كمال قبعة[*]

فتحت مطالبة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) في كلمته بالقمة العربية التي انعقدت في نواكشوط، في 26 تموز (يوليو) 2016 وبحضور الأمانة العامة لجامعة الدول العربية؛ للمساهمة الفاعلة من الجميع من أجل رفع قضية ضد الحكومة البريطانية بسبب إصدارها وعد بلفور المشؤوم وما تسببهُ في نكبة الشعب الفلسطيني، باباً واسعاً لإعادة متابعة ومساءلة وتصحيح جريمة دولية لم يسبق حدوثها في التاريخ. وقد كرر الرئيس مطالبته هذه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية الأخيرة بقوله: “لقد مضت مائة عام على صدور وعد بلفور المشؤوم، الذي أعطى بموجبه البريطانيون دون وجه حق، أرض فلسطين لغير شعبها، مؤسسين بذلك لنكبة الشعب الفلسطيني، بفقدانه لأرضه ونزوحه عنها، ولم يكتفوا بذلك، فجاء الانتداب البريطاني ليترجم الوعد إلى إجراءات وسياسات ساهمت في ارتكاب أبشع الجرائم بحق شعب آمن ومطمئن في وطنه”. وقد طالب الرئيس الفلسطيني بريطانيا “بأن تتحمل المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية والمادية والمعنوية لنتائج هذا الوعد”[1].

وقال الرئيس، في كلمته بالمهرجان المركزي لإحياء الذكرى الثانية عشرة لاستشهاد الرئيس ياسر عرفات، بتاريخ 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016: “سيقول البعض وعد بلفور مضى وانقضى، مائة عام ولماذا الآن تتحدثون عن هذا الوعد، ولماذا تحيون ذكراه في المحافل الدولية. نعم نريد أن ننبش القبور ونقول لمن أعطى هذا الوعد: أنت أعطيت ما لا تملك لمن لا يستحق”. وأوضح الرئيس: “استغرب الكثيرون لماذا نتحدث عنه الآن، وقلنا إن الحق لا يموت بالتقادم، إن الحق لا يكون قديما قد يمر عليه مئة ومئتان وألف وآلاف ويبقى الحق حيا، ويبقى من واجبنا أن ندافع عن حقنا، من الذي أعطاك يا بلفور هذا الحق لتبيع أرضنا”؛ وأضاف: “الآن نحن نناقش مع بريطانيا، لماذا فعلتم هذا؟، أنتم فرطتم بنا، ولم يكن لكم علاقة بفلسطين أصلا، [..] يجب على بريطانيا أن تعترف أولا بأنها أخطأت في حقنا، ثم بعد ذلك لكل حادث حديث”؛ وأكمل الرئيس: “بدأنا الحديث والمشاورات والإجراءات وغيرها، ورب قائلٍ يقول بعد مئة سنة، نعم بعد مئتي سنة نريد حقنا، نريد أن نثبت أن هذه ليست من حق بريطانيا أن تفعلها إنما هذه أرضنا، ويجب على بريطانيا أن تعترف أولا ومن ثم نتحدث، هذه القضية أثيرت قبل أشهر وهي مستمرة”[2].

ولا تزال مطالبة الرئيس الفلسطيني هذه تتفاعل وتلقى ردود فعل متباينة، وتستدعي إعادة قراءة وتمحيص ما يتوفر من وثائق ودراسات بشأن الموضوع، حتى يُصار إلى التدقيق فيها، وإظهار مدى وطبيعة وأحقية ومشروعية المطالبة الفلسطينية، بمساءلة بريطانيا[3] وتحميلها المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية والمادية والمعنوية لنتائج هذا الوعد. وستحاول هذه الدراسة تناول بعض الجوانب القانونية الدولية لوعد بلفور، وما تبعه من تفويض بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وإعادة قراءة صك الانتداب الذي صدر عن عصبة الأمم، وما رافقه من تآمر قل نظيره في التاريخ، وفداحة انتهاكه لميثاق عصبة الأمم، وعدم مشروعيته، والتذكير بأبرز ما أفرزه من نتائج تدميرية على الشعب الفلسطيني ووطنه ومقدراته وموارده.

تآمر ما قبل الوعد

وعد بلفور نتاج عقود طويلة من المشاريع الاستعمارية بإنشاء مستعمرة لليهود في فلسطين، ولعل أول وعد بذلك لليهود في فلسطين، صدر عن نابليون عندما كان قائداً للجيوش الفرنسية أثناء حملته على مصر سنة 1799، بينما كان يزحف من العريش في مصر تجاه فلسطين، حيث نادى اليهود مخاطباً إياهم “بالإسرائيليين؛ الشعب المتميز”، وزعم أنهم “الورثة الشرعيون” لفلسطين، ودعاهم للانضمام تحت أعلامه من أجل استعادة القدس.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى 1914 نشط سوق المفاوضات والاتصالات السرية والمعاهدات لترتيبات ما بعد الحرب، فكان الاتجاه الأول التفاوضي مع الشريف حسين بن علي أمير الحجاز فيما عرف بمراسلات حسين مكماهون في تموز (يوليو) 1915– آذار (مارس) 1916، لدفعه لإعلان الثورة العربية على الدولة العثمانية، مقابل وعود باستقلال معظم المناطق العربية. وأما الاتجاه الثاني فكان ما يعرف باتفاقية سايكس بيكو في أيار (مايو) 1916، الذي أعاد تقسيم بلاد الشام والعراق بين بريطانيا وفرنسا. وأما الاتجاه الثالث فقد تمحور في التفاوض مع المنظمة الصهيونية العالمية حول مستقبل فلسطين، وقد دفعهم إلى ذلك حاجتهم لاستخدام النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، لدفعها للمشاركة في الحرب إلى جانب بريطانيا وحلفائها، وهذا ما حدث فعلاً في آذار (مارس) 1917، فضلاً عن وجود النفوذ اليهودي الصهيوني في بريطانيا وفي السلك الحكومي نفسه. وهكذا يمكن القول بأن بريطانيا قد أصدرت وعدين متناقضين، واحداً للعرب عام1916 وآخر للصهاينة عام 1917، تنكرت للأول وقامت بتنفيذ الثاني.

وقد تم الاتفاق بين بلفور ووايزمان، على ضرورة قيام الحركة الصهيونية بوضع مشروع للتصريح المطلوب، وانكب الصهاينة على صياغة التصريح الذي هو من صياغة ناحوم سوكولوف وهربرت صموئيل وحاييم وايزمان وغيرهم. وعليه فقد تم تقديم ستة مشاريع صيغ للتصريح من الحركة الصهيونية[4]، إلى أن تم صدور تصريح بلفور في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1917.

ففي 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1917 قدم الدكتور حاييم وايزمن وروتشيلد مذكرة جديدة للحكومة البريطانية، وأبرقا إلى برانديس في الولايات المتحدة الأميركية، يحثانه على العمل لإصدار بيان من الرئيس الأميركي ولسون يؤيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1917، أصدر الرئيس الأميركي تصريحاً قال فيه إنه يؤيد إقامة “كومنولث يهودي في فلسطين”. وكانت الحكومة البريطانية قد عرضت نص تصريح بلفور على الرئيس الأميركي ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره. وفي 31 تشرين الأول (أكتوبر) 1917 أقرت الحكومة البريطانية موقفها النهائي من طلبات الصهاينة في جلسة خاصة عقدت لهذا الموضوع، وفي 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917 أصدر وزير الخارجية البريطاني بلفور تصريحاً على شكل رسالة وجهها إلى اللورد روتشيلد، عرف هذا التصريح فيما بعد بوعد بلفور، وجاء فيه: “إن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، على أن يفهم بجلاء بأنه لا يؤتى أمر من شأنه أن يجحف بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو بالحقوق والأوضاع التي يتمتع بها اليهود في أية بلاد أخرى”. وقد أفصح بلفور عن الأسباب التي دفعته لإصدار وعده للصهيونية بقوله: “سواء أكانت الصهيونية على حق أو باطل، حسنة أو سيئة، فإنها عميقة الجذور في التقاليد، وفي احتياجات الحاضر، وآفاق المستقبل، وأعظم بكثير من ظلامات ورغبات 700 ألف عربي يسكنون الآن في هذا البلد القديم”[5].

ولما كان الوعد قد تم توجيهه من شخص وهو بلفور من حكومة بريطانيا، لشخص طبيعي وهو روتشلد، فإنه لا يتعدى عن كونه “إرادة منفردة في مجال القانون الدولي، والتي لا تحدث آثاراً قانونية [..] ولكنها مجرد إفصاح عن رأي أو إرادة للدولة، أو تقرير لحالة معينة لاحظت الدولة وجودها [..] ولا يرقى إلى مرتبة الأعمال القانونية الدولية الملزمة”[6].

وقد نشطت المنظمة الصهيونية إبان مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وتقدمت بمذكرة للمؤتمر بتاريخ 3 شباط (فبراير) وناقشها المؤتمر بتاريخ 27 شباط، للحصول على موافقة المؤتمر على “إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين”، وقرر مؤتمر الصلح عدم الموافقة على المطالب الصهيونية، ورفض الاعتراف بما سمي الحق التاريخي لليهود في فلسطين[7]. وصادق المؤتمر على ميثاق العصبة في 28 نيسان (أبريل) 1919. وبالرغم من ذلك، فقد أمعنت بريطانيا بالاستمرار في محاولة إسباغ المشروعية على وعدها للصهاينة، في انتهاك صريح لقرار مؤتمر الصلح.

