صلاح الدين جابر*

 

شكل تأسيس الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي (PICA ) نقطة تحول مهمة في الدبلوماسية الفلسطينية من خلال استثمار التنمية والتعاون الدولي كعامل تأثير لجلب المساندة السياسية، وبرز تأثير الوكالة في إفريقيا وحققت مرتكزاً للتأثير الدبلوماسي وكسب الدعم الافريقي في المنصات الدولية، في المقابل كانت إسرائيل قد عمدت لاستثمار ذات المساحة من خلال وكالتها المتخصصة في التنمية الدولية، والتي قدمت المساعدات والدعم للعديد من الدول الإفريقية، إلى جانب أدوات اختراق سياسية أخرى كالتبادل التجاري والعلاقات العسكرية.

لكن ورغم فوارق في حجم الاستثمار بين الوكالتين وفوارق الإمكانات الدبلوماسية، إلا أن  فلسطين ما زالت تحظى بدعم سياسي قوي في القارة السمراء، مقابل محدودية اثر التغلغل الإسرائيلي على الدعم الافريقي لإسرائيل، خاصة في المنظمات الدولية وعمليات التصويت على القرارات ذات الصلة بالصراع، دون أن يعني هذا عدم تقدم إسرائيل ومواصلتها السعي لاختراق افريقيا.

مقدمة

تختلف زوايا نظر دول العالم إلى القارة الإفريقية وفقا للمصالح المنفردة لكل دولة، إلا أن ثمة قاسم مشترك في النظرة الفلسطينية والإسرائيلية إلى القارة الإفريقية باعتبارها قوة عددية  numerical force وذخيرة للمواجهة في المحافل الدولية، إذ يبلغ عدد دول القارة الإفريقية 54 دولة منها 45 دولة تمثل تكتلا سياسيا مندرجا تحت قبة الاتحاد الإفريقي، لم تكن هذه القوة في حالة استقرار وثبات في العلاقة ما بين طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، نتيجة لعوامل الايدلوجيا ووحدة المصير الفلسطيني  الإفريقي مرورا بالتقلبات السياسية والصراعات الداخلية للدول الإفريقية نفسها والتأثر بمحركات دولية اكبر كانتهاء عصر الثنائية القطبية والتقارب العربي الإسرائيلي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وصولا الى سياسة القوة الناعمة للفاعلين الدوليين ومنهم فلسطين واسرائيل، وما تلا ذلك من سياسة ربط الطرفين ما بين ادوات القوة الناعمة وسياسة التحالفات الدولية في بحث كل منهما عن شرعيته وتثبيتها.

شكّلت مرحلة “المصير المشترك” في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لكل من فلسطين ودول القارة الإفريقية أعلى مستويات التقارب المشترك بفعل المد الإيديولوجي ومرحلة التحرر الإفريقي، وتعزز التقارب الفلسطيني الإفريقي بفعل الرفض الافريقي لاحتلال إسرائيل للأراضي العربية في حزيران عام 1967، ولعب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر دوراً هاماً في توحيد الرؤى الإفريقية والعربية تجاه مناهضة الاستعمار من خلال المنابر المشتركة العربية والإفريقية والتكتلات الدولية التي نشط فيها الجانبان كمجموعة عدم الانحياز. في هذا السياق ” اصدر مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1975 بيانا اعتبر فيه أن  جوهر المشكلة في الشرق الأوسط هي القضية الفلسطينية  وكذلك بادرت القارة الإفريقية بالاعتراف بإعلان دولة فلسطين عام 1988 وقطعت العلاقات مع دولة الاحتلال  الإسرائيلي.[1][2]ولكن هذا التقارب تأثر سلبا بالتقارب العربي الإسرائيلي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وتوقيع اتفاقيات سلام مع دول عربية وازنة كمصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، كممثل للشعب الفلسطيني، الأمر الذي استغلته إسرائيل في إعادة بناء علاقاتها الإفريقية على أساس القوة الناعمة وربط المصالح من خلال العلاقات الثنائية الهادفة الى كسر ما تسميه “الانحياز” الدولي ضدها وخصوصا التصويت على القرارات الاممية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

