أ. د. تيسير جبارة[*]

 مقدمة

لم تكن في فلسطين محطة إذاعة قبل عام 1936م، بل كانت هناك محطة إذاعة مصرية في مصر يسمعها الفلسطينيون عبر الراديو الموجود في حوزة بعض الأغنياء. وعندما جرت مناقشات بين رجال السياسة الإنجليز في فلسطين قرروا افتتاح محطة إذاعة تبث بثلاث لغات وهي العربية والإنجليزية والعبرية، علماً أن اللغة العبرية لم تكن دارجة في فلسطين.

لم تكن محطة الإذاعة الفلسطينية لمصلحة فلسطين بل كانت لمصلحة الصهاينة والإنجليز أيضاً، وقد هاجمت الصحف العربية في القدس محطة الإذاعة الفلسطينية لأنها كانت تبث بلغة جديدة وهي العبرية، وقد استقال عدد من الموظفين من الإذاعة الفلسطينية بسبب ما كان يقوله المذيع الصهيوني “أرض إسرائيل” بدلاً من “فلسطين” وكلمة أورشليم بدلاً من القدس. وقد جرت مجادلات بين الجرائد العربية والجرائد الصهيونية على تفسير هذه الكلمات وأن هذه المحطة فلسطينية عربية.

عمل الإنجليز على تعيين موظفين لكل قسم ممن يجيدون اللغة الإنجليزية ولم يحتكوا بالسياسة، لكن هؤلاء الموظفين لم يستجيبوا لأغراض الانتداب البريطاني، بل كانت محطة الإذاعة تبث روح الوعي لدى العرب وتنبههم من الأخطار المحدقة بهم من الإنجليز والصهاينة.

إذاعة فلسطين الأولى (هنا القدس)

تأسست أول محطة إذاعة فلسطينية في القدس في 30/3/1936م زمن الانتداب البريطاني على فلسطين وانتقلت إلى رام الله بعد النكبة عام 1948م، كان موقع المحطة في حي مأمن الله في القدس وهو المقر الرئيسي لاستوديوهات الإذاعة، وكانت قد تأسست محطة الإذاعة بقرار من حكومة الانتداب البريطاني، وتقع أبراج إرسالها على إحدى قمم رام الله العالية، وهي لم تبدأ كإذاعة فلسطينية خالصة، إذ إن أوقات بثها كانت مقسمة بين فترة إنجليزية يديرها البريطانيون، وأخرى عبرية يديرها اليهود، وثالثة عربية يديرها الفلسطينيون. كان حاكم القدس (ستورز) قد قام بنفسه باختيار موظفي محطة الإذاعة.

وسعت الحركة الصهيونية من خلال الفترة المخصصة للبث العبري للترويج للفكر الصهيوني، وبدلاً من القول هنا القدس، قالوا هنا “أرض إسرائيل” وهذا أثار حفيظة وتصدي الفلسطينيين.

أما طاقم العمل الفلسطيني في القسم العربي للإذاعة فذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وعمل على تغطية أخبار ثورة عام 1936م–1939م.

وهذا أغضب الإنجليز فاعتقلوا الصحافي أكرم الحسيني وأوقفوه عن العمل في الإذاعة وتم سجنه في عكا بدعوى التحريض والتعامل مع الثوار[1].

وعملت المحطة على تغطية المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في ذلك الوقت. وقد أنتجت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون فيلماً وثائقياً بعنوان “هنا القدس” وأخرجه رائد دزدار، استعرض فيه مسيرة إذاعة فلسطين الأولى منذ تأسيسها عام 1936م وحتى انتقالها لمدينة رام الله في خضم أحداث النكبة الفلسطينية في نيسان عام 1948م. وأبرز الفيلم دور إبراهيم طوقان الذي أدار القسم العربي للإذاعة دون أن يحظى رسمياً بمنصب “مدير” من حيث أداؤه الخاص ومساهماته البارزة سواء عبر قصائده الشعرية أو حكاياته الأدبية، واحتجت الحركة الصهيونية للانتداب البريطاني على إبراهيم طوقان نتيجة الحكاية الأدبية “حقيقة السموأل” والتي أثارت حفيظة الحركة الصهيونية.

كان دور طوقان وتأثيره على أداء الإذاعة الفلسطينية قد قاد إلى تعيين سلطات الانتداب البريطاني، عجاج نويهض كمدير عام للإذاعة في مسعى منها لتقليص دور إبراهيم طوقان والطاقم الفلسطيني عموماً، الذي سعى إلى جانب ما قام به على الصعيد الوطني السياسي إلى إبراز الفن والأدب الفلسطيني والعربي لدرجة تحولت معها إذاعة “هنا القدس” إلى منبر وحاضنة للمثقفين والفنانين العرب الذين وفدوا لها من مختلف الأقطار العربية وأصبحت أهم وسائل إبراز أعمالهم وتطوير وصقل مواهبهم، وهذا كان بسبب نشاط إبراهيم طوقان.

أما برنامج الأطفال فكانت تقدمه هنرييت السكسك “الملقبة باسم سعاد”، وقد شهدت حادث التفجير الذي جرى في المحطة الفلسطينية من قبل العصابات الصهيونية وكانت السكسك تقدم برنامجها داخل الأستوديو مع مجموعة من الأطفال[2].

لقد كان تأثير الإذاعة ليس فقط في الواقع الفلسطيني بل امتد ذلك ليشمل الوطن العربي عموماً وتجلى هذا من خلال استضافة فنانين ومبدعين من لبنان والأردن ومصر رغم أن الأخيرة كانت السباقة في إطلاق أول إذاعة عربية.

إن محطة “هنا القدس” تعتبر بحق محطة تأريخ للواقع الإعلامي والأدبي والفني الفلسطيني يمكن من خلالها قراءة جانب هام من تاريخ القضية الفلسطينية في تلك الفترة، وكيف استمر العمل النضالي والمقاومة الفلسطينية بطرق وصور متعددة حتى يومنا هذا، وكيف استطاع الإعلام الفلسطيني أن يقوم بدوره ويتعايش مع المراحل المختلفة التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية دون أن يبتعد عن كونه انعكاساً لها ورديفاً لفعلها”[3].

