خطط إسرائيل لمحو قضية اللاجئين الفلسطينيين     

توفيق أبو شومر [*]

وضعت إسرائيل تفسيراتها الخاصة لقضية اللاجئين الفلسطينيين في بداية تأسيسها، وحاولتْ ترسيخ هذه التفسيرات، وبخاصة في الإعلام، والمؤسسات التعليمية، وفي المجال الدبلوماسي الدولي، لغرض الهروب من مطاردة المجتمع الدولي، ومؤسسات حقوق الإنسان، فيما يتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من ديارهم، على إثر عملية التطهير العرقي التي مورست بحقهم، قبل ومع قيام إسرائيل.

نحتتْ إسرائيلُ التفسيرات التالية لقضية اللاجئين الفلسطينيين:

  • هرب الفلسطينيون من قراهم بمحض إرادتهم.
  • هاجروا بطلبٍ من الأحزاب الفلسطينية، التي كانت تحارب إسرائيل، كما حدث في اللد والرملة.
  • أمرتْ قيادةُ الجيوش العربية الفلسطينيين بالهجرة، الجيوش العربية التي (غزت)! إسرائيل عام 1948 لغرض القضاء على اليهود.
  • أمرتْ قيادة الجيوش العربية السكانَ الفلسطينيين بإخلاء بيوتهم لغرض استعمالها مراكز قتالية، وثكنات عسكرية، كما حدث في حيفا.
  • عاد السكانُ العرب (الفلسطينيون) من إسرائيل إلى بلادهم الأصلية؛ الأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، ومصر.
  • هرب سكان الريف إلى المدن الكبيرة.
  • أخليت بعضُ القرى الحدودية من قبل الجيش الإسرائيلي، لغرض الحفاظ على أرواح المدنيين، بسبب الاشتباكات المسلحة بين المنظمات اليهودية والجيش العربي (الغازي)، مثل قريتي، إقرت، وكفر برعم.[1]

حظيتْ قضية اللاجئين الفلسطينيين بالمرتبة الأولى في سلسلة اهتمامات إسرائيل، فهي وإن كانت تدعي بأن أهم الموضوعات الرئيسة لإسرائيل هي الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية عاصمتها القدس، إلا أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي أهم من موضوع (أورشليم) العاصمة الأبدية، لأن قضية اللاجئين بمفهوم الفلسطينيين، وحسب قوانين ومواثيق الأمم المتحدة تُبطِل مشروع تأسيس الدولة اليهودية، أو دولة اليهود، وفق رؤية الحكومة الإسرائيلية.

بالنظر إلى أهمية هذه القضية وخطورتها على إسرائيل، فقد جرى إرجاؤها إلى المفاوضات النهائية عدة مرات في مباحثات السلام، لأنها قضية تفجيرية، يصعب حلها بالنظر إلى تاريخها الطويل، ومسلسل الحلول التي شاركت فيها دولٌ أخرى كثيرة.

أدركَ مؤسسو إسرائيل الأوائل خطورة قضية اللاجئين الفلسطينيين على فكرة تأسيس الدولة اليهودية، قبل الإعلان عن قيامها 1948.

لم يكن تشكيل العصابات الإرهابية الصهيونية سوى بداية تنفيذ مخطط التهجير القسري، على وقع المذابح والمجازر، التي كان هدفها النهائي تفريغ فلسطين من ساكنيها الفلسطينيين، واستقدام المهاجرين اليهود من كل بقاع الأرض، لغرض إقامة دولة يهودية نقية، لهذه الغاية شكلوا المنظمات الإرهابية، الهاغاناه، شتيرن، ليحي، البالماخ، الإرغون.

استطاعت هذه المنظمات الإرهابية المسلحة أن تنفذ أبشع المجازر ضد أصحاب الأرض، الفلسطينيين، وقد رصد الباحث الإسرائيلي، دان ياهف، أكثر من أربعين مجزرة، نفَّذتها العصابات الصهيونية، استقاها من واقع الأرشيف الإسرائيلي، الذي أُفرج عنه في بداية الألفية الثالثة، ولم يكتف زعماء العصابات الإرهابية بتنفيذ المذابح ضد الفلسطينيين، لكنهم طاردوا مندوبي الانتداب البريطانيين، وهددوهم بالقتل، وكذلك مبعوثي الأمم المتحدة إلى فلسطين.