في الوقت الذي لم يتوقف الاتحاد الأفريقي منذ نشأته عن دعم فلسطين التي منحها صفة دولة مراقب، رفض منح إسرائيل الصفة نفسها، رغم مطالبها المتكررة بهذا الشأن، آخرها كانت من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عام 2016  نتيجة لكون المواقف السياسية الإفريقية تجاه القضية الفلسطينية مرتبطة بقرارات لتكتلات سياسية وازنة إلى جانب الاتحاد الإفريقي  كمنظمة التعاون الإسلامي التي تضم في عضويتها26 دولة افريقية من اصل 56 دولة إسلامية، وجامعة الدول العربية التي تضم نصف دولها الأعضاء من القارة الإفريقية، كما كان للسياسة الخارجية الفلسطينية المنتهجة بعد اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين عام 2012 دولة مراقبة  دور كبير في تعميق العلاقات الفلسطينية الإفريقية عندما أعلن وزير خارجية دولة فلسطين، رياض المالكي، في ختام القمة العربية الإفريقية التي عقدت في الكويت في تشرين ثاني (نوفمبر)2013 عن “أن العام 2014سيكون عام التوجه للقارة الإفريقية وتعزيز العلاقات التاريخية بين الطرفين وتنمية قنوات الاتصال ورفع المستوى التمثيلي وبناء علاقات ثنائية”.[3]وعليه كان لابد لدولة فلسطين من البحث عن طرق ناجعة لخلق حالة من التوازن ما بين شرعية القضية الفلسطينية وامتلاك أدوات  التأثير وفق استحقاق الدولة وواجباتها الدولية، والتي أفضت لتشكيل الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي (بيكا)، لاستثمار الخبرات الفلسطينية الى جانب التنمية لتأمين الدعم السياسي للقضية الفلسطينية.

“بيكا” مقابل “ماشاف”: مقارنة الأهداف والأثر

شهدت الدبلوماسية الفلسطينية تحولات عميقة منذ العام 2011، اذ اعتمدت على تدويل الصراع ومراكمة منجزات دبلوماسية على الساحة الدولية، والتي توجت بالحصول على الاعتراف الأممي بفلسطين دولة بصفة مراقب غير عضو بالمنظمة الدولية عام 2012، وفي هذا السياق، دخل الفعل التنموي كأداة جديدة من أدوات الدبلوماسية الفلسطينية، والتي تركزت في إفريقيا ومنطقتي أميركا اللاتينية والكاريبي، الى جانب التدخلات الطارئة في مناطق الكوارث الطبيعية.

وفي هذا السياق، شكل تأسيس الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي “PICA”[4] عام 2016 نقطة تحول اسهمت بمأسسة وتعميق دور المساعدات التنموية في الدبلوماسية الفلسطينية، وجاء في قرار التأسيس أن “الوكالة أداة دبلوماسية عامة لوزارة الخارجية الفلسطينية تعمل على دعم وتكريس التعاون والتضامن مع الدول الشقيقة والصديقة ، وتقديم الدعم للدول ذات الاحتياج بما يحقق مصالح دولة فلسطين والشعب الفلسطيني[5].

ان تأسيس الوكالة في هذا التوقيت شكل تتويجا للتحول في قراءة دولة فلسطين لخارطة العلاقات الدولية وأدوات التأثير الأنجع، وهذا يتضح من أهدافها والتي تمحورت حول تعزيز التعاون الثنائي مع شركاء فلسطين من الدول كجزء من التعاون جنوب- جنوب، والتعاون الثلاثي أي التدخل كطرف ثالث، إلى جانب الدول المستفيدة والدول المانحة، وتقديم الدعم الفني والتعاون الإنمائي للدول ذات الاحتياج، والتعاون متعدد الأطراف مع المنظمات الدولية وضمن اتفاقيات الأمم المتحدة والاتحادات الأوروبي والإفريقي وغيرها من المنظمات الإقليمية الوازنة[6].

رغم أهمية وضرورة هذا التحول الاستراتيجي في الفكر الدبلوماسي الفلسطيني، إلا أن إسرائيل خطت خطوات سابقة أعمق وأسرع في هذا المجال، إذ تم تأسيس الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي “MASHAV” عام 1958 كذراع للدبلوماسية العامة الإسرائيلية في دول العالم الثالث، خاصة إفريقيا التي تنشط الوكالة في 40 دولة من دولها الـ 56، بمقابل 132 دولة تمارس فيها الوكالة أنشطتها. ومن المهم فهم السياقات التاريخية والجيوسياسية التي مارست فيها “ماشاف” الإسرائيلية عملها الدبلوماسي في عقديها الأولين، اذ جاءت هذه الممارسة في سياق محاولة احداث اختراقات في ظل الرفض للمشروع الصهيوني ومناهضة الاستعمار الذي كان سائداً في ستينات القرن الماضي بشكل خاص، والذي تمأسس من خلال مجموعة عدم الانحياز والتجمعات الاقليمية في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية.

