[*]عليان الهندي

لأول مرة في تاريخه، ينشر الجيش الإسرائيلي خطته الاستراتيجية “غدعون”[1]. وتتكون الخطة من شقين (سري وعلني)، يتحدث فيها الشق العلني عن الحرب والسلام وعلاقات المستوى العسكري مع المستوى السياسي، ودور الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المدنية والعسكرية لدولة إسرائيل، وفي أفضل السبل لمواجهة التهديدات التي ستتعرض لها إسرائيل.

وتشمل استراتيجية الجيش الإسرائيلي مقدمة موقعة من رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي الجنرال غادي أييزنكوت ومن خمسة فصول هي: الإطار الاستراتيجي، والبيئة الاستراتيجية والتنفيذية، واستخدام قوة الجيش الإسرائيلي، ونظرية القيادة والسيطرة، وتنظيم الجيش الإسرائيلي للحرب، وبناء القوة في الجيش الإسرائيلي. وتتضمن الفصول الخمسة خمسين عنوانا فرعيا تصب في نفس الإطار.

التسمية

سميت الخطة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي على اسم غدعون بن يوئاش (قائد عسكري يهودي حكم نابلس ويعتبر القاضي الخامس من قبيلة مينشه) الذي تعتبره الرواية التوراتية منقذا لإسرائيل من القبائل المدية والعمالقة (قبائل كنعانية). وباستثناء المصادر العبرية لا يوجد ما يؤكد هذه الرواية.

ويلاحظ من التسمية ثلاثة أمور أساسية هي: الأول، التهديدات التي تَدعِي إسرائيل أنها تواجهها، هي تهديدات داخلية مثل مواجهة الخطر الفلسطيني وكيفية التغلب على هذا الخطر، كما نجح غدعون بن يوئاش في ذلك. والثاني، إعطاء بعد ديني توراتي للصراع مع الفلسطينيين والعرب، خاصة التنظيمات التي تحمل أسماء إسلامية مثل الجهاد الإسلامي وحماس وحزب الله وأنصار بيت المقدس وغيرها من التسميات. والثالث، مؤشر بأن الصراع مع دولة إسرائيل ومؤسساتها سيتركز في المرحلة المقبلة على مستقبل الضفة الغربية والقدس، التي أشارت معظم التحليلات الإسرائيلية خلال الفترة الماضية أن الأوضاع فيهما ستنفجر عاجلا أم آجلا.

أهداف نشر الخطة

بعد التوقيع على اتفاقيات سلام مع مصر ومن بعدها الأردن (ساحة تهديد من جبهة شرقية) أدركت إسرائيل أن زمن الحروب الشاملة مع الدول العربية ولّى إلى حين. ما دفعها إلى وضع تعريف جديد للتهديدات والجهات التي تهددها مثل منظمة التحرير وحزب الله وحركة حماس، وغيرها من الفصائل التي لا تتطلع إلى احتلال أراض لعدم امتلاكها القدرة على ذلك. بل، إلى إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والمعنوية في صفوف الإسرائيليين، ضمن حروب استنزاف طويلة الأمد، تؤدي إلى انهيار إسرائيل على المدى البعيد.

وكَون الرؤية المذكورة أعلاه سيطرت على الفكر السياسي والعسكري الإسرائيلي، كان الهدف الأول لخطة الجيش الإسرائيلي الاستراتيجية، هو الرد على مخططات الفصائل المذكورة، من دون أن تتجاهل بناء قدرات عسكرية لمواجهة حروب تشن عليها من عدة دول مجتمعة.

وكان الهدف الثاني من نشر الخطة بشكل علني هو، بعث رسالة موجهة للفصائل المذكورة بأن جل الموارد البشرية والعسكرية الإسرائيلية مستثمرة في مواجهتها، وإشعارها بحجم الخسائر البشرية والمادية التي ستتكبدها في حال شنت عمليات ضد إسرائيل، كالدمار الذي تعرض له لبنان (2006) في إطار “نظرية الضاحية” التي وضعها رئيس الأركان الحالي غادي أييزنكوت التي تنص على التدمير الممنهج للبنى التحتية في لبنان والضاحية الجنوبية أحد أهم معاقل حزب الله في لبنان، والضفة الغربية وقطاع غزة في الانتفاضة الثانية (2000) التي شنها ضد الفلسطينيين الجيش الإسرائيلي بقيادة وزير الدفاع الحالي ورئيس الأركان السابق موشيه يعلون ضمن نظرية “الوعي والكي” التي تقول إن “من لا يأتي بالقوة، يأتي بمزيد من القوة”، التي دمر خلالها كل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في المنطقتين، والتي توجت باغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أو في قطاع غزة  ضمن ما أسمته إسرائيل (بعد عام 2007) “جولات قتالية وتهدئة” أي قتال وتخريب وتدمير من قبل إسرائيل وتهدئة من حماس.