لم يكتفِ الصهيونيون بذلك، بل نفذتْ الحركةُ الإرهابية اليهودية جريمة في حق 267 يهوديا مهاجرا على متن سفينة باتريا عام 1940، حين أغرقوها بتفجيرها لمنع المندوب البريطاني، هارولد متشل، من أن يعيدها من حيث أتَّتْ، لأن المهاجرين اليهود قدموا بلا تأشيرات دخول. في هذا الإطار أيضا أقدموا على ارتكاب أبشع الجرائم حين فجروا سيارة المبعوث الدولي السويدي، الكونت فولك برنادوت، رئيس الصليب الأحمر السويدي.

الكونت برنادوت، ساهم في تبادل أسرى الحرب العالمية الثانية، وأنقذ عدداً كبيراً من اليهود، وهو صاحب الحافلات البيضاء التي نقلت الأسرى، أوفدته الأمم المتحدة إلى فلسطين كوسيط 20-5-1948 ويرجع سببُ اغتياله إلى أنه قدَّم التوصيات التالية:

  • “يحق للاجئين الفلسطينيين، ممن غادروا لظروف الحرب العودة إلى وطنهم مع استرجاع ممتلكاتهم.
  • تنظيم الهجرة اليهودية ومراقبتها.
  • القدس كلها تخضع للسيادة العربية، مع الاحتفاظ بحق الطائفة اليهودية فيها، دينيا.
  • تعديل الحدود بضم النقب لسلطة العرب، أما الجليل فلإسرائيل”.
  • “اتفق، مناحم بيغن، المنتمي إلى تنظيم (إرغون) مع، إسحق شامير، من (شتيرن) على تصفية الكونت برنادوت، بسبب توصيته بعودة اللاجئين الفلسطينيين.

نفذ الاغتيال في 17-9-1948 قتل بإطلاق الرصاص عليه في سيارته.”[2]

عمد الإسرائيليون الأوائل إلى تجاهل قضية طرد اللاجئين الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، باعتبارهم مسلحين، وليسوا مدنيين.

“قال أحد قادة إسرائيل، رؤفين شيلوح، لبن غريون:

إن الرئيس الأميركي، ترومان، يتعاطف مع محنة اللاجئين العرب، مثلما كان يتعاطف مع المهاجرين اليهود الناجين من الكارثة، وطالب إسرائيل بأن تعوضهم عن أملاكهم.

فرد بن غريون قائلا:

لم تقم الدولة بقرار من الأمم المتحدة، ليست هناك دولة في العالم منعت العربَ من أن يشنوا حرب إبادة ضدنا!!

لا وجود للاجئين، هناك مقاتلون، أرادوا اقتلاعنا من جذورنا”[3]

قامت إسرائيل منذ تأسيسها 1948 بوضع سيناريوهات عديدة لمحو قضية اللاجئين، بهدف التخلص من تبعاتها، وأشركت معها عدداً كبيراً من الدول والمؤسسات، ورفضتْ حلولاً كثيرة أبرزها قرار 194 الذي ينصُّ صراحة على عودة اللاجئين الراغبين في العودة إلى وطنهم، وتعويض من لا يرغبون.

من المعلوم بأن إسرائيل وقعت التزاماً دولياً عند قبولها عضواً في الأمم المتحدة بأن تنفذ القرار الأممي 194، وغيره من القرارات الأممية بعد أن وقعت على القرار 273.

ينص القرار الصادر عن الجمعية العامة، يوم 11-5-1949 بعد قرار مجلس الأمن 69 يوم 4-3-1949 على أن: “تلتزم إسرائيل بكل القرارات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وتتعهد باحترامها”.

إلا أنَّ إسرائيل سوَّفت، ورفضت تنفيذ قرار 194 بحجة رفض الجانب الآخر له، بالرغم من أنها وقعت على اتفاقات هدنة مع الدول العربية، مصر، والأردن، وسوريا عام 1949.

عمدتْ إسرائيل في بداية خطتها إلى تجميد القوانين الدولية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين لهدف بلورة سيناريو جديد، يتلخص في رؤيتها لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين، يهدف السيناريو إلى استيعابهم في الدول العربية المجاورة، باعتبار هذه الدول هي وطنهم الأول، أي أنهم كانوا يحتلون (أرض الميعاد).