وعملت بريطانيا على تدويل وعد بلفور حتى لا يبقى إنجلوصهيونياً فقط، فامتدت دائرة تآمرها لتشمل الولايات المتحدة، واتسعت المؤامرة لتشمل موافقة فرنسا وإيطاليا رسميا عام 1918، ثم تبعها الرئيس الأميركي ولسون رسميا وعلنيا سنة 1919، وكذلك اليابان[8]. وبالرغم من أن أميركا لم تنتسب إلى عضوية عصبة الأمم، ولم تشترك نتيجة لذلك، في التصويت على صك الانتداب، فإنها ارتبطت بسياسة تصريح بلفور، من خلال قرار مشترك للكونغرس اشتمل على نص التصريح، وصدر عام 1922. وبعد ذلك بثلاث سنوات أضفت الاتفاقية البريطانية– الأميركية لعام 1925 صفة رسمية على موافقة حكومة الولايات المتحدة على تنفيذ صك الانتداب. وفي 25 نيسان (أبريل) سنة 1920، وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء في مؤتمر سان ريمو، على أن يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ حسب ما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب، وفي 24 تموز (يوليو) عام 1922 وافق مجلس عصبة الأمم المتحدة على مشروع الانتداب الذي دخل حيز التنفيذ في 29 أيلول (سبتمبر) 1923.

هكذا تمخضت المؤامرة والمساعي البريطانية، عن توفير غطاء من الموافقات الدولية على مشروعها في فلسطين، وباتت منذ توفر ذلك، وكأنها تقوم بتنفيذ تفاهمات وتوافقات دولية؛ علماً أنها هي من وضعته بالاشتراك مع قيادات الحركة الصهيونية العالمية، وهي من سوقته وقامت بتنفيذه لاحقا.

عدم مشروعية وعد بلفور

اعتبرت الصهيونية أن طبيعة ومضمون التصريح[9]:

  • وثيقة دولية تحمل في طياتها اعترافاً وضمانات دولية لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.
  • منح مشروعية دولية للصلة التاريخية بين اليهود وأرض فلسطين، ولحقهم في إعادة تأسيس وطنهم القومي.
  • اعتبار التصريح ليس مجرد واقعة تاريخية، بل قاعدة قانونية من قواعد القانون الدولي.
  • الالتزامات الواردة في التصريح، هي التزامات قانونية دولية، تضمنت أن هناك شعباً يهودياً، وأن صلة هذا الشعب التاريخية بفلسطين قد تم الاعتراف بها اعترافاً قانونياً.

وعلى النقيض من ذلك، فإن وعد بلفور قد صدر عن بريطانيا كدولة، في مواجهة فرد من الأفراد وليس شخصاً دولياً، الأمر الذي لا يرقى إلى الأعمال القانونية الدولية، ولا يمكن أن يأخذ صفة الالتزام الدولي. ووعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه، أي أنه باطل موضوعياً، حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الصهيونية لطرد شعب فلسطين من دياره وإعطائها إلى غرباء؛ علماً أن من شروط التعاقد الدولي أن يكون موضوع التعاقد مشروعاً، بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائزاً وتقره مبادئ القانون الدولي؛ ولذا فإن كل تعاقد يتعارض مع إحدى هذه الشروط، يعتبر في حكم الملغى ولا يلزم لا أطرافه ولا أية أطراف أخرى. وقد قام وعد بلفور على أساس المقولة المزيفة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وهي مقولة استعمارية احلالية، بدليل أن عدد اليهود في فلسطين حين صدر هذا الوعد كان لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. ويرتكز بطلان وعد بلفور أيضاً على أنه يمنح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح، إذ أن القوات البريطانية احتلت الأراضي الفلسطينية بدءاً من غزة في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917، واحتلت القدس في 9 كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، وفي أيلول (سبتمبر) 1918 احتلوا شمال فلسطين، وحتى ذلك الوقت كانت فلسطين جزءاً من الدولة العثمانية التي رفضت تصريح بلفور، ولم تعترف بحق اليهود في فلسطين.

وبطلب من حاييم وايزمان، حاولت بريطانيا أن تتضمن معاهدة السلام مع تركيا الموافقة على وعد بلفور، وهذا ما حاولته لدى إبرام معاهدة سيفر بتاريخ 10 آب (أغسطس) 1920، الأمر الذي رفضته تركيا وأبت التصديق على المعاهدة، وكانت النتيجة إسقاط الاشتراط بوعد بلفور من معاهدة لوزان بتاريخ 24 تموز (يوليو) 1923 بدلاً من معاهدة سيفر[10]. وقد قامت تركيا بالتنازل عن فلسطين في اتفاقية لوزان، مقابل تطبيق نظام الانتداب على فلسطين وغيرها من الأقاليم، لرفع مستواها الحضاري وتهيئتها للاستقلال وليس لتنفيذ وعد بلفور، ومخالفة بريطانيا لهذا الشرط، ينتج عنه سقوط التنازل التركي المشروط[11].

ولم يرض سكان فلسطين العرب بهذا التصريح وقاوموا مطالب الصهيونية. وقد خولت الحكومة البريطانية لنفسها بإصدارها هذا الوعد، الحق في أن تتصرف تصرفاً مصيرياً في إقليم ليست لها عليه أية ولاية، وتعطيه للآخرين دون أن ترجع إلى أصحابه، مما يجعل هذا الوعد باطلاً من وجهة نظر القانون الدولي. هذا علماً أن لا الاحتلال ولا الانتداب يمنح بريطانيا السيادة في فلسطين، فالشعب الفلسطيني الذي خضع للاحتلال البريطاني بدءاً من تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، وللانتداب اعتبارا من عام 1922، ظل محتفظاً بسيادته طوال فترة الاحتلال والانتداب باعتبارها سيادة لصيقة به وموقوفة، وظل يتمتع بالشخصية الدولية بمقتضى المادة 22 من عهد العصبة وقواعد القانون الدولي.

الخداع البريطاني

قامت الحركة الصهيونية بصياغة نصوص الانتداب بالتشاور والتآمر مع بريطانيا، الذي أقرته وسوقته وفرضته في مجلس العصبة بتاريخ 24 تموز (يوليو) 1922، بالرغم من أن معارضة مؤتمر الصلح سابق البيان، وعدم عرض الانتداب على الجمعية العامة للعصبة. وهكذا “حبكت الخديعة” على فلسطين، بالرغم كما كتب آنذاك كاتب يهودي، بأن ادعاء “الوطن القومي اليهودي”، ليس إلا “رواية كاملة مناقضة للقانون الدولي”[12].

وقد أظهر بعض زعماء اليهود معارضة لإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، وقالوا إن اليهودية ليست أمة، وكان أدوين مونتاغو على رأس المعارضين، وكان أدوين هذا حاكماً للهند وعضواً في مجلس الحرب البريطاني. وفي أيار 1917 أصدر كل من دايفد ألكسندر رئيس لجنة المبعوثين اليهودية البريطانية وكلود مونتفيوري رئيس الجمعية البريطانية اليهودية، بياناً عارضا قيام وطن قومي لليهود في فلسطين، وعارضا الصهيونية وخلق قومية يهودية علمانية لأنها خطر على اليهود، لكنهما وتحت ضغط المنظمة الصهيونية أقيلا من منصبيهما.

وكانت فصول “الخديعة” البريطانية الصهيونية عديدة كما يوثقها هنري كتن، فقد دأبت الحكومة البريطانية على التصريح بأن وعد بلفور “لا يتضمن إقامة دولة يهودية، ولا يُخشى منه إخضاع العرب الفلسطينيين لسيطرة المهاجرين اليهود”، وانضم ناحوم سوكولوف لحملة التضليل هذه بالتصريح أن “الدولة اليهودية لم تكن أبداً جزءاً من البرنامج الصهيوني”، وكذلك فعل هربرت صموئيل في بيان رسمي أمام مجلس اللوردات بتاريخ 23 نيسان (أبريل) 1947 بقوله إن وعد بلفور “ليس فيه وعد بدولة يهودية [..] ولم يقل الوعد: يجب أن تكون فلسطين وطناً قومياً لليهود”. وفي محاضرة له خلال توليه منصب المندوب السامي اعترف صموئيل بأن “قضية العرب وجدت لتحقيق سيادتهم [..] وهم يخشون مصادرة أراضيهم لأنهم ملاكها، ولذلك يشعرون بالقلق من احتمال خديعتهم وذلك بإحلال ملايين اليهود محلهم [..] إن الضرورة تدعو إلى التأكيد أن قلقهم لا مبرر له”[13]؟!

هكذا أخفت الحكومة البريطانية حقيقة مشروعها الصهيوني الاستعماري في فلسطين، فالكذب كان سيد الموقف وأسلوبها في التغطية على جريمتها.

