كمال قبعه[*]

بصدور قرار مجلس الأمن الدولي 2334 (2016)، حققت فلسطين إنجازاً قانونياً دولياً هاماً، ليضاف إلى الإنجازات التي حققتها على الصعيد الدولي. فبعد عدة سنوات من التحضيرات لتقديم مشروع القرار، نجحت الديبلوماسية الفلسطينية في كسب دول مجلس الأمن، بضمان التصويت عليه بتاريخ 24 كانون الأول (ديسمبر) 2016، وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت؛ وبذلك تم اعتماد قرار ظل حبيس حق النقض/ الفيتو طوال ستة وثلاثين عاماً.

وقد أثار القرار ردود فعل متباينة جديرة بالتمحيص والتحليل، فكان من بينها تقليل البعض من أهمية القرار باعتبارهم أنه غير ملزم، وبأنه مجرد إضافة لقرارات سابقة لمجلس الأمن أهم وأقوى من هذا القرار. وتمادى البعض باعتباره خطيراً، لادعائهم بأنه قد ساوى بين إرهاب المستوطنين من جهة ونضال الفلسطينيين من جهة أخرى. وذهب البعض للتشكيك في جدية القيادة الفلسطينية في متابعة تنفيذ القرار، باعتبار أن القرار يخلو من آليات تطبيقه وإنفاذه. وهناك من يقول بأن القرارات السابقة لمجلس الأمن بهذا الشأن هي أكثر تقدما من القرار 2334، كونها لم تربط أبداً بين إدانتها للاستيطان وممارسات إسرائيل وبين أية مطالب مطروحة على الفلسطينيين.

على أن نصوص القرار وما تبعه من ردود الفعل الإسرائيلية، تدل على أنه يمثل صفعة قوية لدولة الاحتلال، أفقدت قيادتها توازنهم. والقرار وبحق انتصار دبلوماسي وقانوني فلسطيني، وخطوة كبيرة نحو تدويل القضية الوطنية على أساس مبادئ وقرارات الشرعية الدولية المتعاقبة الصادرة بشأنها، وتحوّل وتطوّر لافت في المواقف الدولية باتجاه دعم حقوق الشعب الفلسطيني.

تتناول هذه الدراسة بالتحليل والقراءة القانونية الدولية للقرار، وما سبقه من قرارات بشأن عدم شرعية الاستيطان وبيان مضامينها الأساسية، وإظهار ما حمله القرار من مواقف ونصوص جديدة، وآليات إنفاذه، ومقدمات وتداعيات القرار، وكيفية البناء عليه وتعزيزه ومتابعته، عبر استثمار القرار والمراكمة عليه، وكيفية تفعيل كل آليات الإلزام الدولية التي يتضمنها القرار وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، والتي في حال تنفيذها وتطبيقها ستجبر دولة الاحتلال، على الانصياع للقانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية المتعاقبة؛ الأمر الذي يستوجب وضع استراتيجية وطنية لكيفية متابعة القرار ووضع الآليات الواجبة لتنفيذ ما تضمنه من قواعد وأحكام لمواجهة الاستيطان وسياسات الاحتلال، على كافة الصعد وطنياً وإقليمياً ودولياً، وحمايته  واعتماده كأساس ناظم ومرجعي في تحديد واتباع سبل تشديد العزلة على دولة الاحتلال ومقاطعتها وملاحقتها في كافة المحافل الدولية من جهة أخرى.

القرار ملزم كما كافة قرارات مجلس الأمن

وترد سلطات مجلس الأمن في فصلين رئيسين من فصول ميثاق الأمم المتحدة: في الفصل السادس، بعنوان “تسوية النزاعات بالطرق السلمية”، وفي الفصل السابع تحت عنوان “التدخل ضد تهديدات السلام، انتهاكات السلام وأعمال العدوان”. ورد في المادة 33/1، وهي المادة الأولى من الفصل السادس؛ الطرق الواجبة لإنهاء النزاعات التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، وذلك بأن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء “بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها”. وقد أثار هذا النص جدلاً قانونياً لا يخلو من الأبعاد السياسية الرامية لعدم تنفيذ تلك الواجبات بالطرق اللازمة السابقة وفقاً للفصل السادس، بتفسير ما ورد بأنها مجرد توصيات غير ملزمة للدول، وتستطيع الدول الأعضاء، تجاهل قرارات مجلس الأمن المتخذة بموجب الفصل السادس من الميثاق. وبذلك فإن هؤلاء من القانونيين والساسة أصلاً، لم يأخذوا بعين الاعتبار ضرورة التفريق بين واجب وتعهد الدول “بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق”، وآليات التنفيذ المتاحة لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع.

والفصلان السادس والسابع في الميثاق متتابعان ويكملان بعضهما بعضاً، ويأتي الشروع بإنفاذ الفصل السابع في حال عدم نجاح الطرق والوسائل الواجبة في الفصل السادس، بدليل أن الفصل السابع، يتضمن أحكاماً تتعلق بآليات إنفاذ قراراته. وتبين المادة 41 التدابير الخاصة التي لا تقتضي اللجوء حتى للقوة العسكرية التي يمكن استخدامها لتطبيق قرارات مجلس الأمن. وتشتمل التدابير تدريجياً وبشكل تتابعي على: “وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية، وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئياً أو كلياً، وقطع العلاقات الدبلوماسية”. وإن لم تنجح هذه التدابير، تحدد المادة 42 تدابير أخرى أكثر شدة وقوة إكراهية يجوز اتخاذها، بحيث يجوز للمجلس “أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدوليين أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصار والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء “الأمم المتحدة”. وتتناول المادة 47 تشكيل لجنة أركان عسكرية. وتقضي المادتان 48 و49 على أن الدول الأعضاء “يجب” أن تشارك في المسؤولية عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتخذة بموجب الفصل السابع. وتنص المادة 49 على أن: “يتضافر أعضاء “الأمم المتحدة” على تقديم المعونة المتبادلة لتنفيذ التدابير التي قررها مجلس الأمن”.

وعليه، فإن كافة قرارات مجلس الأمن هي قرارات ملزمة وتتعهد كافة الدول الأعضاء باحترامها وتنفيذها، ومن واجب الدول كافة الانصياع بحسن نية لتنفيذ تلك التدابير والوسائل والطرق الواجبة بموجب الفصل السادس، وإلا فإن من واجب مجلس الأمن الانتقال لفرض التدابير التي يتضمنها الفصل السابع من الميثاق. ويرد ما ذهبنا إليه من أن كافة قرارات مجلس الأمن ملزمة وواجبة التنفيذ، في منطوق المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أن “يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق”؛ وبذلك فإن قرارات مجلس الأمن تكون ملزمة لجميع الدول الأعضاء في الجمعية العامة، حتى أولئك الأعضاء المعارضين لتلك القرارات، وقد تم جعل هذه السلطة الملزمة واضحة بموجب المادة رقم 103 من الميثاق، التي تنص على أنه “إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة، وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق”. وبذلك تتمتع القرارات بشأن قضية فلسطين والاحتلال الإسرائيلي، الصادرة عن مجلس الأمن بموجب الفصل السادس، بصفة الإلزام لقوات الاحتلال الإسرائيلية[1].

ويظهر مما تقدم أن رفض دولة الاحتلال للقرار 2334 (2016)، لا يعفيها في مطلق الأحوال من الواجبات الواردة في المادة 25 سابقة البيان، بل هي ملزمة بتنفيذه رغم اعتراضها عليه، وإلا فإنها تُخرج نفسها من إطار الشرعية الدولية ومؤسساتها، وتصبح – علماً أنها قد أصبحت منذ بداية تأسيسها- دولة مارقة على ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، وخارجة متنكرة ومتغطرسة على مبادئ وقواعد قانون الأمم وقرارات هيئاته ووكالاته المتخصصة. ومنذ إعلان المبادئ عام 1991، سعت إسرائيل مدعومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية وعملت داخل أروقة النظام الدولي لإلغاء قرارات الشرعية الدولية السابقة حول فلسطين، أو إضعاف وتفريغ قيمتها القانونية. وبالفعل، تمكنت بدعم من أميركا، وبتواطؤ أطراف أخرى من إسقاط قرار مساواة الصهيونية بالتمييز العنصري عام 1991، وواصلت تنكرها للقرارات الدولية بشأن فلسطين. وقد عملت إسرائيل طوال عقدين ونصف في تعاملها مع قرارات الشرعية الدولية على عدة محاور، فمن اختزال تلك القرارات في قرار 242 وقرار 338 وفق فهمها، الذي يرتكز على جانب أحادي يتمثل في “الحدود الآمنة والمعترف بها”، وتطبيع العلاقات ليس إلا؛ وتغافلت واستبعدت رزمة القرارات الأخرى بدءاً من قرار التقسيم 181 في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 وقرار 194 وحتى القرار 2334 الأخير. مروراً باستبعاد دور الأمم المتحدة، واستبدالها برعاية أميركية غير نزيهة وغير حيادية. وليس انتهاءً بفرض أسلوب التفاوض الثنائي المباشر دون غيره، وإصرار إسرائيل على تفسيرها الخاص لقرارات الشرعية الدولية.

وتُظهر هذه السياسة الإسرائيلية الخبيثة والماكرة، عدم صحة ما يقال بأن إسرائيل لا تكترث لقرارات الشرعية الدولية، فقد اعتبرها ليبرمان “إرهاباً دبلوماسياً”، وتبدي إسرائيل اهتماماً كبيراً بالمنظمة الدولية وبقراراتها، وتقلقها صورتها كدولة خارج القانون، وترتعد خوفاً من محاولات نزع الشرعية الدولية عنها، ومن مقاطعتها على كافة المستويات، وجرجرة قادتها ومسؤوليها ومجرميها إلى المحكمة الجنائية الدولية.

قرارات مجلس الأمن الحصرية بالاستيطان[2]

صدرت عن مجلس الأمن قرارات بشأن الاستيطان خاصة وما يترتب عليه من نتائج وآثار على مناحي حياة الشعب العربي الفلسطيني في أراضيه المحتلة، وهذه القرارات وأبرز ما تضمنته هي:

القرار 446 (1979)

  • يقرر أن سياسة إسرائيل وممارساتها بإقامة المستوطنات على الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ سنة 1967، ليس لها أي مستند قانوني، وتشكل عقبة خطرة في وجه التوصل إلى سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط؛
  • يشجب بشدة فشل إسرائيل في الالتزام بقرارات مجلس الأمن؛
  • يطلب مرة أخرى من إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، أن تلتزم بدقة باتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وأن تتراجع عن تدابيرها السابقة، وأن تمتنع من اتخاذ أي عمل قد يؤدي إلى تغيير الوضع القانوني والطابع الجغرافي أو أي عمل قد يؤدي إلى التأثير الملموس في التركيب السكاني للأراضي العربية المحتلة منذ سنة 1967، بما فيها القدس، وأن تمتنع بشكل خاص عن نقل مجموعات من سكانها المدنيين إلى الأراضي العربية المحتلة.

القرار 452 (1979)

  • يعتبر أن سياسة إسرائيل في إقامة المستوطنات على الأراضي العربية المحتلة، ليس لها مستند قانوني وتشكل خرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب والمؤرخة في 13 آب (أغسطس) 1949؛
  • يساوره بالغ القلق من جراء ممارسات السلطات الإسرائيلية لتنفيذ تلك السياسة الاستيطانية في الأراضي المحتلة، بما فيها القدس، وعواقب تلك السياسة على السكان المحليين من عرب وفلسطينيين؛
  • يؤكد ضرورة مواجهة مسألة المستوطنات القائمة، وضرورة اتخاذ تدابير لتأمين الحماية المنزهة للملكية المصادرة؛
  • يلفت الانتباه إلى العواقب الخطرة التي تجرها سياسة الاستيطان على أية محاولة للوصول إلى حل سلمي في الشرق الأوسط.

