
نظّم مركز الأبحاث الفلسطيني، اليوم، طاولة مستديرة ضمّت نخبة من الخبراء السياسيين والأكاديميين والصحفيين والمختصين بالشأن الإسرائيلي، لمناقشة التحولات الجارية في بنية المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، وانعكاساتها على مسار الصراع.
وقدّم الباحث إبراهيم ربايعة خلال الندوة ورقة بحثية تناول فيها ما وصفه بـ”التحول الهيكلي” الذي يشهده المشروع الاستيطاني منذ مطلع عام 2023، والذي تصاعد بشكل مضطرد مع اندلاع الحرب على غزة، مؤكداً أن هذا التحول يقود إلى الانتقال من “إدارة الصراع” إلى “الحسم” فيه، عبر ضم متسارع وإعادة هيكلة مكانية وفرض سيادة الأمر الواقع.
وأوضح ربايعة أن إسرائيل تسعى إلى بناء “دولة مستوطنين متواصلة” ذات حيازة شبه مطلقة على الأرض، مقابل حصر الفلسطينيين في معازل ضيقة تمنع جذرياً قيام دولة فلسطينية، مشيراً إلى أن مدينة جنين تقع في قلب هذه الهندسة الجديدة، من خلال تفكيك إرث خطة فك الارتباط لعام 2005 وإعادة فتح الباب أمام الاستيطان في حومش وسانور وغانيم وكاديم.
وتوقّف الباحث عند إعادة تشكيل “الوحدات التشغيلية” المسؤولة عن ملف الاستيطان بعد السابع من أكتوبر، وتراجع دور الجيش والإدارة المدنية لصالح منظومة مدنية-عسكرية مستحدثة، لافتاً إلى الدور المحوري الذي لعبه الوزير بتسلئيل سموتريتش والمستوطن هليل روث في هذا المسار.
كما عرضت الورقة لاستراتيجيتين متكاملتين تتبناهما إسرائيل بحسب ربايعة: الأولى “من الداخل إلى الخارج” (inside out) القائمة على الضبط البيروقراطي وتطويع التشريعات والسيطرة على التخطيط المكاني، والثانية “من الخارج إلى الداخل” (outside in) القائمة على تأمين بيئة الاستيطان عسكرياً، وفي مقدمتها عملية “السور الحديدي” التي استهدفت جنين وطولكرم منذ يناير 2025.
وتطرقت الورقة إلى الدور المحوري ليوسي داغان، رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة، في مشروع عودة الاستيطان إلى محيط جنين وسانور، وإلى التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لهذا المسار، وأبرزها تهديد قطاع الزراعة في سهول عرابة وصانور والأغوار، إضافة إلى خلق حالة دائمة من الهشاشة وعدم اليقين في علاقة الفلسطيني بأرضه.
واختتم الباحث ورقته بعرض عدد من السيناريوهات المحتملة لمآلات هذا المسار، تراوحت بين الضم الكامل، أو تجميد معلن مع استمرار هادئ للاستيطان، أو انفلات ميليشياوي يفضي إلى فوضى أيدلوجية، أو تفكيك المشروع برمّته، مرجّحاً أن يبقى المسار الحالي مرهوناً بمعادلة القوة والموارد والأهداف الإسرائيلية.
وشهدت الندوة نقاشاً موسعاً شارك فيه الحضور من الخبراء والأكاديميين والصحفيين، خلص إلى مجموعة من التوصيات السياساتية الهامة، شدّدت على ضرورة متابعة رصد هذه التحولات البنيوية في المشروع الاستيطاني أولاً بأول، وتطوير أدوات فلسطينية ودولية لمواجهة سياسات الضم الزاحف، وتعزيز جهود التوثيق والمناصرة القانونية والدولية في مواجهة تداعيات هذا المسار على الأرض والمجتمع الفلسطيني.

