمة، نقل الصراع من ثنائية المواجهة بين إسرائيل وحركة حماس، إلى ثلاثية معقدة، يكون فيها الطرف الأمريكي لاعبًا رئيسيًا يمتلك أدوات تأثير مباشرة. فقد ساهم الضغط الأمريكي في فرض وقف إطلاق النار، ودفع الطرفين إلى تقديم تنازلات مؤلمة -تمثلت في قبول الطرفين لخطة ترامب رغم أنها لا تلبي كامل مطلبهم-، ما كان ممكنًا لولا غطاء سياسي دولي، ورغبة أمريكية بفرض نوع من "الهندسة الجديدة" للحل في غزة، تنسجم مع هذه الإدارة الأشمل للشرق الأوسط.

هذا التحول أدى إلى تغيير في بنية الصراع، من مواجهة ثنائية (حماس – إسرائيل) إلى مثلث صراع جديد: حماس، إسرائيل، وواشنطن، فهذا التدخل الأمريكي لم يكن ظرفيًا أو محدودًا؛ بل أصبح تدخلاً مباشرًا في مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، لا سيما في مسألة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتضمن ملفات حساسة كإعادة الإعمار، نزع السلاح، وترتيبات الحكم. لذلك من الواضح أن هذه الإدارة لا تسمح بإفشال هذا الاتفاق، نظرًا لأنه يُعدّ منصة لتنفيذ أجندتها السياسية والاستراتيجية للشرق الأوسط الجديد.

ثانياً: قرار مجلس الأمن 2803 والطموحات الاقتصادية لإدارة ترامب

أمام الدمار الواسع الذي خلفته الحرب، تطرح الإدارة الأمريكية رؤية "ما بعد الحرب"، تقوم على جذب الاستثمارات الكبرى، وإعادة إعمار القطاع وفق رؤية اقتصادية موجهة، تتحول فيها غزة إلى منطقة تجارية واستثمارية خاضعة لرقابة دولية، بما يضمن لإدارة ترامب –ومن خلفها رجال أعمال أمريكيين– النفاذ إلى عقود إعادة الإعمار، وامتلاك نفوذ اقتصادي طويل الأمد.

تزايد الدور الأمريكي في أزمة غزة جاء متزامنًا مع ربط غير مُعلن بين جهود واشنطن لفرض الاستقرار الأمني والإداري في القطاع، وبين طموحات اقتصادية تسعى شخصيات نافذة في إدارة ترامب إلى تحقيقها عبر مشاريع استثمارية ضخمة. ويظهر هذا التوجه من خلال إعادة إحياء مقترحات سابقة مثل مشروع "ريفيرا غزة" أو إقامة ميناء ومنطقة حرة، ما يعكس رغبة أمريكية في تحويل غزة إلى منطقة نفوذ اقتصادي وأمني يخدم مصالح إستراتيجية أوسع.

ففي إطار الانتقال للمرحلة الثَّانية صاغت الإدارة الأمريكيَّة مشروع قرار في مجلس الأمن التَّابع للأمم المتَّحدة يسمح بإنشاء قوَّة دوليَّة "استقرار" (International Stabilization Force/ ISF) في قطاع غزَّة لمدَّة مبدئيَّة تبلغ سنتين، قابلة للتَّمديد([1])، وينصُّ القرار أنَّ هذه القوَّة ستعمل بالتَّعاون مع مجلس يُدعى Board of Peace (BOP)، وهِي هيئة انتقاليَّة تُشرف أيضًا على إدارة مؤقَّتة في غزَّة، وتنسِّق مع مصر وإسرائيل، وستشرف هذه القوَّة على نزع السِّلاح من غزَّة، وسيُطلَب من قوَّات الأمن الإسرائيليَّة المقترحة الإشراف على نزع السِّلاح من قطاع غزة، "بما في ذلك تدمير ومنع إعادة بناء البنى التحتيَّة العسكريَّة والإرهابيَّة والهجوميَّة، بالإضافة إلى نزع أسلحة الجماعات المسلَّحة غير الحكوميَّة بشكل دائم"، في إشارة إلى حماس وغيرها من المنظَّمَات الفلسطينيَّة العاملة في غزَّة، كما ستُكلَّف القوَّة بحماية المدنيِّين في غزَّة، ودعم عمليَّات الإغاثة الإنسانيَّة، وتلبية الاحتياجات اللوجستيَّة، وتدريب ضباط شرطة السُّلطة الفلسطينيَّة المتمركزين في غزَّة([2]).