حددت “ماشاف” اهتماماتها ببناء القدرات والصحة والتعليم والزراعة، اذ استهدفت وفقاً لتقريرها السنوي 2018[7]، حوالي 37 دولة إفريقية مقارنة بـ12  دولة استهدفتها “بيكا”،  والتي ركزت على قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والمياه والطاقة، إلى جانب برامج بناء القدرات المتنوعة.

تحاول “بيكا” اطلاق برامج موائمة لأجندة السياسات الوطنية 2017-2022، والتي تركز على تعزيز العلاقات الثنائية لدولة فلسطين من خلال الاتفاقيات والشراكات الدولية وتعزيز اندماجها في المنظومة الدولية، واعطاء الأولوية لشراكاتها مع المنظمات الدولية، ضمن رؤية   “التضامن من خلال التنمية لعالم أكثر صمودا[8] ووفقا للتقرير السنوي لوكالة PICA لعام 2018 تشير البرامج إلى أن معظم نشاطات التعاون التنموي الفلسطيني الدولي لعام 2018، كانت مخصصة لإفريقيا، اذ حازت القارة السمراء على أربعة برامج تنموية من أصل سبعة نفذتها “بيكا” خلال العام 2018، استهدفت دول ساحل العاج، وغينيا، وغينيا بيساو، وموزمبيق، وموريتانيا، وجزر القمر، وتشاد، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وجيبوتي، وتوغو.

تمثل إفريقيا الأولوية لعمل الوكالة، سواء من حيث برامج التنمية أو الاتفاقيات ومذكرات التفاهم  باعتبار القارة الإفريقية حليفا تقليديا لفلسطين، كما بلغ عدد الاتفاقيات التي وقعتها الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي “بيكا” 8اتفاقيات دولية كان نصيب إفريقيا منها   4اتفاقيات[9]

تعمل “بيكا” على تنفيذ التزامات دولة فلسطين في أجندة الأمم المتحدة الإنمائية 2030 من جهة، لكنها تستثمر مواردها المحدودة في تقديم الدعم للدول الأقل تأييدا لفلسطين مثل توغو وساحل العاج، واللتان لم تمنعهما عضويتهما في منظمة التعاون الاسلامي من الوقوف موقف الحياد في التصويت على بعض القرارات المتعلقة بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي في عدة مناسبات،” انظر الجدول رقم 1 ” ، كما تعمل “بيكا” على تدعيم علاقات التعاون مع الدول الصديقة والحليفة، فعلى سبيل المثال، قال وزير الخارجية الفلسطيني- رئيس مجلس إدارة “بيكا” د. رياض المالكي اثر موقف السنغال بتبني مشروع قرار مجلس الأمن باعتبار الاستيطان والمستوطنات غير شرعية، والذي أفضى الى إصدار مجلس الامن للقرار 2334  “فور إعلان نتنياهو أعلنا من جانبنا وبكل وضوح أن وزارة الخارجية، من خلال الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي، قد تواصلت مع السنغال من أجل تقديم المساعدة”. واضاف  “سوف نوقع اتفاقيات قريبا في مجال التعاون الصحي عبر ارسال أطباء وايضا مهندسين زراعيين وخبراء في مجال الطاقة البديلة وغيرها من القضايا التي سنعزز من خلالها طبيعة العلاقة مع السنغال حتى تشعر بانها لم تدفع ثمنا مقابل وقوفها إلى جانب فلسطين وانما فلسطين هبت لمساعدة السنغال في مثل هذه اللحظات.[10]

وعلى الطرف المقابل، تعتمد اسرائيل في محاولاتها لاختراق افريقيا على ما تسميه بنظرية الأطواق، المرتكزة على أن اسرائيل مطوقة بعدد كبير من الأعداء، لا يتم كسر هذه الاطواق إلا باستهدافها بشكل جمعي بمختلف ادوات التأثير، فأفريقيا بالنسبة لإسرائيل عبارة عن مجموعة من الاطواق “العكسية” التي تحاول من خلالها محاصرة الحضور العربي في القارة.