لم تلقَ إسرائيلُ اعتراضا من دول العالم، بالرغم من أن القرار 194 يُحمٍّل إسرائيل وحدها مسؤولية طرد اللاجئين من بيوتهم، وإلا لما طالبها بإعادتهم إلى بيوتهم.

أقدمت إسرائيل على خطوتها التالية، بعد أن تيقَّنتْ بأن الفلسطينيين والدول العربية لا يُتابعون ملف اللاجئين متابعة دقيقة، فوضعتْ تفسيراتها وتبريراتها السالفة لتهجير الفلسطينيين، وتمكنت من تحويل التهجير الإسرائيلي للاجئين الفلسطينيين، المخطط له عبر المؤسسات الإسرائيلية، إلى هجرة فلسطينية طوعية، لا تتحمل إسرائيل مسؤوليتها، فقد دحضَ كثير من المؤرخين الإسرائيليين هذه الروايات، وكان على رأسهم المؤرخون الجدد، ممن حصلوا على ملفات ووثائق سياسية، وعسكرية في بداية الألفية الثالثة، منهم:

بني مورس في كتابه: (مشكلة اللاجئين)، وآفي شالايم، في كتابه: (الستار الحديدي)، وإيلان بابه، في كتابه: (التطهير العرقي)، ودان ياهف في: (طهارة السلاح)، وتوم سيغف في: (الإسرائيليون عام 1949)، كلهم أشاروا إلى أن ما حدث لم يكن هجرة، بل كان تهجيراً منظماً ومدروساً، أشرفت على تنفيذه ثلاث مؤسسات يهودية:

  • منظمة الهاغاناه، ثم الجيش الإسرائيلي، الذي وضع خطة (دالت) وهي خطة ترمي لتهجير الفلسطينيين من القرى والمدن ذات الأهمية العسكرية والاقتصادية في جداول وفق الأولويات.
  • الوكالة اليهودية، ولجانها الفرعية، التي أشرفت على تهجير ما بقي من السكان للاستيلاء على ممتلكاتهم.
  • مؤسسة الصندوق القومي لأرض إسرائيل، (هاكيرن كييمت) الذي كان يقوم بالتوثيق والتسجيل للأراضي المصادرة من الفلسطينيين.

وقد أشار المؤرخ الجديد، آفي شالايم، إلى أن نصف سكان فلسطين أصبحوا لاجئين عام 1948 وتساءل: هل هم المسؤولون عن اللجوء؟[4]

كما أكَّدَ المؤرخ الجديد، بني موريس، في كتابه (مشكلة اللاجئين)، قبل أن “يتوب” ويتراجع عن آرائه، أنَّ الفلسطينيين هُجِّروا قسراً، ولم يُهاجروا طوعا، غير أنه صحَّح كتابه السابق، بتأليف كتاب جديد بعنوان، تصحيح خطأ، قال فيه: “إن الفلسطينيين هاجروا من وطنهم بطلبٍ من الجيوش العربية”.

هذا التعديل أثار المحاضر الإسرائيلي في جامعة حيفا، إيلان بابيه، فقام بتفسير سبب هذا التصحيح، وأكَّد بأنه يعود إلى رغبته في الحصول على عمل في الجامعات العبرية، وعلى ترقية.

وثَّق إيلان بابيه رأيه القاطع، بأن ما جرى للفلسطينيين عام 1948 ليس تهجيراً طوعياً كما زعمت إسرائيل، بل هو تطهير عرقي![5]

كما أن المؤرخ الإسرائيلي الجديد، دان ياهف، أشار إلى أبرز سلسلة من المجازر التي نفذتها العصابات الصهيونية، الهاغاناه، والليحي، والإرغون، وشتيرن، وهي أبرز أسباب التهجير.[6]

عمدتْ إسرائيلُ كذلك إلى إزاحة قضية اللاجئين الفلسطينيين عن اهتمامات العالم، وذلك بوضعِها في سياق الهجرة الدولية الحالية، ومشكلات الحروب والتهجير، وتغيير الأنسجة الأنثروبولوجية للدول، هذه الخطة، تقوم على سرد تاريخ العالم؛ “ففي النصف الأول من القرن العشرين تعرض 50-60 مليون مواطن لشكل من أشكال الهجرة واللجوء، وإعادة التوطين، معظمهم بعد الحرب العالمية الثانية 1940، هؤلاء اندمجوا مع السكان المحليين، وحصلوا على جنسيات البلدان التي لجأوا إليها!

