مهند مصطفى[1]

[1] مدير عام مدى الكرمل: المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية

 جرت انتخابات الكنيست الـ22، أيلول (سبتمبر) 2019، بعد فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة في أعقاب انتخابات نيسان (أبريل) 2019، وذلك بسبب رفض حزب “يسرائيل بيتينو” برئاسة أفيغدور ليبرمان الانضمام للحكومة بذريعة تمسكه بقانون التجنيد لليهود الأرثوذكس (الحريديم)، وامتناع نتنياهو عن إعادة مكتوب التكليف لرئيس الدولة وتشريعه لقانون حلّ الكنيست. صوتت القائمتان العربيتان في الكنيست الـ21، تحالف الجبهة والعربية للتغيير وتحالف الموحدة والتجمع، مع حلّ الكنيست. ويُمكن تفسير الأسباب التي دفعت اللاعبين المذكورين إلى تأييد حلّ الكنيست إلى الأسباب التالية:

أولا: رهان نتنياهو على حصول كتلة اليمين، بدون حزب ليبرمان، على 61 مقعدا على الأقل، لا سيّما أن هذه الكتلة حصلت في انتخابات نيسان على 60 مقعدا، فضلا عن خسارة اليمين لحوالي 290 ألف صوت نتيجة فشل قوائم يمينية من اجتياز نسبة الحسم. وهو رهان خاسر كما بينت نتائج الانتخابات، حيث حصلت هذه الكتلة على 55 مقعدا.

ثانيا: رهان ليبرمان على تعزيز تمثيله الانتخابي، مستغلا تصوير ذاته كسد منيع أمام “دولة شريعة” في إسرائيل، مطالبا بإقامة حكومة وحدة وطنية علمانية ليبرالية (ليبرالية تتعلق بسؤال الدين والدولة فقط). وهو رهان ناجح بالنسبة له بحصوله في هذه الانتخابات على 8 مقاعد. وتحوّله لرقم صعب في معادلات تشكيل الحكومة.

ثالثا: رهان القائمتين العربيتين على تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها، والذي تمثل، تحديدا وأساسا، في تفكيك القائمة المشتركة، مما أدى إلى تراجع التمثيل العربي في الكنيست إلى عشرة، وساهم في ارتفاع نسبة المقاطعين/الممتنعين في الانتخابات إلى النصف تقريبا. وهو رهان ناجح حيث أعادت القائمة المشتركة إنجازها الانتخابي الذي حققته في انتخابات عام 2015، بحصولها على 13 مقعدا أيضا في الانتخابات الحالية.

أفشل ليبرمان تشكيل حكومة يمين في نيسان (أبريل)، وأفشلها في أيلول (سبتمبر)، على الرغم من أن ليبرمان يعتبر نفسه يمين، ورغم المناصب التي عُرضت عليه في المحاولتين، منها اقتراح غير رسمي بتبادل رئاسة الحكومة مع نتنياهو في حالة انضم إلى ائتلاف اليمين، فإن ليبرمان رفض كل هذه العروض، وذلك لمحاولته إنتاج اصطفاف جديد في المشهد الحزبي السياسي، فمكان يمين ويسار (والأصح يمين وغير يمين) إلى تيار صهيوني علماني مقابل الأحزاب الدينية. وبذلك فإنه يستأنف على فكرة كتلة اليمين الصلبة التي تشكلت في السنوات الأخيرة التي تكونت من الليكود والأحزاب الدينية وليبرمان.

