رام الله- مركز الأبحاث م.ت.ف- على مدى أكثر من ساعتين التقى نحو ثمانية آلاف شخص قاموا بمتابعة محاضرة الكاتب اللبناني الفلسطيني القلب والحياة، الياس خوري، سارداً جوانب من تجربته البحثية والنضالية مع الحركة الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي تأسس عام 1965. وقال إنّ تأسيس المركز جاء بعد بدء الثورة الفلسطينية المسلحة، وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، في سياق استعادة الهوية، والثقافة، واللغة، للشعب الفلسطيني. وتم هذا في بيروت التي كانت تشكل حينها المركز الثقافي العربي.

روى خوري، المولود في منطقة الأشرفية في بيروت، كيف عاد من دراسته في باريس ذاهباً لمركز الأبحاث، في عمر 22 أو 23، دون سابق معرفة مع أحد هناك، واضعاً نصب عينيه أنّه ذاهب إلى “تحرير فلسطين”، انطلاقاُ من أهمية العمل الثقافي، غير المنفصل عن البندقية المقاومة. ويقول في مركز الأبحاث تعلمنا أنّ الثقافة في خدمة الناس، وخدمة الشعب، وكان البعد الأخلاقي من أهم سمات العمل.

انخرط تحت إدارة مدير المركز أنيس صايغ، الذي وصفه بالمدرسة الصعبة من حيث مدى اهتمامه ومتابعته للتفاصيل، ودقته. في الوقت ذاته، ورغم تبعية المركز لمنظمة التحرير، ورغم عضوية أعضائه في الفصائل، ومنها حركة “فتح” التي انتمى لها خوري، إلا أنّه كان فيه من استقلالية، وكان من فيه “نقدّيون”، ينتقدون أنفسهم، والتجربة الفلسطينية، وينتقدون القيادة، وذلك لإيمان فريق المركز أنّه جزء من “صنع ثورة”، وتوقف عند محطة نقاش كتاب لجلال صادق العظم، “نقد فكر المقاومة الفلسطينية”، حيث نظم المركز ندوة شارك فيها صلاح خلف (أبو إياد)، والعظم، وباحثين، ودار نقاش ثري جداً.

وكان العمل أشبه بورشة عربية، جوهرها فلسطيني، فيها كُتّاب ومؤرخين ومحللين من جنسيات مختلفة، وكان فيه أسماء كبيرة، مثل جلال صادق العظم، وأحمد خليفة، وهيثم الأيوبي، حيث كانت الثورة الفلسطينية مليئة بآلاف المناضلين العرب، بحيث كانت أشبه “بجامعة المناضلين العرب”. وأسرى محررين خرجوا من الأسر مثل أسعد عبدالرحمن، كما أن الشاعر محمود درويش، كان في البداية مسؤول عن كتابة تقرير شهري، باسم التقرير الإسرائيلي، قبل أن يصبح رئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية، ومدير عام المركز.

كان في المركز قسم للدراسات الإسرائيلية، وبداية عمل المركز واهتماماته كان الموضوع الإسرائيلي، تولاه صبري جريس الذي أصبح مدير عام المركز لاحقاً، واستمر في إدارته حتى تفجير إسرائيل وحلفاء له المركز ووقوع شهداء فيه، وكان يتم في المركز مراقبة ومتابعة الإذاعة الإسرائيلية. وكان هناك قسم للدراسات الفلسطينية، الذي كان من بين إنجازاته دراسات معمقة في المخيمات الفلسطينية، كل مخيم على حدة. وكان هناك قسم دراسات عسكرية، وآخر للدراسات الدولية، وكان هناك المكتبة والأرشيف.

كان عدد توزيع مجلة شؤون فلسطينية، يصل لثلاثين ألف نسخة، وهو رقم هائل بكل المقاييس.

استقال أنيس صايغ لخلافاته مع ياسر عرفات، ليتولى محمود درويش المركز، وكان الياس خوري معه، واستمر هذا حتى عام 1979، عندما حدثت حادثة أدت لتحقيق مع القائمين في المركز، وخلاف، تدخل فيه لحله صلاح خلف، واتضح لاحقاً أن سبب ما حدث اعتراضات تتعلق بكتابات الكاتب العراقي هادي العلوي، الذي أخذ خطاب نقدي حاد، مس ببعض الأجهزة، التي استهدفته.

بعدها ترك درويش وخوري العمل، ليعودا عام 1981 بالتنسيق مع القيادة الفلسطينية، لتأسيس وتحرير مجلة ثقافية هي “الكرمل”. ليعمل خوري في صحيفة السفير، بعد العام 1982، وتخصص في توثيق الاضطهاد الذي وقع له الفلسطينيون حينها، لدرجو خوف أهالي مخيم برج البراجنة، النوم في بيوتهم، خوفاً مما سيتعرضوا له.

من القصص التي توقف عندها خوري، أنّه كان في بداياته، وشارك في اجتماعات هيئة المركز، وكان لا زال متدرب يافع، واقترح إرسال فرق من المتدربين إلى المخيمات لتوثيق قصص النكبة، وحفظها في أرشيف، ثم إعطائها لكاتب روائي، يخرج منها “رواية عظيمة”،  مثل رواية الحرب والسلام، للكاتب الروسي ليو تولتستوي، وعندما سألوه من الذي تقترح أن يكتب الرواية، أجاب بكل “تكبر الأطفال” كما قال، “أنا” فضحك الجميع. لكن خوري عاد، بعد 25 عاماً، وقضى سبعة أعوام يجمع هذه القصص في المخيمات، ليصدر روايته الشهيرة عام 1998، باب الشمس، وليقول له أنيس صايغ أنه حقق المشروع فعلاً.