من سمع بتبادل السكان بين بولندا وأوكرانيا؟

مليون ونصف مليون لاجئ، ومائة ألف قتيل في المجازر والمذابح.

جامعة هارفارد، وبرنستون، وبركلي، لم تخصص الميزانيات للمهاجرين اليهود من الدول العربية، ممن تعرضوا للمجازر والتهجير.

أما منظمة (كسر الصمت) BTS   والتي ترصد انتهاكات جيش إسرائيل لحقوق الإنسان تحظى بالدعم المالي: وهم يدعمون أيضا الـBDS.

إنهم لا يدعمون السلام، بل يدعمون تحويل إسرائيل إلى شيطان.

أين صوت اليسار وحزب العمل ضد المؤسسات الداعمة للتأثير على الدول الأوروبية، قولوا لهم:

إنكم بدعم هذه المؤسسات لا تحققون السلام، بل أنتم تخلقون المشكلة”.[7]

لم يكتف كاتبو المقالات اليمينيون، الداعمون للقضاء على قضية اللاجئين الفلسطينيين بربط قضية اللاجئين الفلسطينيين بأحداث التاريخ، واعتبارها ضمن سلة (اللجوء الدولي)، بل عمدوا إلى مطاردة الجمعيات اليسارية الإسرائيلية التي تدعو للإنصاف، واحترام حقوق الإنسان، وعلى رأسها حق الاحتفال بذكرى (نكبة فلسطين بإقامة إسرائيل)، مثل حركة السلام الآن، وجنود يكسرون الصمت، وجمعية بتسيلم، وحركة ييش دين، وعير عميم، وغيرها!

بالرغم من أنَّ هذه الجمعيات اليسارية، لا تدعم حق عودة الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي هُجِّروا منها، ولكنها تُنادي بضرورة إيجاد حل عادل ومُنصف لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وهي في الوقت نفسه، لا تدعم عودة كل اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا عام 1948، وتحصر جهودها في مناصرة ودعم حق بعض الفلسطينيين في الحصول على موافقة إسرائيلية، لجمع الشمل، في الإطار العائلي فقط!

اتسعتْ دائرة حصار قضية اللاجئين الفلسطينيين لتشمل أيضا، ربطها باللاسامية والإرهاب، في صورة، مفتي فلسطين، الحاج أمين الحسيني، فاتُّهم بأنه يدعو كل الدول العربية إلى طرد اليهود المقيمين في تلك الدول.

“في الخامس من تشرين الثاني 1941 وصل المفتي إلى برلين. وقام، هتلر بتعيينه ناطقًا للدعاية باللغة العربية، وافتتح له مكتبًا هناك، وخلال مكوثه هناك، خاصة بسبب وعد بلفور، حرّض المفتي ضد اليهود في الدول العربية، ودعا إلى طردهم، وهذا ما نُقل عنه في إحدى الخطابات في 19 آذار 1943: على العرب بشكلٍ خاص، والمسلمين بالأساس، أن يضعوا أمام عيونهم هدفًا واحدًا وعدم الابتعاد عنه، والعمل لتحقيقه بكافة الطرق، وهو طرد اليهود”.[8]

انصبَّتْ جهودُ اللوبي الإسرائيلي المناهض لتطبيق قرار 194 الذي ينصُّ على عودة اللاجئين الفلسطينيين في خمسينات القرن الماضي إلى طورٍ جديد، يقضي بدفن قضية اللاجئين نهائيا، بابتداع حلولٍ جذرية للمشكلة بمساعدة حلفائها؛ فقامت باستنفار اللوبي اليهودي في كل أنحاء العالم، للتخلص من العقبات التي تعوق تأسيس إسرائيل كدولة يهودية، وهي قضية اللاجئين، فبدأت بوضع سيناريوهات التوطين، وفق مشروعات التوطين أبرزها ما يلي:

