مركز الأبحاث الفلسطيني يختتم مؤتمره السنوي بالتأكيد على بلورة استراتيجية وطنية قابلة للتنفيذ في مواجهة التحولات الإقليمية والدولية

رام الله – 22/12/2025 :اختتم مركز الأبحاث الفلسطيني، اليوم الاثنين، أعمال مؤتمره السنوي بعنوان "الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية في إقليم متغيّر"، الذي انعقد على مدار يومين تحت رعاية الرئيس محمود عباس  في قاعة أحمد الشقيري بمقر الرئاسة في رام الله، بحضور  رئيس الوزراء محمد مصطفى ممثلا عن الرئيس، وبمشاركة واسعة من القيادات السياسية، والدبلوماسيين، والأكاديميين، والباحثين، وممثلي المؤسسات الوطنية.

وفي كلمته الافتتاحية، قال رئيس مجلس أمناء مركز الأبحاث محمد اشتية، إن المؤتمر ينعقد في ظروف تُعدّ من الأصعب التي مرّت على القضية الفلسطينية والمنطقة عموما، في ظل سياق دولي متفجّر تتقاطع فيه الحروب العسكرية مع الصراعات الاقتصادية والتجارية.

وأشار إلى أن هذا المشهد الدولي والإقليمي يوازيه ما يجري في فلسطين، حيث تتواصل حرب الإبادة، والتدمير الواسع، ومحاولات الاجتثاث والتهجير القسري، مؤكدًا أن آلة القتل الإسرائيلية لم تقتصر على غزة، بل امتدت لتطال الضفة الغربية بما فيها القدس، في ظل احتلال شبه كامل، واعتقالات واسعة، وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية.

وأوضح أن إسرائيل لم تكتفِ بعدوانها العسكري، بل واصلت توسيع مشروعها الاستيطاني، وتصعيد اعتداءات المستعمرين، والاستيلاء على الأراضي، وبناء المستعمرات وشرعنة القائم منها، حتى بات عدد المستعمرين في الضفة الغربية بما فيها القدس ما يقارب 881 ألف مستعمر، في وقت تُستخدم فيه منظومة الحواجز والبوابات العسكرية لخنق الحياة اليومية للفلسطينيين، وتقويض أي إمكانية لحل سياسي عادل.

وانتقد اشتية ازدواجية المعايير الدولية، معتبرا أن العالم الذي يُدرج بعض المستوطنين الأفراد على قوائم الإرهاب، لكنه يتجاهل المشروع الاستيطاني برمّته، هو عالم غير جاد في تطبيق القانون الدولي، ولا يفرض عقوبات حقيقية على دولة الاحتلال، بل يوفّر لها الغطاء السياسي والأخلاقي، ويتعامل مع انتهاك الشرعية الدولية بوصفه أمرًا قابلًا للتكيّف السياسي.

وأشار اشتية إلى أن حماية إسرائيل أمام الرأي العام الدولي باتت أكثر صعوبة، بعد انكشاف زيف روايتها، مقابل تصاعد غير مسبوق في الحراك الشعبي العالمي الداعم لفلسطين، حيث امتلأت المدن الكبرى حول العالم بالمظاهرات المؤيدة للحقوق الفلسطينية، وتراجع الخطاب الإسرائيلي أمام الرأي العام الدولي.

وطرح اشتية خلال كلمته ثلاثة أسئلة مركزية تشكّل محورًا للنقاش في المؤتمر، أولها: إلى متى ستبقى غزة محاصرة ومجزّأة، في ظل التقلّص المستمر لمساحتها منذ عام 1949، وصولًا إلى مخططات المناطق العازلة التي تهدّد بتحويلها إلى شريط معزول؟ وثانيها: ما هو الشكل النهائي للحل في غزة بالشراكة مع الطرف الفلسطيني، بعيدا عن الحلول المؤقتة التي تتحوّل إلى وقائع دائمة؟ وثالثها: أي سيناريو يجب أن تتسلّم بموجبه السلطة الفلسطينية إدارة غزة، في ظل اشتراطات دولية وأوروبية لما يُسمّى الإصلاح.