انتهاك عهد عصبة الأمم          

يظهر مدى التزوير التاريخي الذي قامت به بريطانيا، بمحاولتها منح الوعد الصبغة القانونية بغطاء من عصبة الأمم، التي قامت بالمصادقة على صك إقرار الانتداب البريطاني، في تموز (يوليو) 1922، الذي جاء لتتضمن مقدمته نصاً صريحاً لوعد بلفور، مع تخويل بريطانيا بتنفيذ الوعد الذي اعتبر جزءا لا يتجزأ من وثيقة صك الانتداب، علماً أن فلسطين في عهد الانتداب كانت بمكانة دولة ناقصة السيادة، أي أنها لا تتمتع باستقلال كامل في مباشرة سيادتها الخارجية أو الداخلية أو كلتيهما معاً، وذلك لخضوعها لسيطرة دولة أجنبية وهي بريطانيا، أو منظمة أو هيئة دولية وهي عصبة الأمم، تتولى ممارسة السيادة عوضاً عنها، مما يترتب على ذلك مشاطرة دولة أخرى لها في ممارسة سيادتها الخارجية أو الداخلية أو الاثنتين معاً؛ وهذا ما يميز الدول ناقصة السيادة عن الدول منعدمة السيادة التي لا يتوفر فيها الركن الثالث من أركان الدول، أي لا توجد فيها حكومة أساساً، كالأقاليم الخاضعة للاحتلال المباشر حيث تتولى إدارتها الدولة المحتلة، ومن الدول ناقصة السيادة الدول التابعة، والدول المحمية، والدول تحت نظام الانتداب[14] والدول تحت الوصاية[15].

ومصطلح الانتداب الذي نصت عليه المادة 22 من عهد عصبة الأمم، يقصد بها وضع البلاد غير الناضجة سياسياً تحت إشراف إحدى الدول الحليفة الكبرى ورعايتها، بمراقبة عصبة الأمم ذاتها. وتم تصنيف هذا النظام وفقاً للمادة 22 من العهد إلى ثلاثة أنواع،[16] A وB وC. على أن ما يخص موضوعنا المطروح يتمثل في النوع الأول وهو انتداب A، فقد فرض هذا النوع من الانتداب على الدول التي انفصلت عن الإمبراطورية العثمانية، التي وصلت إلى درجة من التطور والرقي تسمح بالاعتراف مؤقتاً بوجودها كأمم مستقلة، وتنال استقلالها بعد أن تسترشد بنصائح ومساعدة الدول المنتدبة، كي تتمكن من إدارة شؤونها الداخلية والخارجية[17]. وقد أوجبت العصبة أن تكون مدة الانتداب لا تزيد على ثلاث سنوات[18]، ووجوب أن يكون لرغبات هذه الشعوب، المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة. وتدل الوقائع على مخالفة بريطانيا لقواعد ميثاق العصبة تلك.

وعليه، فإن بريطانيا قد انتهكت عهد عصبة الأمم على أكثر من صعيد وفي أكثر من اتجاه، ويظهر ذلك من:

  • عدم تقيٌد بريطانيا بتصنيف عهد العصبة للانتداب الذي فرض على فلسطين، وهو انتداب A، والذي يعني أن الشعب الفلسطيني آنذاك وصل إلى درجة من التطور والرقي، تسمح بالاعتراف مؤقتاً بوجوده كأمة مستقلة وتنال استقلالها.
  • تخطي التكليف المنوط بها وهو الاسترشاد بالنصائح ومساعدة الدول المنتدبة، كي تتمكن فلسطين من إدارة شؤونها الداخلية والخارجية.
  • وجوب ألا تزيد مدة الانتداب على ثلاث سنوات.
  • وجوب أن يكون لرغبة الشعب الفلسطيني المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة.
  • انتهاك بريطانيا لقواعد ميثاق العصبة تلك.

وقد نص عهد العصبة في المادة 22، على: “.. ويجب أن يكون لرغبات هذه الشعوب، المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة”، الأمر الذي يحمل صفة الوجوب اللازم التنفيذ؛ وهو الأمر الذي استبدلته بريطانيا بالنص في ديباجة صك الانتداب بـ”لما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت على أن يعهد..” لبريطانيا. والمخالفة البريطانية للعهد هذه، ترتب بالضرورة بطلان ما ترتب عليه من إجراءات. وتظهر لجنة كنج/ كراين التي بادر الرئيس الأمريكي ويلسون إلى إرسالها للتحقق من رغبات الشعب العربي في فلسطين وسوريا، والتي قامت باستقصاء رغبات الشعب في سوريا وفلسطين اعتبارا من حزيران (يونيو) 1919، أن أغلب سكان فلسطين يطلبون الاستقلال، وإذا أصر مؤتمر الصلح على تعيين دولة للانتداب فإنهم يفضلون الولايات المتحدة”. وأضافت اللجنة: “إذا كانت رغبات السكان في فلسطين سيعمل بها، فيجب الاعتراف بأن السكان غير اليهود في فلسطين، وهم تسعة أعشار السكان، كلهم تقريباً يرفضون البرنامج الصهيوني رفضاً باتاً. إن سكان فلسطين لم يجمعوا على شيء مثل إجماعهم على هذا الرفض”[19]. وبذلك فإن هذه المخالفة لصك العصبة، تؤكد أن كل ما اتخذته بريطانيا من إجراءات هي باطلة، لصدور هذه الإجراءات من غير مختص نصت عليه المادة 20 من عهد العصبة.

ولعل ما تجدر الإشارة إليه، يتمثل في انتهاك بريطانيا للمادة 20 من ميثاق العصبة، والتي نصت على أن: “يوافق أعضاء العصبة، كل فيما يخصه، على أن هذا العهد يُلغي جميع الاتفاقات الخاصة السابقة عليه والتي تتعارض أحكامها مع أحكامه، كما يتعهدون رسمياً، بألا يعقدوا في المستقبل اتفاقات تتعارض مع أحكام العهد..”؛ وأنه “..في الحالة التي يكون فيها أحد أعضاء العصبة قد التزم قبل دخوله عضواً في العصبة بالتزامات تتعارض مع أحكام هذا العهد، فإنه يكون من واجب مثل هذا العضو أن يتخذ على الفور الخطوات التي تحرره من هذه الالتزامات”.

والانتهاكات البريطانية للمادة 20 من عهد العصبة، هي الانتهاك الجسيم الأبرز، كونها لم تلتزم بقواعدها وأحكامها، على الرغم من أن تلك الالتزامات والتعهدات واجبة وملزمة بموجب عهد العصبة، والتي يمكن اختصارها بالتالي:

  • “العهد يُلغي جميع الاتفاقات الخاصة السابقة عليه والتي تتعارض أحكامها مع أحكامه”، الأمر الذي لم تلتزم به بريطانيا بشأن وعد بلفور كونه يمثل انتهاكا جسيماً لمقاصد وأهداف عصبة الأمم، وبذلك يكون وعد بلفور بحكم الملغى بموجب ما تقدم.
  • أوجبت المادة 20 من عهد العصبة على العضو “أن يتخذ على الفور الخطوات التي تحرره من هذه الالتزامات”، والتي كان “قد التزم قبل دخوله عضواً في العصبة بالتزامات تتعارض مع أحكام هذا العهد”؛ و”يتعهدون رسمياً، بألا يعقدوا في المستقبل اتفاقات تتعارض مع أحكام العهد..”؛ الأمر الذي لم تفعله بريطانيا بشأن وعد بلفور.
  • إدماج بريطانيا تصريح بلفور في صك الانتداب على فلسطين، وإقراره من قبل عصبة الأمم في 24/7/1922، منتهكة بذلك أحكام عهدها إذ استهدف غرضاً غير ما نصت عليه المادة 22، ولذا يقع باطلاً لخروجه على ما يجب أن يتغياه.

توزيع الانتدابات يخالف عهد العصبة

رغم أن المادة 22 من عهد العصبة، تعني في مجال تطبيقها على فلسطين والشعب الفلسطيني تحقيق رفاهية هذا الشعب وتقدمه، وتعتبر ذلك أمانة مقدسة، فإن صك الانتداب سلك طريقاً آخر، يؤدي إلى تحقيق أهداف تختلف كل الاختلافات عن “رفاهية الشعب الفلسطيني وتقدمه”، وتتناقض كل التناقض مع “الأمانة المقدسة” التي أراد العهد أن يحمل عبئها. إن هذا الهدف تم تحويله وتسخيره، بموجب صك الانتداب، لقوم آخرين هم اليهود. وتشير الكثير من المصادر الموثوقة والرصينة، إلى أن الصهاينة قد شاركوا بريطانيا في وضع صك الانتداب. فقد قال سكرتير عام عصبة الأمم أريك دراموند وهو بريطاني: “إن العصبة لم تضع مشروع صك الانتداب، بل إن الحكومة البريطانية هي التي وضعته بالاتفاق مع اليهود”. ويعترف حاييم وايزمان في مذكراته: “أن اليهودي الأمريكي بنيامين كوهين، كان يتولى مع سكرتير اللورد كيرزون وزير الخارجية البريطاني حينئذ، وضع صك الانتداب والاتفاق على نصوصه”[20].

