ترجمات : كيف يواصل نتنياهو النجاة؟

 

كيف يواصل نتنياهو النجاة؟

How Netanyahu Survives

 

مجلة Foreign Affairs الأميركية
بقلم ألوف بن، رئيس تحرير صحيفة هآرتس وزميل أول في مركز بيل غراهام للتاريخ الدولي المعاصر في جامعة تورونتو
10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025
ترجمة وتحرير: يسار أبو خشوم

 

يتناول هذا المقال تحليلا معمقا لمسار بنيامين نتنياهو السياسي بعد هجوم السابع من أكتوبر وما تبعه من انهيار أمني وصدمات داخلية أدخلت إسرائيل في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا. ويرى الكاتب أن استمرار نتنياهو في الحكم لا يتعلق بإنجازات واضحة أو قوة سياسية صلبة، بل يرتبط بعوامل مركبة تشمل هشاشة النظام الانتخابي وتشتت المعارضة وتوظيف الأزمات لإعادة إنتاج السلطة ومنح نفسه موقعا مركزيا يصعب تجاوزه. ويحاجج المقال أن نتنياهو استفاد من الانقسام الاجتماعي المتجذر ومن غياب بديل سياسي قادر على تشكيل أغلبية مستقرة، ومن قدرته على تحويل الفشل الأمني إلى فرصة للعودة بعنف إلى الساحة السياسية وإعادة صياغة رواية الحرب بما يخدم صورته. فيما يلي ترجمة تلخيصية للمقال:

منذ ظهوره بجانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب وقف إطلاق النار في غزة بدا واضحا أن نتنياهو الذي توقع كثيرون خروجه من المشهد السياسي عقب هجوم السابع من أكتوبر ما زال يمتلك قدرة خاصة على قلب الأحداث وتطويعها لصالحه. فقد ألقى باللوم على الأجهزة الأمنية ورفض تحمل المسؤولية عن التقصير ثم استغل حالة الفوضى ليعيد ترتيب موازين القوى داخل الحكومة ومحيطها. ومع اقتراب الانتخابات المقررة في عام 2026 يعمل على إعادة تشكيل السردية العامة عبر تقديم الحرب بوصفها مكسبا استراتيجيا وعلى تصوير معارضيه كتهديد داخلي يعطل مسار الدولة. وقد نجح في تحويل اللحظة التي بدت نهاية لمسيرته إلى نقطة انطلاق جديدة تمهيدا لمعركة انتخابية مصيرية.

انقسام المجتمع وتفكيك البدائل السياسية

تعمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة ليصبح أحد أهم الأدوات التي اعتمد عليها نتنياهو في تعزيز بقائه. فقد رسخ خطابا يميز بين نخبة ليبرالية قديمة يرى أنها فقدت الشرعية وبين أغلبية يهودية محافظة تشعر بأن هويتها مهددة. واستند إلى هذا الانقسام في إطلاق مشروع إصلاح قضائي يستهدف تقليص صلاحيات المحكمة العليا وإضعاف الرقابة على السلطة التنفيذية. وقد أدى هذا المشروع إلى خروج احتجاجات واسعة في عام 2023 شارك فيها مئات الآلاف، إلا أن اندلاع الحرب في غزة أوقف هذا الحراك وأتاح لنتنياهو استعادة زمام المبادرة عبر استثمار الخوف الأمني والانشغال الشعبي. ومع تشتت المعارضة بين توجهات سياسية غير متجانسة فقدت قدرتها على تقديم رؤية مشتركة حول قضايا جوهرية، ما جعلها عاجزة عن تشكيل بديل قادر على منافسته.

ورغم تراجع شعبية حكومة نتنياهو في استطلاعات الرأي فإن طبيعة النظام السياسي الذي يقوم على تعدد الأحزاب تمنحه مساحة واسعة للمناورة؛ فالأحزاب المناهضة له تختلف في مواقفها من الدين والدولة ومن مستقبل الضفة الغربية ومن العلاقة مع الأحزاب العربية، ما يجعل تشكيل ائتلاف بديل مهمة معقدة. وفي المقابل يمتلك نتنياهو قاعدة انتخابية متماسكة تنظر إليه كحائط صد ضد عودة النخب الليبرالية وتفسر أي هجوم عليه باعتباره جزءا من محاولة لإفشال المشروع القومي والديني. وهكذا حتى عندما يخسر الائتلاف بعض مقاعده يظل البديل المقابل أقل قوة وتماسكا، مما يسمح لنتنياهو بالاستمرار رغم تراجع التأييد العام له.