الهدف الثالث من نشر الخطة هو توعية الرأي العام الإسرائيلي، إلى المخاطر الجديدة التي بدأت تواجهها الجبهة الإسرائيلية الداخلية، المتمثلة بإطلاق صواريخ بعيدة المدى على قلب المدن الإسرائيلية مثل تل أبيب والقدس وحيفا من كيانات لا تمثل دولاً.

الأهداف الوطنية

حددت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الأهداف الوطنية لدولة إسرائيل بأربعة أهداف هي:

  • المحافظة على وجود دولة إسرائيل، والدفاع عن سلامتها الإقليمية وعن أمن مواطنيها وسكانها.
  • المحافظة على قيم دولة إسرائيل وطابعها كدولة يهودية وديموقراطية، وكبيت للشعب اليهودي.
  • ضمان حصانة دولة إسرائيل الاجتماعية والاقتصادية.
  • تعزيز مكانة دولة إسرائيل الدولية والإقليمية، مع التطلع إلى سلام مع جيرانها.

ويلاحظ من صياغة الأهداف الوطنية لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي أنها لا تتضمن فقط أهدافاً عسكرية، بل أهدافاً سياسية، ما يشير إلى أمرين هامين هما: الأول، دور الجيش في وضع أهداف دولة إسرائيل، ودوره في عملية اتخاذ القرار، بغض النظر عمن يحكم إسرائيل إن كان يمينا أو يسارا. والثاني، دور الجيش في المجتمع الإسرائيلي.

تطورات الخطة

باستثناء مذكرة كتبها دافيد بن غوريون عام 1953، التي سميت فيما بعد بنظرية “جز العشب”، لم تصغ في إسرائيل وثيقة أمنية وعسكرية استراتيجية، بل أضيفت تعديلات على الوثيقة الأصلية التي صاغها بن غوريون، مثل التعديلات التي أدخلت عام 1986 من قبل لجنة ترأسها عضو الكنيست السابق دان مريدور. والتعديلات التي أُدخلت عام 2006 من قبل لجنة خبراء في الأمن القومي الإسرائيلي من العسكريين والأكاديميين ترأسها أيضاً عضو الكنيست حينها دان مريدور، بهدف وضع استراتيجية أمن قومي إسرائيلي. وبعد عامين من العمل قدمت اللجنة توصياتها في أكثر من 250 صفحة حملت صفة السرية، كان من أهمها إدخال عنصر الدفاع على الاستراتيجية القديمة.

وخلاصة استراتيجية بن غوريون هي، أن إسرائيل دولة صغيرة محاطة بعدد كبير من الأعداء سيواصلون عداءهم لها في العقود القادمة، وكونها دولة صغيرة من حيث المساحة والسكان، فإنها لن تستطيع فرض السلام على العرب، أو حسم المعركة معهم مرة واحدة. وبالتالي، فإن أفضل طريقة للبقاء هي، المحافظة على قدرة الردع في مواجهة العرب بواسطة إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية في صفوفهم، بهدف تثبيط معنوياتهم كي تطول فترة الهدوء القادمة[2].

وكان للتطورات التكنولوجية الهائلة والعولمة دور في إيجاد ساحتي حرب جديدتين بالنسبة لإسرائيل هما: الأولى، في مجال الحرب والقرصنة الإليكترونية. والثانية، الصراع من أجل كسب تعاطف الرأي العام العالمي، الذي حصرته إسرائيل بالولايات المتحدة بشكل خاص، والغرب بشكل عام.