  • مشروع جونستون، تشرين الأول (أكتوبر) 1953 وهو مشروع اقتصادي يهدف لتوطين الفلسطينيين في الأردن، ولبنان، وسوريا، واستيعاب من بقوا في “إسرائيل” عبر مشاريع تنموية اقتصادية، ولم يُرض هذا المشروعُ بن غوريون فرفضه.
  • مشروع جون فوستر دالاس1955 عرضه أمام الكونجرس، ورفضته إسرائيل أيضاً، لأنه ينصُّ على اقتطاع صحراء النقب من السيطرة الإسرائيلية.
  • مشروع نائب الرئيس الأميركي، ليندون جونسون، في عهد الرئيس كيندي، واعتبرته تهديداً لأمنها، بالرغم من أنه منح إسرائيل حق الفيتو على الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى ديارهم، ونص المشروع على مشاركة دول العالم لإسرائيل في تقديم التعويضات للاجئين غير الراغبين في العودة.

بعد هذا الرفض الإسرائيلي ظهرت مشاريع أخرى تُحقق حلم إسرائيل في إنهاء قضية اللاجئين والتخلص من تبعاتها ومنها:

  • مشروع جوزيف جونسون في بداية الستينات، في أزمة الحرب الباردة بين، أميركا، والاتحاد السوفياتي، ظهر مشروع، جوزيف جونسن، وهو رئيس مركز، كارنيغي للدراسات، فقد اقترح حلاً شاملاً، يقوم على أن حق العودة للفلسطينيين هو حق فردي، والتعويضات حسب القيمة التي كانت تساويها وقت التهجير.
  • ظهر مشروعٌ آخرُ، وهو تحويل قضية اللاجئين الفلسطينيين من قضية حقوقٍ قانونية عادلة، إلى حالة شفقة وإحسان فقط، يتصدر هذا النمط من الحلول، مشروع، هنري كيسنجر، وويليام روجرز، في سبعينات القرن الماضي، ليبرهن على نجاح السياسة الإسرائيلية، وانتقالها من موقع الدفاع عن نفسها، إلى الهجوم، بالرغم من أن هذا المشروع لم يلقَ تأييداً من رئيسة الوزراء حينها، غولدا مائير، وتمثل أيضا في مشروع، كيسنجر، وروجرز.
  • استغلت إسرائيلُ تأسيس الوكالة الدولية لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، عام 1948م لتحقيق هذه الغاية، فقامت أميركا بدعم الأونروا، وبدأت عملها الفعلي في 1/5/1950.

“تجري اليوم خطة اقتلاع مؤسسة دولية بالكامل، وهي (الأونروا) لغرض إزالة أخطر قضايا فلسطين، وهي قضية اللاجئين!

لأنها الدليل القانوني الدولي على حفظ حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.

في هذه الحملة تستخدم إسرائيلُ المخزون الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي من سلاح المؤامرات.

لهذا الغرض شُكَّلتْ كتيبةٌ، مهمتها تفكيك الأونروا، وإتباعها للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، لتصبح قضية اللاجئين الفلسطينيين، قضية إحسان، وليست قضية حقوق.

تتكون الخلية من: مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، داني دانون، ومندوبة أميركا، نيكي هيلي، ونائبة نتنياهو في وزارة الخارجية، تسفي حتوفيلي!

غاية هذه الحملة تشويه صورة الأونروا، وربطها بالإرهاب، بادعاء أن المدارس والمؤسسات الدولية في غزة تحولت إلى مخازن للأسلحة، وأنفاق لصنع الصواريخ، وربط أيَّ اتفاقٍ مع الفلسطينيين، بتفكيك الأونروا!

تجري الاتصالات بين الخارجية الإسرائيلية، مع منظمة، الإيباك، لإقناع أعضاء الكونجرس الأميركي بإصدار تشريعات تمنع تقديم المعونات للأونروا، ومحاصرتها حتى تتخلص من أخطر قضايا فلسطين (حق العودة)!!