ومن المعروف أن البث الهوائي لنقل الأخبار يختلف عن كتابة الخبر في الجرائد اليومية من حيث إقناع المستمع أو زيادة في تفصيل الخبر. ومن المعروف أن الجريدة لا تدخل كل بيت كي يتم معرفة الأخبار لكن جهاز الراديو موجود في كل بيت، ويستطيع المذيع تناول الخبر بالتفصيل، ويستطيع إقناع المستمعين لتصديق أو تكذيب الخبر، ويتناول المذيع في نشراته الإخبارية أخباراً سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك.

كانت قد تأسست محطة إذاعية في مصر قبل تأسيس المحطة الفلسطينية بسنتين، لقد جرى نقاش مطول بين المندوب السامي البريطاني على فلسطين (آرثر واكهوب) وبين مدير البريد العام المستر هدسون، حيث استمرت المباحثات بينهما سنتين وذلك لافتتاح محطة إذاعة في القدس.

تقع محطة الإذاعة الفلسطينية في مدينة رام الله بعد نقلها من القدس عام 1948 وتقع في منطقة الإرسال، حيث تم بناء أعمدة حديدية عالية جداً يستطيع المشاهد أن يرى هذه الأعمدة عن بعد عدة أميال، وتم بناء مقر دائم للبوليس قرب هذه الأعمدة لحراستها خوفاً من الثوار الفلسطينيين، ومقر البوليس هو اليوم المقاطعة في رام الله حيث المباني الحكومية للسلطة الفلسطينية، وبالقرب من ضريح المرحوم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وكانت السلطة المسؤولة عن البث هيPalestine Broadcasting Service (PBS) التابعة لسلطات الانتداب والتي لاقت مساعدة فنية من الإذاعة البريطانية BBC.

وجه المندوب السامي دعوات كثيرة إلى شخصيات عربية ويهودية وإنجليزية ورؤساء البلديات الفلسطينية لحضور افتتاح أول محطة إذاعة في فلسطين في القدس، وحضر جمع غفير من المدعوين، حيث بدأ الافتتاح بالسلام الملكي البريطاني بدلاً من القرآن الكريم.

ألقى مدير البريد العام المستر هدسون كلمة رحب فيها بالجمهور وكانت كلمته قد ترجمت للغتين العبرية والعربية، وألقى المندوب السامي (أرثر واكهوب) كلمته أثناء الافتتاح حيث ذكر عن منفعة المحطة للأهالي في المدن والقرى الفلسطينية، وأن المحطة لن تكون لها صلة بالسياسة بل سيكون الهدف الرئيسي للمحطة نشر الثقافة العامة والمعرفة، وذكر أن الأمور الدينية لن تهمل في نشراتها اليومية، كما أشار في كلمته إلى فائدة المزارعين الذين سيستمعون إلى المحطة عندما يشرح لهم المذيع عن وسائل تحسين الزراعة، وستكون برامج المحطة أيضاً الموسيقى والأغاني وبث الروح الموسيقية الشرقية والغربية. وفي نهاية كلمته ترجم خطابه إلى اللغتين العربية والعبرية.

أقام المندوب السامي بعد حفل الافتتاح مأدبة غداء حضرها السكرتير العام في حكومة الانتداب وكبار الشخصيات الإنجليزية مثل المستر بومان ومدير البريد العام المستر هدسون وعدد من الشخصيات العربية مثل رؤساء البلديات في فلسطين ومصطفى رضا بك مدير مصلحة الإذاعة المصرية وسعيد بك لطفي وروحي بك عبد الهادي، والأستاذ إحسان هاشم والأستاذ إبراهيم طوقان، ويحيى أفندي اللبابيدي وبعض الشخصيات اليهودية والإنجليزية.

وقد علقت الجرائد الفلسطينية على حفل الافتتاح، فقالت جريدة الدفاع التي كانت تصدر في يافا، بتاريخ 31/3/1936م:

“نحب أن نبدي بعض ملحوظات سريعة على الافتتاح، فنقول إن المذيع كان يقول (البرنامج الشرقي) كان الواجب أن يقول (البرنامج العربي). كما أن المذيع العبري كان يكرر دائماً بعد لفظه فلسطين (أرض إسرائيل) فهل أصبحت أرضاً إسرائيلية بحتة؟ إن هذه المحطة حكومية وليست إسرائيلية إلا إذا شاءت الحكومة أن تعتقد ذلك”[4].

ومن المعروف أن برامج الفترة الإذاعية في المحطة كانت تكتب على صفحات الجرائد، وقد خصصت ساعات للبث الإذاعي باللغة العبرية سواء أكانت أغانيَ أو أخباراً أو حتى كلمات لزعماء يهود، كما خصصت ساعات للبث باللغة العربية تذاع فيها الأخبار والموسيقى فقط وهناك ساعات أخرى خصصت للبث باللغة الإنجليزية.

ونستنتج من هذا البث الإذاعي أن الإنجليز قد زرعوا شوكة في الأذن العربية وهي اللغة العبرية، كما كانوا قد زرعوا شوكة في حلق الشعب الفلسطيني عام 1917م بإصدار وعد بلفور والذي ينص على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.[5]

وهكذا كانت بريطانيا تطبق الجملة المأثورة التي أطلقها اللورد الإنجليزي شافستبري: “أرض بلا شعب إلى شعب بلا أرض”، أي أن اليهود هم الشعب بلا أرض.

لقد استفاد اليهود من محطة الإذاعة الفلسطينية في رام الله أكثر من استفادة الشعب الفلسطيني الذي هو الأغلبية العظمى في فلسطين أي 93% عرب و7% يهود، وكان ذلك عام 1918، أما في الفترة التي تم افتتاح محطة الإذاعة الفلسطينية فكانت نسبة اليهود قد ازدادت فأصبحت النسبة العربية للعبرية في فلسطين تساوي 70% عرب و30% يهود وذلك نتيجة زيادة الهجرة الصهيونية لفلسطين في الفترة ما بين 1931- 1933م.

ومن المعروف أن البرامج اليهودية تساوي البرامج العربية، وهذا يعني أن اسم الإذاعة الفلسطينية لا يدل على فعلها.

وفي كلمة العدد في جريدة الدفاع تحت عنوان “لأول مرة في التاريخ، العربية مع العبرية تذاع– واأسفاه…! هذه القدس تتكلم” “لقد سمعت الملايين في أوروبا وأمريكا لأول مرة في التاريخ اللغة العبرية ترسل على موجات الأثير من القدس، إذاً هناك يهود وهناك صهاينة… اسمعوا أيها العرب اللغة التي تزاحم لغتكم، لغة الذي يزاحمونكم، لغة الحملة الصهيونية… سوف تألفين أيتها الأسماع في مكة والقاهرة وبغداد ودمشق لغة غريبة أجنبية أقامتها السياسة في بلاد عربية صرفة، فأصبحت البلاد وأهلها في خطر، نعم ستألفين ولا ندري على من تقع التبعية والمسؤولية، أعلينا أم على كل عربي ومسلم في الدنيا، يا جهاز الراديو صرت تقبل الظل كريهاً”[6].