والأمر المؤكد في الاستراتيجية الجديدة، أنها جاءت امتدادا للاستراتيجية القديمة، مع إدخال بعض التعديلات التي تتلاءم مع تغير التهديدات والجهات المعادية وفق الرواية الإسرائيلية.

مصادر التهديد

على الرغم من توقيع اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، ظلت استراتيجية التسليح الإسرائيلية تأخذ بعين الاعتبار أن السلام مع هذه الدول هو هدنة طويلة ليس أكثر، ما يعني أن هاتين الدولتين ربما تتحولان في أية تطورات إقليمية مستقبلية إلى عدو محتمل، وبالتالي يجب المحافظة على تفوق الجيش الإسرائيلي نوعيا لتحقيق “الانتصار” في عدة جبهات قتالية، تشمل هاتين الدولتين.

لكن خروج مصر المؤقت (وفق الرؤية الإسرائيلية) من ساحة الحرب، دفع إسرائيل إلى تحديد مصادر التهديد القادمة من دول بعيدة (إيران) وقريبة (لبنان) وفاشلة أو في طريقها للتفكك (سوريا)، أو من تنظيمات وكيانات تحكم رقعة جغرافية من دون أن تكون دولة (حزب الله وحماس)، ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية (المسيطرة نوعا ما على أجزاء من الضفة الغربية التي تضم معظم السكان تقريبا) التي تناضل ضدها في ساحات العمل الدبلوماسي والمقاومة الشعبية، بما تسميه إسرائيل بالحرب الناعمة، ومن منظمات “إرهابية” لا تسيطر على رقعة جغرافية أو على مجتمع معين (الجهاد العالمي والجهاد الإسلامي الفلسطيني وأنصار بيت المقدس وداعش وغيرها).

عناصر الخطة

تضمنت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة العناصر التقليدية في نظريتها الأمنية المتمثلة:

  1. الردع – ينقسم الردع وفق المفهوم الإسرائيلي إلى قسمين هما: الأول، يتعلق بردع الدول العربية ومنعها من شن حرب على إسرائيل، بواسطة المحافظة على التفوق العسكري على الدول المحيطة بها نوعيا، بما في ذلك المحافظة على عدم الوضوح النووي، الذي تتحدث مصادر موثوقة ومتنوعة عن امتلاك إسرائيل قنابل نووية لمواجهة حرب تسميها هي “حرب يوم القيامة”. والثاني، متعلق بالفلسطينيين وبتنظيمات وكيانات تحكم رقعة جغرافية من دون أن تكون دولة مثل حزب الله وحركة حماس. وتتحدث المصادر الإسرائيلية عن مفهومها للردع مع الطرفين المذكورين بروح نظرية بن غوريون الأصلية، وهي إلحاق خسائر مادية وبشرية مذهلة في صفوفهم، بهدف تثبيط معنوياتهم كي تطول فترة الهدوء القادمة، كما حدث في لبنان عام 2006 عندما دمرت إسرائيل الضاحية الجنوبية من بيروت وفق “عقيدة الضاحية” التي وضعها رئيس الأركان الحالي غادي أيزنكوت، ومع قطاع غزة في الحروب التي أسمتها إسرائيل “عمليات قتالية وتهدئة”.
  2. الإنذار المبكر –ركزت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة والقديمة على المحافظة على التفوق المعلوماتي، بهدف معرفة قدرات العدو (دولاً ومنظمات) ونواياه وتوجهاته المستقبلية التكتيكية والاستراتيجية تجاه دولة إسرائيل، خاصة في أوقات الطوارئ، كي تتمكن الدولة العبرية من تجنيد الاحتياط بسرعة من أجل خوض الحرب.

لكن، ورغم الأساطير التي نُسجت إسرائيليا في المجال المذكور، إلا أن جهاز الاستخبارات (الجهة المسؤولة في الجيش الإسرائيلي عن جمع المعلومات) فشل في توقع معظم الأحداث المهمة المتعلقة بإسرائيل مثل: حرب تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1973، وحرب الخليج الأولى، والانتفاضة الأولى، وغيرها من الأحداث التي أثرت سلبيا على إسرائيل.