إن القناعة عند اليمين أن الموضوع الفلسطيني حُسم، ساعد ليبرمان على إعلاء شأن موضوع الدين والدولة، وهذا يفسر غياب السجال حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي ظهر في محاولة دعائية استعملها نتنياهو لجذب مصوتين من أحزاب اليمين الديني القومي، ولكن هذا الملف لم يكن محلاً لنقاش حقيقي في الساحة الإسرائيلية، مكّن ذلك ليبرمان من العودة إلى قواعده التي أصابها خيبة الأمل منه فيما يتعلق بتراجعه أمام صعود نفوذ وتأثير الأحزاب الدينية. بعد تراجعه في انتخابات نيسان (إبريل) والخطر الذي أحدق به بعدم عبور نسبة الحسم، اتخذ ليبرمان قرارا استراتيجيا برفع لواء الدولة العلمانية أمام مشروع دولة الشريعة المُتخّيل. وركز جُلّ خطابه على مهاجمة الأحزاب الدينية سواء الأرثوذكسية أو الدينية القومية، لا بل أنه هاجم واحدة من المعاقل “المقدسة” في الصهيونية الدينية، وهي المدارس الدينية العسكرية التي يلتحق طلابها في السنوات الأخيرة في وحدات النخبة ووحدات الاشتباك الأرضية، وهو مؤشر إلى النقطة القصوى التي ذهب بها ليبرمان في خطابه ضد المؤسسات الدينية المختلفة.

حاول نتنياهو عبر الجولة الثانية من الانتخابات الحصول على 61 مقعدا على الأقل لكتلة اليمين بدون حزب يسرائيل بيتينو برئاسة ليبرمان، كان رهانه الأساسي يعتمد على مقاربة نتائج انتخابات نيسان، حيث حصلت فيها كتلة اليمين على 60 مقعدا (بدون ليبرمان) وأهدرت قوائم يمينية لم تتجاوز نسبة الحسم حوالي 290 ألف صوت. اعتقد نتنياهو أنه من خلال تكتل قوائم اليمين من جهة، وزيادة نسبة التصويت في قواعد اليمين التقليدية من جهة ثانية، وضرب تمثيل ليبرمان بين المصوتين الروس سيضمن له ائتلاف حكومي مع شركائه الطبيعيين. من أجل تحقيق هذا الهدف قام نتنياهو بالخطوات التالية:

–  ضم قائمة كولانا برئاسة موشيه كحلون إلى الليكود، القائمة التي حصلت على 4 مقاعد في انتخابات نيسان.

 عقد اتفاق مع كتلة “زيهوت” (هوية) برئاسة موشيه فيغلين، والذي حصل على حوالي 80 ألف صوت في انتخابات نيسان، بحيث تتنحى القائمة عن الانتخابات وتدعم الليكود.

ثالثا: شجع إقامة كتلة “يمينا” (إلى اليمين) التي تضم قائمة اتحاد أحزاب اليمين التي حصلت في انتخابات نيسان على خمس مقاعد، وقائمة “اليمين الجديد” برئاسة نفتالي بينيت واياليت شاكيد والتي تتجاوز نسبة الحسم ولكنها حصلت على حوالي 140 ألف صوت.

 التخويف من الصوت العربي عبر سلسلة من التصريحات ضد المجتمع العربي، على غرار تصريحه في انتخابات 2015، بأن “العرب يهرولون للصناديق” من أجل تحفيز التصويت في صفوف قواعده الانتخابية التقليدية.

–  صرف الملايين على الدعاية الانتخابية في صفوف الروس لضرب حزب ليبرمان، بزعم أن الأخير يتحالف مع اليسار، ويخون قواعده الروسية اليمينية.

اعتقد نتنياهو أن هذه الخطوات سوف تضمن له الحصول على كتلة يمينية يستطيع من خلالها تشكيل الحكومة بدون الحاجة إلى ليبرمان، إلا أن نتائج الانتخابات كشفت عن فشل هذا الرهان الانتخابي، فتراجع تمثيل الليكود من 35 مقعدا إلى 31 مقعدا، والحقيقة أن التراجع هو أكبر من ذلك، فالليكود عمليا بعد انضمام حزب كحلون له أصبح 39 مقعدا، وبانضمام فيغلين الذي حصل على أصوات توازي مقعدين، يكون لدى الليكود في حساب الأرقام الجافة 41 مقعدا. فضلا على أن رهانه أن قائمة يمينا سوف تعزز من تمثيلها كان فاشلا، فهذا التحالف، بحساب الأرقام الجافة، بناء على نتائج انتخابات نيسان كان يجب أن يحصل على تسعة مقاعد، غير أنه حصل على سبعة مقاعد، فيما حافظ حزب يهدوت هتوراه على تمثيله بواقع 8 مقاعد وزادت حركة شاس تمثيلها من 8 مقاعد إلى 9 مقاعد.