لقد هاجمت الجرائد الفلسطينية في ذلك الوقت الإذاعة الفلسطينية لأنها تخضع للصهيونية أولاً، وللسياسة الاستعمارية البريطانية ثانياً، بينما مدحت الجرائد العبرية محطة الإذاعة الفلسطينية وأخذت تطبل وتصفق لهذا الحدث الفريد لأنه سوف يوصل الصوت العبري والأهداف اليهودية إلى أسماع العالم.

كما انتقدت الجرائد جميع رؤساء البلديات الذين حضروا حفل الافتتاح، وهذا الانتقاد يشبه الانتقاد الذي انتقدته الجرائد العربية لبعض الشخصيات الفلسطينية التي حضرت افتتاح الجامعة العبرية عام 1925م، وقد جاء بلفور خصيصاً لحضور افتتاح الجامعة العبرية في القدس وقامت مظاهرات فلسطينية صاخبة ضد بلفور وتهجمت الجرائد العربية الفلسطينية على بلفور وعلى الوعد الذي صدر باسمه.

حيث تحدثت جريدة الدفاع عن حفل افتتاح محطة الإذاعة الفلسطينية منتقدة هؤلاء الذين شاركوا ولبوا الدعوة لحضور الحفل بأنهم يحضرون الاحتفال وهم إنما يحضرون الكارثة، وعن مصير اللغة العربية كانت الجرائد الفلسطينية متشائمة من مصير اللغة العربية فذكرت “ما ندري أتكونين الثالثة في الترتيب أو حتى تحذفين”[7].

وقابل وفد فلسطيني، مشكل من مختلف مدن فلسطين، المندوب السامي وطلبوا منه جعل اللغة العربية وحدها لغة البلاد الرسمية[8].

ونستنتج أيضاً أن الشعب الفلسطيني لم يكن راضياً عن الإذاعة الفلسطينية التي يتحكم بها الإنجليز والصهاينة، علماً أن هذه الإذاعة كانت قد أنشئت بأموال عربية فلسطينية، ولم يرض الشعب الفلسطيني أن تكون لغة أخرى تزاحم اللغة العربية في الإذاعة الفلسطينية، حتى إن بعض الكتاب مثل إبراهيم الشنطي أطلق عليها اسم محطة بابل بدلاً من محطة الإذاعة الفلسطينية، فكتب معلقاً في جريدة الدفاع تحت عنوان “هس اسكتي هل عرفت يا محطة بابل: إنها محطة الإذاعة الجديدة التي بدأت عملها بقولها القدس تتكلم بينما كانت القدس الممثلة في زعمائها جالسة على الكراسي تشرب الشاي، إنها المحطة التي يديرها الكاتب اليهودي الأدون شورر لكي يتفاهم اليهود مع جيرانهم العرب بواسطتها على نحو ما كانت تعمل المرحومة بريث شالوم، إنها المحطة التي تجاهلت مهد عيسى وبراق محمد، وراحت تسمي فلسطين العربية أرض إسرائيل إنها المحطة التي لا تستحق من جميع السامعين المساكين إلا لقب محطة بابل القرن العشرين”[9]. وكتب الشنطي شعراً في الجريدة معلقاً على المحطة الفلسطينية:

محطة بابل لا خير فيها            سوى للقاعدين على الكراسي

تحرض كل كوهين علينا            تذكره بنانِ الواد ناس ِ

أيا كوهين أقدم يا أدوني            بلا PASS عزيزي أو بِ (باس)

فأرضك أرض إسرائيل تدعو أجبها يا أدون بلا احتراس

محطة بابل يا بنت رفكا            الا هس اسكتي أوجعت راسي[10]

وقد راقب رجال السياسة والشعب عامة ماذا كان يقول المذيع اليهودي بعد كلمة فلسطين، فقد كتب إبراهيم الشنطي محرر جريدة الدفاع قائلاً:

“وأراد الله، وانزلق لسان المذيع اليهودي إلى تلك العبارة الشوهاء التي تنطوي على أخبث الطوايا والنيات في استملاك هذا البلد… هذا المعقل اليهودي الجديد الذي بنيناه، واأسفاه، من أموالنا وبأيدينا، ألم يكن الأليق بكرامة البلاد على الأقل الاعتذار عن الحضور إذا لم يكن الرفض؟… أرض إسرائيل بل أرض العرب وحدهم رغم الحكم الأجنبي الذي يخضعها له… إذا في أعناقكم يا رجال الأحزاب ويا شباب البلد أمانة الوطن الكبرى، إن نومة أخرى تدوم سنتين معناها وصول ماء الطوفان إلى الأعناق”[11].

لقد قدم السكاكيني استقالته من الإذاعة بسبب تسمية فلسطين بأرض إسرائيل في البرنامج العبري، وقدم طلبه إلى مدير القسم العربي في الإذاعة قائلاً “لقد قررت بعد أن سمعت كلمة أرض إسرائيل أن أقاطع الإذاعة الفلسطينية فأشطب اسمي”[12]. وقد فزع مدير الإذاعة الإنجليزي من انسحاب السكاكيني وطلب من مدير المعارف إرجاع السكاكيني للإذاعة، فكان جواب السكاكيني قائلاً “مهما كان الأمر فلا أستطيع أن أتكلم في إذاعة تعلن أن فلسطين أرض إسرائيل”[13].

وقد اضطرت الحكومة على إثر انسحاب السكاكيني من الإذاعة أن تمنع اليهود من أن يسموا فلسطين أرض إسرائيل. وقد رفض كل من عادل جبر ورفيق التميمي شروط لجنة الإذاعة لتعيين أحدهما مديراً للقسم العربي للإذاعة الفلسطينية.

قدم الفلسطينيون المسلمون والمسيحيون احتجاجاتهم إلى المندوب السامي، وطلبوا منه حذف عبارة أرض إسرائيل التي تتبع كلمة فلسطين في الإذاعة الفلسطينية، وقد انصاع المندوب السامي لطلبات العرب فحذف الإنجليز عبارة أرض إسرائيل من الإذاعة، ولكنهم عوضوا بدلاً منها الحرفين الأولين من هذه العبارة، لم يعجب اليهود هذا التصرف العربي فاحتجوا للإنجليز على العرب.