  1. حسم المعركة: ذكرت استراتيجية إسرائيل الجديدة أن مساحة إسرائيل الصغيرة وقلة مواردها البشرية تتطلب منها خوض معركة قصيرة تحقق فيها الانتصار السريع. واعتمدت في رؤيتها تلك، على نتائج النكبة التي حلت بالفلسطينيين عام 1948 وانتصار إسرائيل على ستة جيوش عربية عام 1967، ما دفعها لنسج أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”.

غير أن عدم قدرة إسرائيل على التمدد خارج حدودها، وبروز مفاهيم جديدة للنصر في الحرب، وامتلاك الجيوش العربية مثل الجيش العراقي في حرب الخليج الأولى (1991) وحزب الله في حرب لبنان الثانية (2006) وحركتي حماس والجهاد الإسلامي (2015)، قدرات صاروخية تصل إلى قلب المدن الإسرائيلية، دفعها للبحث عن طرق لوقف إطلاق النار، بعيدا عما أسمته النصر أو حسم المعركة.

  1. الدفاع – كان الدفاع هو العنصر الأخير في استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة. وجاء تبني هذا المصطلح بعد صدور توصيات لجنة مريدور (2006)، التي فسرت عنصر الدفاع، أو بصورة أدق حماية الجبهة الداخلية، بواسطة نصب بطاريات صواريخ وشبكات إنذار مبكر وشن هجمات شاملة أو محدودة، وغيرها من عناصر الدفاع الأرضي الجوي في مختلف أنحاء إسرائيل، من أجل التصدي لهجمات الصواريخ والقذائف الصاروخية متعددة الفوهات، بهدف حماية الحياة الطبيعية في إسرائيل والدفاع عن البنى التحتية الوطنية الحيوية ومؤسسات الحكم من أجل المحافظة على تواصل دور وعمل الدولة. كذلك تضمن تفسير مصطلح الدفاع، عملية نقل السكان من مناطق الحرب إلى مناطق أكثر أمنا لتقليل الخسائر بصورة كبيرة.

ساحة المعركة

تحدثت استراتيجية إسرائيل الجديدة أن “العدو العربي” في السابق، تطلع إلى تحقيق حلمه القومي بحسم المعركة مع دولة إسرائيل لصالحه بواسطة جيوش نظامية. أما اليوم، فالعدو المذكور يتميز بصفات محلية ومذهبية وطائفية، ينتقل خلالها ما بين المعركة التقليدية، إلى معركة يدمج فيها الهجمات التقليدية مع الحرب الشعبية والعمليات الإرهابية والمعارك “الناعمة”، الأمر الذي حول المدن والتجمعات السكانية إلى ساحة حرب مركزية، كما هو الحال مع حزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة ومع السلطة الوطنية الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية.

ونتيجة للتطورات التكنولوجية والاليكترونية التي مر بها العالم خلال العقدين الماضيين، أصبح الفضاء الاليكتروني ساحة حرب جديدة، ما تطلب من إسرائيل تأسيس سلاح اليكترونيات، سيصبح قيادة رئيسية خاضعة لصلاحيات رئيس الأركان، يختص بتخطيط وتطوير قدرات تكنولوجية للتصدي للهجمات والقرصنة الاليكترونية من جميع الجهات المعادية، وشن هجمات مضادة بهدف إحداث شلل في مؤسسات الدولة المقابلة اليكترونياً.

وكان كسب الرأي العام العالمي خاصة الغربي منه ساحة معركة مهمة لإسرائيل، نظرا لمحاولة مؤسسات المجتمع المدني، وغيرها من الأحزاب والمجموعات المؤيدة لحقوق الإنسان، والمعادية للصهيونية والعنصرية، التأثير على شرعية إسرائيل في الغرب، من أجل مقاطعتها بهدف إجبارها على منح الفلسطينيين حقوقهم الوطنية والشرعية.

ورغم ورود هذه الساحة في الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، لكنها ركزت جهودها في محاربة محاولات مقاطعتها على اللوبيات الصهيونية القوية في أوروبا خاصة في فرنسا وبريطانيا، وعلى علاقاتها الخاصة بألمانيا وبعض دول أوروبا الشرقية.       