بناء على هذه النتائج، حصلت كتلة اليمين (بدون ليبرمان) على 55 مقعدا، في حين حصلت في انتخابات نيسان على 60 مقعدا. يمكن إرجاع فشل رهان نتنياهو على الأسباب المركزية التالية:

أ.  تحريضه على المجتمع العربي ساهم في رفع نسبة التصويت في صفوف العرب من 50% في نيسان إلى 60% في الانتخابات الأخيرة، وهو ما أدى إلى ارتفاع التمثيل العربي من 10 مقاعد إلى 13 مقعدا، حاول نتنياهو من خلال تحريضه إلى تحفيز جمهوره للتصويت، غير أنه حفز الجمهور العربي للتصويت بدل ذلك، وبات واضحا أنه كلما شارك العرب في الانتخابات تراجع تمثيل اليمين.

ب.  استطاع ليبرمان أن يأخذ ثلاثة مقاعد من اليمين، لا سيما من جمهور الليكود، الذي يعتبر أن سؤال الدين والدولة مسألة هامة، تقهقر فيها الليكود أمام الأحزاب الدينية، لا سيما أن الموضوع الفلسطيني لم يكن حاضرا في الانتخابات، فارتفع شأن قضية الدين والدولة، وتعزيز تحالف الليكود مع الأحزاب الدينية، وهو ما أدى إلى انتقال مصوتين من الليكود إلى حزب ليبرمان.

ثالثا: السأم العام في صفوف قطاعات يمينية تقليدية وليبرالية من سيطرة نتنياهو على حزب الليكود، وانتهازيته المفرطة في استغلال القوة السياسية التي يملكها في مكتب رئاسة الحكومة من أجل الدفع بمصالحه الخاصة، تراهن هذه القطاعات على تغيير نتنياهو من داخل الليكود في حالة فشل في الانتخابات، وترى في حكومة الوحدة الوطنية الحلّ الأنسب لإسرائيل في هذه المرحلة، لا سيّما أن حزب كاحول لفان يضم بين صفوفه شخصيات يمينية تقليدية وليبرالية لا ترى في التحالف مع الليكود مشكلة لديها ولكنها ترغب في تغيير نتنياهو.

جدول: نتائج انتخابات 2019

القائمة نيسان 2019 أيلول 2019
الليكود 35 31
كحول لفان (أزرق أبيض) 35 33
حزب العمل 6 6 (بتحالف مع غيشر)
كولانا 4 0 (انضم لحزب الليكود)
يهدوت هتوراه 8 8
شاس 8 9
يسرائيل بيتينو 5 8
ميرتس 4 5 (بتحالف مع ايهود براك)
أحزاب اليمين 5 (اتحاد أحزاب اليمين) 7 (يمينا)
القائمة المشتركة 10 (ضمن قائمتين) 13
المجموع 120 120

أشارت الانتخابات إلى انهيار حزب العمل، العمل الذي أسس الدولة. بعد تقهقر حزب العمل في انتخابات نيسان بقيادة افي غباي (الشرقي) انتخب حزب العمل عمير بيرتس (الشرقي)، قاد بيرتس حزب العمل سابقا، ودخل إلى حكومة ايهود أولمرت كوزير للدفاع. لم يغير بيرتس من خطابه الانتخابي، ووعد بجذب مصوتين من الليكود، لا سيما الشرقيين، وهو نفس الوعد الذي ذكره في مرات سابقة، فضل بيرتس ابرام تحالف مع حركة “غيشر” (جسر) برئاسة اورلي ليفي-اباكسيس، وهي ابنة وزير الخارجية السابق من حزب الليكود دافيد ليفي، على دعوته للتحالف مع ميرتس وايهود براك. راهن برتس أن هذا التحالف سوف يعزز من آماله بجذب أصوات من اليمين المحافظ، ورفع تمثيل الحزب في الكنيست، تشير نتائج الانتخابات أن رعان بيرتس كان خاسرا، فلم يساهم هذا التحالف في رفع تمثيل الحزب، فقد بقي على حاله 6 مقاعد، وهكذا خسر الحزب مقعدا واحدا تشغله أورلي ليفي. تشير التحليلات الإسرائيلية أن بقاء حزب العمل على الخارطة السياسية كان بسبب تراجع حزب كاحول لفان عن “شفط” المزيد من المصوتين من الحزب خشية أن يخسر الانتخابات ويتراجع عدد مقاعد المعسكر الداعم للحزب، يمكن القول أن حزب العمل في الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين يشارف على إسدال الستار بشكل نهائي عن هذا الحزب الذي أقام دولة إسرائيل.