القرار 465 (1980)

  • شجب قرار حكومة إسرائيل بتأييدها الرسمي للاستيطان الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية والعربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967؛
  • يساوره بالغ القلق بشأن ممارسات السلطات الإسرائيلية الرامية إلى تنفيذ سياسة الاستيطان في المناطق العربية المحتلة، بما في ذلك القدس، ونتائجه بالنسبة إلى السكان المحليين العرب والفلسطينيين؛
  • وإذ يأخذ في اعتباره ضرورة النظر في تدابير لحماية الأراضي والممتلكات العامة والخاصة والموارد المائية، من دون استثناء؛
  • وإذ يضع في اعتباره الوضع الخاص للقدس، لا سيما ضرورة حماية البعد الروحي والديني الفريد للأماكن المقدسة في المدينة والمحافظة عليها؛
  • يلفت الانتباه إلى النتائج الخطرة التي ستتركها سياسة الاستيطان على أية محاولة للتوصل إلى سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط:
  • إن جميع التدابير التي اتخذتها إسرائيل لتغيير المعالم المادية والتركيب السكاني والهيكل المؤسسي في الأراضي الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس، أو أي جزء منها، ليس لها أي مستند قانوني، وإن سياسة إسرائيل وأعمالها لتوطين قسم من سكانها ومن المهاجرين الجدد في هذه الأراضي تشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط؛
  • يشجب بشدة استمرار إسرائيل وتصميمها على متابعة هذه السياسات والممارسات ويدعو حكومتها وشعبها إلى وقف هذه الإجراءات وتفكيك المستوطنات القائمة. كما يدعوها، بصورة خاصة، إلى التوقف فوراً عن إنشاء المستوطنات وبنائها والتخطيط لها في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس؛
  • يدعو الدول كافة إلى عدم تقديم أية مساعدات إلى إسرائيل يمكن استعمالها خصوصاً فيما يتعلق بالمستوطنات في الأراضي المحتلة.

القرار 476 (1980)

–  يؤكد من جديد الضرورة الملحة لإنهاء الاحتلال المطول للأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بما في ذلك القدس؛

– يشجب بشدة استمرار إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، في رفض التقيد بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات العلاقة؛

– يؤكد مجدداً أن جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل، القوة المحتلة، والرامية إلى تغيير معالم مدينة القدس الشريف ووضعها، ليس لها أي مستند قانوني وتشكل خرقاً فاضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، كما تشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط؛

– يؤكد أن كل هذه الإجراءات التي غيرت معالم مدينة القدس الشريف ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي هي إجراءات باطلة أصلاً، ويجب إلغاؤها وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة؛

– يدعو بإلحاح إسرائيل، القوة المحتلة، إلى التقيد بهذا القرار وقرارات مجلس الأمن السابقة، وإلى التوقف عن متابعة السياسة والإجراءات التي تمس معالم مدينة القدس الشريف ووضعها؛

– يؤكد مرة أخرى تصميمه، في حال عدم تقيد إسرائيل بهذا القرار، على دراسة السبل والوسائل العملية وفقاً للأحكام ذات العلاقة الواردة في ميثاق الأمم المتحدة لضمان التنفيذ الكامل لهذا القرار.

القرار 478 (1980)

  1. يؤكد مجدداً تصميمه على دراسة السبل والوسائل العملية وفقاً للأحكام ذات العلاقة الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، لضمان التنفيذ الكامل لقراره 476 (1980)، في حال عدم تقيد إسرائيل،
  2. يلوم أشد اللوم مصادقة إسرائيل على «القانون الأساسي» بشأن القدس، ورفضها التقيد بقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة؛
  3. يؤكد أن مصادقة إسرائيل على «القانون الأساسي» تشكل انتهاكا للقانون الدولي، ولا تؤثر في استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة الموقعة في 12 آب (أغسطس) 1949 والمتعلقة بحماية المدنيين أثناء الحرب على الأراضي الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967، بما في ذلك القدس؛
  4. يقرر أن جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل، القوة المحتلة، والتي غيرت معالم مدينة القدس الشريف ووضعها واستهدفت تغييرها، خصوصاً «القانون الأساسي» الأخير بشأن القدس، هي إجراءات باطلة أصلاً ويجب إلغاؤها؛
  5. يؤكد أيضاً أن هذا العمل يشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط؛
  6. يقرر عدم الاعتراف بـ”القانون الأساسي” وغيره من أعمال إسرائيل التي تستهدف نتيجة لهذا القرار، تغيير معالم القدس ووضعها، ويدعو جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى:

أ) قبول هذا القرار؛

ب) دعوة الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية بالقدس إلى سحب هذه البعثات من المدينة المقدسة؛

  1. يطلب إلى الأمين العام تقديم تقرير إلى مجلس الأمن عن تنفيذ القرار قبل 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1980؛
  2. يقرر متابعة هذا الوضع الخطر.

القرار 2334 (2016)

يتشكل قرار مجلس الأمن الرقم 2334 لعام 2016 من ديباجة، يشجب فيها مجلس الأمن الاستيطان من زوايا متعددة ويعيد التأكيد على عدم اعترافه بالأمر الواقع الذي أفرزه، و”يعرب عن بالغ القلق إزاء التهديد الخطير المحدق بإمكانية تحقيق حل الدولتين على أساس حدود 1967 بسبب استمرار أنشطة الاستيطان الإسرائيلية” (الفقرة الخامسة من مقدمة القرار). ويدعو “لتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية ونجاحها” (الفقرة العاشرة من مقدمة القرار). ويشير إلى أن مجلس الأمن “يؤكد من جديد رؤيته التي تتمثل في منطقة تعيش فيها دولتا إسرائيل وفلسطين الديمقراطيتان، جنباً إلى جنب في سلام وضمن حدود آمنة ومعترف بها”.
و”يشير إلى الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في 9/7/2004» (الفقرة الثالثة من مقدمة القرار)؛ وهي المرة الأولى التي يتطرق فيها قرار صادر عن مجلس الأمن إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، مما يضفي عليه البعد القانوني الدولي المكرس لهذه الفتوى، ويعززه ببعد الشرعية الدولية وبقرار صريح من مجلس الأمن. وتؤكد الفقرة العاشرة من الديباجة على أن مجلس الأمن، “إذ يؤكد أن الوضع الراهن غير قابل للاستدامة، وأن ثمة حاجة ملحة إلى اتخاذ خطوات كبيرة”.

وبالإضافة للديباجة يتضمن القرار في متنه ثلاث عشرة فقرة عاملة، أبرزها:

  • “يؤكد من جديد أن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية، ويشكل انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي، وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل والدائم والشامل» (الفقرة 1 من القرار).
  • “يهيب بجميع الدول، مع مراعاة الفقرة 1 من هذا القرار، أن تميّز في معاملاتها ذات الصلة بين إقليم دولة إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967” (الفقرة 5 من القرار).
  • “يكرر مطالبته إسرائيل بأن توقف فوراً وعلى نحو كامل، جميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وأن تحترم جميع التزاماتها القانونية في هذا الصدد احتراماً كاملاً” (الفقرة 2 من القرار).
  • “يشدد على أن وقف جميع أنشطة الاستيطان الإسرائيلية، أمر ضروري لإنقاذ حل الدولتين، ويدعو إلى اتخاذ خطوات إيجابية على الفور لعكس مسار الاتجاهات السلبية القائمة على أرض الواقع، التي تهدد إمكانية تطبيق حل الدولتين” (الفقرة 4 من القرار).
  • “يؤكد أنه لن يعترف بأي تغييرات في خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس، سوى التغييرات التي يتفق عليها الطرفان من خلال المفاوضات” (الفقرة 3 من القرار)؛ الأمر الذي يعني أن دول العالم لا تعترف مسبقاً بالحدود، التي ما زالت إسرائيل تسعى لفرضها كأمر واقع، إن كان بقرارات الضم كالقدس بحدودها الموسعة، أو بقرارات الضم الزاحفة التي تشمل ما يسمى بالكتل الاستيطانية، أو بتبييض البؤر الاستيطانية وغيرها.
  • وتشير الفقرة الثامنة إلى أن مجلس الأمن “بذل الجهود الجماعية الرامية إلى بدء مفاوضات ذات مصداقية، بشأن جميع مسائل الوضع النهائي في عملية السلام في الشرق الأوسط، ضمن الإطار الزمني الذي حددته المجموعة الرباعية في بيانها المؤرخ في 21 أيلول (سبتمبر) 2010″، وهو البيان الذي أشار إلى إمكانية أن تحل كافة قضايا الوضع الدائم في غضون عام”.
  • وتنص الفقرة العاشرة، على تكثيف وتسريع وتيرة الجهود وأنشطة الدعم الدبلوماسية “من أجل تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط، دون تأخير، على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة [..]، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ في عام 1967”.

أهمية القرار 2334 (2016)

ينطوي القرار على جملة المعطيات التي تكسبه أهمية خاصة، تفوق ما تضمنته قرارات مجلس الأمن السابقة له، ولعل أبرزها:

  1. يدين الاستيطان بكل أشكاله ولا يعترف بنتائجه، فليس للاستيطان أي شرعية قانونية، ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي؛ ويطالب إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية، ولا يعترف بأي تغييرات في حدود الـ1967.
  2. تضمن القرار ما لم يتضمنه القرار 1515 (2003)، وذلك من خلال النص الصريح في الفقرة السادسة من ديباجته على أن مجلس الأمن يشير إلى “الالتزام الذي تقضي به خريطة الطريق التي وضعتها المجموعة الرباعية، والتي أقرها المجلس في قراره 1515 (2003)، بأن تقوم إسرائيل بتجميد جميع الأنشطة الاستيطانية، بما في ذلك «النمو الطبيعي»، و”بتفكيك جميع البؤر الاستيطانية التي أقيمت منذ آذار (مارس) 2001”.
  3. أعاد موضوع الاستيطان إلى المكانة السياسية والقانونية التي كان يشغلها، قبل أن تصادرها المفاوضات المتعثرة والعقيمة التي رعتها الإدارة الأميركية.
  4. القرار أحد أشكال التوجه الفلسطيني بالسعي لتدويل القضية الوطنية، وتفعيل أدوات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والشرعية الدولية. و”تدويل القضية الوطنية هو “كفاح يعتبره كثيرون [السلاح الأمضى] الممكن [.. وهو] كما نراه، يوجع إسرائيل” و”أنه بدأ يعطي أُكُله [.. و] إسرائيل لا تريد التدويل وتصر دائماً على رفض تدخل الأمم المتحدة ولا حتى الولايات المتحدة في الصراع مع الفلسطينيين، وترى أن الأنسب لها، بطبيعة الحال، مفاوضات ثنائية غير مشروطة، ولا بأس إن كانت تحت إشراف غير فاعل للولايات المتحدة الأميركية”[3].
  5. هو القرار الأول حول الاستيطان الذي يصدر عن مجلس الأمن منذ أواخر العام 1991، أي بعد غياب خمسة وعشرين عاماً، بذريعة إحالة موضوع الاستيطان إلى العملية التفاوضية.
  6. يشكل أداة قانونية دولية لمواجهة إسرائيل، وتوسيع نطاق التضامن الدولي، وتعميق عزلة إسرائيل، وإدانة سياستها الاستيطانية، ورفع الغطاء السياسي والقانوني عنها.
  7. يؤكد القرار في البند الخامس من الفقرات العاملة، بأن “على جميع الدول عدم تقديم أي مساعدة لإسرائيل، تستخدم خصيصاً في النشاطات الاستيطانية”.
  8. يُعدّ أول قرار يتم تمريره بشأن إسرائيل والأرض الفلسطينية منذ عام 2009 عندما تمّ اعتماد القرار 1860، وهو أول قرار يعالج بالتحديد قضية المستوطنات الإسرائيلية منذ صدور القرار 465 عام 1980، وقد “أفقد الحكومة الإسرائيلية توازنها ودفعها إلى المزيد من سياسة غطرسة القوة والعمى السياسي”[4].
  9. تضمن نص الفقرة العاملة الحادية عشرة، بأن مجلس الأمن “يعيد التأكيد على تصميمه في بحث الطرق والوسائل العملية، لضمان التطبيق الكامل لجميع قراراته ذات العلاقة”. وبهذا فإنه يبدي “تصميمه” أولاً، على “بحث الطرق والوسائل العملية” وهذا هام جداً ثانياً، ومن جهة ثالثة فإنه يعيد التأكيد بأن ذلك “لضمان التطبيق الكامل لجميع قراراته ذات العلاقة”.
  10. يُشكل القرار مدخلاً حقيقياً للمجلس القضائي في المحكمة الجنائية الدولية، لفتح تحقيق قضائي مع المسؤولين الإسرائيليين بخصوص الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي. وسوف يصل صدى هذا القرار إلى خارج مجلس الأمن، مثل مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يشارك حاليًا في دراسة أولية حول ما إذا كان سيقوم بفتح تحقيق في الوضع الراهن في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك التحقيق في جريمة الاستيطان من قبل القوة القائمة بالاحتلال داخل أرض تحتلها.