أما الصحف اليهودية آنذاك فقد اعتبرت أن حذف عبارة أرض إسرائيل هو نتيجة حملة الصحف العربية على السياسة الإنجليزية، فذكرت جريدة (دافار) اليهودية أن اليهود لم يحتجوا على استعمال كلمة فلسطين فلماذا احتج العرب على استعمال أرض إسرائيل، أما جريدة (دورها يوم) فقد حملت في مقالها الرئيسي بشدة على موقف الحكومة وقالت “إن عبارة أرض إسرائيل ستبقى ملء الأسماع والأبصار لأنها تدل على هذه البلاد التي هي أرض إسرائيل لا أرض إسماعيل”[14].

وقد تصدت جريدة الدفاع والجرائد الفلسطينية الأخرى للجرائد الصهيونية، فكتبت جريدة الدفاع “نقول للصحف اليهودية “إنها تتجنى كثيراً وإن نهاية التجني غير سارة، هذه بلاد عربية، وأليق بكم أن تطلبوا رحمة أصحابها لا أن تستفزوهم” وأضافت الجريدة أيضاً، “عقد الأدون بن زيون كاتس مقالاً في جريدة هابوكر حمل فيه على الحكومة لأنها حذفت عبارة أرض إسرائيل من محطة الراديو قائلاً:

“لو أن الحكومة فعلت ذلك من تلقاء نفسها لهان الأمر، لكنها فعلته إرضاء للعرب، وهو أمر غير جائز لأنه إهانة موجهة من العرب لليهود”، ويقترح في نهاية مقاله أن يقال اسم القدس باللغتين الإنجليزية والعبرية يروشاليم وهو اسم يهودي تعترف به الحكومة، فتصدت جريدة الدفاع لمقاله قائلة “نؤكد للكاتب أن العرب مطمئنون إلى النهاية السعيدة في أن بلادهم لهم وأنهم لا يعنون بهذه السخافات”[15].

وبالإضافة لجريدة الدفاع فقد تصدت جريدة فلسطين لكل مقال يهودي يذاع في محطة الإذاعة الفلسطينية، وكانت الجريدة أيضاً تلوم الحكومة الانتدابية على السماح لليهود بإذاعة مثل تلك المقالات، فذكرت جريدة فلسطين بتاريخ 26 آب عام 1936م تحت عنوان “الإذاعة اللاسلكية أداة للدعاية الصهيونية” كتبت تقول “تحدث الأدون استروفسكي في الساعة 8:40 من مساء الخميس 20 الجاري عن الحاخام الأكبر كوك الذي توفي في العام الماضي، فكان مما قاله لقد كان كوك مثالاً حياً لحب شعب إسرائيل وأرض إسرائيل، كان يعمل بلا توان لتأسيس الوطن القومي اليهودي على أقوى الدعائم، فقد كان زعيماً روحانياً وزعيماً قومياً يعمل لرفع العلم الصهيوني عالياً… تبع هذا الأدون متحدث آخر تكلم عن الرسام اليهودي لينين فقال: إن هذا الرسام كان من المؤمنين بسمو الصهيونية…”[16].

كما علقت جريدة فلسطين أيضاً قائلة “وهل يرضي الحكومة أن يقوم العرب بإذاعة أمثال هذه الخطب عن زعمائهم الروحانيين السياسيين أمثال عبد الحميد الزهراوي وعز الدين القسام؟”[17].

وقد تكلم المذيع اليهودي في الإذاعة الفلسطينية باللغة العبرية بتاريخ 23/9/1936م مادحاً أحد زعماء اليهود وهو دزنكوف رئيس بلدية تل أبيب المتوفى، فكان مما ذكره الراديو “كان ديزنكوف يعمل بلا توان بقلب جبار لا يتسرب إليه اليأس منذ أربعين عاماً لإحياء شعبه إسرائيل في أرض إسرائيل، ومن آثار دزنكون الخالدة ذلك الفرق الشاسع الذي تلمحه بين يافا وتل أبيب وبين القرية العربية والقرية العبرية وبين الظلام والجهل[18].

لقد تم افتتاح محطة الإذاعة في 30/3/1936م وبعد الافتتاح ببضعة أسابيع قام أكبر إضراب في فلسطين بتاريخ 20/4/1936م وتناول الإضراب إغلاق جميع الأعمال التجارية والصناعية وتعطلت حركة السير وأغلقت المدارس أبوابها وأضرب المحامون عن المرافعة في غير القضايا الوطنية، وحاولت بريطانيا فك الإضراب بالقوة ولكنها فشلت رغم الجهود الكبيرة والإعدامات والنفي والسجن لكثير من الفلسطينيين، واشتدت الثورة لدرجة أن الانجليز اعترفوا أنهم يواجهون صعوبات كثيرة وأنهم يقبضون على الجمر.

تواصلت الجرائد العبرية والجرائد العربية في الحرب بينهما على صفحاتها بشأن الإذاعة الفلسطينية وما يذاع فيها من كلمات ومصطلحات عبرية استفزازية، وقد علقت جريدة فلسطين بتاريخ 30/9/1936م تحت عنوان “الإذاعة اللاسلكية أداة للدعاية الصهيونية” قالت الجريدة (أين أنت يا قلم المطبوعات بل أين أنتم أيها المسؤولون عن محطة الإذاعة من عرب وإنجليز؟ ليعلم هؤلاء أن بين العرب من يفهمون اللغة العبرية ويزعجهم تكرار هذه الدعايات الصهيونية الجوقاء في كل مساء في محطة الإذاعة التي تشرف عليها الحكومة، وتدعي أنها إنما جاءت لإقامة العدل لا لمحاباة فريق وللتوفيق بين العرب واليهود لا لتوسيع شقة الخلاف بينهم”[19].

هكذا كانت الجرائد العربية تتصدى للمقالات اليهودية التي تذاع من محطة الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس”، وكانت الجرائد العربية تنتقد أيضاً السياسة الإنجليزية المنطوية على مراعاة اليهود وتساهلهم معهم في كل الشؤون بينما تكون السلطة الإنجليزية – حكومة الانتداب – قاسية مع العرب، تلجم أفواههم وتحرمهم حتى من إذاعة ما يريدون في إذاعتهم، لذا نقول إن محطة الإذاعة الفلسطينية ليست فلسطينية الهدف بل كانت فلسطينية التمويل المادي وأقيمت بأموال الشعب الفلسطيني المنكوب واستفاد منها الصهاينة لأن الإنجليز هكذا يريدون، فهم مستمرون في تطبيق وعد بلفور، وتطبيق المقولة اليهودية التي قالها المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل سوف يجعل فلسطين يهودية كما هي انجلترا إنجليزية وفرنسا فرنسية.