العلاقة بين المستوى العسكري وبين المستوى السياسي

تحدثت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة في فصل “نظرية القيادة والسيطرة وتنظيم الجيش الإسرائيلي للحرب”، أن هيئة الأركان العامة هي القائد الأعلى للجيش الإسرائيلي في دولة إسرائيل، وأن رئيس الأركان هو القائد العسكري لهيئة الأركان وهو القائد الوحيد للمعركة. وأن القيادة العامة هي المستوى الوحيد الذي يحق له التواصل مع القيادة السياسية والجهة الوحيدة المخولة بترجمة تعليمات المستوى السياسي لعمليات عسكرية. وأضافت الاستراتيجية، أن صلاحيات القيادة العامة لا يمكن توزيعها أو نقلها لقيادات الأسلحة الرئيسية.

في المجال المذكور أعلاه، لا بد من الإشارة إلى بعض النقاط المهمة في تركيبة نظام الحكم في لإسرائيل، المتمثلة بمايلي:

  1. أكدت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة أن رئيس هيئة الأركان هو القائد الأعلى للجيش، من دون أن تحدد سلطة عليا عليه، كما هو الحال في كثير من الدول الديمقراطية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، التي يعتبر فيها الرئيس أو رئيس الوزراء هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وليس رئيس الأركان.
  2. إضافة لذلك، لم تعطِ الاستراتيجية الجديدة للجيش رئيس الحكومة أو وزير الدفاع أية مكانة خاصة، واعتبرتهما جزءاً من الحكومة التي يخضع الجيش لصلاحيتها مجتمعة، وليس منفرداً. وهذا ما يفسر سبب الخلافات التي نشبت بين رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان السابق أمنون ليبكن شاحك في انتفاضة النفق (1998) حين طالب الأول من رئيس الأركان قصف مقرات السلطة الوطنية الفلسطينية بالطائرات ورفض ذلك. وحين اندلع نقاش حاد بين رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرط ورئيس الأركان السابق دان حلوتس في حرب لبنان الثانية (2006) حول تحقق أو عدم تحقق أهداف الجيش في لبنان، التي أكد خلالها رئيس الأركان أن الأهداف لم تحقق بعد، واستمرت الحرب.

وما انطبق على رئيس الوزراء، انطبق على وزير الدفاع، حيث رفض رئيس الأركان السابق غابي اشكنازي التوقيع أو استلام رسالة، موقعة من وزير الدفاع السابق إيهود براك بصفته القائد الأعلى للجيش الإسرائيلي.

  1. وفيما يتعلق بتوجيهات المستوى السياسي المطلوب من الجيش تنفيذها، فقد وضعت استراتيجية الجيش الجديدة معايير لكيفية صياغة الحكومة لتوجيهاتها مثل: تحديد الأهداف والاستراتيجية المطلوبة، ودور الجيش في تحقيقها، وكيفية استخدام الجيش في الحرب، ودور الجيش في استعمال الوسائل السياسية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية.

وأضافت الاستراتيجية الجديدة أن توجيهات الحكومة تُصَدر بعد شرح وحوار دائم بين المستوى العسكري الرفيع (رئيس الأركان) وبين المستوى السياسي. مع التأكيد أن التوجيهات السياسية هي الأساس في إجراءات التفكير الاستراتيجي في هيئة الأركان.

ووفق الاستراتيجية الجديدة للجيش الإسرائيلي، فإن العلاقة والتنسيق بين الحكومة وبين الجيش تتم فقط مع رئيس الأركان أو من يخوله بالإنابة عنه، ولا يحق للحكومة الاتصال بأي ضابط من دون موافقة رئيس الأركان.

  1. انعكس عدم وجود قيادة أعلى للجيش من رئيس هيئة الأركان، على عملية اتخاذ قرار الحرب. وهو موضوع لم تتطرق له الاستراتيجية الجديدة، ولم تشر إلى الجهة المالكة لهذا الحق. غير أن المعطيات والوقائع التي أدت إلى اندلاع ستة حروب عربية-إسرائيلية، وانتفاضتين، وعمليات عسكرية كبيرة مثل التي شنت على لبنان قبل حرب لبنان الأولى وبعدها، وعلى قطاع غزة بعد الانفصال أحادي الجانب، تشير بوضوح إلى دور الجيش في تصعيد الأوضاع وجرها نحو حرب محدودة أو شاملة كما درجت عليه حروب إسرائيل منذ عام 1948 حتى هذا اليوم.