عناصر جديدة لا تتوفر في القرارات السابقة[5]

يتضمن القرار عناصر جديدة وهامة تضاف لصالح النضال الدؤوب الفلسطيني، الساعي لمراكمة الإنجازات واحدة تلو الأخرى، علماً أن هذا القرار يشمل أكثر من إنجاز يمكن الإشارة إليه. ويكتب أحد كتاب الأعمدة الإسرائيليين بهذا الخصوص بأن “للقرار إمكانية هدامة كاملة. فهو يمنح ريح إسناد للمتربصين لنا بالشر، لمنظمات الـ بي. دي.اس، لمطلقي حملات المقاطعة، ولحائكي المؤامرات. وهو يتخذ في الوقت الذي تجري فيه المحكمة الدولية في لاهاي في إسرائيل فحصاً أولياً حول رفع لوائح اتهام جنائية في موضوع المستوطنات. وهو سيشجع كل من يحاول تمييز إسرائيل عن كل ما يوجد خلف الخط الأخضر. ووسم بضائع، أناس، بنوك، ومشاريع. هذا قرار غير جيد، يمكنه أن يتسبب لنا بمشاكل عويصة. والسطر الأخير، الذي يصعب الاعتراف به وليس لطيفاً ذكره هو أننا كسبنا هذا القرار بجدارة”[6].

وبقدر ما هو هذا القرار “هدام” بالنسبة إليهم، فإنه قرار غير مسبوق في أهميته بالنسبة للشعب الفلسطيني، لأنه يتضمن إنجاز قضايا جديدة ومفصلية كانت تبدو صعبة المنال، والتي يعتبرها عاموس يدلين، رئيس معهد بحوث الأمن القومي، بأنها “إشكالية”، فالقرار إشكالي حسب رأيه وإنجاز هام وكبير بالنسبة للفلسطينيين: في سبعة أبعاد، أبرزها[7]:

  1. النهج الكامن في أساس قرار 2334، يقول إن «حكم الحائط الغربي كحكم مستوطنة يتسهار» أو «حكم حي راموت في القدس كحكم مستوطنة ألون موريه؛
  2. يعزز القرار الرفض الفلسطيني واستراتيجية الامتناع عن المفاوضات مع إسرائيل، انتظاراً لإملاء دولي لمبادئ التسوية؛
  3. يزيد القرار خطر الدعاوى ضد إسرائيليين على المستوى السياسي والعسكري في المحكمة الدولية في لاهاي. وفي أجواء “الصيد القضائي” للزعماء والقادة الإسرائيليين سيكون من الصعب خوض مفاوضات سلام؛
  4. حركة نزع الشرعية ومقاطعة إسرائيل ستتعزز، وتلقى تشجيعاً معنوياً وسياسياً قابلاً للترجمة إلى خطوات قانونية، سياسية، جماهيرية واقتصادية؛
  5. تقرير في المواضيع التي يتناولها القرار، والذي سيكون الأمين العام مطالباً بإعطائه كل ثلاثة أشهر، سيضمن اهتماماً مواظباً بالمسألة على حساب مواضيع أهم ويغذي حملة مستمرة لمناهضة إسرائيل.
  6. بعدم استخدام الفيتو، منحت الإدارة جائزة أغلى من الذهب للفلسطينيين [..] فالفلسطينيون لا يمكنهم أن يسمحوا لأنفسهم بأن يعرضوا موقفاً أكثر اعتدالاً من موقف مجلس الأمن والاستنتاج – بالخطأ – بأن تلبية مطالبهم ستأتي من الأمم المتحدة، وليس عبر المفاوضات مع إسرائيل.

وبالإضافة إلى ما سبق من اعترافات بأن القرار “هدام” و”إشكالي” من قبل الإسرائيليين، يمكن التأكيد بأن في القرار إنجازات جديدة ونوعية جديرة بالبيان، أبرزها:

  • يتبنى القرار حدود العام 1967 على أنها الأساس الذي ينبغي أن يرتكز عليه حل الدولتين، من خلال “التعبير عن قلقه العميق بأن استمرار إسرائيل في أنشطتها الاستيطانية يهدد بشكل خطير الحل القائم على أساس الدولتين ضمن حدود عام 1967”. ويؤكد القرار في نهاية الديباجة: “أن الوضع القائم غير قابل للاستمرار، وأن هناك حاجة ماسة لخطوات هامة [..] وعكس الاتجاهات السلبية على الأرض، التي تؤدي إلى تآكل مطرد لحل الدولتين وترسخ واقع دولة واحدة”؛ الأمر الذي يعني أن المجتمع الدولي قد فقد صبره، وكذلك يبدي انزعاجه من الصلف الإسرائيلي الذي يقود “إلى تآكل مطرد لحل الدولتين وترسخ واقع دولة واحدة”. ويبدو هذا الواقع قد ترسخ وبات جلياً، ففي واحد من أحدث التقارير[8] بهذا الشأن تأكيد بأنه “تعمق بشكل أكبر وجود جهازين قضائيين منفصلين في المناطق المحتلة: الأول – إسرائيلي – مدني، للمواطنين الإسرائيليين، والثاني – عسكري، للسكان الفلسطينيين. وهكذا ففي المنطقة ذاتها وتحت الحكم ذاته تقيم مجموعة سكانية أولى تتمتع بحقوق وإلى جانبها مجموعة سكانية ثانية يتم انتهاك حقوقها الأساسية بشكل دائم. وعشية الذكرى الخمسين للاحتلال، هذا التمييز آخذ بالتمأسس، والتحول إلى جزء لا يتجزأ من منظومات الحكم الإسرائيلي”.
  • إن طلب القرار في البند التاسع من الفقرات العاملة “إلى تحقيق، دون تأخير، نهاية للاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ في عام 1967″، وفي “الإطار الزمني المحدد من قبل اللجنة الرباعية في بيانها الصادر في 21 أيلول 2010” كما جاء في الفقرة العاملة الثامنة، جاء ليتطابق مع مطلب القيادة الفلسطينية الداعي لتوفر متطلبات العودة للمفاوضات، وأهم تلك المتطلبات “إنهاء الاحتلال” و”إطار زمني محدد” لها.
  • يشدّد القرار على عدم الاعتراف بالتغيرات التي تنشأ ضمن حدود العام 1967 بما فيها القدس، إلا في حال تمّ الاتفاق على ذلك من قبل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وقد تم ذلك من خلال التشديد على “أنها لن تعترف بأية تغييرات أقيمت ضمن حدود عام 1967 بما في ذلك ما يخص القدس عدا عن تلك التغييرات التي وافق عليها الطرفان”.
  • يشير رئيس معهد البحوث القومي الإسرائيلي، بأن القرار يفرض “بدلاً من الانسحاب من المناطق إلى حدود أمنية ومعترف بها كما ينص قرار 242، سيلغي إسرائيل كنقطة انطلاق حدود 1967، بما في ذلك شرق القدس”[9]. وهذا أمر في غاية الأهمية، وجدير بانتباه المفاوض الفلسطيني إليه؛ فالقرار يعيد تصويب الأمور، ويلغي ما انطوى عليه قرار 242، الذي ربط أية تسوية بتحقيق “حدود آمنة ومعترف بها لإسرائيل”.
  • يدعو القرار جميع الدول للتمييز في تعاملها بين أرض دولة إسرائيل والأرض التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، من خلال دعوة “كافة الدول، مع أخذ الفقرة 1 من القرار بعين الاعتبار، التمييز أثناء تعاملاتهم المختلفة بين أرض دولة إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967″، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام حركة المقاطعة الدولية للمستوطنات والكيانات الإسرائيلية التي تساهم وتدعم الاستيطان. ويذكّر القرار بمسؤولية الأطراف الثلاثة للتمسك بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، وذلك بعدم الاعتراف بالاستيلاء على أراضي الغير عن طريق استخدام القوة، وعدم الاعتراف بالمستوطنات غير القانونية وفرض الحقائق على الأرض. وتؤكد رؤية مجلس الأمن هذه، أنه على الدول الثلاثة أن تبقى على علم بأن علاقاتها الثنائية مع إسرائيل– السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية – لا يمكنها أن تستمر كالعادة. فقد استطاعت إسرائيل ولوقت طويل أن تحافظ على العلاقات الدبلوماسية وحماية سياساتها غير القانونية واللاأخلاقية في الأرض الفلسطينية المحتلة، لتوهمها بأن ذلك لن يؤثر على علاقاتها الدولية والاقتصادية والمالية والثقافية وغيرها. وجاءت دعوة مجلس الأمن هذه لتشير إلى إمكانية فرض عقوبات قانونية واقتصادية وسياسية أكثر صرامة تجاه إسرائيل.

ويرى د. ناصر القدوة في هذا المجال، بأن قضية النص على التمييز “يشجع هذه الدول على اتخاذ إجراءات قائمة على هذا التمييز، ضد أي محاولة لإسرائيل بالقيام بأعمال غير قانونية للأرض الفلسطينية المحتلة، وهنا يأتي وسم منتجات المستعمرات وإيجاد منظومة عقوبات ضد المستعمرات والمستعمرين وأي هيئات عاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل غير قانوني”[10].

  • أكد القرار “الالتزام الذي تقضي به خريطة الطريق التي وضعتها المجموعة الرباعية، والتي أقرها المجلس في قراره 1515 (2003)، بأن تقوم إسرائيل بتجميد جميع الأنشطة الاستيطانية، بما في ذلك النمو الطبيعي، و”بتفكيك جميع البؤر الاستيطانية التي أقيمت منذ آذار (مارس) 2001”. ومن نافل القول، أن هذا سيقطع الطريق على المطالبات الإسرائيلية بضرورة الأخذ بعين الاعتبار “متطلبات النمو الطبيعي”، ويَصِم قانون التسوية وشرعنة البؤر الاستيطانية، الذي تمت الموافقة عليه ومصادقة الكنيست عليه بأغلبية 60 عضوًا مقابل 52بالقراءتين الثانية والثالثة، بتاريخ السادس من شباط/ فبراير 2017، باللامشروعية والبطلان أيضاً. ويشير د. ناصر القدوة[11] بأن القرار جاء ليغير الموقف الدولي فيما يتعلق بالكتل الاستعمارية، وهذا القرار عرقل الاستراتيجية الإسرائيلية وأعاد الأمور مرة أخرى إلى نصابها، وهذا إنجاز مهم وإضافة لتأكيد الموقف القانوني تجاه المستعمرات باعتبارها غير قانونية وتشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي. إن القرار يحتوي على أمور مهمة منها التأكيد على خطوط 1967، وعدم القبول بأي تغييرات تقوم بها إسرائيل فيما يتعلق بهذه الخطوط بما في ذلك القدس، إلا إذا كان هناك اتفاق بين الطرفين.
  • يختلف القرار 2334 في نطاق صياغته وتعامله مع القانون الدولي مع القرارات ذات العلاقة حول المستوطنات. ولم يكن هناك أي قرار سابق صادر عن مجلس الأمن يشجب بشدة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي مثل القرار 2334، بما في ذلك إنشاء روابط واضحة مع مشاريع إسرائيلية أخرى في الأرض الفلسطينية المحتلة مثل بناء جدار الفصل العنصري وهدم المنازل الفلسطينية وتشريد السكان المدنيين الفلسطينيين.