وفي هذا الإطار، شدّد اشتية على أن الإصلاح الحقيقي يتمثل في تصويب الأخطاء وبناء المؤسسات الفلسطينية على أعلى درجات الكفاءة والأداء، سياسيًا وإداريًا وماليًا، بما يخدم المشروع الوطني ويعزّز صمود الشعب الفلسطيني.

وفي كلمة السيد الرئيس، راعي المؤتمر، اكد رئيس الوزراء د. محمد مصطفى على ثبات أهداف المشروع الوطني الفلسطيني المتمثلة في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، مشدداً على أن هذه الأهداف ليست مجرد شعارات، بل مشروع سياسي نضج عبر عقود. ويبرز "إعلان نيويورك" كمحطة مفصلية تعكس إجماعاً دولياً يوجب الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التجسيد الفعلي للدولة على الأرض. 

 

ووصف مصطفى اللحظة الراهنة بأنها "لحظة تعقيد تاريخي" فرضتها حرب الإبادة في غزة والعدوان المستمر في الضفة والقدس، إلى جانب الخنق المالي والانقسام الداخلي. ويرى أن هذه الوقائع تفرض تحولاً جذرياً من "منطق الصمود" وحده إلى "الحسم الاستراتيجي"، مما يتطلب شراكات وطنية حقيقية وقرارات شجاعة تنهي مرحلة إدارة الأزمات المفتوحة.

وقدم مصطفى عدة نقاط تعمل عليها الحكومة الفلسطينية ؛ أولها استعادة الوحدة الوطنية كشرط عملي وإعادة إعمار غزة كجزء سياسي أصيل من الدولة. والمحور الثاني يركز على التوحيد المؤسساتي والقانوني بين الضفة وغزة تحت مظلة "دولة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد". أما الثالث، فيؤكد على المسار القانوني والدبلوماسي كخيار استراتيجي لاستكمال بناء الدولة استناداً للمرجعيات الدولية.

ودعا مصطفى الى بناء مقومات الدولة القادرة على الصمود عبر التحرر من التبعية الاقتصادية القسرية للاحتلال والانتقال إلى علاقة قائمة على المصالح المتبادلة. كما شدد على ضرورة تموضع فلسطيني واعٍ في الإقليم يقرأ التحولات الدولية بتعقّل، ويحافظ على الثوابت الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، مع تعزيز العمل تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية.

وقد ناقشت الجلسة الأولى، التي أدارها وزير الزراعة السابق رياض العطاري، مسار الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها، في ضوء التحديات البنيوية والسياسية التي تواجهها اليوم. وشارك في الجلسة كل من رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل جمال زحالقة، وعضو اللجنة التنفيذية رمزي رباح، ورئيس المفوض العام للهيئة المستقلة عصام العاوري.

 

وتركز النقاش على أزمة المشروع الوطني في ظل الانقسام، وتآكل الأفق السياسي، وضرورة تجديد أدوات النضال الوطني، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي جامع، قادر على توحيد الشعب الفلسطيني وصياغة برنامج وطني متجدد.

 

وتناولت الجلسة الثانية العلاقات الصينية الفلسطينية ورؤية الصين لمستقبل القضية الفلسطينية، في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية حيث حاورت استاذة العلاقات الدولية دلال عريقات السفير الصيني في فلسطين تسنغ جيشين. وأكد ان النظام الدولي بحاجة لإصلاح ليصبح اكثر عدلا وانصافا، واكد على عمق الدعم الصيني لفلسطين.