ومن الأشخاص اللامعين الذين عملوا في محطة الإذاعة الفلسطينية إبراهيم طوقان[20]. الذي أصبح مساعد لمدير الإذاعة عندما كان مقرها في القدس[21]. كما عمل في قسم إدارة البرامج العربية، وقد كتب الدكتور زكي المحاسني في كتابه (شاعر فلسطين– إبراهيم طوقان) قائلاً: كان إبراهيم طوقان يريد أن لا تقل إذاعة القدس بشيء عن إذاعة مصر التي سبقتها إلى الظهور فكان يدخل عليها كل ما ينفع الوطن والشعب، فتنبه رجال الحكم إلى هذه الطريقة التي سار عليها، وحارب طوقان أسلوب استعمال اللغة العامية في الإذاعة بل أراد استعمال الفصحى في حديث الإذاعة، وقد غضب عليه المستعمرون لاستعماله الفصحى[22]. مضى إبراهيم في عمله دون كلل، فكانت البرامج التي أشرف عليها مزودة بكل ما يبعث على وعي الشعب ويوقظ فيه النقمة على الفساد ويذكره بمآثر العروبة وعبقرية الأبطال الفاتحين.

تولى الشاعر إبراهيم طوقان مهمة المراقب العام للقسم العربي في الإذاعة المتواجدة في بناية الأوقاف في فندق بالاس بشارع مأمن الله مكلفاً من الحكومة البريطانية. إذ كانت الإذاعة مقسمة إلى ثلاثة أقسام، القسم العربي الفلسطيني، والقسم العبري والقسم الإنجليزي[23].

أفسحت دار الإذاعة المجال وأعطت الفرص للكثير من المبدعين لتقديم مواهبهم من خلال الإذاعة من فرق تمثيل كانت تقدم مسرحياتها عبر الإذاعة، ومطربين شباب صاعدين، وشعراء وكتاب ومثقفين.

وكان للمرأة الفلسطينية دور هام، حيث كانت هناك برامج خاصة للنساء قدمتها كل من الأديبة أسمى طوبي، وقدسية خورشيد.

وكانت المرأة الفلسطينية تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل في الإذاعة من مقدمات لنشرات أخبار ومحررات ومقدمات برامج خاصة، وتقديم الأغاني. وبالنسبة لأسمى طوبي فكانت من أقدم كاتبات فلسطين وأعرقهن في الحركتين الأدبية والوطنية، لها عدة كتب مطبوعة. وفي أواخر عهد الانتداب كانت رئيسة الاتحاد النسائي العربي في عكا. وقد قلدها مطران زحلة وسام قسطنطين المعظم تقديراً لجهودها في الإذاعة، وهذا أول وسام لقسطنطين الأكبر يقدم لامرأة، وقد حضر الحفل البدوي الملثم الذي قال شعراً فيها: فلسطينية وكفاك فخراً                بأقدس تربة وأعز آل[24].

كما كان للأطفال حصتهم في برامج الإذاعة مع برنامج “حديث الأطفال” كل سبت تقدمه الآنسة هنريت السكسك الملقبة باسم سعاد والتي تميزت ليس فقط بقراءة القصص بل بوجود الموسيقى والأغاني المخصصة لكل قصة، وكان هناك أيضاً مراسلون للشؤون الرياضية.

تعرضت الإذاعة في عام 1939م لهجوم من قبل العصابات الصهيونية راح ضحيته أكرم حسيني أول شهيد إعلامي فلسطيني[25].

أحس إبراهيم طوقان أن خصوماً يكيدون له لإقصائه عن الإذاعة بسبب برامجه الوطنية وتهجمه على الصهيونية. وشعر أن الصهاينة يدبرون خطة ضده خاصة عندما احتج أعيان الصهاينة على المواضيع التي تلقى من خلال الإذاعة من البرنامج العربي من تمثيليات وطنية أو أحاديث مشجعة ومحفزة لشعبه للانتقام من الصهاينة دون ذكرهم حرفيا، وكانت حجة الصهاينة أن هذه المواضيع التي يلقيها إبراهيم طوقان تحفز العرب إلى الثورة على اليهود. وبلغت قصائد إبراهيم طوقان 75 قصيدة، منها 40 قصيدة في القضية الوطنية[26].

كان إبراهيم طوقان يذكر الأمثال العربية والأحاديث الدينية والقصص الوطنية عبر الأثير، فكان المستعمرون الإنجليز والصهاينة يقولون له: إن فيها ما يدعو إلى الثورة لأنك تدعو فيها إلى القوة في تنشئة الأطفال وإعداد الجيل وإيقاظ الهمم[27].

كما تناول طوقان مواضيع كثيرة عبر الأثير لدرجة أن الرقابة على المواضيع التي كان يتناولها كانت يومية، وكان آخر موضوع للرقابة ومأخوذاً بالتأويل قصة عقد اللؤلؤ[28]، وقد دارت حوادثها حول الأمانة، واقتبسها طوقان من كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ، وقد اتهمه اليهود بتحريض الشعب على الثورة على الإنجليز واليهود، وإكراماً للصهاينة طلب الإنجليز من إبراهيم طوقان ترك العمل في الإذاعة الفلسطينية بعد أن عمل فيها مدة أربع سنوات كانت كلماته وشعره قد أغاظا الإنجليز.

إن قصة عقد اللولو كانت السبب المباشر لإقالة إبراهيم طوقان من الإذاعة الفلسطينية عام 1940م، إلا أن صديقه عمر فروخ يذكر أن السبب الأساسي لإقالة إبراهيم كانت قصيدة نظمها وكان مطلعها:  ورد وصحن وغيد في البجامات             يا شهر أيار يا شهر الكرامات

وفي هذه القصيدة تهجم إبراهيم على أشخاص أصدقاء للإنجليز ذكرهم بأسمائهم.