التصويت في المجتمع الفلسطيني:

وصلت نسبة التصويت في المجتمع العربي في هذه الانتخابات إلى حوالي 60%، مقارنة مع 49% في نيسان الماضي. حصلت القائمة المشتركة على 470.611 صوتا، أي ما يعادل 10.62% من مجمل الناخبين، وما يعادل 80% من مجمل الأصوات العربية، بينما ذهبت باقي الأصوات للأحزاب الصهيونية. للمقارنة، حصلت القائمتان العربيتان (تحالف الجبهة والعربية للتغيير وتحالف الموحدة والتجمع) في نيسان على 337.108 صوتا، بما يعادل حوالي 70% من مجمل الأصوات في المجتمع العربي، والباقي (30%) ذهبت لأحزاب صهيونية. وللمقارنة مع نتائج القائمة المشتركة في انتخابات عام 2015، فقد حصلت القائمة على 446.583 صوتا، بنسبة وصلت إلى 10.61% من مجمل الأصوات، وما يعادل حوالي 82% من الأصوات في المجتمع العربي[2].

جدول: المقارنة بين الدورات الانتخابية الثلاث الأخيرة في المجتمع العربي

  2015 نيسان 2019[3] أيلول 2019
عدد الأصوات للقائمة المشتركة 446.583 337.108 470.611
عدد المقاعد 13 10 13
نسبة المصوتين للقائمة المشتركة 82% 70% 80%
نسبة المصوتين للأحزاب الصهيونية 18% 30% 20%
نسبة الامتناع عن التصويت 35% 51% 40%

كان إعادة تشكيل القائمة المشتركة الرهان الانتخابي الناجح الوحيد في هذه الدورة، حصلت القائمة المشتركة على 470 ألف صوت، صوت 80% من العرب للقائمة المشتركة، ووصلت نسبة التصويت الى 60% بعد تراجعها الى 49% في نيسان الماضي. ساهمت عوامل كثيرة في رفع التمثيل العربي من 10 مقاعد في نيسان إلى 13 مقعد في أيلول، وأهمها: تشكيل القائمة المشتركة من جديد، تحريض نتنياهو على العرب دفع الكثير من الممتنعين للتصويت لتحدي تحريضه، الخوف من صعود اليمين من جديد للحكم، وغيرها من الأسباب.

ركزت القائمة المشتركة في الدعاية الانتخابية على القضايا المدنية، وأهمية التمثيل العربي في إضعاف تمثيل اليمين الإسرائيلي، وأهمية رفع التمثيل العربي في الكنيست لمواجهة القوانين العنصرية، في مقابل تراجع خطابها في القضية الوطنية والحقوق الجماعية. تماهى هذا الخطاب مع توجهات الجمهور العربي التي تضع القضايا المدنية والاجتماعية-الاقتصادية على رأس اهتمامها، ولكن أيضا انسجاما مع الخطاب السياسي للجبهة التي هيمن خطابها على القائمة المشتركة من خلال الحضور الإعلامي (خاصة في الإعلام الإسرائيلي) لرئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة، واكتفت المركبات الأخرى إما بالتحفظ على هذا الخطاب، أو معارضته أو الموافقة عليه في مسائل معينة، دون أن يلحق ذلك إصدار بيان رسمي من القائمة يوضح من المسائل الخلافية التي ظهرت في الحملة الانتخابية.