مثالب القرار

لا غرابة بأن يتضمن القرار، أي قرار دولي، على نواقص وملاحظات أو حتى مثالب، باعتبار أن هكذا قرار هو بالنتيجة محصلة لنقاشات ومفاوضات صعبة، يتخللها إجراء تعديلات وشطب وإضافات على مشروع القرار، بين الدول الأطراف المعنية، التي تختلف بمواقفها ومصالحها تجاه أي قرار. وينطبق ما تقدم على القرار الدولي موضوع البحث هذا، كالبند السابع والثامن في ديباجته، والفقرات السادسة والسابعة في متنه. ويمكن إيجاز ما هو غير مرغوب به فلسطينياً في القرار، بالتالي:

  • الفقرة السادسة من القرار يدعو فيها مجلس الأمن “إلى اتخاذ خطوات فورية لمنع جميع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك أعمال الإرهاب، وكذلك جميع أعمال الاستفزاز والتدمير، ويدعو إلى إعمال المساءلة في هذا الصدد، ويدعو إلى التقيد بالالتزامات بموجب القانون الدولي من أجل تعزيز الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك من خلال أنشطة التنسيق الأمنية القائمة، وإلى إدانة جميع أعمال الإرهاب بوضوح”.
  • مطالبة الفقرة السابعة من القرار، من “الطرفين أن يتصرفا وفقاً للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، والاتفاقات والالتزامات السابقة بينهما، وأن يلتزما الهدوء وضبط النفس، وأن يمتنعا عن أعمال الاستفزاز والتحريض والخطابات الملهبة للمشاعر، بهدف تحقيق جملة أمور منها وقف تصاعد الحالة على أرض الواقع، مما يفضي إلى إعادة بناء الثقة، والعمل من خلال السياسات والإجراءات على إظهار التزام حقيقي بحل الدولتين، وتهيئة الظروف اللازمة لتعزيز السلام”. ويحمل هذا النص مساواة بين الضحية والجلاد، علماً أنه في حال أحسنا التعامل بذكاء معه، فإنه ينطبق على سلطات دولة الاحتلال تماماً وليس على الطرف الفلسطيني.
  • إشارة البند السابع من ديباجة القرار “إلى الالتزام الذي تقضي به خريطة الطريق التي وضعتها المجموعة الرباعية، بأن تداوم قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على القيام بعمليات فعّالة، بهدف مواجهة جميع العناصر التي تمارس الإرهاب وتفكيك قدرات الإرهابيين، بما في ذلك مصادرة الأسلحة غير المشروعة”. ويبدو هذا اتهاماً مباشراً للفلسطينيين بممارسة الإرهاب.
  • تضمين البند الثامن من ديباجة القرار إدانة لـ«جميع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك أعمال الإرهاب، وكذلك جميع أعمال الاستفزاز والتحريض والتدمير”. ولا شك بأن هذا النص قد أدخلته الإدارة الأميركية السابقة، وهو الأمر الذي كشف عنه كيري في مؤتمره الصحافي الأخير. على أن هكذا نص هو في الحقيقة سلاح ذو حدين، وقد يصبح سلاحاً يخدم الطرف الفلسطيني وليس الإسرائيلي إذا تم حسن استخدامه وتوظيفه.

 وبادئ ذي بدء، ترفض إسرائيل وأميركا أيضاً تفعيل عمل لجنة مراقبة التحريض المشتركة مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وتتماديان في اتهام السلطة الوطنية ظلماً وبهتاناً. ولتعرية كذب هذا الاتهام، يمكن الاعتماد على الكثير من التقارير المهنية والمحايدة الإسرائيلية وحتى الأميركية، كتقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش”[12] الحقوقية الأميركية بتاريخ 3 كانون الثاني (يناير) 2017، الذي يؤكد أن “تحليل تصريحات بعض كبار المسؤولين الإسرائيليين، يُبرز أنهم يشجعون الجنود والشرطة الإسرائيلية على قتل الفلسطينيين، الذين يشتبه في أنهم سيهاجمون إسرائيليين، حتى إن لم يكونوا يشكلون أي تهديد”، و“لا يتعلق الأمر بالجنود الإسرائيليين المارقين، بل بكبار المسؤولين الإسرائيليين، و”أنها وثّقت تصريحات لمسؤولين إسرائيليين كبار تثبت هذا الأمر، بمن فيهم وزير الشرطة ووزير الحرب اللذان يأمران علناً} قوات الأمن بإطلاق النار بقصد القتل”؛ علماً أن المنظمة قد رصدت (150) حالة إعدام ميداني تحت دعوى “الاشتباه” منذ العام 2015″.

وأشارت المنظمة الدولية إلى أن قائد شرطة منطقة القدس الاحتلالية موشيه إدري قال للصحافيين في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2015، “إن الذين ينفذون الهجمات يجب قتلهم (..) الشرطة تقوم بواجبها وتصل بسرعة، قتل المهاجم في أقل من دقيقة ونصف، كل من يطعن اليهود أو يضرّ بالناس الأبرياء يجب قتله”. كما أشارت إلى أن وزير الشرطة الإسرائيلي جلعاد أردان، أيد في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 قتل المهاجمين “بدون تفكير”.

ولفتت “هيومن رايتس ووتش” إلى أن إسحق يوسف، الحاخام الأكبر للسفارديم في إسرائيل، وهو منصب تشريعي حكومي ويتقاضى أجراً عليه، قد قال في 12 آذار (مارس) 2016، إن “الكتاب المقدس يجيز سياسة إطلاق النار بقصد القتل”، ونقلت عنه قوله: ”كل من يأتي لقتلك، انهض وأقتله أولاً”. كما نقلت عن بتسلئيل سموتريخ، من حزب “البيت اليهودي”، وهو جزء من التحالف الحكومي الحالي، قوله في خطاب في شباط (فبراير) في الكنيست إن: “المهاجم الذي يشرع في قتل يهودي لأنه يهودي، أياً كان عمره، يجب أن لا يبقى حياً. نقطة، انتهى”.

وفي تقرير حديث أيضاً أعده مركز “حملة” في حيفا، بعنوان “مؤشر العنصرية والتحريض في الشبكات الاجتماعيّة الإسرائيليّة”[13] لعام 2016، أظهرت نتائجه أرقاماً كارثية أبرزها:

–  هناك منشور كل 46 ثانية يُكتب ضد العرب على الشبكات الاجتماعيّة من قبل الإسرائيليين.

 – أكثر من 675000 منشور عنصريّ وتحريضيّ ضد العرب والفلسطينيين خلال العام 2016.

–  أكثر من 60000 محرض/ة إسرائيلي/ة على شبكة الإنترنت.

– واحد من كل 8 منشورات إسرائيليّة عن العرب تحتوي على شتائم عنصرية وتحريض على العنف.

ألا يعتبر ما تقدم شكلاً من أخطر وأبشع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك أعمال الإرهاب؟! وألا تشكل هذه التصريحات الموثقة من قبل منظمة دولية مهنية ومحايدة، إثباتاً على أعمال الاستفزاز والتحريض المنهجي ومن جهات إسرائيلية كبيرة ومسؤولة؟! ولهذا فإن الفرية الكبرى التي تريد إلصاق تلك التهم بالفلسطينيين تبدو في غاية التغابي الساذج وقلباً للحقائق، إلاٌ إذا كانوا يريدون من الفلسطينيين أن يهللوا لتلك الجرائم ويؤيدوها؟!!

آليات إنفاذ وتطبيق القرار

يتضمن القرار أربع فقرات تتناول آليات متابعة تنفيذه، والتي يؤكد فيها مجلس الأمن:

– “تصميمه على دعم الطرفين طيلة المفاوضات وفي تنفيذ الاتفاق” (الفقرة 10)؛

– “تصميمه على بحث السبل والوسائل العملية الكفيلة بضمان التنفيذ الكامل لقراراته ذات الصلة” (الفقرة 11)؛

– “يطلب من الأمين العام أن يقدم إلى المجلس كل ثلاثة أشهر تقريراً عن تنفيذ أحكام هذا القرار” (الفقرة 12)؛

– “يقرر أن يبقي المسألة قيد نظره” (الفقرة 13).

ويمكن تنفيذ هذا القرار من الناحية القانونية، حيث أن ميثاق الأمم المتحدة قد أوجب على عاتق مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن صون السلم والأمن الدوليين. ويأخذ المجلس زمام المبادرة في تحديد وجود تهديد للسلم أو عمل من أعمال العدوان. ويطلب إلى الدول الأطراف في النزاع تسويته بالطرق السلمية، كما فعل في القرار 2334 (2016)، الذي هو قرار ضمن الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، ولا يشمل عقوبات تفرض على إسرائيل تجبرها على تطبيقه، ولكن انتهاكه يمكن أن يشكل أساساً لقرار آخر، يتخذ ضمن الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، والذي يشمل عقوبات وفي بعض الحالات، وصولاً إلى الإذن باستخدام القوة لصون السلم والأمن الدوليين. والتدقيق يبين أن القرار نص على ذلك صراحة في تأكيده أنه سيدرس سبلاً عملية لضمان تطبيق القرار (المادة 11). هذه المادة تفتح ثغرة لقرارات أخرى وإجراءات تتخذ من جانب جهات مختلفة في الأمم المتحدة وخارجها، بهدف ضمان تطبيق إسرائيل للقرار. ولما كان القرار يقول إن الأمين العام للأمم المتحدة سيرفع تقريراً للمجلس كل ثلاثة أشهر على تطبيق القرار (المادة 12)، ستنشأ آلية رقابة متواصلة، قد تطرح على أساسها ادعاءات ومطالبات لاتخاذ إجراءات لوقف الانتهاكات للقرار.

صلف وتحدٍ لقرارات الشرعية الدولية

لقد كانت صدمة إسرائيل حادّة جداً ووقعها عليها شديد القسوة، وذلك بصدور ثلاثة قرارات دولية خلال فترة شهرين، أحدهما من الجمعية العامة للأمم المتحدة، والثاني من اليونيسكو، والثالث من مجلس الأمن الدولي، والقرارات تطعن بالممارسات الإسرائيلية، وتؤكد بطلانها وعدم شرعيتها. والقرارات هي: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 19/67 بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، الذي قرر: “أن تمنح فلسطين مركز دولة غير عضو لها صفة المراقب، دون المساس بحقوق منظمة التحرير الفلسطينية المكتسبة وامتيازاتها ودورها في الأمم المتحدة بصفتها ممثل الشعب الفلسطيني، وفقاً للقرارات ذات الصلة بالموضوع والممارسة المعمول بها في هذا الشأن”. وقرار اليونيسكو الصادر في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 القاضي بعدم أحقية إسرائيل السيطرة على الأماكن التاريخية في القدس باعتبارها تمثل إرثاً للشعب العربي الفلسطيني، مثل المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وحائط البراق، باستخدام أسمائها العربية، وليس التسمية اليهودية “جبل الهيكل”. وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر 24 كانون الأول (ديسمبر) 2016، القاضي بعدم شرعية الاستيطان وتعارضه مع قواعد القانون الدولي.

وجاءت حملة الاستيطان المسعورة الجارية، كرد فعل مباشر لتلك القرارات، وفي الوقت نفسه هي رد فعل لخطاب وزير الخارجية الأميركي جون كيري ومؤتمر باريس؛ الأمر الذي يعني ازدياد عزلة إسرائيل، واتّساع دائرة المعارضين لممارساتها ذات الطابع غير الشرعي والمخالف لقواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي. وما إصدار ما يسمى بقانون التسوية مؤخراً، إلا تحدٍ جديد لتلك القرارات، وخاصة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334، ويندرج في سياق ردود الفعل غير المتوازنة لدى القيادة الإسرائيلية، وذلك لأنه يعني ضمّاً للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإعادة احتلالها، واستباحة الملكية الخاصة العائدة للفلسطينيين وتقديمها لقمة سائغة للمستوطنين، لفرض المزيد من الوقائع على الأرض حتى يصبح حل الدولتين غير قابل للحياة والتداول، فإسرائيل اليوم تسيطر على ما يقارب من ستين في المائة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والتي تعرف بالمنطقة ج، وهي ما تحاول إسرائيل تجاوز الزمن ومصادرتها لاكتمال المشروع الاستيطاني.

والجدير بالذكر أن إسرائيل تعرف وتعي، بأن بناء المستوطنات وقضم الأراضي وضمها بالقوة، أو السعي للحصول على مكاسب سياسية جراء الحرب والعدوان والتوسّع، هو انتهاك لنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة 1949، لا سيّما للسكان المدنيين، وكان مجلس الأمن الدولي منذ العام 1979 قد اتخذ قراراً برقم 488 اعتبر فيه المستوطنات غير شرعية. كما أكّدت محكمة العدل الدولية في لاهاي العام 2004 أن بناء جدار الفصل العنصري غير شرعي وينبغي تفكيكه وهو يهدف خدمة المشاريع الاستيطانية، وأن القيود على السكان الذين تبقوا ما بين الجدار الفاصل وبين الخط الأخضر قد يؤدي إلى رحيلهم، وأن السيطرة على الأراضي الخاصة والمرتبطة بإقامة الجدار، كما ينبغي تعويض الفلسطينيين، ويشكّل مساً بالأملاك الشخصية، مما يعد خرقاً للمواد 46 و52 لاتفاقيات لاهاي لعام 1907 والمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة.