وفي عام 1941م توفي إبراهيم طوقان في نابلس عن عمر يناهز 36 عاماً، وقد رثاه صديقه عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) قال فيها:

كيف أرثيك يا أخي كيف قل لي            فالقوافي مروعات الكبود

عجز الشعر أن يقول رثاء                  قم تكلم في يومك المشهود

وكم هي حزينة مؤلمة مقدمة قصيدة أبي سلمى “أين أنت يا إبراهيم” حيث يقول: “أيها المار بنابلس، هناك على جانب الطريق قبر لوحته الشمس والريح، طيب ترابه يدل عليه، فمل إليه وسلم عليه، إنه قبر شاعر فلسطين إبراهيم طوقان”[29].

استمرت الإذاعة بالتطور والنهوض حتى بعد فصل إبراهيم طوقان منها وتنصيب عجاج نويهض[30]. والذي استمر في نفس الطريق وطورها.

لقد وضع نويهض شروطاً قدمها للسلطات الإنجليزية لقبول استلام وظيفة مدير القسم العربي بعد إبراهيم طوقان، ومن هذه الشروط[31]:

  1. أن يكون القسم العربي مستقلاً إدارياً تمام الاستقلال بموازنته وتعيين موظفيه.
  2. أن لا يتدخل أي عامل من جهة الحكومة في تسيير دفة العمل غير ما يتعلق بالأمور الفنية.
  3. أن لا يدخل يهودي مهما كان مركزه إلى مكاتب القسم العربي إلا الموسيقار المغني العراقي المشهور عازوري.

وهكذا رضخ الإنجليز لهذه الشروط وتولى عجاج نويهض القسم العربي قرابة 4 سنوات وبما أن الإنجليز خالفوا هذه الشروط لذا استقال فيما بعد محتجاً على عدم تلبية طلبات الإذاعة ليصبح عزمي النشاشيبي[32]، آخر مراقب في الإذاعة بعد أن حلت النكبة عام 1948م، حيث تم نقل الإذاعة إلى رام الله على أكتاف العاملين كون المبنى كان متواجداً في القسم الغربي لمدينة القدس والذي وقع تحت الاحتلال الصهيوني.

وفي اليوم الذي احتلت فيه مدينة القدس، أصر العاملون بالإذاعة على مواصلة بثهم من رام الله كي ينجحوا بإيصال رسالة أن “هنا القدس” ما زالت مستمرة وتبث نشرتها الإخبارية الساعة الثانية ظهراً كالمعتاد[33].

وكان قد عمل مع إبراهيم طوقان في الإذاعة الفلسطينية زوجته سامية عبد الهادي وعدد من الكتاب والإعلاميين والفنانين منهم:

ناصر الدين النشاشيبي، وحازم نسيبة، وربيحة الدجاني، وتوفيق أبو شريف وأكرم الحسيني، ومحمد بشناق، وعبد الحميد ياسين، وإميل حبيبي، ويحيى اللبابيدي، وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وغيرهم.

وهكذا “بدأ تاريخ الإذاعة في فلسطين عام 1936م حيث شهد ذاك العام والفترة التي تلته، حتى النكبة ظهور إذاعتي “هنا القدس” و”الشرق الأدنى”[34] اللتين كانتا تبثان برامجهما من مدينتي القدس ورام الله على التوالي، وكانت هاتان المحطتان تشكلان علامة ثقافية وفنية هامة في منطقة بلاد الشام (سوريا والأردن وفلسطين)، وكان القسم العربي في إذاعة “هنا القدس” التي كانت بإدارة بريطانيا (نظراً لخضوع فلسطين آنذاك للانتداب البريطاني) رائداً في استقطاب الكثير من الأدباء والفنانين العرب، إضافة إلى أقرانهم من الفلسطينيين الذين شكلوا نواة فنية وثقافية عملت على تطوير برامج الإذاعة ونشاطاتها وساهمت في تطوير الحياة الثقافية والفنية في المجتمع الفلسطيني الذي كان آنذاك منهمكاً بتطوير هويته الوطنية بثبات وعزيمة”[35].

كانت محطة الإذاعة الفلسطينية عند تأسيسها عام 1936م تشغل غرفتين من غرف فندق بالاس الواقع في شارع مأمن الله في القدس، وفي أوائل الحرب العالمية الثانية أي عام 1939م انتقلت إلى دار كبيرة مكونة من تسع غرف للإذاعة وخمس غرف للأعمال الهندسية، كانت مدة البرنامج اليومي عشر ساعات ونصف الساعة مقسمة كما يأتي (أربع ساعات ونصف باللغة العربية، وثلاث ساعات ونصف باللغة العبرية، وساعتين ونصف باللغة الإنجليزية)، وعند افتتاح المحطة كان عدد أجهزة الراديو في البلاد ما يقرب من 21,000 راديو. وكانت قوة المحطة 20 كيلو واط وتبث على 44901 متراً بما يساوي 668 كيلو سايكل[36].

وقد صدر كتاب عن الإذاعة الفلسطينية مفصلاً عن العاملين في المحطة والنشاطات التي قاموا بها وكذلك عن أعلام الفن العربي، وذكر الأدباء والمثقفون في البرامج الإذاعية عن أهداف الإذاعة منها مقاومة السياسة البريطانية ومخالفة القوانين الصارمة التي أحدثتها الحكومة لتكبيل أيدي القائمين على إدارة القسم العربي، كذلك توعية الشعب الفلسطيني إلى الأخطار المحدقة به والدسائس التي كانت تحاك له في الخفاء، وتذكيره بتاريخه المجيد وأبطاله الذين خاضوا المعارك والحروب ورفعوا اسم العرب عالياً وكان ذلك عن طريق الأحاديث والقصص وبرامج الأطفال والمسرحيات والأغاني، أما أهداف الإذاعة لدى المستعمر فهي إعاقة الجهود العربية للدفاع عن فلسطين[37].

وفي أواخر الثلاثينات قررت إدارة الإذاعة بأن تخصص طاقماً إذاعياً ميدانياً ليقوم بجولات حول المدن والقرى الفلسطينية والإطلاع على الحالة الاجتماعية والسياسية. وكانت تجري مقابلات شخصية مع الفلاحين والمربين وأصحاب المتاجر والمسارح ونخبة من المثقفين على أن يتكلل هذا الجهد على شكل تقرير يبث فيما بعد في الإذاعة مع بعض المداخلات من مقدم البرنامج.