استثمار الحرب وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة

لم يتعامل نتنياهو مع حرب غزة باعتبارها مواجهة عسكرية فحسب، بل استغلها كأداة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة وتعزيز سيطرته على الأجهزة الأمنية. فقد أقال مسؤولين بارزين في المخابرات والجيش ممن وجهوا له انتقادات أو حمّلوه جزءا من المسؤولية، وعين شخصيات أكثر قربا من التيار الديني القومي. وقدم الحرب في خطابه العام باعتبارها لحظة تثبت قوة إسرائيل وقدرتها على فرض إرادتها رغم فداحة الخسائر، محولا الانتقادات الدولية إلى دليل على عداء قديم تجاه الدولة العبرية. وحتى ملف الأسرى الذي شكل نقطة ضعف كبيرة لحكومته أعاد صياغته بطريقة تسمح له بالظهور كمن حقق عودة المحتجزين دون تقديم تنازلات، بينما حمّل مسؤولية وقف إطلاق النار للرئيس ترامب في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي.

وفي موازاة ذلك استأنف نتنياهو مشروعه للسيطرة على القضاء والإعلام والمؤسسات الدينية وطرح تشريعات تمنح الحكومة قدرة أكبر على التحكم في أجهزة الدولة. كما سعى إلى إقالة المستشارة القضائية التي تشرف على محاكمته في قضايا الفساد، في حين تفجرت قضايا جديدة تتعلق بمقربين منه تتصل بتمويلات خارجية وظروف إدارة الحرب. إلا أن هذه الفضائح بدلا من أن تقوض موقعه السياسي تحولت إلى رصيد إضافي يستخدمه لتغذية الرواية القائلة إن اليمين يتعرض لحملة منظمة تستهدف إسقاطه. وبهذه الطريقة نجح في تحويل الأزمة إلى وسيلة لتعزيز تماسك قاعدته السياسية وإعادة تعريف الصراع على السلطة لصالحه.

التحالفات المتقلقلة وتغير الخريطة السياسية

تمثل عودة نفتالي بينيت إلى الساحة السياسية تحديا جديدا لنتنياهو، إذ يسعى بينيت إلى تقديم نفسه بصفته البديل اليميني القادر على تجاوز الانقسام وتشكيل حكومة مستقرة. ويستفيد من خبرته السابقة في بناء ائتلافات غير تقليدية تجمع أطرافا متباعدة سياسيا. ومع ذلك فإن الطريق أمامه ليس سهلا، إذ ما تزال المعارضة غير قادرة على الاتفاق حول رؤية موحدة، بينما يظل جزء كبير من اليمين القومي والديني أقرب إلى نتنياهو من أي بديل آخر. كما أن رفض بينيت التعاون مع الأحزاب العربية يحد من قدرته على تشكيل أغلبية مستقرة، مما يقلل من فرصه في إزاحة نتنياهو في المدى القريب.

وفي داخل معسكر اليمين تبرز قضية تجنيد الحريديم باعتبارها ساحة مواجهة محتملة بين نتنياهو وبينيت. فالغضب الشعبي ازداد تجاه الفئات التي لا تشارك في الخدمة العسكرية، غير أن نتنياهو لا يستطيع التخلي عن دعم الأحزاب الدينية التي تشكل جزءا أساسيا من ائتلافه. يمنح هذا التوتر بينيت مادة سياسية قوية لكنه في الوقت ذاته يضعه أمام معادلة صعبة، إذ إن كسب دعم اليمين الديني يتطلب خطابا أكثر تشددا من خطاب نتنياهو، الأمر الذي قد يؤدي إلى خسارته دعم التيارات الوسطية. ونتيجة لهذه التوازنات يظل البديل السياسي الذي يمثله بينيت قائما من الناحية النظرية لكنه غير قادر في الوقت الراهن على تشكيل تهديد فعلي لهيمنة نتنياهو على المشهد السياسي.

خاتمة

تكشف هذه القراءة أن استمرار نتنياهو في الحكم لا يعكس قوة سياسية استثنائية بقدر ما يكشف عن مشهد داخلي مضطرب تتداخل فيه الانقسامات البنيوية مع غياب البديل القادر على جمع الأغلبية. ويستفيد نتنياهو من هذا الاضطراب عبر تحويل الأزمات إلى أدوات نفوذ واستثمار الخوف والانقسام لإعادة إنتاج سلطته. وفي ظل استمرار التشظي داخل المعارضة وتراجع قدرة النظام السياسي على إنتاج قيادة جديدة يظل نتنياهو اللاعب الأكثر مهارة في إدارة الفوضى وتوجيهها بما يخدم بقاءه، الأمر الذي يجعل احتمالات نجاة جديدة أمرا قائما رغم الانهيارات المتكررة التي تحيط بحكومته.