وظهر التباين بين مركبات المشتركة خلال الحملة الانتخابية في ثلاث قضايا: الأولى التركيز على إسقاط نتنياهو واليمين كصلب الخطاب الدعائي للقائمة المشتركة. وثانيا: إمكانية أن تكون القائمة المشتركة كتلة مانعة في حكومة غير يمينية لتحصيل مطالب مدنية للمجتمع الفلسطيني، مستحضرين تجربة الكتلة المانعة في حكومة يتسحاق رابين (1992-1995)، حيث نشرت الحركة العربية للتغيير بشكل مستقل شروطا للموافقة على انضمام العرب ككتلة مانعة في الحكومة الإسرائيلية. وثالثا: في موضوع التوصية على غانتس عند رئيس الدولة لتشكيل الحكومة، وهي نقطة سترافق القائمة المشتركة بُعيد الانتخابات.

غياب الموضوع الفلسطيني عن خطاب القائمة المشتركة لم يكن انسجاما مع المزاج العام العربي المُطالب بالتركيز على القضايا المدنية فحسب، بل أيضا مع غياب القضية الفلسطينية عن مجمل الخطاب الإسرائيلي خلال الحملة الانتخابية، باستثناء التصريحات التي أطلقها نتنياهو عن نيته ضم غور الأردن، والمستوطنات في الضفة الغربية. والتي أشغلت المشهد السياسي الإسرائيلي بهذا الموضوع لوقت قصير جدا، سرعان ما عادت الدعاية الانتخابية على طرح القضايا الداخلية.

إسرائيل وكتلة اليمين المهيمنة

يتشكل المشهد السياسي والحزبيّ الإسرائيليّ كنظام حزبي مهيمن، وهو يختلف عن فترة “مباي” كحزب مهيمن في العقدين الأوليين من قيام دولة إسرائيل، وذلك لمركزية المعسكرات الحزبية التي أحدثت قطيعة مع منظومتين خبرها النظام السياسي الإسرائيلي، منظومة الحزب المهين حتى عام 1973، ومنظومة الحزبين الكبيرين حتى عام 1996. انتهت المنظومة الأولى مع صعود حزب الليكود في انتخابات 1973 كحزب منافس لحزب مباي التاريخيّ، والتي بلغت ذروتها في “الانقلاب” السياسي عام 1977 بصعود الليكود برئاسة مناحيم بيغن لأول مرة إلى الحكم، بينما انتهت المنظومة الثانية عام 1996، عندما تم الانتقال مرحليا إلى الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة حتى انتخابات 2001، والتي قوضت الحزبين الكبيرين.

يتميز نظام الحزب المهيمن الجديد بمركزية المعسكرات الانتخابية على حساب الأحزاب الكبيرة، ولكنها تنذر بتشكيل مرحلة الحزب المهيمن، وذلك رهان بتطورات عديدة في المرحلة القادمة على الصعيد الانتخابي في إسرائيل. تمثلت مرحلة نظام الحزبي المهيّمن في عدة تطورات على السياسة الإسرائيلية، أهمها: صعوبة سيولة الأصوات بين المعسكرات وبقاءها داخل المعسكرات نفسها، إعلان أحزاب المعسكر عن تأييدها المسبق لمرشح المعسكر السياسيّ لرئاسة الحكومة حتى قبل إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وجزء من هذا السلوك نابع من الحقيقة الأولى المتمثلة ببقاء الحراك الانتخابيّ للمصوتين داخل المعسكر نفسه، ولكنه أيضا نابع من انغلاق المعسكرات على نفسها وصعوبة بناء تحالفات بينها، وإن حدث ذلك فإنها ستؤثر على مستوى الحوكمة في السلطة التنفيذية، وهو ما شهدته إسرائيل في الآونة الأخيرة من عجزها عن تشكيل حكومة. حيث تآكلت المرحلة البرغماتية السياسية في خيارات الائتلاف الحكومي، المتعلقة بانغلاق المعسكرات على نفسها الآخذة بالتعمق، ولا يعني ذلك أن هذا الانغلاق هو محكم وغير قابل للتغيير، ولكنه أكثر انغلاقا مقارنة مع الدورات السابقة، فالأحزاب التي تشكل الحكومة باتت معروفة في كل معسكر قبل إعلان نتائج الانتخابات، فكل حزب صار يحدد مسبقا الشخص المفضل لرئاسة الحكومة، أو الشخص الذي لا يرغب بمشاركته الحكومة، وغلبة معسكر اليمين على تشكيل حكومة “طبيعية” من معسكره فقط بعكس المعسكر المقابل الذي يحتاج الى شركاء من المعسكر المقابل لتشكيل الحكومة، وما قرار ليبرمان إلا استثناء من أجل إعادة تجديد قوته الانتخابية. ولكن إذا اعتبرنا أحزاب المركز أحزاب يمين سياسيا والأحزاب الدينية أحزاب ذات توجهات يمينية وخاصة حركة شاس فإن معسكر اليمين هو المعسكر الأكبر في السياسة الإسرائيلية، منذ أكثر من عقد ونصف، فبداية تبلور النظام الحزبي المهيمن بدأ منذ ذلك ولكنه تعزز بشكل كبير في هذه الانتخابات. وما حزب “أزرق أبيض” إلا حزب يميني ليبرالي يواجه حزب يمين أكثر تطرفا وهو حزب الليكود.