لقد شكّل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 نقطة تحوّل مفصلية في مساعي إدارة ترامب لتوسيع حضورها في ملف غزة، إذ جاء القرار ليمنح غطاءً قانونيًا دوليًا للتدخل متعدد الأوجه – سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا – في إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية. وبموجب هذا القرار، أُعلن عن تشكيل قوة دولية لحفظ الاستقرار في غزة، بالتوازي مع إنشاء هيئة إدارة انتقالية تحت إشراف دولي مباشر، تلعب فيه الإدارة الأمريكية الدور الأبرز من حيث التخطيط والتنفيذ.

كما أعطى القرار 2803 واشنطن اليد الطولى في تشكيل طبيعة المرحلة التالية لوقف إطلاق النار، من خلال الإشراف على انتشار قوة دولية متعددة الجنسيات، يتم اختيار قيادتها وهيكلها العملياتي بدعم وتوجيه أمريكي مباشر. وقد حدّد القرار مجموعة من الخطوط العامة التي تنظّم صلاحيات المجلس ومسؤولياته خلال المرحلة الانتقالية. وهي على النحو التالي([3]):

  • صلاحيات سياسية وإدارية: تشمل وضع الإطار العام للحكم الانتقالي في غزة، والإشراف على اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية، وتمثيل غزة الانتقالية بصفة قانونية دولية، وإعداد تقارير دورية لمجلس الأمن (كل 6 أشهر).
  • صلاحيات اقتصادية ومالية: تشمل تنسيق التمويل الدولي لإعادة الإعمار، وإنشاء آليات مالية وصناديق تمويل (بالتعاون مع البنك الدولي)، وإدارة الأموال المخصصة للإعمار عبر آليات يحكمها المانحون.
  • صلاحيات إنسانية وخدمية: وتشمل تأمين دخول المساعدات ومنع تحويلها لأغراض عسكرية، الإشراف على الخدمات العامة، والبلديات، والصحة، والتعليم.
  • صلاحيات أمنية مشتركة: وتشمل القيادة الاستراتيجية للقوة الدولية لتحقيق الاستقرار (ISF)، وتحديد معايير الاستقرار المطلوبة لانسحاب الجيش الإسرائيلي، والإشراف على برامج تدريب الشرطة الفلسطينية.
  • صلاحيات خاصة بالحركة والمعابر: وتشمل تنظيم حركة الأشخاص والبضائع بما ينسجم مع الخطة الشاملة، والتنسيق مع مصر وإسرائيل بشأن المعابر الحدودية.

لم يخفِ القرار، الأهداف الاقتصادية للإدارة الأمريكية، فقد جاء في صيغته التأكيد على أهمية الشراكة مع القطاع الخاص الدولي في جهود إعادة الإعمار، ما فُهم منه فتح الباب أمام شركات أمريكية كبرى، بعضها مقرّب من الدائرة الاقتصادية للرئيس ترامب، للدخول إلى غزة من بوابة العقود الضخمة المتعلقة بالبنية التحتية، والطاقة، والاتصالات، وحتى الخدمات اللوجستية. 

هذا السياق يُفسّر إصرار إدارة ترامب على تأمين "هدوء طويل الأمد"، ليس فقط لمصلحة إسرائيل، بل أيضًا لضمان بيئة آمنة لـ استثمارات مستقبلية واسعة النطاق، يتم تنفيذها ضمن رؤية تشبه إلى حد كبير مشروع "مارشال" في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية.

ثالثاً: مخاطر وتحديات زيادة الدور الأمريكي في غزة

تُصبح رأسمالية الكوارث ممكنةً بحرمان السكان المحليين من القدرة على التصرف السياسي خلال فترات الفوضى وبعدها مباشرةً. وهذه خطوة أولى نحو تعزيز ما أسماه الجغرافي ديفيد هارفي "التراكم عن طريق السلب"، من خلال الاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية الأخرى، مع تطبيق سياسات الخصخصة والاستثمار الأجنبي المباشر التي تحرم المجتمعات المحلية من الأموال اللازمة للاستثمار في مستقبلها أو التحكم في اقتصادها السياسي([4]).

يهدف البُعْد الأمني من خلف زيادة فاعلية الدور الأمريكي في غزة عبر الإشراف على تشكيل قوَّة استقرار دوليَّة ذات مهام فضفاضة تتضمَّن التدخُّل في الشُّؤون الداخليَّة الفلسطينيَّة، بما في ذلك نزع السِّلاح، الأمر الَّذِي يتعارض مع التصوُّر الفلسطيني والعربي الَّذِي يريدها أن تقوم بفضِّ الاشتباكات العسكريَّة، ومراقبة تنفيذ الاتِّفاق، وأن توفِّر حماية للشَّعب الفلسطيني من بطش قوَّات الاحتلال، وأن يكون موقعها على الحدود، ويتضمَّن القرار أيضًا تشكيل لجنة تكنوقراط فنيَّة ومهنيَّة دون تحديد مرجعيَّة فلسطينيَّة لها، بما يقطع الطَّرِيق عن التَّواصل الإداري والسِّياسي مع الضفَّة الغربيَّة، كما يجعل مرجعيَّة اللجنة مجلس السَّلام العالمي فقط دون غيره، والَّذِي نصَّب ترامب نفسه رئيسًا له، علمًا بأنَّ المرحلة الانتقالية للجنة المحددة عامين قد تصبح مرحلة دائمة وفق التَّجربة الفلسطينيَّة([5]).