 وقبل ساعات من انعقاد مجلس الأمن الدولي للتصويت على مشروع قرار يدعو إسرائيل للتوقف الفوري عن الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، أعلنت ما تسمى “اللجنة المحلية للتخطيط والبناء” في مدينة القدس عن تسريع بناء أكثر من 300 وحدة استيطانية[14]. وتقوم ما تسمى “اللجنة المحلية للتخطيط والبناء” لبلدية الاحتلال، بتسريع مخططات البناء لـ192 وحدة استيطانية في مستوطنة “رمات شلومو” في القدس الشرقية، وكذلك 136 وحدة استيطانية في مستوطنة “رموت” في القدس الشرقية، وكذلك 8 وحدات استيطانية في بيت حنينا[15] .

ورغم ذلك وفي غضون أقل من أسبوعين، صادقت الحكومة الإسرائيلية، التي تستغل بشكل صارخ التحولات في المشهد السياسي العالمي، على مخططات لبناء أكثر من 6000 وحدة استيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة بمعدل غير مسبوق في السنوات الأخيرة، وفي ازدراء مستمر ومنهجي ومتعمد لمطالبة المجتمع الدولي لإسرائيل، بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية والامتثال لالتزاماتها القانونية وبحل الدولتين على أساس حدود عام 1967، وبقرار مجلس الأمن 2334. وهكذا فإن عدد المستوطنات يزداد كل يوم حتى وصل إلى 171 مستوطنة، وأكثرها في القدس ليصل عدد المستوطنات فيها إلى 27، وفي محافظة رام الله والبيرة وصل عدد المستوطنات إلى 27، أما جنين 9 مستوطنات، ونابلس 48 مستوطنة، وطولكرم 4 مستوطنات، وبيت لحم 18 مستوطنة، وأريحا 11 مستوطنة، والخليل 27 مستوطنة. ووصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى 650 ألف مستوطن، وأكثرهم في القدس 292 ألف مستوطن، في رام الله 132 ألف مستوطن، وبيت لحم 75 ألف مستوطن، وطوباس 2000 مستوطن.

وقد أكد السفير الدكتور رياض منصور، المراقب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، بثلاث رسائل[16] متطابقة إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن (أوكرانيا)، ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأنه “لا يمكن للمجتمع الدولي أن يبقى صامتاً إزاء هذا السلوك الإسرائيلي العدواني وغير القانوني، وأن مصداقية مجلس الأمن والقانون الدولي على المحك. وشدد على ضرورة التمسك بجميع أحكام القرار 2334 على الفور ومتابعة تنفيذه في مواجهة هذه الانتهاكات الجسيمة وعدم الاحترام الصارخ لسلطة وتشريع مجلس الأمن. وفقا لميثاق الأمم المتحدة فإن قرارات مجلس الأمن لا يمكن أن تكون مجرد حبر على ورق ويجب احترامها وهو واجب على كل دولة، دون استثناء [..] ويجب على المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته لإيجاد حل عادل لهذا الصراع المستمر منذ عقود [..] إن الوضع الحالي لديه كل السمات المميزة لحالة الفصل العنصري، ولن يكون الشعب الفلسطيني وقيادته وحده مضطراً للتعامل مع هذه الحالة بل أيضاً المجتمع الدولي ككل، من أجل إعلاء مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”.

إساءة استخدام حق النقض/ الفيتو

ويعد القرار 2334 (2016) تاريخيًّا، نظراً لأن معظم مشاريع القرارات ضد إسرائيل تُرفض باستخدام حق الفيتو[17]، حيث قامت الولايات المتحدة باستخدام الفيتو 42 مرة من أجل حماية إسرائيل[18]، مرت جميعها بموافقة إدارات أميركية غير إدارة الرئيس أوباما، فقد سمح الرئيس جورج بوش الابن بمرور 9 قرارات، كما سمح الرئيس بيل كلينتون بمرور 3 قرارات، فيما تعتبر هذه المرة الأولى التي يمتنع فيها أوباما عن استخدام الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن ضد إسرائيل. وكان من أخّر تصويت في مجلس الأمن على قرار يتعلق بالاستيطان في شباط 2011 وسقط بـالفيتو الأميركي بأمر من أوباما، وكذلك الفيتو الأميركي بتاريخ 30 كانون الأول/ ديسمبر 2014 ضد مشروع قرار فلسطيني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران (يونيو) عام 1967.

وتعود قضية استخدام الفيتو لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى تعهد الرئيس جيمي كارتر، للإسرائيليين، كجزء من التحفيز على توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع المصريين، بتقديم حماية لإسرائيل في مجلس الأمن ضد بحث قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصاً إذا مسّ الأمر موضوع القدس. وجرى تكريس هذا الوعد في شباط 1980، عندما مر قرار أردني – مغربي ضد المستوطنات، وأثار رد فعل إسرائيلي غاضباً، قيل حينها إنّه كان من أسباب خسارة كارتر الانتخابات التالية لولاية ثانية. وبالتالي، فإن قرار إدارة باراك أوباما تمرير هذا القرار من دون معارضة، هو إعادة نظر من هذه الإدارة في ذلك التعهد، الذي استمر التقيد به نحو 36 عاماً. وقد وقعت القضية الفلسطينية جراء ذلك في دوامة أن “الولايات المتحدة تمثل إرادة القوة الدولية، أما الأمم المتحدة فتمثل إرادة الشرعية الدولية. والإرادة الأولى يمكن أن تعيق تطبيق وتنفيذ إرادة الشرعية الدولية [..] وتحول دون تطبيق قرارات الشرعية الدولية إلى سياسات واقعية وقابلة للتنفيذ. فالولايات المتحدة كرست الفيتو الأميركي لحماية إسرائيل، من أي قرارات دولية ملزمة استناداً للفصل السابع”[19]، الأمر الذي جعل إسرائيل دولة مارقة وتتصرف وكأنها دولة فوق القانون.

وقد امتدت الفترة الزمنية التي توقف فيها مجلس الأمن الدولي، عن إصدار القرارات الخاصة بالممارسات الإسرائيلية لنحو ستة وثلاثين عاماً، باستثناء قرارين، الأول: القرار 1073 لسنة 1996 والذي يطالب إسرائيل بالوقف والتراجع عن كل إجراءاتها في مدينة القدس، وكان ذلك في أعقاب قيام حكومة نتنياهو بالذات بفتح نفق أسفل المسجد الأقصى واندلاع انتفاضة الأقصى. والقرار 1397 لسنة 2002 الذي طالب بوقف العنف بين الطرفين، وهو أول قرار لمجلس الأمن يدعو إلى حل الدولتين كنهاية للصراع. وتم إعاقة مجلس الأمن بتاريخ 7 و21 آذار (مارس) 1997 من إقرار مشروعي قرارين يتعلقان بإقامة مستوطنات إسرائيلية جديدة في الأراضي الفلسطينية، بسبب استخدام واشنطن مرتين لحق الفيتو؛ وتكرر ذلك في شباط/ فبراير 2011 عندما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض/ الفيتو لإسقاط مشروع قرار مناهض للاستيطان.

ويبدو أن الفترة المنظورة القادمة وخاصة بعد قانون الكونغرس بتاريخ 6 كانون الثاني (يناير) 2017 سابق الذكر، قد تعيد النهج الأميركي الذي كان متبعاً بشأن حماية إسرائيل بالاستخدام المنهجي السافر لحق النقض، لمنع إقرار أي قرار من مجلس الأمن الدولي ضد الاستيطان، وأي مشروع قرار ضد إسرائيل في الأمم المتحدة، باستخدام الفيتو ضد أي مشروع قرار يقدم لمجلس الأمن مستقبلا. وقد نشهد في قادم الأيام محاولة أميركية إسرائيلية لإلغاء أو تغيير القرار 2334 (2016)، من خلال الضغط السافر والمستهجن ضد الدول التي صوتت لصالحه؛ وهو الأمر الذي بدأ فور تسلم المندوبة الأميركية الجديدة في الأمم المتحدة لوظيفتها. وسوف يتكامل مع ذلك، ضغوط وابتزازات مالية صهيوأميركية للمنظمات الدولية[20]، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية المتخصصة، كما فعلوا سابقاً مع اليونسكو وغيرها. بل وحتى قد يُقدِم الكونغرس على تمرير تشريعات لحماية المستوطنين الذين يحملون الجنسية الأميركية، علماً أن عدد المستوطنين الذين يحملون الجنسية الأميركية يتجاوز الـ60,000 في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين[21].

وذكر قرار مجلس الأمن وتداعياته وأبعاده وتأثيراته، بتاريخ العاشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1975، حين أصدرت الجمعية العامة للأمم القرار رقم 3379، الذي ينص على أن “الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”. وإبان الجلسة التي اتخذ فيها القرار وقف ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة حاييم هرتسوغ أمام ممثلي الدول الأعضاء ليمزق نص القرار قائلاً: “الأمم المتحدة التي صاغت القرار هي نفسها من سيُلغيه”. وعلى مدار ستة عشر عاماً لم تأل إسرائيل وأميركا جهداً ولا ضغطاً ولا ابتزازاً إلا ومارستاه لإلغاء القرار. ومع بدء التحضيرات لعقد مؤتمر مدريد للسلام في مدريد في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 1991، استغلت إسرائيل الفرصة واعتبرتها الظرف المناسب، وكان الشرط الرئيس لمشاركتها في المفاوضات إلغاء القرار. وبناءً عليه، أُلغت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3379، وذلك من خلال استبداله بالقرار رقم 8646 بتاريخ 16 كانون الأول (ديسمبر) 1991، وهكذا تم إلغاء القرار الأهم ضد أيديولوجيا الصهيونية، القائمة على العنصرية والفصل العنصري والاستيطان الإجلائي الإحلالي[22]. وها نحن بعد مرور ربع قرن على إلغاء القرار 3379 ومع صدور القرار 2334، نبدي قلقاً من الالتفاف والتحايل على قرار مجلس الأمن، كما فعلوا مع قرار الجمعية العامة باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

ولكون هذه الإمكانية يجري تسويقها من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وكأنها ستحصل لا محالة مهما استغرقت من وقت وجهد ومهما احتاجت لوسائل التهديد والوعيد والعقوبات، فإن من الواجب الوطني والقومي وحتى الدولي الاحتياط لذلك، بما في ذلك محاولة اشتقاق واستنباط طرق ووسائل قانونية دولية غير مألوفة. ولعل أحد هذه الوسائل والطرق تتمثل في استخدام نص البند الثالث من المادة 27 من الميثاق، والتي تقرر على أنه “تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة، بموافقة أصوات تسعة من أعضائه، يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، بشرط أنه في القرارات المتخذة تطبيقاً لأحكام الفصل السادس والفقرة 3 من المادة 52 يمتنع من كان طرفاً في النزاع عن التصويت”. وتستند هذه الرؤيا الفقهية إلى عدة أسباب:

  • ممارسة الإدارات الأميركية المتعاقبة، في الاستخدام المنهجي لحق النقض/ الفيتو، طوال حقبة طويلة من الزمن، لحماية الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها دولة الاحتلال.
  • الرفض الرسمي والمنهجي لكافة قرارات مجلس الأمن، وحماية هذا الرفض والتنكر والازدراء لتلك القرارات من قبل إسرائيل، عن طريق حق النقض/ الفيتو الأميركي.
  • تسبُب الاستخدام غير المسؤول لحق النقض/ الفيتو من قبل ممثلي الإدارات الأميركي المتعاقبة، بتعطيل إنفاذ وتطبيق أحكام الميثاق، وكذلك كافة قرارات مجلس الأمن ذات العلاقة والصلة بالحقوق الوطنية الفلسطينية. فمثلاً، يحتاج القرار 2334 (2016)، بعد رفضه الصريح والرسمي من قبل إسرائيل، إلى العودة لمجلس الأمن لإلزام إسرائيل بتنفيذه بقرار جديد بموجب الفصل السابع من الميثاق، وهو ما ستعارضه إدارة الرئيس ترامب عن طريق استخدام حق النقض/ الفيتو، استناداً إلى التصريحات الأميركية العلنية والمسبقة بهذا الشأن.

إن فيما تقدم أسباباً وجيهة ومقنعة لطرح هذا الاجتهاد. فالاستخدام غير المسؤول لحق النقض لحماية إسرائيل من الجزاءات القانونية الدولية، على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والتي تناولتها العشرات من التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، لا يجوز أن يكون مقبولاً من المجتمع الدولي، خاصة وأن هذه الحماية الأميركية تجعل من إسرائيل وكأنها دولة فوق القانون وتضرب بعرض الحائط قرارات مجلس الأمن وقرارات الشرعية الدولية الأخرى، بدون حساب ومساءلة وبلا اكتراث لحقوق العدالة والإنصاف للضحايا الفلسطينيين.

