أحمد جميل عزم

هناك ثلاثة أركان للسياسة الأميركية الرسمية الفعلية الحالية إزاء القضية الفلسطينية، هي: أولاً، أن فلسطين يجب ألا تكون القضية المركزية للشرق الأوسط. ثانياً، أن مبادرة سياسية وتسوية سلمية قد تأتي، وقد لا تأتي في المدى القريب، وقد تنجح أو تفشل، ولكن هذا لا يبرر أي رد فعل فلسطيني. ثالثاً، أن الأمر العاجل الوحيد الذي يمكن تقديمه للفلسطينيين هو تحسين الأوضاع المعيشية الاقتصادية، ضمن آلية تخدم أيضاً الاقتصاد الإسرائيلي، وبحيث يصبح الخلاص الفردي للأفراد الفلسطينيين هو الأساس. هذا المقال يدرس هذه الخطة، التي تغفل سياسات الأمر الواقع الإسرائيلية المتدرجة، ويتناول أيضاً الموقف العربي من هذه السياسات.

ما يقوم به الأميركيون، منذ بدء عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ببساطة هو تغيير الأولويات في الشرق الأوسط، أو المزيد من تغييرها، بحيث لا تعود الدولة الفلسطينية موضوعاً عاجلاً أو مُلحّاً، وبالتالي يتم تفكيك الكيانية الفلسطينية، والهوية الوطنية، تدريجيّاً، لصالح المشروع الإسرائيلي الصهيوني، الذي يستهدف كل الأرض الفلسطينية. وهذا يتم بخطة تجري على مستويين:

إقليميّاً، جعل إيران والإرهاب الأولوية، مع ضرورة “خلق” ثنائية وهمية تقول إنّ التصدي لهذين الملفين لا يمكن أن يحدث دون السلام مع الإسرائيليين، وإن الاهتمام بالقضية الفلسطينية غير ممكن بينما يتم التصدي لموضوعات مثل إيران.

فلسطينيّاً، يجري العمل على جعل الضائقة المعيشية هي الأولوية فلسطينيّاً. ومن هنا، فإنّ وقف المساعدات للسلطة الفلسطينية نوع من “إنضاج” الظرف لتعميق الضائقة الفلسطينية، في الضفة الغربية بشكل خاص، ووقف المساعدات لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، هو لتحقيق هدف مزدوج: القضاء على مؤسسية وديمومة قضية اللاجئين بانتظار حلها، والثاني تعميق الأزمة الحياتية للاجئين، تمهيداً لمقايضتهم حقوقهم الوطنية بمطالبهم الحياتية، وبحيث يؤدي اشتداد الضائقة في الضفة الغربية والشتات، إلى نضوج ظرف قبول النهج الأميركي الإسرائيلي، بتأجيل المطالب السياسية لصالح المطالب المعيشية. أما في قطاع غزة، فالاعتقاد الأميركي أنّ الظرف نضج بالفعل لهذا، ومن هنا، تعقد مؤتمرات أميركية لتنظيم مساعدات للقطاع، ويجري دعم وساطة مصرية وقَطَرية مع حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، تقايض المشاريع والمساعدات بالأمن الإسرائيلي، كما تلي الإشارة له لاحقاً.

لفهم الخطة الأميركية، التي تهدف بشكلٍ أساسي إلى تهميش الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإلغاء الحاجة أو الضغط من أجل الوصول إلى الدولة الفلسطينية، توجد ثلاثة عناوين لا بد من بحثها: الأول تحليل من يصنع السياسة الأميركية إزاء الشأنين الإسرائيلي والفلسطيني. والثاني التصور الأميركي للشق الإقليمي وعملية تغيير الأولويات. والثالث السياسة الأميركية مع الفلسطينيين، وأيضاً هنا يراد صناعة حاجات وأولويات جديدة لدى الفرد الفلسطيني.

من الذي يصنع القرار الأميركي إزاء الموضوع الفلسطيني؟

لعقود مضت، كان يُعتقد أنّ لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، التي تعرف إعلاميّاً أيضاً باسم اللوبي الإسرائيلي، هي العامل الأساسي والحاسم في صناعة القرار الأميركي في الشأن الإسرائيلي، وبالتالي الفلسطيني. وفي عام 2007، تأسست جماعة جديدة في الولايات المتحدة الأميركية، تسمىJ street (جي ستريت)، باعتبارها جماعة ضغط، أو لوبي، صهيونية كما هي أيباك، ولكنها تعلن أنها مؤيدة للسلام ولحل الدولتين. وكان تأسيس هذه الجماعة سبباً لتفاؤل قطاعات أنّ هناك تحولاً نحو قبول حل وسط للصراع العربي الإسرائيلي بين يهود الولايات المتحدة، وأنّ التأييد لم يعد أعمى ودون نقاش للسياسات الإسرائيلية بين الأجيال الجديدة من اليهود، الذين لم يعيشوا تفاصيل المحرقة النازية في الحرب العالمية الثانية، والذين شاهدوا عبر وسائل إعلام دولية والإعلام الاجتماعي مشاهد للسياسات القمعية الإسرائيلية.