ومن أهم البرامج التي سعت إليها الإذاعة هي مرافقة الحجاج إلى موسم الحج للديار الحجازية عام 1940م، حيث كان مراسل الإذاعة ينقل أخبار القافلة والحجيج مدة مكوثهم في الحجاز، وقام بتغطية هذا البرنامج الشاعر إبراهيم طوقان من على منبر الإذاعة، وقد استهل حديثه بنشيد قدمه خصيصاً للحجاج بعنوان “أشواق الحجاز” وقد قام بتلحينه الموسيقار ابن عكا يحيى اللبابيدي مدير قسم الموسيقى في الإذاعة، وهذه هي الأبيات الشعرية:

بلاد الحجاز إليك هفا              فؤادي وهام بحب النبي

وياحبذا زمزم والصفا         ويا طيب ذاك الثرا الطيب[38]

تكونت مكتبة ضخمة في دار الإذاعة الفلسطينية في زمن الانتداب البريطاني ثم انتقلت إلى رام الله عام 1948م، وأصبحت هي المكتبة الأولى في رام الله وقد تعرضت لهجوم من قبل الصهاينة، وتم الاستيلاء على كمية كبيرة من الكتب وتم تدميرها بحجة التحريض على الاحتلال.

وكانت تعقد في المكتبة اللقاءات والندوات والمناقشات حول مختلف المواضيع ويذكر المؤرخ الفلسطيني عمر صالح البرغوثي أنه كان يُدعى من أجل إلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات والنقاشات في هذه المكتبة، وفي كثير من الأحيان كانت الإذاعة تبث هذه المحاضرات عبر أثيرها.

وقد صدرت مجلة لإذاعة “هنا القدس” تحمل نفس التسمية “هنا القدس” واحتوت على مادة زخمة من الصور والتقارير التي تصور الحرب التي شنتها بريطانيا ضد ألمانيا وقد احتوت على رسومات كاريكاتورية مسيئة للعدو الألماني ومئات الصور للطائرات والأسطول البحري البريطاني[39].

انتقلت الإذاعة الفلسطينية من مقرها في بيت المقدس إلى رام الله عام 1948م بسبب سقوط القسم الغربي من مدينة القدس وظلت تبث أنفاسها العربية إلى أن جاء اليوم المشؤوم 15/5/1948م وهو النكبة.

تسلمت الحكومة الأردنية هذه الإذاعة في 15/5/1948م وأطلق عليها اسم محطة الإذاعة الأردنية الهاشمية، علماً أن الإذاعة بقيت عاملة في رام الله لغاية عام 1967م. ثم توقفت واستأنفت عملها مرة أخرى عام 1994م، بعدما نقلت الإذاعة الفلسطينية من أريحا عند دخول السلطة الوطنية الفلسطينية إليها عام 1993م، لكن قوات الاحتلال تمكنت من تدمير الكثير من منشآتها وخاصة الأعمدة العالية الموضوعة منذ عام 1936م بحجة أن الإذاعة تدعو إلى التحريض على الاحتلال وذلك سنة 2001م أثناء اجتياح مرير لمدينة رام الله قتل به العشرات وهدمت الكثير من البنايات بفعل القصف الجوي والأرضي الشديدين[40] وتم إسقاط أعلى الأعمدة الحديدية في رام الله من قبل جيش الاحتلال.

 الخاتمة

وقعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني واحتل الإنجليز فلسطين عام 1917م وخطط الإنجليز بالتعاون مع الصهاينة لسلخ فلسطين عن الجسم العربي وزرع إسرائيل فيها، كما خططوا لتصبح فلسطين يهودية كما هي إنجلترا إنجليزية وفرنسا فرنسية، ومن مخططاتهم إقامة محطة إذاعة فلسطينية تبث فيها اللغة العبرية لأول مرة في التاريخ، وظن الفلسطينيون آنذاك أنها فلسطينية دماً ولحماً ولم يعلموا أنها ستكون لمصلحة الصهاينة أولاً خاصة عندما قالوا أرض إسرائيل بدلاً من فلسطين.

لقد تم افتتاح محطة الإذاعة قبل أسابيع قليلة من الإضراب الفلسطيني الكبير، وهذا جاء من رعاية الله للفلسطينيين لأن المذيعين العرب نبهوا الشعب على الأخطار التي تواجه الشعب الفلسطيني سواء من الصهاينة أو من الأعمال الإنجليزية، وكانت النتيجة أن تعاون الإنجليز مع الصهاينة على طرد إبراهيم طوقان الذي كان يدير البرنامج العربي وقالوا عنه إنه يشجع على الإرهاب ويحث الشعب الفلسطيني على الثورة.

كما خطط الإنجليز أن تكون الإذاعة بعيدة عن السياسة بل تعليم الفلاح عبر الأثير الأمور الزراعية والفلاحة وغيرها من أعمال يدوية وليست فكرية. ولكنهم فشلوا في تخطيطهم، بل وقف المذيع العربي مع الثورة والإضراب وهذا أدى إلى الشكاوى الصهيونية إلى الإنجليز بإسكات الصوت العربي وقد حقق الصهاينة بعض النجاح لأن المحطة تبث بالعربية والإنجليزية والعبرية.

المصادر والمراجع:

  1. أحمد مروات: إذاعة هنا القدس. 1/6/2007م diwanalarab.com
  2. بيان الحوت: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، دار الأسوار، عكا.
  3. تيسير جبارة: تاريخ فلسطين. دار الشروق، عمان، 1998م.
  4. جامعة النجاح الوطنية، مركز التوثيق والمخطوطات والنشر، حفل منح الدكتوراه الفخرية للشاعرة فدوى طوقان 28/11/1998م.
  5. جريدة الدفاع، عدد 566 بتاريخ 31/3/1936م، وعدد 568 بتاريخ 2/4/1936م، وعدد 569 بتاريخ 3/4/1936م، وعدد 579 بتاريخ 13/4/1936م.
  6. جريدة اليرموك، 18/10/1925م.
  7. جريدة فلسطين، عدد 127/3328 بتاريخ 26/8/1936م، وبتاريخ 24/9/1936م، وعدد 154/3345 بتاريخ 30/9/1936م.
  8. جريدة القدس، بتاريخ 15/4/1995م.
  9. جريدة الثورة “هنا القدس” تاريخ الإذاعة الفلسطينية 1/9/2010م، تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، alwehda.gov.sy
  • ديوان إبراهيم طوقان، مطبعة دار الكشاف. ط1، بيروت، 1955م.
  • صبحي محمد عبيد: شعر عبد الكريم الكرمي (أبي سلمى) دار الشيماء، رام الله، 2009.
  • عمر نزال: إذاعة فلسطين الأولى، هنا القدس. مجلة تصدر عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية، مدى رقم 42 madcenter.org
  • هاني أبو غضيب: فدوى طوقان. منشورات دار الزيتونة، 1983.
  • نصري الجوزي المقدسي: تاريخ الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” 1936–1948م.