تسعى إدارة ترامب- من خلال زيادة فاعلية تدخلها في غزة- إلى إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني وفق مقاربات قديمة جديدة، فبدلًا من الحديث عن إنهاء الاحتلال يُركِّز النِّقاش على إنهاء المقاومة، وبدلًا من الاعتراف بحقِّ الفلسطينيِّين في تقرير المصير يُطرح نقاش حول "سلام" و"استقرار" مَشْرُوطين، خاليين من العدالة، وحول "قوى دوليَّة" يُراد لها أن تحلَّ محلَّ إرادة الشُّعوب([6]). كما تحصر الرؤية الأمنية الأمريكية مفهوم الأمن ضمن محاور الرِّواية والمصالح الإسرائيليَّة، بحيث يختزل الأمر بنزع السِّلاح في غزة، وإزالة عناصر عدم الاستقرار من الجانب الفلسطيني، دون الإشارة إلى اتِّخاذ أيِّ إجراءات أو صلاحيَّات لقوَّة الأمن الدوليَّة لمواجهة جذر المشكلة في وجود قوَّة الاحتلال العسكري، ولا يتحدَّث عن التصدِّي لهجمات جيش الاحتلال، أو توقُّف الغارات الجويَّة التي تسببت في دمار شامل للبنية التحتيَّة للقطاع([7]).

فوفق للقرار - الذي يُفترض أن يمنَحَ الشرعيَّة لوجود "قوَّة الاستقرار- لن يكون هو المرجعيَّة العليا لها؛ بل "مجلس السَّلام" الَّذِي سيقوده دونالد ترامب بمساعدة طوني بلير وآخرين، أي أنَّ "مجلس السَّلام" سيكون الحاكم الفعلي على الأرض، وليس مجلس الأمن، وسيُمنح لقوَّة الاستقرار السُّلطة لـ"فرض الأمن" وللحكم، وليس لحفظ السَّلام، أمَّا الفلسطينيُّون أصحاب الأرض والدَّولة المعترف بها في الأمم المتَّحدة كعضو مراقب - والتي اعترفت بها 160 دولة من ضمنها أربع دول من الدُّول الخمس دائمة العضويَّة - فلن يشاركوا في هذه التَّرتيبات إلا "حين تُتمُّ السُّلطة الفلسطينيَّة برنامجها الإصلاحي على نحو مرضٍ يكون تنفيذه مقبولًا لدى "مجلس السَّلام" ([8]).

يتزامن التصاعد في التدخل الأمريكي بأزمة غزة مع جملة من المخاطر التي تهدد أسس القضية الفلسطينية، أبرزها تكريس الانقسام الداخلي من خلال تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية والتعامل المباشر مع جهات محلية في غزة. هذا النهج يُضعف موقع القيادة الفلسطينية الشرعية، ويُقوّض مكانة المنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني خارج إطار التوافق الوطني والتمثيل الموحد.

خاتمة

لم يعد الدور الأمريكي في غزة مسألة وساطة سياسية فقط، بل بات مشروعًا متكامل الأبعاد، يوظف القرار الدولي 2803 كغطاء لإعادة تشكيل غزة أمنيًا وإداريًا واقتصاديًا. الإدارة الأمريكية، عبر هذا القرار، لم تكتفِ بصياغة التسوية، بل باتت تملك أدوات تنفيذها، وهو ما يعزز الحديث عن تحول غزة إلى منطقة نفوذ أمريكية خاصة، تحت غطاء دولي، تسعى واشنطن من خلاله لتكريس معادلة جديدة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، عنوانها: "الاستقرار مقابل السيطرة غير المباشرة".

كما أن التوظيف الأمريكي للمساعدات ومشاريع الإعمار يهدف لتعزيز النفوذ السياسي والأمني أكثر من كونه دعمًا إنسانيًا، مما يربط مستقبل غزة بشروط سياسية مجحفة، وفرض حلول أمنية بديلة عن التسوية السياسية العادلة، عبر التركيز على نزع السلاح وفرض الاستقرار الأمني من دون معالجة جذرية للاحتلال والحقوق الوطنية، يُحوّل القضية من صراع تحرر وطني إلى أزمة إنسانية وأمنية. هذه المخاطر تجعل من التدخل الأمريكي أداة لإعادة تشكيل الصراع بما يخدم مصالح إسرائيل والإدارة الأمريكية، على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.