نشر بيتر بينارت، الأكاديمي الأميركي اليهودي، عام 2010، دراسة تقوم على استطلاع رأي ميداني، وعنون دراسته بـ”فشل المؤسسة اليهودية الأميركية”، وتحدث فيها عن أن الجيل الجديد من الشباب اليهودي في الجامعات الأميركية، بات يتوانى عن الدفاع عن إسرائيل بشكل تلقائي، ودون تفكير كما كان في الماضي، وبات يتساءل عن صحة السياسات الإسرائيلية[1]. وأكد الأكاديمي رشيد الخالدي، الذي يُدرّس في جامعة كولومبيا، في معرض تعليقه على هذه الدراسة، عام 2010، أنّه يلاحظ الفرق بنفسه، ففي الثمانينيات كان الطلاب اليهود في المحاضرات الجامعية، يتصدّون بشكل سريع وتلقائي لأي نقد لإسرائيل، ولكن هذا تغير مع الوقت[2]. ولكن إذا كان الخالدي نفسه حذر من الإفراط بالتفاؤل حينها بالنسبة لهذه التحولات، فإنّ استطلاعات رأي أجريت في ذلك العام، أشارت إلى أنّ التغييرات نحو الموضوعية، وتقليص الدفاع الأعمى عن السياسات الإسرائيلية، محصورة في قطاعات اليهود غير المتدينين، وهي قطاعات واسعة نسبيّاً، ولكن يقابل ذلك أن نسبة التديّن تزداد بين اليهود الشباب، وهؤلاء أكثر اندفاعاً في الدفاع عن السياسة الإسرائيلية دون تفكير[3]. بمعنى آخر، فإن المشهد عام 2010، مع بدايات عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، كان في حقيقته استقطاباً في الشارع اليهودي الأميركي، بين ثلاثة تيارات، هي: التيار التقليدي المتمثل في أيباك، والثاني على يساره، ويوصف بأنه أكثر ليبرالية وتقبلاً لحل الدولتين، ورفضاً لسياسات اليمين الإسرائيلي، بقيادة بنيامين نتنياهو، والثالث اتجاه أكثر تديناً، كان حتى ذلك الوقت أقرب للارتباط مع أيباك. وكان لدى البعض تفاؤل أنّ التغيير في الشارع اليهودي الأميركي، أقرب للتسوية السياسية مع الفلسطينيين، على أساس حل الدولتين.

مع نهاية عهد أوباما، ومجيء عهد دونالد ترامب، يبدو الموضوع متغيّراً، فقد نشأ جناح يميني، على يمين أيباك، وأكثر تطرفاً، أو في الواقع، إنّه نشأ أيضاً نحو العام 2007، ولكن صعوده حدث في السنوات الأخيرة، قبيل فوز ترامب. هذا الجناح، أو جماعة الضغط، هو المجلس الإسرائيلي الأميركي IAC. وفي العام 2017، بدأ الحديث عنIAC  باعتباره بديلاً متشدداً لأيباك. وقد كان صعود هذا اللوبي، بعد أنّ تبناه وقدم الدعم له الملياردير اليهودي الصهيوني، شيلدون أديلسون، مالك نوادي قمار في لاس فيغاس، وحول العالم، الذي أصبح لاعباً أساسيّاً في السياسة الإسرائيلية، وفي صناعة القرار الأميركي تجاه الإسرائيليين وفلسطين.

على سبيل المثال لا الحصر، نشرت مجلة “فوروورد” الشهرية اليهودية، الصادرة في نيويورك، منذ العام 1897، تقريراً لها نهاية ذلك العام، عنوانه “خروج عن النص، أديلسون يصوّر IAC بديلاً متشدداً لأيباك”[4]. ونشرت صحيفة هآرتس، قبل شهر من قرار ترامب بشأن القدس، تقريراً بعنوان “أديلسون اختطف المجتمع الأميركي الإسرائيلي لأجندته اليمينية المتطرفة”. وفي هذا التقرير، جاء أن المجلس الإسرائيلي الأميركي، “جماعة ضغط جديدة تلتف على “أيباك”، وتفتت المؤسسة اليهودية”[5]. بقراءة تقرير هآرتس، بعد عام من نشره في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، يتضح التطابق بين سياسات هذه الجماعة، وممولها أديلسون، التي أوردتها الصحيفة، وما جرى فعلاً على الأرض، فقد جاء في الصحيفة: “إن IAC لن يكون شبيهاً بأيباك المرن. لن يؤيد حل الدولتين أو مواصلة المساعدات للفلسطينيين. (…) بل إن وعد أديلسون هو أنّ المجلس “لن يسأل حتى إذا كان يجب، أو لا يجب، أن ندعم إسرائيل”. أي أن الجماعة لن تناقش سياسات الحكومة، طالما أنّها تلتزم بمعتقدات أديلسون الجوهرية. ولا يمكن توقع أن تقوم أي جماعة يمولها أديلسون بدعم حكومة وسطية أو يسارية تأتي للسلطة في إسرائيل”. بل تكشف الصحيفة جانباً قد يكون حاسماً في استمرار سيطرة نتنياهو على أي انتخابات مقبلة، هي أنّ أديلسون يستهدف بشكل خاص تنظيم الإسرائيليين الذين هاجروا من إسرائيل للولايات المتحدة، أي يحملون الجنسية الإسرائيلية، ويمكن أن يشاركوا في الانتخابات الإسرائيلية، وعددهم بحسب الصحيفة بين نصف مليون ومليون شخص، يقدم لهم المجلس منذ العام 2015 دعماً ومساعدات، وبالتالي، هي لا تربط الأعضاء فقط بالموقف السياسي، بل أيضاً بالاحتياجات الشخصية والخاصة[6].

يدعم أديلسون نتنياهو بشكل خاص، فيما هناك توتر كبير شخصي بين نتنياهو والقادة التقليديين لليهود في الولايات المتحدة والعالم. وبحسب تعبير مقال نشر في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، “لم يعد قادة اليهود الأميركيون في جيب نتنياهو”، وأنّ “القيادة اليهودية الأميركية، حتى الجزء الأكثر مُحافظةً، بما فيه قادة أيباك، وأعضاء مجلس الشيوخ الأقل تقدمية (…)، باتوا حساسين لما يرونه ويسمعونه من عُموم اليهود الأميركيين غير السعداء بالأزمة في العملية السياسية التي تقودها حكومة نتنياهو”. ولكن كاتبة المقال ياييل باتير توضح أنّه مقابل هذا التوتر في العلاقة، فإنّ اليمين الأميركي يقدم دَعماً غير مسبوق لنتنياهو “منح الدعم لإسرائيل في الجناح اليميني في السياسة الأميركية في ذروته، ولكن أقل من 30 بالمئة من يهود الولايات المتحدة يميلون نحو الحزب الجمهوري”، وتُكمِل: “إسرائيل لا تَحتَمِل فُقدان يَهود الوِلايات المُتّحدة، بل وقيادتهم”. وكتب ناتان شارانسكي، رئيس الوكالة اليهودية العالمية لمدة تسعة أعوام، قبيل تركه منصبه في آب (أغسطس) 2018، أنّ الفجوة بين اليهود الأميركيين والإسرائيليين على أمور ثقافية وسياسية ودينية تزداد، واختار عنواناً لمقال مطوّل عن الموضوع هو: “هل يمكن للأميركيين والإسرائيليين اليهود أن يعملوا معاً كشعب واحد؟”، يتحدث فيه عن أنّ هناك توتراً استمر طويلاً “يهدد آفاق وجود مستقبل يهودي واحد”[7].