أما التطور الثالث والأهم فهو غياب التنافس الحقيقي على تشكيل الحكومة بين الأحزاب، فمنذ انتخابات 2013 ينفرد الليكود بتشكيل الحكومة دون منافس، وقبله كان حزب “كاديما” الذي أسسه شارون وهو أيضا حزب يميني رغم ادعاءه بانه حزب المركز. ويشكل حزب أزرق أبيض وهو بتعريفه حزب يمين ليبرالي يشترك مع الليكود بالكثير من المواقف السياسية، فإنه لا يستطيع تشكيل حكومة بدون الليكود أو أحد أحزاب اليمين الذي يشكلون كتلة يمين مع الليكود. وعلى المستوى التاريخي يكون اليمين بتشكيله الحكومة القادمة، سواء الليكود أو أزرق أبيض بتحالف من الليكود، فانه يكون قد حكم إسرائيل سنوات أكثر مما حكم اليسار. أما الحقيقة الرابعة فهي كون الليكود الحزب الوحيد الذي له حضور في كل الطبقات الاجتماعية في المجتمع اليهودي، على عكس معسكر اليسار الذي ينحصر حضوره في الطبقة الوسطى المدينية العليا فقط، رغم طروحاته الاجتماعية التي تنسجم مع مصالح الطبقات الوسطى والدنيا.

أكدت دورتي الانتخابات عام 2019، على انسجام المواقف السياسية في الانتخابات بين قوائم الكتلة المسيطرة، بحيث كان الصراع بينها حول التشديد على مركّبات معينة دون الأخرى في خطابها، ولكنها كانت متفقة على الشأن السياسي والأمني، والموقف من الموضوع الفلسطيني، وحاولت كل قائمة من الكتلة المسيطرة جذب مصوتين من قواعد اليمين من خلال التشديد على مركّب معين ترى أنه قادر على جذب قواعد معينة، فمثلا ركز الليكود على موضوع الضم القانوني للمستوطنات من أجل جذب قواعد اليمين الديني والاستيطاني، بينما ركز حزب “إسرائيل بيتنا” على قضايا الدين والدولة لجذب قواعد اليمين من الروس الذين يملكون مواقف يمينية في الشأن السياسي-الأمني ومواقف علمانية في الشأن الديني، وركزت حركة شاس على مواقف يمينية متماهية مع الليكود مع التشديد على الهوية الشرقية لقواعد اليمين التقليدي، أما حزب اتحاد أحزاب اليمين فركز على الهوية اليهودية، كونه يمثل هذه الهوية الصهيونية الدينية، وعلى فكرة “أرض إسرائيل”، وضم مناطق فلسطينية محتلة عام 1967، التي تمثل منظومة الصهيونية الدينية التقليدية.

[2] . أنظر موقع لجنة الانتخابات المركزية لانتخابات عام 2015 على الرابط التالي: https://www.votes20.gov.il/nationalresults

[3] . الأرقام تتعلق بالتصويت للقائمتين: تحالف الجبهة والعربية للتغيير وتحالف الموحدة والتجمع.

للتحميل اضغط هنا