يتعارض هذا تعارضاً جوهرياً مع عهد العصبة، ومع نظام الانتداب الذي ابتدعته دول التحالف المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وهذه المخالفة وحدها ترتب بطلان الانتداب من أساسه. وقد وصف العلامة هنري رولان ذلك التصرف بقوله: “ما دام الأمر قد جرى على هذه الصورة، فالأولى بنا أن نقول إن ذلك ليس إلا بيعاً تجارياً، وإن مجلس الدول الخمس الكبرى المتحالفة (بريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان) لم يفعل في سان ريمو في 25 نيسان (أبريل) 1920 باقتسامه البلاد العربية بين أعضائه، سوى الإشباع لمطامع غير شرعية”[21]. وفي السياق ذاته، فإن من اللافت والمهم، ذلك الاستنكار الذي أبداه الأمين العام لعصبة الأمم – في مذكرة قدمها إلى مجلس العصبة بتاريخ 30/7/1920 – لطبيعة عمل ودور المجلس الأعلى للحلفاء، وقال: “إن توزيع الدول الكبرى للانتدابات ليس قانونياً ولا يمكن الاعتراف به”. وأيد المسيو هيماش مندوب بلجيكا هذه النظرية وأعلن “أن قيام المجلس الأعلى بتوزيع الانتدابات يخالف عهد العصبة وأحكام القانون”[22]. وأكد الفقيه فوشيل “أن اختيار الدول المتحالفة الكبرى بريطانيا العظمى للانتداب على فلسطين، قد جرى خلافاً لأحكام ونص المادة 22 من ميثاق العصبة. فهو إذن باطل من الوجهة القانونية ولا يقام له وزن”[23].

إن احترام المبادئ والقواعد المنصوص عليها في عهد العصبة، تشكل واجبات تلقي على عاتق الدول الالتزام بها واحترامها، وأي عمل أو تصرف إيجابياً كان أو سلبياً يشكل خرقاً وانتهاكاً لالتزام يقوم به أحد أشخاص القانون الدولي، يترتب عليه المسؤولية الدولية[24]؛ بمعنى أنه يجب الالتزام بالأحكام التي تتناول أساس هذه المسؤولية سواء كانت واردة في الاتفاقيات، أم في الأعراف الدولية، أم مقررة وفقاً للمبادئ العامة للقانون في الأنظمة المختلفة.[25] ومناط المسؤولية الدولية للدول، هو إتيان أحد أشخاص القانون الدولي لسلوك مخالف لالتزام مفروض عليه، يترتب عليه إلحاق ضرر بشخص دولي آخر، فيصبح فعلاً أو عملاً غير مشروع. والفعل غير المشروع يعني أساساً أن الفعل المُجرّم المنسوب إلى الشخص الدولي غير المشروع هو مخالف للقواعد الدولية. ينطبق كل ذلك على بريطانيا التي أصدرت ونفذت وعد بلفور، والذي ترتبت عليه أضرار جسيمة طالت وجود وحقوق وموارد الشعب العربي الفلسطيني. إن ما تقدم يظهر مدى الانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها بريطانيا لميثاق عصبة الأمم ولقواعد القانون الدولي.

خديعة الحكومة البريطانية لمجلس اللوردات ومجلس العموم

ولعل ما تجدر الإشارة إليه، يتمثل في “خديعة” الحكومة البريطانية ليس فقط لمراسلات الشريف حسين مع مكماهون، وليس أيضاً “خديعة” بريطانيا لقرار دول مؤتمر الصلح في فرساي الذي رفض المطالب الأنغلو صهيونية، بل والغريب العجيب خديعة الحكومة لمجلس اللوردات ومجلس العموم البريطاني نفسه، كما يوثق ذلك هنري كتن[26]. فقد ناقش مجلس اللوردات البريطاني موضوع الانتداب البريطاني عل فلسطين، فرفض اللوردات الانتداب البريطاني بسبب احتوائه على وعد بلفور بأكثرية 60 صوتاً مقابل 29 صوتاً؛ إلا أن حكومة بريطانيا تجاهلت الرفض، وتجاهلت عدم تصديق البرلمان البريطاني عليه، ومضت في خديعتها وغيها ومؤامرتها. ولدى مناقشة القضية في مجلس اللوردات، قال اللورد أسلنجتون في كلمته إن مشروع الانتداب ينتهك المواثيق التي أبرمت بشأن الشعب الفلسطيني في إشارة لمراسلات الأمير حسين مكماهون، وينتهك أيضاً المادة 22 من ميثاق العصبة. وأردف قائلاً: “الانتداب يلزم بريطانيا العظمى بمسؤولية تأمين سيطرة السياسة الصهيونية في قطر 90 في المئة من سكانه ليسوا يهوداً [..] وهذا المشروع يعمل على استيراد الدخلاء الأغراب من اليهود من جميع أنحاء البلدان، ليحلوا محل المواطنين الأصليين، حيث سيظل الشر محلقاً في وجه العالم”. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أي دراسة أو فحص لمحاضر جلسات مجلس العموم البريطاني من سنة 1917 إلى 1923، تشير إلى الجهود المضنية التي بذلتها الحكومات البريطانية في تلك السنوات لمنع أية مناقشة في موضوع وعد بلفور.

الانتهاكات البريطانية كقوة احتلال

خلافاً لمبدأ عدم التعسف في استعمال الحق، الذي يتضمن بعض القيود على ممارسة الشخص لحقه، بقصد منع الشخص من استعمال حقه بطريقة ينتج عنها إلحاق الضرر بالغير، أو السعي لتحقيق غرض آخر غير الذي وجد من أجله الحق[27]؛ قامت قوات الاحتلال البريطاني منذ لحظة احتلالها لفلسطين بالشروع في تنفيذ وعد بلفور الباطل وغير المشروع، وتنكرت لالتزاماتها الواجبة عليها كسلطة احتلال. فبعد احتلال بريطانيا لفلسطين باتت سلطة احتلال مؤقتة بموجب مبادئ وقواعد القانون الدولي، وليست صاحبة السيادة على الإقليم المحتل، وقد انتهكت بريطانيا ذلك المبدأ والقواعد الناظمة، بتصرفها في إقليم فلسطين المحتل من قبلها.

وقد جاء تعريف الاحتلال الحربي في نص المادة 42 من اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة المؤرخة في 18 تشرين الأول (أكتوبر) عام1907 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية، التي نصت على أنه “يعتبر الإقليم محتلاً عندما يصبح فعلاً خاضعاً لسلطة الجيش المعادي”. وكذلك ورد في المــادة 43 من اتفاقية لاهاي الرابعة والتعليمات الملحقة بها أنه “ما دامت قد انتقلت سلطة صاحب الشرعية فعلياً إلى المحتل، فعلى الأخير أن يقوم بكل الإجراءات المتوافرة في حدود سلطته، لاسترجاع وتثبيت النظام العام والأمن، وعليه المحافظة على القوانين المطبقة في ذلك البلد ما لم يحل دون ذلك مانع مطلق”[28]. وهكذا يظهر جلياً من خلال النصين السابقين أن سلطة الاحتلال ليست سلطة قانونية، وإنما هي سلطة فعلية ومؤقتة[29]، تزول بزوال الاحتلال؛ فالاحتلال الحربي لا يؤدي إلى نقل السيادة من الدولة صاحبة السيادة الشرعية على الإقليم إلى الدولة القائمة بالاحتلال، وإنما يمنح المحتل سلطات مؤقتة ومحدودة من أجل تمكينه من إدارة ذلك الإقليم.[30] على أن بريطانيا قد تصرفت وكأنها صاحبة السيادة بتنفيذها لوعد بلفور، والتسبب بتشريد الشعب الفلسطيني والمساهمة في نقل وتهويد ممتلكاته، فأساءت وانتهكت بذلك مبدأ عدم التعسف في استخدام الحق الممنوح لها كسلطة احتلال مؤقتة ومقيدة، من خلال استعمال الحق لغير مصلحة مشروعة وهي تهويد إقليم فلسطين، ولقصد الإضرار بالغير وهي اقتلاع شعب فلسطين من وطنه. علماً أن استعمال الحق لا يجوز إلا فيما وضع له، ومباشرة الحق بقصد الإضرار بالغير لا يعتبر استعمالاً للحق بل إساءة استعمال له[31].