لا يعني ما سلف أن “أيباك” تحول لتأييد السلام، أو أنّه لا يدعم سياسات الحكومة الإسرائيلية، أو حتى إجراءات مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولكن من جهة، هناك خلافات تتعلق باتجاه المجتمع الإسرائيلي نحو المزيد من التعصب والتدين، حتى ضد اليهود الآخرين، وهذه هي قضية الخلاف الأولى التي يُفصّلها على سبيل المثال شارانسكي في مقاله سالف الذكر، مع الإشارة إلى أن شارانسكي نفسه حصل على دعم أديلسون، لدرجة استقالته من الكنيست الإسرائيلي عام 2006، ليتولى منصب رئيس “معهد أديلسون للدراسات الإستراتيجية”، الذي كان قد تأسس حديثاً في القدس حينها، وبقي فيه حتى وصل رئاسة الوكالة اليهودية عام 2009[8].

ويأتي الخلاف مع بعض الأجنحة اليهودية التي تخشى من تعنت نتنياهو السياسي ضد حل الدولتين، والذي أدى على سبيل المثال إلى خلافات كبيرة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما[9]، في مرتبة أقل أهمية من الخلافات حول القضايا الدينية والثقافية الإسرائيلية. ولعل شخصاً مثل شارانسكي غير سعيد بسياسات إسرائيل الدينية والثقافية، ولكنه متطرف مثلاً في دفاعه عن الاستيطان.

يمتاز شيلدون أديلسون وجناحه بأنه يرفض حتى مساءلة الحكومة الإسرائيلية، طالما أنّها بعيدة عن الاعتراف بدولة فلسطينية، وتسعى لتوسعة الاستيطان، ولضم الضفة الغربية، وما إلى ذلك من أجندة يمينية.

لم يكن دعم أديلسون لترامب وحملته الانتخابية بما يصل إلى 30 مليون دولار متعلقاً بصهيونية أديلسون وحسب، بل هناك قوانين ضريبية مررها له ترامب، عادت عليه بوفر مالي أضعاف ما استثمره في دعم ترامب، أو في الدعاية لتغيير قوانين الضرائب، وقد قدرت الوفورات التي حققها من قانون الضرائب الجديد، في العام 2018، من استثماراته في لاس فيغاس وحدها، بنحو 700 مليون دولار[10].

ونقلت تقارير إعلامية كيف غضب أديلسون في الأشهر الأولى من عهد ترامب، بسبب عدم نقل السفارة الأميركية للقدس، وعدم تعيينه أشخاصاً رشّحهم للإدارة، وبالتالي توقف عن دعم جماعات تدعم ترامب، من خارج الإدارة الأميركية[11].

وعندما أعلن دونالد ترامب في 6 كانون الأول (ديسمبر) 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وخططه لنقل السفارة الأميركية للقدس، سرعان ما ظهرت الأنباء عن دور شيلدون أديلسون في هذه العملية. وبالفعل، عندما افتتحت السفارة، كان أديلسون وزوجته يجلسان بالصف الأول في حفل الافتتاح، “في إشارة رمزية لمدى الدور الذي لعبه في الدفع لافتتاح السفارة”[12]، رغم عدم وجود صفة رسمية لهما، بينما وزراء ورسميون أميركيون وإسرائيليون في الصفوف الخلفية.

عدا هذا الخلط بين المال والسياسة وتحقيق قادة اللوبي الجديد الداعم لإسرائيل مكاسب مالية من إدارة ترامب، هناك أيضاً خلط آخر متمثل في البعدين العائلي والشخصي في تشكيل الفريق الصهيوني الذي يدير ملف إسرائيل.

مريم أديلسون، زوجة شيلدون، على سبيل المثال، هي عضو مجلس إدارة IAC في لاس فيغاس، وهي الرئيس الفخري للفرع، وهي حاصلة على بكالوريوس أحياء دقيقة وجينات من الجامعة العبرية في القدس[13].

لقد تم تبديل الوجوه الصهيونية التقليدية التي خدمت في إدارات أميركية متعاقبة منذ عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون على الأقل، مثل دينيس روس ومارتن إنديك، وظهرت وجوه جديدة مثل جاريد كوشنير وجيسون غرينبلات وديفيد فريدمان.

جاريد كوشنير ليس صهر الرئيس الأميركي ترامب، الذي تزوج ابنته التي تحولت لليهودية وحسب، بل إن نتنياهو صديق والده وعائلته الشخصي، لدرجة أن نتنياهو كان إذا زارهم في البيت، نام في سرير جاريد، الذي يذهب لينام في القبو، ولطالما شارك في نشاطات إسرائيلية واستيطانية، وقد جرى تعيينه من قبل ترامب مبعوثاً للشرق الأوسط[14].

أما جيسون غرينبلات، ممثل الرئيس الأميركي ترامب لشؤون المفاوضات الدولية، فهو محامي شركة ترامب، وقد سكن في الثمانينيات في مستوطنة في الضفة الغربية[15].

كذلك فإن ديفيد فريدمان، الذي عُين سفيراً في إسرائيل، هو محامٍ يهودي متخصص في قضايا الإفلاس، وهو مؤيد علني للاستيطان ورافض لحل الدولتين، سبق وكتب مقالاً يصف فيه اللوبي الإسرائيلي “جي ستريت”، المؤيد لحل الدولتين، أنهم أسوأ من حارس سجن نازي أثناء المحرقة. وسبق أن جمع عشرات ملايين الدولارات دعماً لبناء المستوطنات، وهو صديق شخصي لترامب منذ العام 2005، وعمل بشكل قريب في حملته الانتخابية مع غرينبلات[16].