وقد باتت الإدارات الأميركية المتعاقبة في ممارستها لحق النقض/ الفيتو، طوال حقبة زمنية طويلة، وبهذا الوضوح العلني السافر، أقرب ما تكون ليس فقط حامياً لإسرائيل بل شريكاً مباشراً في جرائمها وممارساتها المدانة من مجلس الأمن نفسه؛ الأمر الذي يجعل من أسباب ومسوغات طلب تطبيق نص البند الثالث من المادة 27 من الميثاق، الذي يتوجب أن يفرض على الولايات المتحدة الامتناع عن التصويت عند طرح جرائم إسرائيل وانتهاكاتها الجسيمة، التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، وتستبيح كافة مبادئ وقواعد الميثاق والقانون الدولي خاصة والقانون الدولي العام عموماً. والأمر ليس بهذه البساطة، والطريق المؤدي لذلك شاقة ووعرة، والثمن الذي قد يتطلبه ذلك قد يكون كبيراً. وإن تم الأخذ بهذا، فأعتقد أن هناك طريقين أساسيين، هما اللجنة القانونية لمجلس الأمن ذاته، والجمعية العامة للأمم المتحدة لتطلب رأياً استشارياً من محكمة العدل الدولية، على غرار الرأي الاستشاري بشأن جدار التوسع والضم في الأراضي الفلسطينية.

في مخاض وتداعيات القرار

إن سماح الولايات المتحدة بصدور قرار مجلس الأمن 2334، لهو تتويج للعلاقة الفاترة والمتوترة، بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو، التي وصلت إلى حد أنّ المسؤولين الإسرائيليين ازدرَوا أوباما وكيري، وتدخَّل نتنياهو في الانتخابات الرئاسية عام 2012 لمصلحة المرشح الجمهوري ميت رومني، ثمّ حاول إفشال الاتفاق النووي مع إيران، وألقى خطابًا عام 2015 أمام الكونغرس بدعوة من قيادته الجمهورية، في تحدٍ صلف ومباشر لأوباما. وبناءً عليه، فإنّ هذا نوع من الرد المؤجل على الإهانات الكثيرة، التي وجّهها نتنياهو وعددٌ من المسؤولين الإسرائيليين لأوباما وكيري شخصيًا.

ولتضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها، منذ تولي أوباما الرئاسة عام 2009، بنحو مئة ألف شخص، خشيت إدارة أوباما أن توشك النافذة المتاحة لتحقيق حل الدولتين على الإغلاق، فإسرائيل تتجه نحو احتلال دائم، أو حل دولة واحدة، بما يفقدها صفتيها “الديمقراطية” و”اليهودية”، بوجود قرابة مليونين وسبعمائة وخمسين ألف فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما أبلغ رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين، خلال اجتماعهما في واشنطن في الثامن من كانون الأول (ديسمبر)2015، بأنه “يصعب على الإدارة الأميركية إحباط مبادرات ضد إسرائيل على الحلبة الدولية”. وأشار أوباما إلى أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، كان قد أحبط خلال السنوات الثلاث الماضية مبادرات ضد إسرائيل، في الأمم المتحدة وفي منتديات دولية أخرى، وخاصة مبادرات أوروبية بطرح مبادرة سياسية جديدة، وأنه “لم تعد لدى الإدارة الأميركية وسائل لمكافحة المحاولات لعزل إسرائيل دولياً”، إذ أنه ليس بإمكانها التعهد بشيء للجهات الدولية[23]. ويكتب عاموس يدلين، رئيس معهد بحوث الأمن القومي، بهذا الخصوص، بأن “سلوك حكومة إسرائيل في مسائل قانون التسوية، والتأخير في إخلاء عامونا، والدعوات لصالح ضم المناطق ج، كل هذه كانت العوامل الأساسية التي دفعت إدارة أوباما إلى الامتناع عن استخدام الفيتو على مشروع القرار الإشكالي”[24].

وبحسب خطاب كيري الأخير، فإنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والتوسع الاستيطاني فيها قد يقودان إلى حركة حقوق مدنية تطالب بحق التصويت. ولذلك فإن تمرير التصويت على القرار 2334 (2016) جاء بمثابة حماية وقائية لما ستؤول إليه إسرائيل.  وكذلك قد تكون هذه محاولة من إدارة أوباما، لتكبيل يدَي إدارة ترامب في السياق الفلسطيني– الإسرائيلي. وقد سارع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب[25] بطلب نقض مشروع القرار، وقال: “يجب نقض القرار قيد البحث في مجلس الأمن الدولي فيما يتعلق بإسرائيل [لأنه..] يفرض شروطاً من قبل الأمم المتحدة. وهذا يضع إسرائيل في موقف تفاوضي سيء للغاية وغير نزيه بالمرة “.

وحاول رجال الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، منع صدور قرار مجلس الأمن الدولي ضد الاستيطان، وكشفت مجلة أميركية[26] مرموقة، أن افراد الطاقم الانتقالي التابع لترامب وبينهم مستشار الأمن القومي المستقيل ميكل بلين، شنوا حملة دبلوماسية مكثفة تهدف إلى إحباط القرار ومنع تبنيه، واتصل مستشار الأمن القومي المستقيل، بالعديد من سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن وبينهم سفراء ماليزيا والأوراغواي. وطلب أفراد الطاقم الانتقالي يوم 23 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، من الخارجية الأميركية تسليمهم أرقام هواتف وعناوين الإلكتروني ووسائل اتصال أخرى، يمكن عبرها التواصل مع سفراء ووزراء خارجية الدول الـ15 التي تشكل مجلس الأمن الدولي، لكن الخارجية الأميركية رفضت هذا الطلب. ووفقا لذات المصدر مارس رجال ترامب وأفراد طاقمه الانتقالي ضغوطا كبيرة على بعض الدول، مثل مصر وبريطانيا لدفعها إلى معارضة القرار. ونقلت عن دبلوماسي رفيع في مجلس الأمن الدولي قوله “لقد تعرضنا جميعا للضغوط الكبيرة سواء من قبل إسرائيل أو من قبل رجال دونالد ترامب”. ولم ترد السفيرة السابقة في الأمم المتحدة على أي اتصال وردها من السفيرة الحالية، التي كانت ضمن طاقم ترامب الانتقالي.

وفي أعقاب صدور قرار مجلس الأمن، دعا أعضاء من الكونغرس الأميركي من الحزب الجمهوري موالون لحزب الليكود الإسرائيلي، لوقف تمويل الأمم المتحدة إلى حين إلغاء القرار. ودعا السيناتور تيد كروز، (وزميله ليندسى جراهام)، إلى وقف تمويل الأمم المتحدة حتى يتم إلغاء هذا القرار. وقال جراهام إن 22% من ميزانية الأمم المتحدة تأتى من دافعي الضرائب الأميركيين، مضيفا “سأقود الجهود لحجب التمويل حتى يتم إلغاء هذا القرار”[27]. وتقدم أعضاء برلمان من الحزب الجمهوري والديمقراطي بشكل مشترك بمشروع قرار بتاريخ الخامس من كانون الثاني، وأقره الكونغرس بأغلبية 342 عضو برلمان ومعارضة 80، بتاريخ 6 كانون الثاني (يناير) 2017 لإدانة قرار مجلس الأمن الدولي ضد الاستيطان، معتبرين بأنه كان من الخطأ عدم استخدام الفيتو من الرئيس الأميركي باراك أوباما، مطالبين باستخدام الفيتو ضد أي مشروع قرار يقدم لمجلس الأمن مستقبلا. وطالب الكونغرس الأميركي من الأمم المتحدة إلغاء أو تغيير هذا القرار، وكذلك طلب من الإدارة الأميركية معارضة أي مشروع قرار ضد إسرائيل في الأمم المتحدة، واستخدام الفيتو ضد هذه القرارات التي اعتبرها الكونغرس خطوات أحادية الجانب وكذلك معادية لإسرائيل. كما يطالب الحكومة الأميركية “الاعتراض واستخدام الفيتو ضد كل قرار مستقبلي في مجلس الأمن الدولي يسعى لفرض حلول لقضايا الحل النهائي أو يكون أحادي الجانب أو مناهضاً لإسرائيل”. ويتضمن القرار نصاً أنه فيما إذا فُتح تحقيق قضائي مع المسؤولين الإسرائيليين من قبل المحكمة الجنائية الدولية بناءً على طلب من فلسطين، سيتم اعتبار منظمة التحرير “إرهابية” وسيتم قطع المساعدات.

وتعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مرسومين ينصان على تقليص أو حتى إلغاء المساهمة المالية للولايات المتحدة في وكالات عدة تابعة للأمم المتحدة ومنظمات دولية، وإعادة النظر في سلسلة من المعاهدات، وتطال القرارات أي منظمة اعترفت بالسلطة الفلسطينية كدولة. ويتضمن مشروع المرسوم الأول تشكيل لجنة مكلفة فحص حجم التخفيضات لكل منظمة، ويوصي إيلاء اهتمام خاص للمحكمة الجنائية الدولية، علماً أن الولايات المتحدة لم تساهم أبدا في تمويل المحكمة الجنائية الدولية. ويطال ذلك أي منظمة منحت صفة عضو كامل للسلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية، وتلك المنظمات معرضة لفقدان كامل الدعم المالي من الولايات المتحدة، ويستهدف المشروع أيضاً معاقبة البلدان التي تتعارض مع قرارات مهمة للولايات المتحدة؛ وتعهدت السفيرة الأميركية الجديدة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، بإعداد قائمة أسماء للدول التي تعارض مصالح الولايات المتحدة، وقالت هيلى- للصحافيين، فور وصولها مقر الأمم المتحدة “لهؤلاء ممن لا يدعموننا، نحن ندون أسماء ونحدد نقاطا للرد على ذلك”، متعهدة “بتغيير في طريقة عملنا بالأمم المتحدة”. وتصريح نيكي هيلي هذا يختصر الكثير ويشير بوضوح، إلى لغة التهديد والوعيد والضغوطات التي ستمارسها تجاه الدول في منظمة الأمم المتحدة، وهي قد تكون مؤشرات لحقبة عصيبة في منظومة العلاقات الدولية، التي تمر في مرحلة إعادة تشكيل نحو إنهاء انفراد القطب الأميركي بها، والتوجه لإعادة توازنها على أساس تعدد الأقطاب.

نتنياهو: “قرار حقير ودنيء وخطير وسيُلغى”.

وفي أول رد فعل علني قال نتنياهو في كلمة وجهها مباشرة للإسرائيليين، إن القرار الصادر عن مجلس الأمن هو “قرار حقير ودنيء وخطير لكن الحكومة الإسرائيلية ستتغلب عليه.” وأضاف “إن القرار يعتبر الحي اليهودي في القدس القديمة منطقة محتلة، وكذلك الأمر بالنسبة لحائط المبكى، لكنه لن يمر وسنتغلب عليه وسيلغى”[28].

وسارع نتنياهو في الإعلان عن أن إسرائيل ستعيد النظر في علاقتها مع الأمم المتحدة بعد قرار الاستيطان، وقال بتاريخ 24 كانون الأول (ديسمبر): “أصدرت توجيهات لوزارة الخارجية بإعداد تقييم لكل روابطنا بالأمم المتحدة خلال شهر، بما فيها تمويل إسرائيل لمؤسسات الأمم المتحدة، ووجود ممثلين للأمم المتحدة في إسرائيل”، وأضاف “إنه تقرر الحد من تصرفات الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها في المناطق التي نسيطر عليها، كما أنها ستعمل على منع إصدار التأشيرات لموظفي المنظمة الأممية ومنع زيارات العمل لتلك المنظمات”. وفي ذات السياق، قال مسؤول إسرائيلي، إن إسرائيل قررت تعليق علاقاتها وعملها مع جميع الدول، التي صوتت مؤخرا في مجلس الأمن لصالح قرار إدانة الاستيطان. وأشار المسؤول إلى أن نتنياهو لن يجتمع مع أي وزير خارجية لتلك الدول المشار إليها، كما أن المسؤولين الدبلوماسيين الإسرائيليين لن يلتقوا بأي مسؤول من تلك الدول[29].