صك الانتداب الأنجلو صهيوني أسّس لجريمة النكبة

وهكذا، أبقت بريطانيا فلسطين تحت وصايتها، وتمسكت بأن تبقي نفوذها ووصايتها على كل فلسطين، لتنفيذ وعد بلفور قبل احتلالها فلسطين. وقد وفرت بريطانيا لنفسها غطاء دولياً، باستصدار قرار من عصبة الأمم في 24/7/1922 بانتدابها على فلسطين، وتم تضمين وعد بلفور في صك الانتداب، بحيث أصبح التزاماً رسمياً معتمداً دولياً، لتجعل من سياستها الرامية إلى تمكين اليهود من أرض فلسطين، وكأنها تتفق مع الشرعية الدولية٬ وتقرها الدول الكبرى٬ وتتم بموافقتها. وقد كانت صياغة صك الانتداب في غاية الوضوح، الذي يميط اللثام عن الأهداف البريطانية والصهيونية، التي ترمي إلى تحقيق ما وصل إليه الشعب الفلسطيني من نكبة على كافة المستويات، إذ إنه:

  • أدرج وعد بلفور في مقدمة صك الانتداب البريطاني على فلسطين. ­
  • جاء في ديباجة الصك ما يلي: “… ولما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت أيضاً، على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ التصريح الذي أصدرته في الأصل حكومة صاحب الجلالة البريطانية في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، وأقرته الدول المذكورة لصالح إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين […] ولما كان قد اعترف بذلك بالصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، وبالأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطنه القومي في تلك البلاد….”.
  • جاء في المادة الثانية من صك الانتداب البريطاني الصادر عن عصبة الأمم: “على الدولة المنتدبة أن تخلق في البلاد مجموعة من الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصاديةِ من شأنها تأمين قيام الوطن القومي للشعب اليهودي“.
  • جاء في المادة الرابعةِ من الصك: “يتم الاعتراف بهيئة يهودية ملائمة٬ ويعطى لها الحق في إسداء المشورة لإدارة فلسطين٬ والتعاون معها في كل الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها٬ التي قد تؤثر في إقامة الوطن القومي اليهودي٬ وعلى مصالح السكان اليهود في فلسطين، وسيتم الاعتراف بـ المنظمة اليهودية على أنها هي الهيئة المشار إليها بالاتفاق مع حكومة صاحب الجلالة البريطاني”. ­
  • جاء في المادة السادسة: “… ستسهل إدارة فلسطين ­أي إدارة الانتداب البريطانية­ الهجرة اليهودية إليها ضمن الشروط الملائمة٬ وستشجع بالتنسيق مع الهيئة الصهيونية المشار إليها في الفقرة الرابعة استيطان اليهود بكثافة في أراضي البلاد بما فيها الأراضي الأميرية ­أي الحكومية غير المملوكة للأفراد­ والأراضي غير المستصلحة للزراعة وغير المستعملة للخدمات العامة”.
  • وجاء في المادة السابعة: “تكون إدارة فلسطين مسؤولة عن سن قوانين للجنسية٬ على أن يتضمن هذا القانون نصوصاً تسهِّل منح الجنسية الفلسطينية لليهود الذين سيقيمون في فلسطين بشكل دائم”.
  • وجاء في المادة الحادية عشرة: “… بإمكان الإدارة الاتفاق مع الهيئة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة من أجل تنفيذ أو استثمار الأشغال والخدمات ذات المنفعة العامة٬ وتنمية كل الموارد الطبيعية في البلاد٬ وذلك ضمن شروط عادلة ومنصفة٬ وفي الحالات التي لا تقوم فيها إدارة فلسطين بهذه النشاطات مباشرة”.
  • ورد في المادة السادسة ضرورة ضمان “عدم إلحاق الضرر بحقوق وضع فئات الأهالي”، فالشعب العربي الفلسطيني في نظر أرباب صك الانتداب ليس أكثر من “أهالي”. وقد بينت مواد الصك الأخرى أن الحقوق والأوضاع التي يجب ألا تمس هؤلاء “الأهالي” هي الحقوق المدنية والدينية لا أكثر.

يتضح من هذه البنود الواردة في صك الانتداب، أن الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى والمتنفذة في عصبة الأمم، وخاصة بريطانيا، عدت نفسها مالكة لفلسطين تتصرف فيها كيفما تشاء٬ تعطي اليهود ما تريد٬ وتحرم سكانها الفلسطينيين مما تريد٬ معطية بريطانيا الغطاء لتنفيذ مخططاتها. كل ذلك من أجل قلة قليلة من السكان اليهود ومهاجرين مستوطنين مستعمرين يجري استقدامهم من خارج فلسطين. أما مصالح الشعب الفلسطيني ورغبات الفلسطينيين فقد تم تجاهلها والتنكر لها، ولم يؤخذ بعين الاعتبار رأيه كعامل رئيس في اختيار الدولة المنتدبة، وفقاً لما تحكم به المادة 22 من العهد؛ وعبر عن رفضه بأشكال كبيرة من الاحتجاج والمقاومة والإضراب والعصيان والهبات الجماهيرية والانتفاضات الشعبية والثورات المسلحة ضد الوجود البريطاني والانتداب، بما يحمل في أحشائه من مشروع استعماري بغطاء دولي تحت عباءة الانتداب وعصبة الأمم. وخلال ثمانية وعشرين عاماً، قام الانتداب بإحلال العصابات اليهودية الاستيطانية وسرقة أراضي الفلسطينيين، وتسليح وتمكين الوجود الصهيوني، وتسهيل وصول المساعدات العسكرية والمالية والمقاتلين المدربين في الجيوش الغربية وتحديداً البريطانية.

جرائم لا تسقط بالتقادم

وبغية تنفيذ مؤامرة وعد بلفور، عينت بريطانيا اليهودي الصهيوني هربرت صموئيل أول مندوب سام على فلسطين في الفترة الممتدة من 1920-1925، والذي كان وزيراً للداخلية البريطانية ومتعاطفاً مع الحركة الصهيونية. ومنذ أن وصل صموئيل إلى القدس لم يألُ جهداً ولم يوفر وقتاً في تحويل الحلم الاستعماري الصهيوني إلى واقع على أرض فلسطين، وترجم ذلك عبر خطط وإجراءات وقوانين، وإنشاء المؤسسات والبنى السياسية والبنوك والمؤسسات الاقتصادية، وفتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، وإشراك الوكالة اليهودية في إدارة فلسطين، وتعزيز وجودهم الديني والثقافي، إلى الحد الذي باتت معه كل هذه السياسات البريطانية مكشوفة ومفضوحة لشعبنا الذي رأى في الانتداب البريطاني مؤامرة دولية هدفها الإيفاء بوعد بلفور. وتحت سمع وبصر البريطانيين؛ ارتكبت العصابات الصهيونية الكثير من أعمال القتل والترويع بحق الفلسطينيين، ومن أهمها مجزرة دير ياسين قبل شهر من الانسحاب البريطاني، وفي ظل الانتداب تحول الوجود اليهودي على أرض فلسطين من 5% من مجمل السكان إلى 33% بفضل تسهيلات الهجرة، وازدادت نسبة الأرض التي يملكها اليهود من 2% إلى 7%، بفضل القوانين البريطانية التي سهلت تملك الأراضي من قبل اليهود والتشدد حيال العرب[32].

وقد غطت إدارة الانتداب البريطاني كل تلك الجرائم المجحفة بحقوق الفلسطينيين، باعتبار أنها تنفذ مضمون ونص المادة السادسة من صك الانتداب، والتي تنص: “على إدارة فلسطين مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى، أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة، وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة، حشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية.”

كان أول ما أقدمت عليه من أجل تنفيذ ذلك، تغيير البنية القانونية السائدة والمعمول بها في فلسطين، من قوانين عثمانية، فقامت بإصدار عشرات القوانين[33] لتسريب الأراضي للمستعمرين اليهود، حيث كانت منظومة القوانين العثمانية السارية المفعول في فلسطين تمنع اليهود من امتلاك الأموال غير المنقولة. ولعل أي تفحص لترسانة القوانين البريطانية تلك “تظهر مدى الظلم الفادح الذي وقع على الشعب الفلسطيني الصامد، وتوضح كيف انتزعت أرضه وسرق وطنه”[34]، بتخطيط وتدبير وتنفيذ الانتداب البريطاني، “وهكذا تصبح بريطانيا مسؤولة مسؤولية مباشرة عن انتزاع 6.046% من مجموع ما انتقل لليهود من أراضي عرب فلسطين البالغة 66%”[35]. وكانت تلك الأراضي تتميز بأنها أراض زراعية يقوم على فلاحتها المزارعون الفلسطينيون، مما أدى إلى “تحويل الفلاحين الفلسطينيين إلى عمال، ومن ثم تهميشهم اقتصاديا [..] وتم إقصاء الفلاحين عن الأراضي الزراعية، فاندفع آلاف الفلاحين الفقراء إلى المدن، وشكلوا هناك أحزمة من الفقر أحاطت ببعض المدن”[36].

وبالرغم من القيود التي وضعتها المادة السادسة من صك الانتداب، والتي فرضت على بريطانيا تشجيع حشد اليهود في الأراضي، بشرط وجوبي يلزمها بعدم المساس بحقوق “الفئات غير اليهودية” – كما تم تسمية الشعب العربي الفلسطيني في صك الانتداب!؟ -، إلا أن الإدارة البريطانية قد انتهكت هذا الالتزام بشكل فظ ومريع. وقد تضمنت التقارير الدولية[37] حقائق في غاية الوضوح بهذا الشأن؛ فها هو تقرير لجنة شو يستخلص: “ينبغي وضع حدٍ لإخلاء المزارعين العرب عن الأراضي التي يزرعونها”. وورد بتقرير جون سمبسون عام 1930 نصاً: “تحتاج الزراعة في فلسطين اليوم إلى قانون يضمن للمستأجر العربي بقاءه في الأرض التي يزرعها ويعيش من محصولها”. واستطرد التقرير: “إن حكومة الانتداب قد أرهقت كاهل الفلاح العربي بضرائب عديدة لا طاقة له على حملها”. وجاء في تقرير لجنة بيل عام 1937 إنه من الضروري إصدار تشريع يخوِل للمندوب السامي البريطاني سلطة منع انتقال الأراضي في منطقة معينة، لكي يتمكن من تنفيذ التعهد الخاص بحفظ حقوق العرب وأوضاعهم.