أوكل لهذا الفريق ملف الصراع العربي الإسرائيلي والشرق الأوسط عموماً، وسحب من يدي وزارة الخارجية. وإذا كان ترامب هو أكثر رئيس غير مسؤول في تاريخ الولايات المتحدة خلال عامين فقط من تولي المنصب، بما في ذلك تغيير وزير الخارجية، ومستشار الأمن القومي، والنائب العام، وكبير موظفي البيت الأبيض (أكثر من مرة)، والممثلة الأميركية في الأمم المتحدة، ومستشارين عدة[17]؛ فإنّ الفريق الموكل في الملف الإسرائيلي، يبدو الأكثر ثباتاً واستقراراً، وعلاقته مع ترامب شخصية وإستراتيجية.

وهناك عدة وثائق تكشف طريقة عمل هذا الفريق لتهميش الموضوع الفلسطيني، وتحديداً إلغاء أو تمييع فكرة الدولة الفلسطينية، منها وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، واجتماعات اللوبيات الإسرائيلية، ومقابلات ومقالات صحفية أجراها هذا الفريق. وبشكل عام، يمكن القول إنّ خطة هذا الفريق تقوم على جعل إيران العدو الأول في المنطقة، والأهم تسويق فكرة أهمية السلام العربي الإسرائيلي لمواجهة طهران، وأنّ القضية الفلسطينية هامشية مقارنة بالقضية الإيرانية. ثانياً، أنّ مسألة تقديم صفقة أو اتفاقية نهائية للسلام ليست أمراً عاجلاً وحتميّاً، وأن العاجل هو تحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين عبر ربطهم أكثر بالاقتصاد الإسرائيلي.

لقد كانت سياسة دينيس روس وإنديك وآخرين لسنوات طويلة تبرير عدم التوصل لتسوية نهائية، مع تحميل الفلسطينيين مسؤولية ذلك واتهامهم برفض العروض الإسرائيلية والأميركية، ولكن سياسة الثلاثي الجديد في الإدارة الأميركية تتعدى هذا لمحاولة تسريع فرض الأمر الواقع على الأرض، ضمن رؤى حذّر حتى أمثال دينيس روس من أنّ الفلسطينيين لن يقبلوها، كما سيرد لاحقاً. وفيما يلي استعراض لهذين الشقين، في عمل هذه الإدارة:

إيران باعتبارها العدو رقم (1)

لقد كشفت إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، المعلنة نهاية العام 2017، عن الموقف الأميركي من موضوع إيران وإسرائيل بدقة، فقد جاء في الإستراتيجية: “لعدة أجيال، كان الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، يُرى باعتباره الملوم في منع السلام والازدهار في المنطقة. أما اليوم، فالتهديد من المنظمات الجهادية الإرهابية والتهديد من إيران، يخلقان إدراكاً أن إسرائيل ليست سبب مشاكل المنطقة. وتجد الدول بشكل متزايد مصالح مشتركة مع إسرائيل في مواجهة التهديدات المشتركة”[18].

اللافت أن “أيباك” في مؤتمره السنوي للعام 2018، اعتبر أن أحد أهم أهدافه للعام المقبل، هو “تطوير إستراتيجية شاملة إزاء إيران”. وقد شغلت إيران مكاناً متقدماً في هذا المؤتمر مطلع آذار (مارس)، وفي كلمات المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين[19]. هذه الإستراتيجية ليست مهمة لذاتها وحسب، بل وكما قالت نيكي هيلي المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة في لقاء تلفزيوني (مع شبكة (CNN، بعد أيام من قرار الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة إسرائيلية: “لدينا ما هو مشترك مع الجامعة العربية، أكثر بكثير مما كان لنا في أي وقت في الماضي، وهذا بشكل أساسي بسبب قتالنا مع إيران”. وأضافت: “ما يهمهم بشكل أساسي، وقمة أولوياتهم، إيران، ونحن في تناغمٍ معهم”[20].

وبرزت مواقف عربية عدّة، تقترب في معناها من إعطاء مصداقية لمزاعم هيلي أنّ الموضوع الإيراني سيقلل من الاهتمام بشأن القدس، فعلى سبيل المثال، كتب وزير الخارجية البحريني، خالد آل خليفة، تغريدة على تويتر باللغة الإنجليزية، جاء فيها: “ليس مفيداً الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية بسبب قضية جانبية، بينما نواجه معاً الخطر الواضح والراهن للجمهورية الإسلامية الثيو- فاشية”[21]. مثل هذا التصريح وهذه المواقف، لم تلغ أن ردة الفعل العربية رسميّاً وشعبيّاً، كانت في محصلتها تقطع الطريق على سيناريو تهميش فلسطين والقدس لصالح المواجهة مع إيران (انظر بحث رزق سمودي في هذا العدد).

لقد استمرت مواقف عربية تدعو لتهميش الخلاف مع إسرائيل بل وإبرام سلام معها. ولكن في الوقت ذاته، كانت هناك علامات تأنٍّ عربي، ورفض للاندفاع باتجاه التخلي، على الأقل سياسيّاً وإعلاميّاً، عن تعريف فلسطين باعتبارها القضية المركزية. ومن أمثلة الاتجاه الغربي للربط بين موضوعي إيران وإسرائيل، نص سؤال مجلة “أتلانتك” لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي نشر مطلع نيسان (أبريل) 2017، فقد جاء السؤال كما يلي: “هل تعتقد أنّ إيران تقربكم أنتم وإسرائيل من بعض؟ وهل من دون إيران، يمكن أن تتخيل وضعاً آخر، يمكن أن تكون فيه مصالح مشتركة مع إسرائيل؟”. هذا السؤال في الواقع لا يرمي فقط إلى استكشاف ما إذا كانت إيران قد تسبب تقارباً عربيّاً إسرائيليّاً، وحسب، باعتبارها خطراً مشتركاً، ولكن أيضاً فيه تحفيز على السؤال عن مصالح أخرى، ربما الاقتصاد. ردُّ ولي العهد السعودي لم يواجه الموضوع الإيراني، ولكنه لم يقرّه أو ينفيه، وصرّح في الشأن الاقتصادي، فجاءت الإجابة عن الشق الثاني من السؤال، دون الأول، كما يلي: “إسرائيل اقتصاد كبير مقارنة بحجمها، وهي اقتصاد نامٍ، وبالتأكيد هناك الكثير من المصالح التي نتشاركها مع إسرائيل، وإذا كان هناك سلام، فسيكون هناك الكثير من المصالح بين إسرائيل وبلدان مجلس التعاون الخليجي، ودول مثل مصر والأردن”[22]. هذه الإجابة في الواقع لا تبتعد كثيراً عن الموقف العربي منذ مبادرة السلام العربية، أي أن التطبيع سيأتي بعد السلام، وهي تبتعد عن منطق تهميش القضية الفلسطينية (رسميّاً على الأقل) لصالح إيران.