ظهرت هذه الاستراتيجية بعد الرفض الافريقي المتكرر لعضوية اسرائيل المراقبة في الاتحاد الافريقي والتي كان اخرها عام 2016، حيث بدأت اسرائيل باستهداف التكتلات الاقتصادية الافريقية الاقليمية، كالرابطة الاقتصادية لدول غرب افريقيا “الأكواس”، والمكونة من 15 دولة  ومجموعة دول شرق افريقيا  “EAC” المكونة من 6 دول ومجموعة تنمية افريقيا الجنوبية “SADC”،  المكونة من 15 دولة افريقية، اذ اجرى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارة هي الاولى  الى دول شرق افريقيا SADC عام 2017، اسفرت عن افتتاح تنزانيا سفارة لها في إسرائيل في العام التالي ، كما شارك نتنياهو في القمة الاقتصادية لدول “الأكواس”، أسفرت عن تطبيع العلاقات مع الرئيس السنغالي “ماكي سال”، اثر موقف بلاده الداعم لقرار مجلس الامن رقم 2334 القاضي بعدم شرعية الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، تبعها زيارة وزير خارجية السنغال سيديكي كابا لإسرائيل وزيارة المسجد الاقصى برفقة الشرطة الاسرائيلية، جاء ذلك بعد ضغوط سياسية اسرائيلية كبيرة على السنغال استخدمت فيها دبلوماسية التنمية بشكل مكثف للغاية كـأداة ضغط، حيث اوقفت اسرائيل كافة برامجها التنموية في السنغال، الى جانب استخدام ادوات ضغط متعددة ابرزها سياسة الرئيس ترامب في معاقبة ما يسميه بأعداء اسرائيل.

كما عملت دول  افريقية اخرى على رفع التمثيل الدبلوماسي لاسرائيل لديها بعد هاتين الزيارتين كرواندا التي وافقت على افتتاح سفارة اسرائيلية لديها عام 2019،  وزيارة الرئيس التشادي ادريس ديبي لاسرائيل اواخر العام 2018 والتي اسفرت عن استئناف تشاد لعلاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل بعد انقطاع دام 45 عاما، كل هذا الزخم في العلاقات كان مدفوعا بالتقدم الاسرائيلي في المجالات التكنولوجية والصناعية والزراعية، ورغبة بعض الدول الافريقية في الاستفادة من الخبرات الاسرائيلية في المجالات التنموية التي تعتبر صلب عمل “ماشاف” والتي تحاول اسرائيل توظيفها لكسب مواقف سياسية داعمة من مزيد من الدول الافريقية، وكسر ما تسميه إسرائيل بالتأييد التلقائي للفلسطينيين في القرارات الأممية.

ولكن هنالك مدرسة في اسرائيل تعتبر ان هذا الدعم المستمر منذ تأسيس الوكالة عام 1958 لم يحدث الاختراق المرجو في القارة الإفريقية فيما يتعلق بطبيعة التصويتات المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل أصبح يتم التعامل معه في إسرائيل باعتباره نوع من دبلوماسية الزيارات وهذا ما صرح به نتنياهو في مرات عديدة بأنه يرغب في كسر “التأييد التلقائي الإفريقي”، للفلسطينيين في القرارات الأممية، ويقول المحلل الإسرائيلي بنحاس عنبري لوكالة الأناضول “إن إسرائيل تريد على الأقل تحييد الأفارقة تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ووقف دعمهم السياسي للفلسطينيين، وهو ما لم تنجح به حتى الآن رغم اختراقات محدودة هنا وهناك”.

غير أن هنالك عاملان آخران يعمقان الفارق بين منظومتي العمل في افريقيا وهما:

  • – الاستثمار الاقتصادي الإسرائيلي في إفريقيا ، حيث بلغ عدد الشركات الإسرائيلية العاملة في إفريقيا أكثر من800 شركة في حين بلغت نسبة الصادرات الفلسطينية إلى افريقيا3%  من الصادرات الفلسطينية، فيما بلغت الواردات حوالي0.8%  من مجموع الواردات “[2]” في المقابل، ورغم تجاوز مجمل التصدير الإسرائيلي عام 2017 سقف الـ100 مليار دولار، إلا أنّ مجمل تصدير الشركات الإسرائيلية لأفريقيا لم يتجاوز حاجز المليار دولار، أي أقل من 1% من مجمل التصدير[11]. الا أن هذا الرقم بطبيعة الحال يفوق كثيراً، حجم التجارة الفلسطينية الافريقية. ومن الملاحظ أن التجارة الإسرائيلية تزدهر بشكل أساسي في ست دول إفريقية وهي جنوب إفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا وغانا وكينيا وأوغندا، وهذه الأسواق تستوعب حوالي 75% من مجموع الصادرات الإسرائيلية إلى القارة السمراء.
  • – صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى إفريقيا والتي تشكل ما نسبته 5% من الصادرات الإسرائيلية إلى العالم من أصل 9 مليار دولار لعام [12]2018  أي ما يعادل 450 مليون دولار ،  ولعل تواضع هذا الرقم يعزى إلى أسباب كمية  مرتبطة بالأسلحة الخفيفة والذخيرة وليست نوعية الأسلحة باهظة التكاليف كمنظومات الدفاع الجوي والطائرات المُسيّرة، والصواريخ النوعية، بمعنى ان  صادرات اسرائيل الى افريقيا من الاسلحة تبقى ضخمة حتى في حدود 5% على اعتبار ان طبيعة الاسلحة المصدرة الى افريقيا رخيصة الثمن تشكل بعدا كميا وليس نوعيا .

وبالعودة إلى المقارنة ما بين الدول الإفريقية المستهدفة من قبل “ماشاف”و “بيكا” واثر هذه التدخلات الإنسانية على النتيجة السياسية من خلال التصويت الحاصل في الأمم المتحدة  وغيرها من المنظمات للأعوام 2018 و  2019فإنّ هنالك 9  دول تم استهدافها بشكل مباشر من قبل الوكالتين الفلسطينية والاسرائيلية وهي بوركينا فاسو، تشاد ، ساحل العاج ، جيبوتي ، غينيا بيساو، مالي ،الموزمبيق ، النيجر ، توغو، وهي دول انحازت تصويتيا في الأمم المتحدة للجانب الفلسطيني وفق الجدول أدناه.

قرار رئاسة فلسطين لمجموعة ال77+الصين تصويت مع القرار
2 قرار تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني تصويت مع القرار
3 قرار رفض القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل تصويت مع القرار
4 قرار السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني بما فيها القدس على مواردهم الطبيعية

 

8  دول مع القرار وامتناع ساحل العاج عن التصويت

 

5 حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير 8 دول مع القرار وامتناع ساحل العاج عن التصويت

 

6 الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية التصويت مع القرار
7 تقرير اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق  في الممارسات الاسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني 7 دول مع القرار وامتناع توغو وساحل العاج عن التصويت

 

8 تقرير اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الاسرائيلية التي تمس حقوق الانسان للشعب الفلسطيني ، 7  دول مع وامتناع توغو وساحل العاج عن التصويت

 

9 انطبــاق اتفاقيـــة جنيــف المتعلقـة بحمايـة المدنييـن وقـت الحرب المؤرخة 12 آب/ أغسطس 1949 علـى الأرض الفلسطينيـة المحتلـة، بمـا فيهـا القـدس الشرقية، وعلـى الأراضي العربية المحتلة الأخرى التصويت مع القرار

 

10 تقديم المساعدة إلى اللاجئين الفلسطينيين ، النتيجة

 

التصويت مع القرار
11 تسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية النتيجة : 8  دول مع القرار وامتناع توغو
جدول 1 : مواقف الدول المستهدفة بناءً على كافة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة في دورتها  73 فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي

 اذا فالمقارنة المباشرة تشير إلى أن أدوات التأثير الإسرائيلي في إفريقيا تتركز على “ماشاف”، والتعاون الأمني وصادرات إسرائيل من الأسلحة ، والمصالح الاقتصادية المشتركة الممثلة بالكم الهائل من الشركات الإسرائيلية العاملة في إفريقيا، والعلاقات الدبلوماسية المباشرة ، إذ تمتلك إسرائيل علاقات مع 40دولة افريقية منها10 سفارات مقيمة في إفريقيا ، [13] كانت آخرها سفارة تل أبيب في رواندا التي افتتحت في نيسان (ابريل) 2019، ليرتفع عدد السفارات إلى 11  سفارة إسرائيلية في إفريقيا ” و 15 سفارة افريقية في إسرائيل، آخرها سفارة تنزانيا عام 2018 .