فقد أعطى نتنياهو تعليمات للخارجية الإسرائيلية، بإلغاء زيارات دبلوماسيي الدول التي صوتت لصالح القرار إلى إسرائيل، كذلك تخفيض مستوى العلاقات إلى الحد الأدنى مع سفارات هذه الدول في إسرائيل، وطلب من وزراء حكومته عدم إجراء أي لقاءات مع وزراء هذه الدول وعدم السفر إليها، وطبعاً من بين هذه الدول بريطانيا وفرنسا وروسيا وإسبانيا وأوكرانيا واليابان، وقد وضع عدة خطوات سوف يباشر العمل بها، بعد تسلم ترامب منصبه، ضد الأمم المتحدة، وهذه الخطوات تتمثل بالتالي[30]:

  • الصراع ضد “الأونروا”، وهي المنظمة التابعة للأمم المتحدة والتي تعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيين، على اعتبار وجود عدد كبير من المعايير والموارد في “الأونروا” المعدة لإلحاق الضرر بإسرائيل، وأكثر من ذلك فإنه توجد مؤشرات قوية بأن عدداً من المعلمين يعملون مع تنظيمات تمارس “التحريض” بشكل دائم ضد إسرائيل؛
  • إغلاق “لجنة فلسطين” في الأمم المتحدة والتي هدف وجودها الحفاظ على الرواية الفلسطينية، والذي ساهم في أخذ الأمم المتحدة جانباً واضحاً في الصراع، وفي الواقع فإن اجتماع “لجنة فلسطين” تؤدي إلى بيانات رسمية للأمم المتحدة وهي أن “إسرائيل تقوم بتطهير عرقي ضد الفلسطينيين”، ولذلك فإن إسرائيل هي المسؤولة عن “الإرهاب الفلسطيني”؛
  • إلغاء كافة التعيينات لمن هم معادون لإسرائيل ومعادون للسامية في الأمم المتحدة، حيث يوجد عدد من كبار العاملين في الأمم المتحدة، يظهرون بشكل دائم عداءهم لإسرائيل ويستخدمون عبارات لاسامية في خطاباتهم، وكل محاولات إسرائيل السابقة لم تنجح في إلغاء تعييناتهم، ولكن مع دور الولايات المتحدة في الأمم المتحدة قد ننجح؛
  • تحريك قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقواعد السلوك لكافة العاملين في الأمم المتحدة وفي كافة منظماتها، لذلك فإن أي تعبير يتجاوز هذه القواعد بما فيها التحريض على العنف أو العداء للسامية، تشكل انتهاكا لقواعد السلوك والذي يتطلب في أعقابها فرض عقوبات بما فيها الفصل .
  • إلغاء القرار القاضي بعمل لائحة سوداء للشركات العاملة في إسرائيل، حيث قام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في شهر آذار الماضي باتخاذ قرار عمل القائمة السوداء، والذي جاء من خلال نشاط لجنة المقاطعة “BDS”؛
  • وقف التمويل الإسرائيلي لكافة هيئات الأمم المتحدة.

طرحت كافة هذه الخطوات كردود فعل على القرار 2334 (2016)، بعدما انكشفت هشاشة الصلف الإسرائيلي أمام الشرعية الدولية في حال تفعيلها وتطبيق قراراتها، وفي حال ضبط وتقييد حق النقض، الذي يعتبر حامي إسرائيل من توقيع العقوبات الدولية الواجبة والمصلوبة الموقوفة بحق جرائمها، وتنكرها للقرارات الدولية كافة. فبمجرد الامتناع عن التصويت من قبل الإدارة الأميركية، بدت إسرائيل عارية مهزومة وفي غاية الضعف أمام إرادة دول منظومة الأمم المتحدة. وكان نتنياهو قد صرح أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2016 بأن: “الأمم المتحدة بدأت كقوة أخلاقية، وتحولت إلى مهزلة أخلاقية”، قال ذلك أمام جمهور ضئيل في قاعة الجمعية، وأضاف “يمكن أن الأمم المتحدة تندد بإسرائيل، لكن الولايات المتحدة تؤيدها. وحجر الأساس في هذا التأييد هو التأييد المستمر من قبل الولايات المتحدة لإسرائيل في الأمم المتحدة”. هكذا تبجح نتنياهو أمام الجمعية العامة آنذاك، إلا أنه وبعد مرور ثلاثة أشهر على ذلك، “تحولت مؤسسة المهزلة هذه إلى العدو اللدود لإسرائيل[..] إلى درجة أنها تحولت إلى التهديد الإستراتيجي الأكبر على إسرائيل [..] ونتنياهو يعرف أن الأمم المتحدة وهي المؤسسة التي منحت إسرائيل الشرعية الدولية، أكبر من مجموع مركباتها. وعندما تفرض العقوبات فإن هناك زعماء تتم محاكمتهم ودولاً قد تنهار. أو العكس”[31].

ويرى أحد الكتاب الإسرائيليين أن القرار هو محاولة دولية لإنقاذ إسرائيل، وأن القرار 2334 الذي تم اتخاذه، “هو بمثابة رياح تحمل أنباء جديدة [..] جاء هذا القرار الصحيح وأشعل شمعة [..] شكرا لكم يا نيوزيلندا والسنغال وفنزويلا وماليزيا [..] لا يمكن تجاهل قرار مجلس الأمن الذي يقول إن جميع المستوطنات هي غير قانونية، هي مخالفة للقانون الدولي. بكلمات أخرى هي جريمة. ليس هناك دولة في العالم تفكر بطريقة مختلفة. العالم كله – جميع أصدقاء وأعداء إسرائيل – أجمع على ذلك”[32]. وربما كان الكاتب الإسرائيلي ياريف أوبنهايمر[33] أكثر وضوحاً في انتقاد السياسة الإسرائيلية، حين كتب شاكراً أوباما بقوله: “إن أوباما اتخذ قراره في الدقيقة التسعين وفي الوقت الضائع، من أجل منع اصطدام العربة الإسرائيلية بالفلسطينية بقمة جبل جليدي”، مضيفاً بأن “هذا التصويت هو آخر محاولة لإنقاذ إسرائيل من نفسها، والحفاظ على آفاق الانفصال عن الفلسطينيين بسلام”.

ويرى كاتب إسرائيلي[34] آخر بأنه وكأنه “سقط علينا فجأة قرار مجلس الأمن الذي قال إن جميع المستوطنات متفق عليها أو غير متفق عليها، هي غير قانونية. وليست مهمة قداسة أو طبيعة الكوشان الإلهي الذي سمح بذلك”؛ ويستطرد: “إذا كان سيتم تعريف الوضع في “المناطق” بالخطأ على أنه فصل عنصري، بدل القول إن الحديث هو عن احتلال يميز بطبيعته بين حقوق الواقع تحت الاحتلال وبين مواطني الدولة المحتلة، من الضروري وقفه، فإن الضم سيحول إسرائيل إلى نموذج كامل كدولة أبرتهايد”. وبخصوص نفس الموضوع يقترح رئيس معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي بأنه “يجب المبادرة إلى تغيير يحفظ أفق حل الدولتين [..] يجب التقدم نحو الانفصال عن الفلسطينيين بطريقة منضبطة، حذرة وصبورة، تحمي المصلحة الإسرائيلية في أن تكون دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة وعادلة، ترمم مكانتها السياسية والأخلاقية في العالم [..] لإسرائيل أن تتبنى إستراتيجية فاعلة، في مركزها توافقات مع الولايات المتحدة حول التمييز بين الاستيطان في الكتل والمستوطنات المنعزلة، حيث تجمد إسرائيل البناء”[35].

رعب من المحكمة الجنائية الدولية

ويبدو أن أخشى ما تخشاه إسرائيل من تداعيات القرار، يتمثل في جرجرة قياداتها وضباطها ومسؤوليها، الذين اقترفوا جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب العربي الفلسطيني، إلى منصة العدالة الدولية الممثلة بمحكمة الجنايات الدولية.

ويؤكد كاتب[36] إسرائيلي أنه في حال “الضم الواضح للضفة الغربية أو أجزاء منها، ستجد إسرائيل نفسها وهي تحاكم في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. وحتى الرئيس الأميركي الأكثر شعبية لن يستطيع ولن يرغب في المساعدة”. وفي السياق ذاته كتب بروفيسور ومدير[37] برنامج الدراسات الدولية في معهد ترينيتي في الولايات المتحدة، بأن “القرار 2334 هو ما تخشاه إسرائيل، وما يقلقها هو الإجراءات التي ستأتي بعد هذا القرار، خصوصاً من قبل المحكمة الجنائية الدولية [.. لأن] القرار 2334 يوفر الإرادة السياسية وأساساً قانونياً لكي تفتح المحكمة الجنائية تحقيقاً كاملاً. فحيث إن فلسطين دولة معترف بها في الأمم المتحدة منذ 2012، وعضو في المحكمة الجنائية منذ 2014، فقد أصبح بإمكان المحكمة الآن، بعد صدور القرار الجديد لمجلس الأمن، أن تفتح في غضون أشهر تحقيقاً كاملاً في الأعمال الإجرامية الإسرائيلية”[38]. وأكد كاتب[39] آخر أن “من شأن هذا القرار أن يعطي دفعة معنوية للمطالبة بتحويل الفحص الأولي الذي يتم في محكمة الجنايات الدولية، إلى تحقيق حقيقي يركز على المستوطنات. ومطالبة الدول بالتمييز بين إسرائيل والمناطق في الاتفاقيات من شأنه أن يعزز التوجه الموجود أصلا في هذا الاتجاه. وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة الدولية قالت في العام 1971، إن الدول لا يمكنها تجاهل قرارات مجلس الأمن القاضية بأن وضعاً معيناً ليس وضعاً قانونياً. وأيضا هناك أهمية لحقيقة أن الأمين العام للأمم المتحدة سيقدم التقارير مرة كل ثلاثة أشهر لمجلس الأمن حول تطبيق القرار”.

وعلى ما يبدو فإن إسرائيل طلبت النجدة من الولايات المتحدة الأميركية، لتخليصها من التهديدات الفعلية لشبح المحكمة الجنائية الدولية، والإدارة الأميركية الجديدة تعي ذلك، وقد تحركت سريعاً بهذا الخصوص بطلب من نتنياهو، وذلك بتحذير الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلطة الفلسطينية من “مغبة التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة إسرائيل”. ونقل موقع هارتس “الإلكتروني الإسرائيلي[40] عن دبلوماسيين غربيين وعرب تأكيدهم له، أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، نقلت خلال الأيام الأخيرة رسالة واضحة جداً للسلطة الفلسطينية حذرتها فيها من مغبة التوجه للمحكمة الدولية لمقاضاة إسرائيل، على خلفية قراراتها الاستيطانية الأخيرة”. وهددت إدارة ترامب باتخاذ خطوات عقابية شديدة ضد السلطة في حال أقدمت على هذه الخطوة، مثل وقف تام للمساعدات الأميركية المقدمة للسلطة، وإغلاق مكاتب منظمة التحرير في العاصمة الأميركية واشنطن، واتخاذ خطوات شديدة أخرى من شأنها أن تلحق الضرر الكبير في مكانة وموقع منظمة التحرير الفلسطينية.

وكان الرد الفلسطيني سريعاً على التهديد الأميركي، في مقابلة صحافية أجراها د. صائب عريقات مع وكالة أنباء الأناضول[41]، أكد فيها أن “القيادة الفلسطينية بدأت العمل على فتح تحقيق قضائي في محكمة الجنايات الدولية”، وذلك ضمن “خطة استراتيجية لمواجهة العطاءات الاستيطانية، في الضفة الغربية والقدس الشرقية”؛ وأضاف “نحن اليوم أعضاء في الجنائية الدولية، ومنذ عامين هناك ثلاثة ملفات أمام المدعية العامة والمطلوب الآن فتح تحقيق قضائي، وهو ما نعمل عليه الآن”؛ وقال: “الجنائية أحد أهم الخطوات الاستراتيجية التي نعمل عليها”. والملفات التي أودعت للمحكمة الجنائية الدولية هي: الاستيطان في الضفة الغربية، والحرب على قطاع غزة، والأسرى في السجون الإسرائيلية.

وأكدت اللجنة التنفيذية[42] لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعها بتاريخ 26 كانون الأول (ديسمبر) 2016 أنه: “وعلى ضوء رفض الحكومة الإسرائيلية للقرار وتحديها للإرادة الدولية، وإعلانها عن عطاءات استيطانية جديدة، فإن اللجنة التنفيذية تطلب من المجلس القضائي للمحكمة الجنائية الدولية: فتح تحقيق قضائي فوري حول الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي في أراضي دولة فلسطين المُستقلة” [القرار الثالث]. وكذلك قررت في قرارها السابع أن: “تدعو مجلس حقوق الإنسان، وكافة المؤسسات والمُنظمات الدولية ذات العلاقة إلى البدء في مُساءلة ومُحاسبة سُلطة الاحتلال (إسرائيل)، على هذه المُمارسات ضد أبناء الشعب الفلسطيني على اعتبارها جرائم حرب”.