على المستوى الشعبي العربي، هناك أيضاً من “تلقف” الفكرة ودافع عنها، مثلا، كتب الكاتب أحمد الجميعة، يوم 14 نيسان (أبريل) 2018، في صحيفة الرياض، مقالاً قال فيه: “اليوم لا خيار أمام العرب سوى المصالحة مع إسرائيل، وتوقيع اتفاقية سلام شاملة، والتفرغ لمواجهة المشروع الإيراني في المنطقة”[23]، وطالب القمة العربية، التي نُشرَ المقال قبل يوم من انعقادها في الظهران بالسعودية، بتبني هذا الموقف”.

بدوره، قال الضابط السابق ورئيس مركز الشرق الأوسط للأبحاث في السعودية، أنور عشقي: “إسرائيل عدو مظنون وإيران عدو مضمون”، بمعنى أنّه يريد القول إنّ إسرائيل لم تهاجم السعودية مباشرة، “فهي لم توجه صواريخها نحو مكة أو ترسل الإرهابيين إلى المدينة المنورة للتفجير، لذلك، يمكن اعتبارها عدوّاً مظنوناً، بينما هي للفلسطينيين عدو مضمون نظراً للانتهاكات الحاصلة، وعدم تقيدها بالاتفاقيات”. ولكنه أكد أن التعامل مع إسرائيل سيكون بعد تطبيق مبادرة السلام العربية: “لن نقف مع إسرائيل ولن نتعامل معها حتى تطبق المبادرة”، مضيفاً: “عندها، لن يجد تجار القضية والتجار بدماء الفلسطينيين مكاناً لهم”[24].

جاءت قمة الظهران العربية، في 15 نيسان (أبريل)، في الاتجاه المعاكس لطروحات “تمييع” الموضوع الفلسطيني، عربيّاً رسميّاً وجماعيّاً. فقد حملت القمة اسم “قمة القدس”، وذلك استجابة من السعودية والدول العربية لرغبة فلسطينية. وأكد الرئيس الدوري للقمة، العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، أنّ “فلسطين قضيتنا الأولى”. وتضمّن بيان القمة، 29 فقرة، خصصت سبع فقرات للقضية الفلسطينية والقدس، وجاءت هذه الفقرات في بداية البيان، بينما مست أو تناولت ستة قرارات، إيران وسياساتها في المنطقة، وجاءت في الترتيب الثاني، ثم قرارات أخرى.

بغض النظر عن مستوى الدعم الفعلي العربي للقضية الفلسطينية، ومدى جديته، إلا أنّ القمة العربية وسلسلة مواقف لاحقة، أثبتت أنّ الموقف العربي لم يصل بعد درجة التصريح العلني بأولوية الشأن الإيراني على غيره، لكن دون إغفال مؤشرات ومواقف متناثرة بهذا الشأن.

اللافت أنّ الأهمية التي حظيت بها القضية الفلسطينية في القمة العربية، تم إهمالها في الصحافة الإسرائيلية، وتقديم عناوين تؤكد أنّ إيران كانت الموضوع الأهم فيما حدث. فمثلاً، كان عنوان صحيفة “جيروزاليم بوست”، هو: “ملك السعودية يشجب إيران وسط انقسام حول ضربات سوريا”[25]. وحتى هآرتس، اليسارية المعارضة، جعلت القدس والقرارات بشأنها داخل النص، وجعلت العنوان: “العربية السعودية تحاول توحيد العالم العربي ضد إيران في القمة العربية السنوية”[26]. وصحيفة تايمز أوف إسرائيل، كتبت: “الملك السعودي يتحرك ضد “التدخل الصارخ” لإيران في الشؤون العربية”، وأبقت موضوع القدس للتفاصيل[27].

هذه التغطية الخبرية، وقبلها تصريحات هيلي، ومداولات جماعات الضغط الإسرائيلية الأميركية، توضح أنّ جزءاً على الأقل من التركيز على الموضوع الإيراني هدفه حرف الانتباه عن الموضوع الفلسطيني، أي جعله غير أساسي، وجعل التناقض الأساسي والأولوية لمسألة إيران، مع تأجيل أو تهميش قضية كالدولة الفلسطينية. وما زال الموقف العربي الرسمي لا يعلن مثل هذا الموقف، ولكن الموضوع الإيراني بات ينظر له بشكل متزايد، وكأنه مرتبط بالموضوع الفلسطيني، أي أنّ الموقف ليس مثلاً وجود خطرين يتهددان العرب، الأول الاحتلال الإسرائيلي، والثاني إيران، بل يراد تسويق مقولة أنّه لا بد من تهميش أحدهما لأجل الآخر.

إعادة تعريف القضية الفلسطينية لتصبح مسألة “أجور”

عانى الفلسطينيون منذ العام 1948 من المحاولات الدولية لجعل قضيتهم مسألة لاجئين يحتاجون إغاثة، وليست مسألة حق تقرير مصير وعودة ودولة. ولم يجر تجاوز هذه المسألة إلا في السبعينيات، بعد صعود منظمة التحرير الفلسطينية. الآن، تريد الإدارة الأميركية إعادة تصوير الأمر وإعادة تعريف القضية باعتبارها قضية إغاثة، بل وإغاثة مشروطة بحسن السيرة والسلوك.