كما ناقشت الجلسة الثالثة، التي أدارها وزير العدل شرحبيل الزعيم، سيناريوهات اليوم التالي لحرب الإبادة على قطاع غزة. وشارك فيها وزير المالية والتخطيط اسطيفان سلامة، والمحلل السياسي عمر الغول، والخبير الامني محمد المصري.

وتناول المتحدثون مخاطر تكريس الحلول المؤقتة في غزة، ومحاولات فصلها عن المشروع الوطني الفلسطيني، مؤكدين أن إعادة إعمار القطاع يجب أن تتم في إطار سياسي وطني، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، وبإدارة فلسطينية موحدة، بعيداً عن الوصاية أو الشروط السياسية المجتزأة، وضرورة انجازها بسرعة، كما استعرض سلامة خطة الحكومة لذلك.

وخصصت الجلسة الأولى من اليوم الثاني، التي أدارها عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير فيصل عرنكي، لمناقشة آفاق تدويل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وشارك في الجلسة مستشار الرئيس للشؤون الدولية رياض المالكي، والسفير السابق  أحمد صبح، ومدير عام مؤسسة الحق شعوان جبارين. حيث أكد المشاركون أهمية المسار القانوني والدبلوماسي الدولي، واستثمار قرارات محكمة العدل الدولية والمحاكم الدولية، وتوسيع دائرة المساءلة القانونية لدولة الاحتلال، مع ضرورة مواءمة هذا المسار مع رؤية سياسية وطنية موحدة، وعدم فصله عن النضال الشعبي والسياسي.

فيما ناقشت الجلسة الخامسة، التي أدارها وزير الاقتصاد الاسبق باسم خوري، واقع الاقتصاد الفلسطيني في ظل الاحتلال.  وشارك في الجلسة وزير الاقتصاد الوطني محمد العامور، ومحافظ سلطة النقد يحيى الشنار، ورئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية عبده إدريس، ورجل الاعمال رفيق أبو منشار. وتطرق النقاش إلى سياسات الخنق المالي، والقيود البنيوية المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني، وضرورة التحلل التدريجي من التبعية الاقتصادية، وبناء نموذج اقتصادي مقاوم، يعزز الصمود، ويرتبط برؤية تنموية وطنية مستقلة.

وقدم عضو مجلس الأمناء عدنان ملحم البيان الختامي للمؤتمر والذ استعرض فيه اعمال المؤتمر خلال اليومين مقدما مجموعة كبيرة من التوصيات تمثلت بالتأكيد على أولوية استعادة الوحدة الوطنية كمدخل أساسي لأي استراتيجية وطنية قابلة للتنفيذ. ورفض الحلول المؤقتة والجزئية، سواء في غزة أو الضفة الغربية، والتنبيه إلى مخاطر تكريسها كوقائع دائمة. وتعزيز المسار القانوني والدولي لمساءلة الاحتلال، وربطه بخطة سياسية وطنية واضحة. وإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس تحررية وتنموية، تقلل من التبعية القسرية، وتعزز الصمود. وتطوير دور مراكز الأبحاث والمؤسسات الفكرية في دعم القرار الوطني، وربط التحليل الأكاديمي بالسياسات العملية.

وأكد مدير عام المركز منتصر جرار في ختام المؤتمر أن مخرجاته ستُرفع إلى الجهات الوطنية المختصة، وأن النقاشات التي شهدها تشكل أرضية فكرية مهمة للمساهمة في صياغة رؤية استراتيجية فلسطينية للمرحلة المقبلة، تستجيب لحجم التحديات، وتستند إلى وحدة الموقف، ووضوح الهدف، وإرادة سياسية قادرة على الإنجاز.

وقال جرار ان مركز الأبحاث الفلسطيني هو مؤسسة وطنية فكرية مفتوحة أمام كل الباحثين المهتمين بالشأن الفلسطيني داعيا جمهور الاكاديميين والمثقفين  الى تقديم اسهاماتهم الفكرية التي تخدم قضيتنا العادلة وشعبنا العظيم .