وبلغ عدد القرى التي تم تدميرها ومحيت من الوجود أثناء وتحت مرآى ومسمع الانتداب البريطاني من عام 1918– 1948 أكثر من 61 قرية”[38]. ويبدو أنه كان هناك تفاهم سري بين سلطة الانتداب والحركة الصهيونية، بخصوص ضرورة القيام بعملية التطهير العرقي ضد الفلسطينيين العرب، ومما يثبت وجود هكذا تفاهمات أربعة اثباتات، وهي[39]:

  • عدم تدخل القوات البريطانية لإيقاف عملية التطهير العرقي التي بدأت في أواخر أشهر حكم الانتداب؛
  • شاركت قوات الانتداب في عمليات التطهير العرقي، كما حدث في حيفا وطبريا؛
  • أوصت لجنة بل بالتقسيم لدولتين، والقيام بالتطهير العرقي؛
  • أيد فكرة التطهير العرقي عدد من السياسيين البريطانيين وأيضاً حزب العمال البريطاني.

وبعد إعلان بريطانيا من جانب واحد في 26 أيلول (سبتمبر) 1947 أنها ستنسحب من فلسطين بأسرع ما يمكن، بدأت بريطانيا بسحب قواتها من المناطق التي يسكنها اليهود “وكانت تسلم الإدارة في المناطق التي تجلو عنها إلى الوكالة اليهودية، وتسلمها كذلك مستودعات الأسلحة والذخيرة، وأدت هذه الطريقة إلى تمكين اليهود من تنمية البناء الإداري والعسكري اللازمين لقيام دولة يهودية قبل الانسحاب بسبعة أشهر [..] أما أسلوبها في المناطق العربية فكان مخالفاً لذلك، فقد ظلت القوات البريطانية رابضة في معسكراتها حتى آخر موعد لانسحابها [..] أما المناطق المختلطة، التي يسكنها العرب واليهود، فقد مكن الإنجليز اليهود أيضاً من احتلالها فور الجلاء عنها، وأبرز مثال على ذلك ما حدث في حيفا”[40].

ويعترف المؤرخ العسكري الإسرائيلي أرييه يتسحاقي، بأن الخطة “دالت” التي تم تنفيذها في الفترة الواقعة من شباط حتى أيار عام 1948، قد تم بموجبها طرد 300 ألف عربي فلسطيني تحت أعين وسمع قوات الانتداب، وارتكبت العصابات الصهيونية المسلحة خلالها 110 مجازر، منها عشر مجازر كبيرة راح ضحيتها أكثر من 50 شخصاً، ومئة مجزرة صغيرة[41].

قرار التقسيم

انتهى نظام الانتداب بانتهاء عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبذلك زال هذا النظام القانوني، وتم استبداله بنظام الوصاية الدولي الذي استحدثته الأمم المتحدة، فضلاً عن حصول العديد من الدول التي كانت تحت نظام الانتداب على استقلالها، أو بتخلي الدولة المنتدبة عن الانتداب[42] كما هو الحال في الانتداب البريطاني على فلسطين، عندما أعلنت الحكومة البريطانية عام 1947 قرارها بالتخلي عن الانتداب، وذلك بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين[43].

وبما أن فلسطين تعتبر من الدول الواقعة تحت الانتداب، والتي حققت درجة من التقدم يمكنها من الاعتراف بكيانه، فكان الأجدر للدولة المنتدبة خاصة إذا تخلت عن انتدابها كما فعلت بريطانيا، بأن تحال مسؤولية الإشراف إلى الأمم المتحدة كونها خليفة للعصبة، وذلك تطبيقاً للقاعدة القانونية التي تقضي بأن انسحاب الوكيل يعيد كافة الحقوق والالتزامات إلى الأصيل[44]. والانتداب وكذلك الوصاية نظام مؤقت، ينتهي بمجرد تحقق أهدافه بوصول الإقليم المشمول بالوصاية، إلى درجة يستطيع معها أن يتولى جميع شؤونه، ويصبح أهلاً للتمتع بكامل استقلاله[45].

على أن بريطانيا والدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، فعلت غير ذلك لتمرير النتائج التي راكمتها بريطانيا والحركة الصهيونية على مدار سنوات الانتداب؛ بل قامت بتحقيق أكثر من ذلك للحركة الصهيونية، من خلال قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة 29/11/1947، الذي لا يتفق مع مقتضيات العدالة والقانون الدولي وكذلك ميثاق الأمم المتحدة؛ ففي التوزيع لم يراعِ نسبة ملكية الأراضي حيث كان اليهود لا يملكون أكثر من 6.5%، ولا راعى نسبة السكان اليهود الذين لم يتجاوزوا 31.7%،[46] وأعطي لليهود وللدولة الإسرائيلية 54٪ من مساحة فلسطين التاريخية، واستولت إسرائيل على 22٪ مما شمله قرار التقسيم للدولة الفلسطينية. ولعل من عجائب الأمور، أن سكان الدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم كانوا يبلغون نحو 498 ألفاً من اليهود و485 ألفاً من العرب الفلسطينيين، أي أن اليهود كانوا يشكلون أغلبية بفارق 13 ألفاً فقط[47].

ويعد قرار التقسيم 181 مخالفاً لمقاصد الأمم المتحدة المنصوص عليها في المادة الأولى الفقرة الثانية، المتمثلة بتنمية التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي للسكان في الأقاليم المشمولة بالوصاية، وتقدم تطورها باتجاه الاستقلال وبما يتفق مع أماني شعوبها، وفق ما جاء في المواد 76، 77،86 من ميثاق الأمم المتحدة، على أن الإقليم المشمول بالانتداب يوضع بكامله تحت الوصاية. وقد جاء النص صريحاً في المادة 77 من الميثاق بنصها: “يطبق نظام الوصاية على الأقاليم الداخلة في الفئات الآتية، مما قد يوضع تحت حكمها بمقتضى اتفاقات وصاية: (أ) الأقاليم المشمولة الآن بالانتداب”. وهكذا يتبين مدى الانتهاك الصريح لميثاق الأمم المتحدة الذي أوجب استبدال الانتداب بالوصاية الدولية. ولعل أبرز ما تضمنته المادة 76 من الميثاق بشأن الوصاية يتمثل في الفقرة (ب) التي تقضي بـ”العمل على ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم، واطراد تقدمها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال حسبما يلائم الظروف الخاصة لكل إقليم وشعوبه، ويتفق مع رغبات هذه الشعوب التي تعرب عنها بملء حريتها، وطبقاً لما قد ينص عليه في شروط كل اتفاق من اتفاقات الوصاية”.

وفي خضم صراعات تقاسم النفوذ والمصالح بين دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وبروز الدور الأميركي بعد مؤتمر بلتيمور للحركة الصهيونية عام 1942، فقد كانت هناك مطالبة ومحاولة أميركية لفرض وصايتها على فلسطين. وقد مررت الولايات المتحدة في مجلس الأمن القرار رقم 27 بتاريخ 19/3/1948، مفاده أن مجلس الأمن ليس لديه الاستعداد لتنفيذ قرار التقسيم رقم181، ويوصي بإعادة القضية الفلسطينية للجمعية العامة، وفرض وصاية مؤقتة على فلسطين تحت وصاية مجلس الأمن، ولكن هذا الإجراء لم ينفذ كلياً أو جزئياً[48].

وبرعاية وحماية الدول المتنفذة في مجلس الأمن الدولي وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة، قامت إسرائيل ومنذ العام 1948 بالاعتداء على الشرعية الدولية عبر انتهاكها لقرار الجمعية العامة رقم 181، عبر قيام القوات الإسرائيلية بالسيطرة على أكثر مما خصص لها، وهو انتهاك صريح للبنود 39، و41 و42 من ميثاق الأمم المتحدة، وانتهاك جسيم للقرار حيث جاء في الفقرة (ج) منه: “إن مجلس الأمن يعتبر كل محاولة ترمي إلى تغيير التسوية التي يهدف إليها هذا القرار بالقوة، تهديداً للسلم أو قطعاً أو خرقاً له، أو عملاً عدوانياً بموجب نص المادة 39 من الميثاق”. ورغم ذلك سعت ولا تزال تسعى تلك الدول المتنفذة، لإضفاء لبوس شرعي وقانوني على ذلك الاحتلال والضم القسري، على الرغم من المبدأ القانوني الدولي الذي تعترف به الكافة والقاضي بعدم الاعتراف باكتساب أراضي الغير بالقوة. وقامت تلك الدول وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة، بوضع العراقيل أمام مجلس الأمن لمنعه من تحمل مسؤولياته بمحاسبة إسرائيل على سيطرتها على أراض مخصصة للدولة الفلسطينية وفق قرار التقسيم. وقد أثار الرئيس محمود عباس هذا الموضوع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك في تلويح بالعودة لقرار التقسيم كقرار ناظم للشرعية الدولية، وخاطب الدول الأعضاء بالقول: “إنني أدعوكم لقراءة هذا القرار مرة أخرى”[49].