يمكن العثور على تفاصيل عملية إعادة التعريف هذه في تصريحات جاريد كوشنير وجيسون غرينبلات. فمثلاً، قال كوشنير في مقابلة صحافية، في صحيفة القدس المقدسية، في شهر حزيران (يونيو) 2018[28]، قال فيها: “أعتقد أن الشعب الفلسطيني أقل اكتراثاً في الحوار بين السياسيين، وأكثر اهتماماً ليرى كيف ستوفر هذه الصفقة له وللأجيال المستقبلية فرصاً جديدة، والمزيد من الوظائف ذات الأجور الأفضل وآفاق الوصول إلى حياة أفضل. كل واحدة من القضايا السياسية مثيرة للجدل، وهناك أشخاص من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني سيعارضون أي حل وسط”.

ويدل هذا التصريح على أن كوشنير يعتقد أن “أجوراً أفضل” هي الأساس بالنسبة للفلسطينيين. وقال إن خطة السلام التي يشارك في إعدادها، والتي هي “على وشك الانتهاء”، “ستؤدي إلى فرص جديدة له ليحقق حياة أفضل بكثير”، واعترف أنّ ما يعمل عليه هو اقتصادي، فقال: “نقاط الصفقة الفعلية هي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن الخطة الاقتصادية التي نعمل عليها يمكن أن تُظهر ما يأتي كجزء من صفقة، عندما يتم تحقيقها مع بعض الاستثمارات الضخمة التي تمتد إلى الشعبين الأردني والمصري أيضًا. لقد أدى هذا الصراع إلى إرجاع المنطقة بأكملها إلى الوراء، وهناك الكثير من الإمكانات غير المستغلة التي يمكن المبادرة بها إذا تحقق السلام”.

حتى دينيس روس شكك في احتمال نجاح هذه الفكرة، وقال إنه رغم جاذبية الموضوع الاقتصادي للفلسطينيين، فإنّ “القادة في دول الجوار العرب سيطلبون تسوية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين ليستطيعوا تأييد صفقة بقيادة أميركية”[29].

إذا كان من غير المستبعد أن الرسالة التي أراد كوشنير إيصالها من مقابلته مع القدس، مُنسّقة مع فريق العمل الأميركي في إدارة ترامب الخاص بالملف الإسرائيلي الفلسطيني، فإنّ شريك كوشنير في هذا الفريق، غرينبلات، أعاد نشر المقابلة في تغريدة على “تويتر”. والأهم أنه نشر مقالاً لم يثر ضجة، كما فعلت مقابلة كوشنير، ربما لأنّ المقال بالإنجليزية، ونشر في صحيفة إماراتية، فيما قد يكون مقصوداً منه أيضاً، لمخاطبة جمهور مختلف.

في مقالة غرينبلات، تتمة لما قاله كوشنير، ولكن إذا كان الأخير قد قال إنّ مبادرة سلام على وشك أن تعلن، فإنّ غرينبلات قال إنّها قد لا تعلن، وإن هذا ليس مهمّاً. لقد كان عنوان مقاله “الفلسطينيون بحاجة لما هو أفضل من المواقف المتكلسة التي لم تحقق السلام ولا وظائف ولا فرصاً”[30]. ويقول في المقال: “بينما ينتظرون حلاًّ سياسيّاً محتملاً، فإنّه وقت مهم لبناء اقتصاد فلسطيني وإعطاء الفلسطينيين الفرص التي يستحقونها”. ويرد على من انتقدوا هذه الفكرة سابقاً، ويقول: “نعرف أن الفلسطينيين لا يريدون مجرد سلام اقتصادي”، ويتهم القيادة الفلسطينية أنها تريد “منع الفلسطينيين من أن يصبحوا مرتاحين جدّاً اقتصاديّاً، لئلا يفقدوا اهتمامهم بالقضية الفلسطينية”. ويقول إنّ القيادة الفلسطينية “ترفض العمل مع الإسرائيليين لمصلحة الفلسطينيين العاديين”، وإنّ الفلسطينيين “بحاجة لمساعدة اقتصادية، سواء تم التوصل لاتفاق أم لم يتم”.

هو يريد وضعاً مفتوحاً على الحل أو عدم الحل، ولكن في الحالتين، يريد الفلسطينيون جزءاً من العجلة الاقتصادية الإسرائيلية، ليس كشريك أو قائد محتمل لهذا القطاع، بل كموظفين وعمّال. يقول: “قطاع تكنولوجيا المعلومات في غزة والضفة الغربية لديه فرصة عظيمة ويمكن أن يتطور من دون الارتهان للقضايا السياسية الأساسية المستمرة للصراع”، ويضيف “نؤمن أنّه إذا بدأنا تحسين الاقتصاد بينما نعمل على خطة سلام، واستمررنا في ذلك خلال الفترة المنشودة للمفاوضات، فإنّ لدى الفلسطينيين كل شيء ليكسبوه”. ويوضح: “إذا تمكّنا من التوصل إلى اتفاقية سلام، فإنّ حقل التكنولوجيا الفلسطيني سيكون متقدماً اللعبة”. في الحالة الأخرى، يقول: “إذا فشلنا في جهود السلام، فإنّه في الحد الأدنى تكون حياة الفلسطينيين قد تحسنت”.

يوضّح غرينبلات أنه تابع وأشرف على برنامج شارك فيه رجال أعمال أميركيون وإسرائيليون وفلسطينيون، يستهدف تأمين مئات فرص العمل في الضفة الغربية، عبر تأسيس مخيمات تدريبية لطلاب السنة الرابعة في تخصصات التكنولوجيا من الفلسطينيين، وقال إنّ “رجال الأعمال والفلسطينيين العاديين أحبوا الفكرة”، ولكن تم فقدان الفرصة بسبب رفض القيادة الفلسطينية لها، بذريعة أنّ “هذا تطبيع وأن الإسرائيليين يريدون عمالة رخيصة وحسب”. وبزعمه، فإنّ “فلسطينيين موهوبين متاحون وتوّاقون للعمل مع مستثمرين إسرائيليين تواقين وقويين، وربما مستثمرين وشركات خليجية، للمساعدة في بناء الفرصة”. ويقول إنّ نتيجة رفض القيادة الفلسطينية، هي أنّ “الفرص للفلسطينيين العاديين ضاعت، وأن عدداً أكبر من الشباب الفلسطيني لم يتمكنوا من الحصول على فرص عمل مُرضية. أما قطاع الأعمال الإسرائيلي، فببساطة، أعطى الوظائف لمواهب في أماكن أخرى”، وتساءل: “كيف يساعد هذا الفلسطينيين؟”.