أصبح خوري روائيا يصدر مجموعات من الروايات، التي كانت بالغة الأهمية من حيث “مواجهة التراجع” بما تحمله من بُعد أخلاقي. وهذه الروايات التي هي جزء من الكتابة، التي هي أمرين “فعل أخلاقي” و”حب”، وكانت هذه الروايات كما يقول “جزء من حبي للناس”، متوقفا عند تفاصيل نماذج من أبطال رواياته مثل علي أبو طوق، ونبيلة سلباط برير، زميلته في المدرسة، وحيث كانت اول مرة يسمع شيئاً عن فلسطين، في بيتها، وقتلت الكتائب اللبنانية، عائلتها، فيما قتلت هي عام 1986، من أشخاص قريبون من حركة “أمل: وبعضهم في موقع مسؤولية الآن. وأصبح علي ونبيلة من أبطال رواية مملكة الغرباء. وهنا توقف خوري أنّه حبه بالأصل هو للفلسطينيين، منتقدا من يدعي حب فلسطين، والدفاع عنها، بينما يضطهدون الفلسطينيين، ويرتكبون مجازر ضدهم، ويطبعون مع إسرائيل بزعم حب فلسطين.

يقول أنّه وبخيار واعي، قررت أنّ الفلسطينيين أهلي، مثلما هم الناس في الأشرفية، في بيروت، حيث عاد ليعيش بين أهله، الآن. والقضية الفلسطينية هي قضية إنسانية، وقضية اخلاق إنسانية. وبرأيه هي قضية عدالة، وحرية، قبل أن تكون قضية دولة.

قال خوري أنّ لديه كتاب عنوانه “النكبة مستمرة”، وبرأيه أن النكبة عملية مستمرة لم تتوقف منذ العام 1948، والآن ربما “نحن في أعلى مراحل النكبة”، في فلسطين، والشتات، وفي المشرق العربي وملايين اللاجئين الجدد، السوريين والعراقيين، وتدمير بيروت الجديد.

 وختم خوري مداخلته، بالإشارة لرسالة أرسل بها لمحمود درويش، بعد أن عاد لفلسطين، وقال إنّ دورنا في الماضي كان فلسطنة العرب، والآن الدور تعريب الفلسطينيين، بمعنى إعادة الوصل بين فلسطين، ثقافياً، وسياسياً، مع العرب. وأكد أهمية هذه العلاقة الثقافية في الوقت الراهن.

في الحوار مع الجمهور، تحدث عن دور مجموعات من حركة “فتح” منع الاضطهاد بما في ذلك قصة الذهاب إلى وادي أبو جميل، وهو حي في بيروت لا يقطنه إلا يهود، وتم حمايتهم، وتوفير المواد التموينية لهم، على اعتبار أنه لا مشكلة مع اليهود باعتباره دين، ولكن مع الصهيونية، ولأنّ الخطأ ليس بقائهم في لبنان، بل في هجرتهم ضمن المشروع الصهيوني. وتحدث عن دور يهود في النضال الوطني اللبناني والفلسطيني. في المقابل وقع الحرب الأهلية اللبنانية خطأ “أهان الحس في العدالة” في قرية الدامور.

وفي سؤال عن كيف يقرأ غسان كنفاني الآن، فوصفه بكاتب عظيم، أثر فيه كثيراً، ولكنه ربما لو أعيدت كتابة روايته الشهيرة “رجال في الشمس”، التي كتبها كنفاني، وهو شاب، وفي وسط اندفاعة، “كان لهب”، لربما توضع تفاصيل مختلفة، وأخرى إضافية، مثلا ربما، بدل القول لماذا لم يدق الفلسطينيون في الرواية الخزان الذي ماتوا فيه، وهم في تهريبهم بحثاً عن العمل، ربما يقال أنهم دقوا ونحن لم نسمع، وربما يضيف تفاصيل لتصبح الرواية 800 صفحة بدل نحو 90 صفحة، لتضم تفاصيل عن أبطال الروايات من أين جاؤا، وما هي قراهم، ومدن وقصة تشردهم، ربما لو لم يذهب كنفاني لاعتبر جزء من قصصه وروايته مشروع روايات لاستكمالها، فرواياته “كانت أول الكلام”. ويقول الآن أنا بعمر والد، غسان عندما توفي، بعكس عندما بدأت قراءة غسان. هو “كتلة من النار تبحث كيف تتفجر”، ويبقى غسان “صرخة لا تذهب”.

وتأتي هذه الندوة في إطار برنامج الزمالة البحثية في الشأن الفلسطيني، الذي أطلقه المركز مؤخراً ويضم مجموعة من خريجي العلوم الاجتماعية والباحثين الشباب، ويشتمل على محاضرات ولقاءات مع مفكرين وباحثين، وتدريبات متخصصة وانتاج بحثي بإشراف متخصص.

يشار الى أن مركز الأبحاث نظم هذه الندوة بالتعاون مع المجموعة الأكاديمية لفلسطين (بالك) وبثت عبر تطبيق زووم وعلى منصات تلفزيون فلسطين و”طباق”.