وما يؤكد علو القيادة العسكرية، على القيادة السياسية في إسرائيل بشؤون الحرب هي، نتائج لجان التحقيق المختلفة، مثل لجنة أغرانات التي حققت في فشل إسرائيل في حرب تشرين الأول/ أكتوبر مع مصر وسوريا (1973)، ولجنة فينوغراد التي حققت بفشل إسرائيل في حرب لبنان مع حزب الله (2006)، اللتين حملتا نتائج الفشل إلى رئيس الأركان وغيره من الضباط لدورهما في عملية اتخاذ قرار الحرب والاستمرار فيها من دون أن تحمل المستوى السياسي أية مسؤولية عن ذلك.

خلاصة:-

أدى نشر استراتيجية الجيش الإسرائيلي في أواسط عام 2015، إلى إحداث ضجة في أوساط النخب الأمنية والأكاديمية العاملة في إسرائيل، وبدرجة أقل بكثير في أوساط بعض الأطراف العربية، خاصة الفلسطينية، الموجهة نحوهما.

ورغم الضجة، تجاهلت النخب الإسرائيلية، عدم اختلاف استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة، عن استراتيجية دافيد بن غوريون التي صاغها قبل أكثر من نصف قرن، عندما ذكرت بأن الهدف من اندلاع الحرب، هو إيجاد فترات هدوء أمني طويلة من أجل تطوير المجتمع وتحقيق منجزات علمية وتحسين الاستعداد لحالات الطوارئ والحرب القادمة. بمعنى آخر، تجاهلت النخب الإسرائيلية أن الاستراتيجية الجديدة للجيش، غاب عنها الهدوء من أجل السلام، وتمسكت باستراتيجية بن غوريون، الداعية إلى الاستعداد للحرب القادمة، مباشرة بعد انتهاء أي حرب عربية-إسرائيلية أو فلسطينية-إسرائيلية. وما شهدته الساحة الفلسطينية واللبنانية منذ عام 2000 حتى هذا اليوم لهو خير دليل على الاستراتيجية الجديدة-القديمة.

كما تجاهلت تلك النخب، الدور المهم والخطير الذي يلعبه الجيش، خاصة رئيس هيئة الأركان، في الحياة السياسية وفي عملية وضع الأهداف واتخاذ القرار في الحرب والسلم، بدولة ومجتمع يتشدقان صباح ومساء بأنهما مجتمع ونظام ديمقراطيان.

وعليه، وباستثناء النشر العلني لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي، فإن النظرية العسكرية الجديدة لم تحمل أي جديد، باستثناء التعديلات التي طالبت بها لجنتا مريدور عام (1986) وعام (2006) التي كان من أهمها ضم مصطلح الدفاع إلى جانب مصطلحات الردع والإنذار المبكر وحسم المعركة إلى الاستراتيجية الجديدة. ونتيجة للتطورات التكنولوجية والعولمة، أضيفت ساحتا حرب جديدتان هما (التجسس والقرصنة الاليكترونية والصراع من أجل اكتساب الرأي العام الدولي) وهي ساحات ليست مقتصرة على إسرائيل فقط، بل لكل دول العالم.

وفي الجانب العربي والفلسطيني، لا يبدو أن الاستراتيجية الجديدة للجيش الإسرائيلي أثارت الكثير من النقاش والجدل حولها، رغم ترجمة بعض المراكز البحثية العربية والفلسطينية لها. ولو أثير مثل هذا النقاش والجدل، خاصة من قبل النخب الفلسطينية، بما في ذلك النخب الحاكمة، لساعد ذلك في وضع استراتيجية فلسطينية تقلل من الخسائر البشرية والمادية، وتحافظ في نفس الوقت على المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني إلى حين تحقيق المطالب الوطنية المشروعة للفلسطينيين.

الهوامش:

[*] باحث في الشؤون الإسرائيلية ومترجم لغة عبرية، مقيم في رام الله-فلسطين.

[1]. الوثيقة من عمل هيئة الأركان لتطوير الأمن الوطني (وثيقة مريدور 2007).

[2]. عنبر إفرايم، جز العشب: استراتيجية إسرائيل في مواجهة الصراعات غير القابلة للحل، ص8، مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، جامعة تل-أبيب، 2013.

شؤون فلسطينية، العدد 262-263