واعتبر غرينبلات أنّ ما تقوم به القيادة الفلسطينية، ليس في مصلحة الشعب الفلسطيني، ولا يتفق مع الاتفاقات المبرمة مع الإسرائيليين، وليس في مصلحة المانحين الدوليين.

وما يطرحه غرينبلات، هو ببساطة جعل نيل الفلسطينيين حقوقاً وطنية وسياسية واستقلالاً، بما في ذلك الاستقلال الاقتصادي، أمراً خاضعاً للمفاوضات أو للمجهول، في المقابل، هو لا يطرح أن يشكل الفلسطينيون قطاعات اقتصادية منتجة وناجحة وعاملة، وأن تكون لهم مثلاً حرية تطوير قطاع الاتصالات، بل يختزل ما تفعله القوة العظمى والمجتمع الدولي، ببرنامج تدريبي لتأمين فرص عمل. وبطبيعة الحال، إن تكملة المشهد التي لم يذكرها غرينبلات أنّ جزءاً مهمّاً من فرص العمل المقترحة هي في المستوطنات، هو يقول “إنّ 136 ألف فلسطيني يذهبون للعمل في إسرائيل كل يوم، لأنّه توجد فرص هناك. ولكن هؤلاء بشكل عام عُمّال. كم عدد الآخرين الذين يمكنهم العمل في مايكروسوفت وغوغل، وفي شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، الآن وفوراً؟”.

أحد المشاريع التي تشكل بوضوح جزءاً من خطة غرينبلات، هي على سبيل المثال، مشروع أعلن في شهر آذار (مارس) 2018، بعد لقاء بين وزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون ووزير الخزانة الأميركي ستيفن منوخن، لإقامة “مركز تجاري وصناعي” في مستوطنة “تنيه عمرميم” في جبل الخليل، بهدف “توفير فرص عمل للفلسطينيين ودعم الاقتصاد الإسرائيلي”، وقد اجتمع كحلون ومنوخن وغرينبلات لمناقشة الملف، وأوضح الوزير الإسرائيلي أنّ المشروع جزء من مشروع “في السامرة (شمال الضفة الغربية) هدفه تقوية الاقتصاد الإسرائيلي والمساهمة في الأمن الإسرائيلي”، وأنه سيمتد في “يهودا” أي جنوب الضفة الغربية والخليل، وأنّ المشروع سيكون “مجمعاً حديثاً، صناعيّاً وفي قطاع التكنولوجيا المتقدمة hi-tech، ومكاناً للتدريب والتجارة والسياحة”. وسيشتغل فيه في البداية نحو 9000 شخص، مع استهداف 15 ألفاً في عام 2020، وأنّ هذا نموذج من مشروع السلام الأميركي المتوقع طرحه[31].

في ذات السياق، أُعلن في مؤتمر في تل أبيب، مطلع تموز (يوليو) 2018، عن احتمالات سد النقص في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، من أيدٍ عاملة في نابلس والخليل ورام الله وباقي الضفة الغربية، ومن قطاع غزة. وقال أحد المدراء في شركة تكنولوجيا إسرائيلية كبيرة: “بإمكانك أن تعين ثلاثة مهندسين فلسطينيين بأجر مهندس إسرائيلي واحد”[32].

بجانب مثل هذه الأفكار، أوقف الأميركيون المساعدات للسلطة الفلسطينية، بعد الموقف الفلسطيني الرافض للخطوة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيلية، ورفض المفاوضات برعاية أميركية منفردة، وحتى أوقفت مساعدات للمستشفيات الفلسطينية ولوكالة غوث وتشغيل اللاجئين. في المقابل، نظم غرينبلات نفسه، مع شريكه جاريد كوشنير، مؤتمراً في البيت الأبيض، يوم 13 آذار (مارس)، جمع فيه ممثلين من 20 دولة، بمن فيهم الإسرائيليون، وبغياب الفلسطينيين، وكانت المحصلة التي أعلنها البيت الأبيض، أن المؤتمر اتفق على أن “الوضع في غزة يجب أن يحل لأسباب إنسانية ولضمان أمن مصر وإسرائيل، ومن الضروري أيضاً التقدم للأمام للوصول لاتفاقية سلام شاملة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بمن فيهم الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية”[33].

ولا يبتعد التصور الأميركي لغزة عن الضفة، ففي مقابلة “القدس” سالفة الذكر مع كوشنير، قال: “الطريق الوحيد لشعب غزة هو تشجيع القيادة على السعي إلى وقف إطلاق نار حقيقي يمنح إسرائيل ومصر الثقة لبدء السماح لمزيد من التجارة والسلع بالتدفق إلى غزة، هذه هي الطريقة الوحيدة لحل المشكلة من خلال ما رأيته”.

ليس هناك حديث أميركي حقيقي أو مفصل عن عملية سلام أو بناء دولة فلسطينية أو استقلال، بل عن كيف يجري تأمين فرص عمل وبضائع وتجارة للفلسطينيين، عبر مُشغلين إسرائيليين، وربما باستثمارات من دول الخليج العربية والعالم، بهدف: أولاً، جعل القضية الفلسطينية مسألة اجتماعية معيشية إنسانية، وثانياً، دمج إسرائيل بالمنطقة العربية، بحيث تكون الأموال والاستثمارات خليجية وعالمية والأيدي العاملة فلسطينية وعربية، بمُلكية وإدارة إسرائيلية.

يحتاج الفلسطينيون أولاً لخطة عمل، ربما تتضمن لقاءات سياسية وندوات فكرية وإعلامية، بأنّه لا توجد ثنائية اسمها إيران أو إسرائيل، قد تشكل كل منهما تحدياً بحد ذاته، يحتاج للتوقف عنده. وربما تجدر معرفة أن عدم اهتمام العالم بحل القضية الفلسطينية يتحول لورقة بيد السياسة الإيرانية.