دراسة توثيقية صادرة من سلسلة آفاق ثقافية، amazonaws.com

وزارة الثقافة. دمشق ويقع في 406 صفحات.

  • هنا القدس، كواليس أول دار إذاعة فلسطينية زمن الانتداب arabs48.com
  • وفا، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني pswafainfo.ps
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة، مكتبة دار الإذاعة، رام الله wikipedia.org

الهوامش:

[*]  جامعة القدس المفتوحة – فرع رام الله والبيرة.

[1] عمر نزال: إذاعة فلسطين الأولى، هنا القدس. مجلة تصدر عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية مدى، رقم 42 www.madacenter.org

[2] المصدر نفسه.

[3] المصدر نفسه.

[4] جريدة الدفاع. عدد 566 بتاريخ 31/3/1936م.

[5] تيسير جبارة: تاريخ فلسطين. دار الشروق – عمان، عام 1998م. ص 92.

[6] جريدة الدفاع، مصدر سبق ذكره، عدد 566.

[7] جريدة اليرموك، 18/10/1925م.

[8] مجلة الدفاع، مصدر سبق ذكره.

[9] الدفاع 2/4/1936م، عدد 568.

[10] المصدر نفسه.

[11] الدفاع، 3/4/1936م، عدد 569.

[12] نصري الجوزي المقدسي: تاريخ الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس”، 1936– 1948م، ص9.  www.amazonaws.com

[13] المصدر نفسه، ص 10.

[14] الدفاع، مصدر سبق ذكره.

[15] الدفاع، 13/4/1936م، عدد 579.

[16] جريدة فلسطين، 26/8/1936م، عدد 127/3328.

[17] المصدر نفسه.

[18] جريدة فلسطين بتاريخ 24/9/1936م.

[19] جريدة فلسطين، 30/9/1936م، عدد 154/3345.

[20] جامعة النجاح الوطنية، مركز التوثيق والمخطوطات والنشر، حفل منح الدكتوراه الفخرية للشاعرة فدوى طوقان 28/11/1998م، ص 30.

ولد إبراهيم طوقان في مدينة نابلس عام 1905م وتلقى تعليمه الابتدائي فيها ثم التحق بمدرسة المطران في القدس وعمره أربعة عشر عاماً، وانتقل سنة 1922م إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، وظل بعد ذلك متنقلاً بين نابلس وبيروت والقدس وبغداد والقاهرة، نشر إبراهيم طوقان عام 1924م قصيدة ملائكة الرحمة التي لفتت إليه الأنظار، ولقبته الصحف بشاعر الجامعة، عمل مدرساً في مدرسة النجاح الوطنية بنابلس عاماً واحداً. ألف قصيدة الثلاثاء الحمراء بسبب الإعدامات التي قام بها الإنجليز في 17/6/1930م في إعدام فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم. أقالته سلطات الانتداب عام 1940م من الإذاعة الفلسطينية، وتوفي بنابلس عام 1941م وعمره 36 عاماً.

[21] بيان الحوت: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، دار الأسوار– عكا، ص 892.

[22] زكي المحاسني: شاعر فلسطين إبراهيم طوقان، دار الفكر العربي، 1955. ص 40.

[23] هنا القدس. كواليس أول دار إذاعة فلسطينية في زمن الانتداب. www.arabs48.com

[24] نصري الجوزي، مصدر سبق ذكره، ص 41.

[25] هنا القدس، كواليس، مصدر سبق ذكره.

[26] هاني أبو غضيب: فدوى طوقان. منشورات دار الزيتون، 1983م، ص 30.

[27] المصدر نفسه، وقد نشر المقال في صحيفة القدس بتاريخ 15/4/1995م.

[28] نصري الجوزي المقدسي: تاريخ الإذاعة الفلسطينية، “هنا القدس”، 1936 – 1948م، ص 20.

[29] صبحي محمد عبيد: شعر عبد الكريم الكرمي (أبي سلمى). دار الشيماء، رام الله، 2009م، ص 192.

وكتبت فدوى طوقان ديواناً بعنوان “إلى روح شقيقي إبراهيم”.

[30] عجاج نويهض هو محرر جريدة العرب التي كانت تصدر في القدس، وأصدر كتاب حديث الإذاعة من 272 صفحة.

[31] نصري الجوزي المقدسي، مصدر سبق ذكره. ص 21.

[32] عزمي النشاشيبي هو أول من حصل على دبلوم الصحافة من إنكلترا وساهم في تحرير جريدة فلسطين باللغة الإنجليزية. وهو ثالث مدراء القسم العربي في الإذاعة، من مواليد القدس، وأثناء إدارته للقسم العربي ما بين 1944–1948م كان يذيع حديثاً أسبوعياً عنوانه “بيني وبين المستمعين”، يعالج مواضيع الساعة ويرد على أسئلة القراء وشكاواهم ويوجههم إلى ما يريد توجيهه. وفي عهده كان البث المباشر من الحرم الشريف والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وكنيسة المهد وأماكن أخرى للعبادة الإسلامية والمسيحية.

[33] “هنا القدس” كواليس أول دار إذاعة فلسطينية في زمن الانتداب www.arabs48.com

[34] إذاعة الشرق الأدنى أسستها بريطانيا عام 1943م وكان مقرها في جنين ثم انتقلت إلى يافا ثم إلى القدس عام 1947م.

[35] مركز المعلومات الوطني الفلسطيني وفا wafainfo.ps

[36] جريدة الثورة، تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر. هنا القدس، تاريخ الإذاعة الفلسطينية 1/9/2010 thawra.alwehda.gov.sy

[37] نصري الجوزي: تاريخ الإذاعة الفلسطينية (هنا القدس دراسة توثيقية). صادر في سلسلة آفاق ثقافية. الكتاب الشهري عدد 83 صادر عن وزارة الثقافة دمشق ويقع في 406 صفحات.

[38] أحمد مروات: إذاعة هنا القدس 19/6/2007م www.diwanalarab.com

[39] المصدر نفسه.

[40] ويكيبيديا الموسوعة الحرة. مكتبة دار الإذاعة، رام الله ar.wikipedia.org/wiki