وقد أولت لجنة القانون الدولي في مشروع المواد المتعلقة بالمسؤولية الدولية للدول هذه القضية اهتماماً خاصاً، إذ نصت المادة الأولى من المشروع على أن “كل فعل دولي غير مشروع تقوم به الدولة يستتبع مسؤوليتها يرتب المسؤولية الدولية”[50]؛ بمعنى أن ينطوي هذا السلوك على مخالفة لالتزام دولي تفرضه قاعدة قانونية دولية أياً كان مصدرها، اتفاقية أو عرفية أو مبادئ القانون العامة، سواء كان هذا السلوك إيجابياً إذا حدث على أثر مباشرة أعمال يحظرها القانون الدولي، أو أن يظهر بسلوك سلبي عندما يحدث امتناع عن إتيان بأعمال يلزم القيام بها وفقاً لأحكام القانون الدولي[51]. وبذلك فإن جوهر العمل الدولي غير المشروع، هو المخالفة لالتزام دولي مستمد من قاعدة قانونية، فقواعد القانون الدولي هي التي تفرض التزامات قانونية يجب احترامها وعدم مخالفتها، لأن انتهاكها يعد عملاً غير مشروع[52].

ترتيبا على ما سبق، يتبين أن كلاً من بريطانيا والدول المنتصرة في الحربين العالميتين، قد ارتكبوا جريمة دولية في حق الشعب الفلسطيني، وهذه الجريمة الدولية لا تسقط بالتقادم طبقا لاتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية لعام 1968، فضلا عن توافر أركان المسؤولية الدولية الجنائية والمدنية في حقهم، حيث يتوافر ركن ارتكاب الخطأ المتمثل في وعد بلفور وصك الانتداب وكذلك قرار التقسيم 181، خلافاً لعهد عصبة الأمم ولميثاق الأمم المتحدة، فضلا عن النتائج التدميرية لما تبع ذلك من سرقة وتهويد وطن الفلسطينيين بكل ما يعنيه ذلك وعلى كافة الأصعدة، مما أصاب شعب فلسطين بأضرار جسيمة طالت وجوده وكينونته وموارده وانتهكت كافة حقوقه، وهذا هو الركن الثاني من أركان المسؤولية الدولية بنوعيها. أما الركن الثالث فهو علاقة السببية بين الخطأ والضرر وهذا واضح بما لا يحتاج إلى تعليق.

لذلك يحق للشعب الفلسطيني مطالبة بريطانيا أولاً، وتلك الدول التي تواطأت وسهلت واشتركت معها، بتطبيق قواعد المسؤولية الدولية المدنية عن طريق، إما إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حق استرداد حقوقه[53]، والمطالبة بتطبيق مبدأ إصلاح الضرر في القانون الدولي بما يتضمن من التعويض عن الأضرار الجسيمة التي لحقت به[54].

وتبدو مطالبة الرئيس الفلسطيني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة[55]، منسجمة مع هذه المبادئ والقواعد القانونية الدولية، إذ قال: “ندعو بريطانيا وفي الذكرى المئوية لهذا الوعد المشؤوم، هذه الصفقة المشؤومة، أن تستخلص العبر والدروس، وأن تتحمل المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية والمادية والمعنوية لنتائج هذا الوعد، بما في ذلك الاعتذار من الشعب الفلسطيني لما حل به من نكبات ومآس وظلم، وتصحيح هذه الكارثة التاريخية ومعالجة نتائجها، على الأقل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ هذا هو المطلوب من بريطانيا بعد الذي ارتكبته بحق الشعب الفلسطيني”. وهكذا فإن بريطانيا “تتحمل المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية والمادية والمعنوية لنتائج هذا الوعد”، وعليها واجب والتزام “تصحيح هذه الكارثة التاريخية ومعالجة نتائجها”.

حراك فلسطيني

إن مطالبة الرئيس الفلسطيني هذه، أمام محفل كافة دول العالم ممثلاً بالجمعية العامة للأمم المتحدة، ليست كما تبدو بنظر الإسرائيليين الذين نعتوها بـ”الفكرة البائسة لرفع دعوى ضد الحكومة البريطانية على وعد بلفور”[56]، علماً أنها وفي ذات الوقت تعتبرها “حرباً وجودية” على إسرائيل. ويندرج في ذات السياق رأي موشيه أرينز الذي يدعي فيه أنه “لولا وعد بلفور ربما لم يكن للفلسطينيين كيان وطني معترف به سواء في الساحة الدولية أو من جانبهم”، وأنه “نظراً لأن وعد بلفور وقيام دولة إسرائيل، هما اللذان أديا إلى نشوء الشعب الفلسطيني [..]، فإنه ليس فقط ليس هناك سبب كي يقدم عباس شكوى قضائية ضد بريطانيا، بل على العكس من ذلك يتعين عليه الاعتراف بفضل بريطانيا في نشوء الشعب الفلسطيني”[57]. فيما هاجم رئيس الحكومة الإسرائيلية هذا المسعى وقال إنه يعني أن السلطة “لا ترفض الدولة اليهودية فحسب، بل هي ترفض البيت القومي اليهودي الذي سبق الدولة اليهودية”. ولعل هكذا تُرهات وأطروحات، تعبر عن مدى ما تتركه مواقف الرئيس الفلسطيني، من ردود إسرائيلية متشنجة وبائسة لا تستحق حتى الاهتمام بها.

ويبدو أن بريطانيا بدأت باستشعار تأثير المطالبة الفلسطينية، بدليل أن الحكومة البريطانية قررت تجميد نقل 25 مليون جنيه للسلطة الفلسطينية،[58] والذي يعتبر ثلث المساعدات السنوية التي تقدمها بريطانيا للسلطة. وفقا لما نشر وأشارت وزيرة التنمية الدولية الجديدة في الحكومة البريطانية بريتي باتيل، إلى أن تجميد نقل هذه الأموال للسلطة، جاء خوفاً من دفعها كمخصصات لمن وصفتهم بـ”الإرهابيين” أو لعائلات “الإرهابيين”؟!، مؤكدة أن تجميد هذه الأموال سيستمر لحين انتهاء التحقيق في هذه القضية؛ في تساوق صريح مع لوبي صهيوني ضاغط في بريطانيا، والذي يتساوق مع الأكاذيب والتحريض الإسرائيلي. ولا يمكن فهم هذا الإجراء البريطاني إلا كونه بداية ردود الفعل على المطالبات الفلسطينية، والذي سبقه امتناع الحكومة البريطانية عن تنفيذ قرار البرلمان البريطاني الصادر في 13/10/2014، والقاضي بالاعتراف بدولة فلسطين.

وعلى النقيض من ذلك فإن المواقف الفلسطينية بهذا الخصوص باتت تتضح بشكل متواتر، فها هو المجلس الوطني الفلسطيني[59] في بيان له بتاريخ الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) طالب “بريطانيا صاحبة وعد لفور المشؤوم بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، تجاه ما حلّ بالشعب الفلسطيني من نكبات وويلات وتشريد ولجوء”، وطالب المجلس “مجلس العموم البريطاني خاصة بفتح ملف وعد بلفور من جديد، ومناقشته والضغط على الحكومة البريطانية للاعتراف الفوري بدولة فلسطين، وإلزامها بمساعدة الشعب الفلسطيني لنيل كافة حقوقه، وتحمل نتائج كل ما ترتب على وعدها في إطار تحقيق العدالة التي حرمتْ منها شعبنا الفلسطيني على مدار مئة عام تقريبا، وتصحيح هذا الوضع، حيث ما يزال الموقف البريطاني الرسمي لا يعترف بدولة فلسطين”.

يتبلور منذ فترة حراك شعبي وأهلي للقيام بحملة واسعة بمناسبة مئوية وعد بلفور، فتشكلت لجان وطنية متعددة في فلسطين ومصر ولبنان وتونس وغيرها من البلدان العربية، وتشكلت لجان ناشطة عديدة في بريطانيا نفسها واسكتلندا، للقيام بأوسع الحملات بما فيها مطالبة مجلس العموم البريطاني لفتح ملف وعد بلفور من جديد، ودراسته والتحقيق فيما أخفي منه، ودراسة ما ترتب عنه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني.