في مخرجات القرار

يظهر مما تقدم، بأن النضال السياسي والدبلوماسي الهادئ الذي تقوم به دولة فلسطين قد حقق النتائج المرجوة منه. ويعتبر القرار 2334 (2016) وبحق نجاحاً هاماً يسجل للدبلوماسية الفلسطينية التي أبت أن ترضخ للضغوطات، أياً كان مصدرها، إن تعارضت مع الحق والمصلحة الفلسطينية. وبات من الواضح حجم التأييد الدولي الرسمي والشعبي للقضية الفلسطينية وللحقوق الوطنية، الذي هو في تزايد مستمر، وهذا يتطلب تعزيز علاقتنا مع كل دول العالم وحركات التحرر الوطنية والمؤسسات الشعبية والنقابية الدولية وغيرها. في الوقت الذي تزداد فيه عزلة إسرائيل وتُنزع الشرعية عن ممارساتها، ويزداد انتقاد العالم لها. ويتوجب التأكيد بأن هذا القرار، هو وسيلة نضالية جديدة يحتاج إلى نضال طويل وشاق، لإجبار إسرائيل على تطبيقه والرضوخ للإرادة الدولية، وكنس الاحتلال ومستوطنيه وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية.

وبالإضافة إلى ما تضمنته هذه الدراسة في متنها من اقتراحات وتوصيات، فإن من الضرورة بمكان التركيز على المخرجات التالية للقرار 2334 (2016):

أولاً: البحث عن استراتيجيات جديدة تتناسب ونهاية مرحلة الرهان على المفاوضات لانتزاع الحقوق الوطنية [..و] إسرائيل لن تتغير ولكن الذي سيتغير وعليه ألا يتردد في التغير هو الطرف الفلسطيني، مستفيداً من المناخات الدولية الإيجابية التي يعكسها قرار مجلس الأمن [..] ولذلك يترتب على الفلسطينيين أن يتحضروا لذلك عملياً ودون إعلانات صاخبة أو استفزازية، يمكن أن تفسد المناخات الإيجابية التي يتوجها القرار[43].

ثانياً: المسارعة لتثمير هذه القرارات بترجمتها، إلى خطوات عملية تُصعِّد الضغط على إسرائيل من جانب الدول والمؤسسات الدولية والقوى السياسية وسائر مكونات المجتمع المدني، لاتخاذ إجراءات عملية ضد الاحتلال والاستيطان ولصالح الحقوق الفلسطينية[44].

ثالثاً: تفعيل المحكمة الجنائية الدولية، من أجل تلك إقناع المحكمة بأن هذا القرار قد يضغط عليها ويساعدها على استكمال الدراسة الأولوية، وفتح تحقيق بخصوص ما أقدمت عليه إسرائيل تحديداً في موضوع الاستيطان.

رابعاً: الطلب من سويسرا الدولة بصفتها الحاضنة لاتفاقيات جنيف، دعوة الأطراف المتعاقدة، لاتخاذ الخطوات اللازمة للقيام بواجباتها الاتفاقية، من أجل وقف الجرائم المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة.

خامساً: دعوة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بأن يبدأ بالإجراءات المتبعة بحق المخالفات والانتهاكات الواضحة التي يرتكبها الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتفعيل القرارات المتعاقبة، وخاصة قرار المجلس، الذي يطلب من المفوض السامي، بأن يقوم بتحضير ملف كامل بخصوص المؤسسات والشركات التي تعمل في الاستيطان، كنتاج مباشر لبنود القرار الذي صدر عن مجلس الأمن 2334.

سادساً: إعداد لائحة سوداء، بأسماء المستوطنين المتورطين بأعمال إرهابية بحق الشعب الفلسطيني، لمنعهم من دخول دول بعينها.

سابعاً: الطلب من مختلف دول وحكومات ومؤسسات العالم تفعيل حركة المقاطعة للاحتلال الإسرائيلي.

ثامناً: تعزيز العلاقات مع لجان مناصرة فلسطين ومقاطعة إسرائيل BDS المنتشرة في كل العالم، والتنسيق والدعم الكامل لمختلف نشاطاتها الدولية في كافة المجالات الاقتصادية والأكاديمية والشعبية والقانونية والسياسية.

تاسعاً: الطلب من الدول بأنه عندما توقع أي اتفاقية ثنائية مع إسرائيل، في أي مجال من هذه المجالات خاصة فيما له علاقة باتفاقية التجارة الحرة، يجب أن يتم التمييز ما بين الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ العام 67 وأراضي إسرائيل الأخرى.

 الهوامش:

[*] كاتب وباحث في شؤون القانون الدولي.

[1]د. حسام أحمد محمد هنداوي، حدود سلطات مجلس الأمن في ضوء قواعد النظام العالمي الجديد، دار النهضة العربية، القاهرة، 1994، ص112. وكذلك انظر في ذلك: د. مفيد محمود شهاب، المنظمات الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثامنة، عام 1987، ص: 280–309.

[2] قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، الصادرة منذ عام 1947 إلى عام 1999، جمع وتصنيف منى نصولى، المجلد الخامس، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الأولى، 2001.

[3] . د. أسعد عبد الرحمن، تدويل القضية .. لم لا؟!، القدس المقدسية بتاريخ 31 كانون الثاني (يناير) 2017.

[4] د. صائب عريقات، قرارات على مستوى التحديات!! دراسة رقم (20(، أيلول 2016-كانون الثاني 2017، موقع دنيا الوطن بتاريخ 28 كانون الثاني (يناير) 2017.

[5]المصدر نفسه.

[6] بن كسبيت، العالم قال كلمته بشأن المستوطنات، معاريف/ الأيام 26 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[7] عاموس يدلين، رئيس معهد بحوث الأمن القومي، نحو إستراتيجية إسرائيلية لمواجهة القرار 2334، عن «مباط عال»/ الأيام 29 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[8] التقرير السنوي لجمعية حقوق المواطن- 2016، مدار ـ المشهد الإسرائيلي، العدد 392، السنة الخامسة عشرة، بتاريخ 10 كانون الثاني (يناير) 2017، ص 5.

[9]عاموس يدلين، رئيس معهد بحوث الأمن القومي، نحو إستراتيجية إسرائيلية لمواجهة القرار 2334، مرجع سابق.

[10] د. ناصر القدوة المندوب السابق لفلسطين في الأمم المتحدة في لقائه: صحيفة القدس المقدسية بتاريخ 23 كانون الثاني (يناير) 2017.

[11] المصدر نفسه.

[12] تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الأميركية، بتاريخ 3 كانون الثاني (يناير) 2017، وتم نشره في الصحف الفلسطينية في اليوم التالي.

[13] وكالة معاً، بتاريخ 7 شباط (فبراير) 2017.

[14] وكالة معا بتاريخ 22 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[15] موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت”/ وكالة معاً، بتاريخ 22 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[16] رياض منصور، 3 رسائل متطابقة إلى الأمم المتحدة، وكالة معاً بتاريخ 2 شباط 2017.

[17]يستند حق النقض/ الفيتو إلى المادة 27/3 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تلزم على أن القرارات المتعلقة بالمسائل الموضوعية، تؤخذ بموافقة تسعة من أعضاء المجلس “من بينها أصوات الأعضاء الدائمين”، وهذا هو حق النقض الفيتو. ولهذا فإن حق الفيتو يعني منع اتخاذ قرار في المسائل الموضوعية إلا بموافقة جميع الأعضاء الدائمين.

[18]وتختلف المصادر بشأن عدد المرات، فمنها من يورد استخدام أميركا الفيتو 36 مرة ضد مشاريع قرارات تدين إسرائيل حسب تقرير صادر عن مركز الإعلام والمعلومات (MIC). فيما “ساسة بوست” استعرضت السنوات التي استخدمت فيها أميركا حق نقض الفيتو لصالح إسرائيل ضد المطالب الفلسطينية منذ عام 1972 وحتى 2014، حيث تمحورت معظمها حول مشاريع الاستيطان والحدود، واللاجئين، وإنهاء الاحتلال.

ww.sasapost.com/security-council-and-the-us-veto/ w

[19] الدكتور ناجي صادق شراب، أميركا وقرارات مجلس الأمن، القدس المقدسية، بتاريخ 26 كانون الثاني (يناير) 2017.

[20] تبلغ ميزانية الأمم المتحدة السنوية 2.7 مليار دولار سنوياً، تدفع منها الولايات المتحدة 595 مليون دولار، وبريطانيا 130 مليوناً، وفرنسا 150 مليوناً، وألمانيا 160 مليوناً، وروسيا 66 مليوناً، والصين 139 مليوناً، فيما تدفع اليابان وهي ليست عضواً دائماً في مجلس الأمن 234 مليون دولار.

[21]سعيد عريقات، الكونغرس الأميركي يبحث تدابير لمعاقبة الأمم المتحدة ولقطع المساعدات عن الفلسطينيين، القدس المقدسية، بتاريخ 30 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[22] للتفصيل، د.كمال فبعه، الصهيونية والفصل العنصري، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، 1992.

[23] هآرتس/ معا بتاريخ 10 كانون الأول (ديسمبر) 2015. وصحيفة الأيام بتاريخ 12 كانون الأول (ديسمبر) 2015.

[24]عاموس يدلين، رئيس معهد بحوث الأمن القومي “نحو إستراتيجية إسرائيلية لمواجهة القرار 2334، عن «مباط عال»/ الأيام 29 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[25] الأيام بتاريخ 22 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[26] صحيفة “فورين بوليسي” الأميركية/ وكالة معا بتاريخ 18 شباط/ فبراير 2017.

[27] صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ الأول من كانون الثاني (يناير) 2017.

[28] الأيام بتاريخ 25 كانون الأول/ ديسمبر 2016.

[29] صحيفة القدس المقدسية بتاريخ 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[30] موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت”/ وكالة معاً بتاريخ 26 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[31] تسفي برئيل، نتنياهو يعلن الحرب على العالم!، هآرتس/ الأيام 29 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[32] جدعون ليفي، جميع المستوطنات غير قانونية، هآرتس/ الأيام 26 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[33] ياريف أوبنهايمر، شكراً أوباما لأنك مررت القرار، يديعوت أحرونوت/ الأيام 24 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[34] تسفي برئيل، ضم الضفة الغربية “لأسباب إنسانية”! هآرتس/ الأيام 5 كانون الثاني (يناير) 2017.

[35]عاموس يدلين، رئيس معهد بحوث الأمن القومي، نحو إستراتيجية إسرائيلية لمواجهة القرار 2334، عن «مباط عال»/ الأيام 29 كانون الأول/ ديسمبر 2016.

[36] تسفيا غرينفيلد، العالم قرر: انتهى عهد المستوطنات، هآرتس/ الأيام 3 كانون الثاني 2017.

[37] فيجاي براشاد، لماذا تخشى إسرائيل من القرار 2334؟ عن موقع “زي نت”/ الأيام 5 كانون الثاني (يناير) 2017.

[38]فتحت المدعية العامة لدى المحكمة، في مطلع 2015 تحقيقاً أولياً في المستوطنات غير الشرعية وفي أعمال إسرائيل خلال قصف غزة في 2014. وفي تشرين الأول 2016، زار محققو مكتب بنسودا الضفة الغربية والقدس الشرقية. ومن الواضح أن الزيارة كانت جزءاً من التحقيق الأولي لبنسودا. وفي وقت لاحق، أعلنت بنسودا أنها لن تفتح تحقيقاً جنائياً كاملاً من دون توضيح سياسي أساسي من مجلس الأمن.

[39] ايال غروس، إسرائيل وقرار مجلس الأمن 2334، هآرتس/ الأيام 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[40] وكالة معا، بتاريخ الأول من شباط 2017.

[41] موقع دنيا الوطن، بتاريخ 3 شباط/ فبراير 2017.

[42] وكالة وفا، بتاريخ 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[43] طلال عوكل، ما بعد القرار ليس كما قبله، الأيام 29 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

[44] فهد سليمان، الاستيطان في قرارات مجلس الأمن، مطالعة في القرار 2334، موقع دنيا الوطن، بتاريخ 28 كانون الثاني (يناير) 2017.