إلى ذلك، فإنّ الاقتصاد الفلسطيني لديه إمكانيات هائلة، بعيداً عن الاحتلال، في قطاعات عديدة، منها السياحة وغيرها، التي لن تزدهر فلسطينيّاً إلا بحل الصراع وإنهاء الاحتلال (انظر دراسة رائد حلّس في هذا العدد). ولا يحتاج الفلسطينيون أن يكونوا جسراً للعالم العربي، كما يريد الفريق الأميركي، يمر من فوقهم وعبرهم الإسرائيليون، بل يمكن لدولتهم المستقلة أن تنفتح على كل الدول العربية، وتحقق نجاحها الحقيقي. وبالتالي، يجدر بالفلسطينيين التصدي لطروحات غرينبلات وكوشنير الاقتصادية، بخطتهم الاقتصادية. كما يجب التغلب على تهميش غرينبلات وكوشنير لقضايا مثل الاستيطان والحواجز ومنع الفلسطينيين من مظاهر السيادة، كالسيطرة على الحدود والمطارات، إذ بدون معالجة كل هذا، لا يمكن أن تصبح “الحياة أفضل” فعلاً، وعلى المدى الإستراتيجي.

الهوامش

[1] Peter Beinart, The Failure of the American Jewish Establishment, The New York Review of Books, 10 June 2010.

[2]  مقابلة مع رشيد الخالدي، بعنوان “تراجع تأثير الهولوكوست والتمييز العنصري، رشيد الخالدي: تغيّر موقف المجتمع اليهودي الأميركي لا زال في البدايات، مجلة آفاق المستقبل، العدد 6، تموز (يوليو)- آب (أغسطس) 0201.

[3]  المرجع السابق.

[4] Josh Nathan- Kazis, Breaking with Script, Adelson Portrays IAC AS a Hardline AIPAC Alternative, 5 November 2017.

[5] Chemi Shalev, Adelson Has Hijacked the Israeli-American Community for His Hard-right Agenda, Haaretz, 7 November 2017.

[6] Ibid.

[7] Natan Sharansky, Can American and Israeli Jews Stay together as One People? Mosaic Magazine, 9 July 2018.

[8] Natan Sharansky, Honorary Member, The Jewish Agency For Israel, Accessed 12 December 2018:

http://www.jewishagency.org/executive-members/natan-sharansky-honorary-member

[9] Peter Baker, For Obama and Netanyahu, a Final Clash After Years of Conflict, The New York Times, 23 December 2016.

[10] Jim Tankersley and Michael Tackett, Trump Tax Cut Unlocks Millions for a Republican Election Blitz, The New York Times, 18 April 2018.

[11] Alex Isinstadt, Republicans sound alarm on Trump’s troubles ahead of 2018, Politico Magazine, 24 April 2018.

[12] Noa Landau, ‘Thus Says the Lord’: Religious Tune at Jerusalem Embassy Opening Drowns Out Protests, Haaretz, 15 May 2018.

[13] Miriam Adelson, IAC Las Vegas Council Member and Chairwoman Emeritus, IAC, Israeli American Council,

https://www.israeliamerican.org/las-vegas/team-member/dr-miriam-adelson

[14] Ron Kampeas, When Netanyahu Slept at the Kushner, Media Tales of Trump’s Jewish Confidants, The Jerusalem Post, 14 February 2017.

[15] Tally Krupkin, Trump Names Jason D. Greenblatt, His Company Lawyer, Special International Negotiations Representative, Haaretz, 24 December 2016.

[16] Daniel J. Solomon, Meet David Friedman Bankruptcy Lawyer Trump Possible Israel Ambassador, Forward, 16 December 2016.

[17] The White House revolving door: Who’s gone?, BBC, 9 December 2018.

https://www.bbc.com/news/world-us-canada-39826934

[18] The National Security Strategy of the United States of America, The White House, December 2017.

[19] Ron Kampeas, 6 things to watch for at the AIPAC policy conference, Jewish Telegraph Agency (JTA), 28 February 2018.

[20] Alan Yuhas, US seeks to quell global outrage over Jerusalem: ‘The sky hasn’t fallen’, The Guardian, 10 December 2017.

[21] خالد بن محمد, @khalidalkhalifa, twitter, 20 December 2017.

[22] Jeffery Goldberg, Saudi Crown Prince: Iran’s Supreme Leader ‘Makes Hitler Look Good’, The Atlantic, 2 April 2017.

 أحمد الجميعة، قمة الظهران.. سلام مع إسرائيل ومواجهة إيران، صحيفة الرياض، 14 نيسان (إبريل) 2018.[23]

[24] أنور عشقي: إسرائيل عدو مظنون وإيران عدو مضمون، موقع روسيا اليوم، 4 أيار (مايو) 2018.

[25] Saudi King Condemns Iran amid Arab Division over Syria Strike, Jerusalem Post, 15 April 2018.

[26] Saudi Arabia Tries to Unite Arab World Against Iran at Annual Arab League Summit, Haaretz, 15 April 2018.

[27] Saudi king rails against ‘blatant interference’ by Iran in Arab affairs, Times of Israel, 15 April 2018.

[28]  لنص المقابلة، انظر في حوار شامل مع رئيس تحرير “القدس” وليد أبو الزلف. كوشنير: مستعد للعمل مع الرئيس عباس وأؤمن أنه ملتزم بالسلام، صحيفة القدس، 24 حزيران (يونيو) 2018.

[29] David M. Halbfinger, Jared Kushner Criticizes Abbas, Questioning His Ability to Make Peace, The New York Times, 24 June 2018.

[30] Jason Greenblatt, Palestinians Deserve better than Calcified Positions that have failed to bring Peace, Jobs or Opportunity, The National 1 December 2018.

[31] Ofer Petersburg, Israeli- Palestinian hi-tech hub heading to West Bank, Ynet, 9 March 2018.

[32] Rafaella Goichman, Palestinia High- tech Workers Plugging to Israel Tech Staff, Haaretz, 4 July 2018.

[33] Statement: Readout of the Gaza Conference at the White House, The White House, 14 March 2018.

للتحميل اضغط هنا