وأكدت قيادات فلسطينية وممثلو فصائل العمل الوطني وممثلون عن منظمات المجتمع المدني، ونقابيون وأكاديميون وحقوقيون[60] على أهمية وحدة الجهود الرسمية والشعبية، ووحدة تجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، خلال فعاليات إحياء ذكرى مئوية وعد بلفور، بما يكفل أقصى درجات الانسجام والتكامل بين أداء الهيئات المختلفة، ويساهم في تحقيق الأهداف المرجوّة، وفي مقدمتها تحمّل بريطانيا مسؤولياتها التاريخية والسياسية والأخلاقية تجاه ما لحق بالشعب الفلسطيني من نكبات ومظالم، وتمكين الشعب الفلسطيني من تجسيد قيام دولته المستقلة على الأرض وعودة اللاجئين. وتستعد هذه الأطر المختلفة لإطلاق حملة واسعة تمتد من 2/11/2016 وحتى 2/11/2017، وتشمل فعاليات متنوعة تستمر على امتداد عام كامل، لوضع المجتمع الدولي وخاصة بريطانيا أمام مسؤولياتها التاريخية، ودعوتها للتكفير عن الجريمة الكبرى التي ارتكبتها، ورفع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني. وقد اتفقت تلك الأطر على ضرورة الاتصال والتنسيق مع الأجسام الفاعلة في هذا المجال، وبذل جهود خاصة في بريطانيا واسكتلندا، وفتح جبهة قانونية، وتنظيم زيارات لشخصيات دولية فاعلة، والانفتاح على مختلف وسائل الإعلام بمختلف اللغات، وتنظيم مختلف الحملات الجماهيرية من مسيرات واعتصامات ومذكرات وحملات تواقيع، وبناء تحالفات ولجان مناصرة برلمانية وأكاديمية.

 الهوامش:-

[*] كاتب وباحث في شؤون القانون الدولي.

[1]نص خطاب الرئيس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 22 أيلول (سبتمبر) 2016، الصحف الفلسطينية بتاريخ 23 أيلول (سبتمبر) 2016.

[2] نص خطاب الرئيس أمام المهرجان المركزي لإحياء الذكرى الثانية عشرة لاستشهاد الرئيس ياسر عرفات، الصحف الفلسطينية، بتاريخ 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016.

[3] تعتبر هذه الدراسة تكملة لدراستنا: د. كمال قبعه، مساءلة بريطانيا عن تصريح بلفور والنكبة، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 265، خريف 2016، ص 20–40.

[4] محمد إسماعيل علي السيد، مدى مشروعية أسانيد السيادة الإسرائيلية في فلسطين: دراسة في إطار القانون الدولي العام، عالم الكتب: القاهرة، 1975، ص 129–137.

 [5]محسن محمد صالح، القضية الفلسطينية خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2012، ص35.

[6] محمد إسماعيل علي السيد، ص 143–145.

[7] هنري كتن، قضية فلسطين، السلطة الوطنية الفلسطينية: وزارة الثقافة– رام الله، 1999، ص30.

[8] محمد إسماعيل علي السيد، مصدر سابق، ص 139.

[9] المصدر السابق، ص 140–141.

[10] هنري كتن، مصدر سابق، ص 27.

[11] محمد إسماعيل علي السيد، مصدر سابق، ص 198.

[12] هنري كتن، مصدر سابق، ص 40.

[13] المصدر نفسه، ص 25–27.

[14] د. سهيل حسين الفتلاوي، القانون الدولي العام في السلم، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010، ص249، د. غازي حسن صباريني، الوجيز في مبادئ القانون الدولي العام، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع والإعلان، عمان، 1992، ص113.

[15]د. سهيل حسين الفتلاوي، القانون الدولي العام في السلم، مرجع سابق، ص248-249، د.غازي حسن صباريني، الوجيز في القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص113.

[16]عبد العزيز محمد سرحان، مبادئ القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، مطبعة جامعة القاهرة، الكتاب الجامعي، 1980، ص 492.

[17]خضعت سوريا ولبنان لهذا النوع من الانتداب الذي باشرته فرنسا، وخضعت فلسطين التي كانت تشمل شرق الأردن، والعراق لانتداب A الذي باشرته بريطانيا، وقد أقر مجلس العصبة في 16 تشرين الأول 1922 إخضاع شرق الأردن لإدارة منفصلة عن إدارة فلسطين.

[18] د. سهيل حسين الفتلاوي، الموجز في القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص150.

[19] محمد إسماعيل علي السيد، مصدر سابق، ص 204، و211.

[20] المصدر نفسه، الحاشية رقم 53، ص 205.

[21] الانتداب على فلسطين (صك): الموسوعة الفلسطينية،

www.palestinapedia.net

[22]المصدر نفسه.

[23] المصدر نفسه.

[24] د. بدرية العوضي، القانون الدولي العام، الكويت، مؤسسة دار الكتب، 2003، ص 165.

[25] د. محمد عزيز شكري، المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم، ط2، دمشق، دار الفكر، 1973، ص 148، وحامد سلطان، القانون الدولي العام وقت السلم، دار النهضة العربية، مصر، ط4، 1976، ص 221.

[26] هنري كتن، مصدر سبق ذكره، ص 28 -29.

[27] د. فتحي الدريني، التعسف في استعمال الحق، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1988، ص326.

 [28]د. عثمان التكروري، وعمر ياسين، الضفة الغربية وقانون الاحتلال الحربي، إصدار مركز الدراسات في نقابة المحامين، فرع القدس، 1986، ص17.

[29] د. عائشة راتب، بعض الجوانب القانونية في النزاع العربي الإسرائيلي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1969، ص110.

 [30]د. صلاح الدين عامر، الحق في التعليم في الأراضي المحتلة، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد الرابع والثلاثون، 1978، ص117، د. عثمان التكروري، وعمر ياسين، الضفة الغربية وقانون الاحتلال الحربي، مرجع سابق، ص28.

 [31]د. رشاد عارف يوسف السيد، المسؤولية الدولية عن أضرار الحروب العربية والإسرائيلية، مرجع سابق، ص57.

[32] النكبة ومسؤولية بريطانيا وضرورات مساءلتها– المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان– منظمة التحرير الفلسطينية، بتاريخ 17 أيار (مايو) 2013.

.www.nbprs.ps/news.php?action=show&id=16164

[33] للتفصيل يمكن مراجعة: د. هند أمين البديري، أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ – دراسة وثائقية، طبعة منقحة، جامعة الدول العربية: القاهرة، 1998، ص 41–78.

[34] المصدر نفسه، ص 78.

[35] المصدر نفسه، ص 277.

[36] د. زهير صباغ، التطهير العرقي الصهيوني في فترة ما قبل 1948، مجلة التراث والمجتمع (رام الله)، العدد 41 تموز (يوليو) 2005، ص 11. وراجع أيضاً: د. تيسير جباره، فرض الهجرة القسرية على الشعب الفلسطيني زمن الاحتلال البريطاني، المجلة الفلسطينية للدراسات التاريخية، المجلد الأول، العدد الأول، حزيران (يونيو) 1998، ص 166– 208.

[37] محمد إسماعيل علي السيد، مصدر سابق، ص 226.

[38]د. هند أمين البديري، أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ، مصدر سابق، ص 272–273.

[39] د. زهير صباغ، التطهير العرقي الصهيوني في فترة ما قبل 1948، مصدر سابق، ص 19.

[40] محمد إسماعيل علي السيد، مصدر سابق، ص 231.

[41]صحيفة هعير بتاريخ 6 أيار (مايو) 1992، نقلاً عن د. زهير صباغ، التطهير العرقي الصهيوني في فترة ما قبل 1948، مصدر سابق، ص 28.

[42] د. محمد عزيز شكري، مدخل إلى القانون الدولي العام، مطبعة الجامعة، سوريا، 1987، ص 113.

[43] محمد سامي عبد الحميد، مقدمة لدراسة القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995، ص 83.

[44] المرجع السابق نفسه.

[45] د. عبد الكريم علوان، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010، ص121.

[46] د. محسن محمد صالح، دراسات منهجية في القضية الفلسطينية، مرجع سابق، ص440.

[47] محمد إسماعيل علي السيد، مصدر سابق، ص 259.

[48]د. جعفر عبد السلام، من أوراق القضية الفلسطينية، دار النهضة العربية، القاهرة، ط1، 1990، ص 31-33.

[49]نص خطاب الرئيس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 22 أيلول (سبتمبر) 2016، الصحف الفلسطينية بتاريخ 23 أيلول (سبتمبر) 2016.

[50] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة السادسة والخمسون، البند 162 من جدول الأعمال، تقرير لجنة القانون الدولي عن أعمالها، ص7،

http://www.un.org/arabic/documents/GADocs/56/A_56_589.pdf

[51] د. حامد سلطان، القانون الدولي العام وقت السلم، دار النهضة العربية، مصر، ط4، 1976، ص 284-285.

[52] المصدر نفسه، ص315.

[53]للتفصيل: د. صلاح عبد البديع شلبي، حق الاسترداد في القانون الدولي، الطبعة الأولى، دار النشر بلا، القاهرة، 1983.

[54]د. عبد الغني محمود، المطالبة الدولية لإصلاح الضرر في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، دار الطباعة الحديثة: القاهرة، 1986.

[55]نص خطاب الرئيس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 22 أيلول (سبتمبر) 2016.

[56]النائبة شيران هسيخل، الفلسطينيون يعلنون “حرباً وجودية” ضد إسرائيل، معاريف/ الأيام 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2016.

[57]موشيه آرنس، بلفور وأبو مازن، هآرتس/ الأيام 17/8/2016.

[58]موقع صحيفة هآرتس/ الأيام بتاريخ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016.

[59]الصحف الفلسطينية، بتاريخ 2 تشرن الثاني (نوفمبر) 2016.

[60]الحياة الجديدة/ معا 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2016.