في المقابل، فإن أدوات التأثير الفلسطيني في إفريقيا تتركز الى جانب “بيكا” على الدور الفاعل وأثر عضوية فلسطين المراقبة  بالمنظمات الاقليمية والدولية والتي تصاحبها دبلوماسية نشطة، والشرعية الدولية المناهضة للاحتلال والتي هي استمرار لإرث دبلوماسي وسياسي مشترك من مرحلة الاستقلال ومرحلة مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب

افريقيا، إلى جانب الحضور العربي في إفريقيا والذي يدعم الحضور الفلسطيني ويواجه العديد من الاختراقات الإسرائيلية المقابلة بشكل جماعي وصلب.

الخاتمة

ان تشكيل الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي “بيكا” عام 2016 يساعد على تعزيز وضع فلسطين الدبلوماسي ويمنحها ادوات تأثير اوسع، ويخلق حالة من التوازن بمواجهة العمل الإسرائيلي في إفريقيا، لم تحصد سياسة تل أبيب التنموية في القارة الإفريقية نتائج سياسية ملموسة، وتحديدا فيما يتعلق بالتصويت لصالحها على القرارات الأممية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي [14]. الأمر الذي دفعها للتعديل على قواعد اللعبة بالدخول في شراكات اقتصادية مع بعض الدول كجنوب السودان وإثيوبيا وتوغو وساحل العاج وغيرها ، إضافة إلى جر بعض الدول الإفريقية إلى سوق السلاح الإسرائيلي الذي بدوره سيولد حالة من التبعية الإفريقية لإسرائيل نتيجة للحاجة الدائمة للذخيرة والصيانة والتدريب.لا زالت دول القارة الإفريقية مخلصة للقضية الفلسطينية ولكن المعطيات تشير إلى ان تعدد أدوات التأثير الإسرائيلية الى جانب الدعم التنموي قد تقلب معايير المواقف الإفريقية لاحقا، الأمر الذي يتطلب تعزيز الدعم التنموي الفلسطيني بأدوات الاقتصاد السياسي من خلال تنظيم دخول الشركات الفلسطينية في مختلف مناطق تواجد الفلسطينيين إلى القارة الإفريقية بقيادة وتنسيق “بيكا” لخلق توازن اقتصادي مع إسرائيل في القارة الإفريقية، فضلا عن حشد دعم عربي في العلاقة مع إفريقيا.

من المهم دعم الاحتياجات التدريبية لبعض الدول الإفريقية في المجالات الأمنية دون التورط في الصراعات الثنائية والمتعددة للدول الإفريقية، وبما يحافظ على حالة الحياد الفلسطيني في الصراعات الدولية، وهو مبدأ سياسي ثابت فلسطينياً.

كذلك يمكن القول إن محددات التأثير الإسرائيلية ترتبط بعلاقة طردية مع تميز علاقاتها مع الولايات المتحدة الامريكية، إذ تعتقد بعض الدول أن بناء علاقات مميزة مع إسرائيل سيقود إلى تعزيز علاقات هذه الدول مع الولايات المتحدة نفسها، كما تستفيد إسرائيل من حالة الشعوبية التي تعززت بانتخاب الرئيس دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية تلاها ادواردو بولسينارو في البرازيل و بوريس جونسون في المملكة المتحدة والذين اصبحوا يديرون علاقات بلادهم الخارجية وفق مفاهيم رجال الأعمال وليس وفقا للدبلوماسية التقليدية والشرعية الدولية .

يعيش الشرق الأوسط، كما العالم، حالة من عدم الاستقرار السياسي تحكمه وتتحكم به سياسة التحالفات التي باتت صفة رئيسية للعلاقات الدولية، الأمر الذي تستفيد منه إسرائيل في استقطاب الحلفاء في علاقتها العدائية مع ايران، هذه الحالة تتميز بسرعة التحولات مما يجعل من مسألة الاعتماد على الدعم التنموي لوحده دون البحث بتعزيز التنمية بأدوات الاقتصاد السياسي مغامرة غير محسوبة، حيث استفادت إسرائيل من الشكل الذي آلت إليها لعلاقات الدولية المبنية على التحالفات في جذب العمق العربي لصالح التطبيع على حساب الحلال سلمي وفق مبادرة السلام العربية.

باتت كثير من دولا لعالم أكثر تقبلا لإسرائيل الحليفة بغض النظر عن عنصريتها وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني وأرضه كإثيوبيا المستفيدة من السلاح الإسرائيلي لحماية سد النهضة والهند المستفيدة من السلاح الإسرائيلي في مواجهة باكستان والبرازيل المستميلة لإسرائيل رغبة في الوصول الى علاقة مميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية .

تتفوق اسرائيل على دولة فلسطين في مجالات الاقتصاد والسلاح والتمثيل الدبلوماسي الإفريقي لدى إسرائيل والشركات الكبرى، ولكن فلسطين تمتلك عدالة القضية وشرعيتها في ما تحاول اسرائيل الحصول على شرعيتها المفقودة من خلال المال السياسي والمصالح، وهذا ما يدفع فلسطين للبحث عن منافذ فعل دبلوماسي غير تقليدية ومختلفة، كما الحال مع “بيكا”.

لتحميل الدراسة اضغط هنا 

الهوامش

*باحث في العلاقات الدولية.

– التقرير السنوي للوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي لعام 2018 http://pica.pna.ps/annual-report-2018/

– التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا وسبل مواجهة أضراره بالقضية الفلسطينية

https://www.masarat.ps/article/5200عبد الله عواد وآخرون مركز مسارات – الدورة الخامسة

– السياسة الخارجية “الإسرائيلية” تجاه دول القارة الأفريقية، المركـز الديمقراطـي العربـى للدراسات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 3/2/2017. bit.ly/2YsNn3o

– التقدير الاستراتيجي (102): القمة الإفريقية-الإسرائيلية ومستقبل العلاقات المتبادلة

تقدير استراتيجي (102) – آب/ أغسطس 2017https://www.alzaytouna.net/2017/08/29

5 –

9 https://www.arab48.com/سعي اسرائيل للتغلغل في افريقيا عبر منافذ تجارية ، وكالة عرب 48 9/12/2019

https://www.un.org/ar/ga/73/resolutions.shtmlقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والسبعين لعام 2018 -11

[1]

5- العلاقات الفلسطينية- الإفريقية في عالم متحول حسن العاصي 27/5/2018

http://hadfnews.ps/post/42005

– israel’s agency for international development cooperation

‘ mashav ”  ‘ the annual report 2018 https://mfa.gov.il/MFA/mashav/Publications/Annual_Reports/Pages/default.aspx

7 -TRENDS IN INTERNATIONAL ARMS TRANSFERS, 2018 https://www.sipri.org/sites/default/files/2019-03/fs_1903_at_2018_0.pdf

 – Back to Africa?Naomichazan , the time of Israel , 4/6/2016 blogs.timesofisrael.com/back-to-afriCa/

Israeli arms exports to Africa growing ArieEgozi/defenceWeb -19th Mar 2018

Israel’s Arms Exports Spike, Hitting Record $9 BillionYanivKubovichhaaretz newspaper May 02, 2018

[1]احمد ابو ريدة ، تطور العلاقات الفلسطينية الإفريقية 1/5/2014https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/328178.html

[2] 1/5/2014https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/328178.html[2] احمد ابو ريدة ، تطور العلاقات الفلسطينية الإفريقية

[3] المرجع السابق

[4] أنشئت الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي بمرسوم رئاسي عام 2016.

[5] المرسوم الرئاسي رقم ( ) لسنة 2016 بشأن تشكيل الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي بتاريخ 20/1/

[6]  مقابلة مع عماد الزهيري / مدير عام الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي بتاريخ 17/10/2019

[7] the annual report of israel’s agency for international cooperation ” MASHAV” 2018 p 20 https://mfa.gov.il/MFA/mashav/Publications/Annual_Reports/Documents/AnnualReport2018.pdf

[8] –  –the annual report of Palestinian international cooperation agency ” pica” 2018 p 13 http://pica.pna.ps/annual-report-2018/

[9] Ibid.

7 –  https://samanews.ps/ar/post/290011تصريح وزير الخارجية د . رياض المالكي لصحيفة الايام بتاريخ 28/9/2016

[10]https://samanews.ps/ar/post/290011تصريح وزير الخارجية د . رياض المالكي لصحيفة الايام بتاريخ 28/9/2016

[11] دليل الاستثمار في فلسطين / هيئة تشجيع الاستثمار الفلسطينية 2010 ص20

[12]  ___________، سعي اسرائيل للتغلغل في افريقيا عبر منافذ تجارية ، وكالة عرب   https://www.arab48.com/، استرجع بتاريخ

9/12/2019 .

[13]  بلال المصري، العلاقات الإسرائيلية الإفريقية   https://www.marefa.org #1