أسَّستْ إسرائيل أيضاً، معهداً خاصاً لمتابعة قضايا “اللاجئين” اليهود!! وإحصاء ممتلكاتهم المتروكة في العالم العربي، وتخصيص ذكرى سنوية احتفالية لهم.[9]

“يدير سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة، رون بروس أور، معهد، أبا إيبان، في هرتسيليا،

حيث نشر هذا المعهدُ دراسة استقصائية، أورد فيها المعطيات التالية:

  • تنفق الأونروا (الوكالة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين) على كل لاجئ فلسطيني 246 دولاراً أمريكياً من مجموع اللاجئين الفلسطينيين الذين بلغ عددهم 5,3 مليون لاجئ عام 2016.
  • بينما تنفق منظمة اللاجئين الدوليةUNHCR على اللاجئين الآخرين 58 دولاراً أمريكياً فقط، أي ربع ما يُنفق على اللاجئين الفلسطينيين.
  • وظفت الأونروا ثلاثين ألف موظف فلسطيني، بينما وظفت منظمة اللاجئين الدولية عشرة آلاف فقط.
  • عدد لاجئي العالم 68 مليون لاجئ.
  • الأونروا لا تسعى لحل مشكلة إسرائيل- فلسطين، بل تسعى لتقوية الفلسطينيين.
  • ضاعفت الأونروا عدد اللاجئين منذ عام 1948 كان عددهم 710,000 أما اليوم فوصل عددهم إلى 5,3 مليون.
  • للأونروا تاريخ ضد إسرائيل، بخاصة أثناء عملية الجرف الصامد حيث اعترفت الوكالة بوجود أسلحة في المدارس التابعة لها، وقد حولوها إلى حماس.
  • ظل الفلسطينيون يمنعون تجنيس الفلسطينيين في أماكن إقامتهم، ويمنعوهم من السكن بعيدا عن مخيماتهم.[10]

ظهرت أيضا، مبادرة الرئيس الأميركي، رونالد ريغن في ثمانينات القرن الماضي، والتي نصت على ما يلي:

“لا بد من التوفيق بين حقوق الفلسطينيين، ومطالب إسرائيل الأمنية”.

وكنتيجة للنجاح الإسرائيلي فقد ظهر الطور الجديد “المُعدَّل جينيا” من الحلول، المتمثل في وثيقة، بيرون الكندية تحت شعار: “شرق أوسط جديد بدون لاجئين، وذلك بمنح جوازات سفر لهم، وتعزيز التنمية الاقتصادية”.

واصلت إسرائيل سياسة المراحل في تمييع وإذابة قضية اللاجئين، وانتقلتْ من حالة الدفاع عن النفس باستقطاب ولاء الدول الغربية، وتوريط كل دول العالم في مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، إلى مرحلة الهجوم، وكان من أبرز نتائج الدبلوماسية الإسرائيلية تجميد القرارات الأممية كما أسلفنا، ثم أوعزت إلى دول العالم بأن يقدموا اقتراحات لحل المشكلة عبر التوطين، ليس في الدول العربية فقط، بل في الدول الأجنبية أيضاً.

استمرت إسرائيل في محاولتها إبعاد قضية اللاجئين وإلغائها، وانتقلتْ إلى طور جديد آخر، بدأ عام 2010 وما يزال العملُ جاريا على إنضاج آخر إبداعات السياسة الإسرائيلية، للقضاء التام على مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

نشرت بعض الصحف خبراً يفيد بأن إسرائيل قررتْ مقايضة المهاجرين اليهود من العالم العربي بقضية اللاجئين الفلسطينيين، بادِّعاء أن خمسة وثمانين ألف يهودي قد تركوا أملاكهم في الدول العربية، وهاجروا إلى إسرائيل.

تمثلت الخطة الإسرائيلية الجديدة فيما يلي:

أولا: تكليف ثلاث مؤسسات إسرائيلية لإنجاز مشروع توثيق، وإحصاء أملاك اليهود، الذين عاشوا في العالم العربي، ثم هاجروا إلى إسرائيل، وهي وزارة الخارجية، ووزارة شؤون المتقاعدين، بالتعاون مع المؤتمر اليهودي العالمي، وقد جرى توثيق عشرين ألف حالة من المهاجرين اليهود حتى الآن.!!

ثانيا: القيام بحملة إعلامية كبيرة في الداخل والخارج، ففي الداخل تقوم المؤسسات الثلاث برفع شعار حملة: [أنا لاجئ] للحصول على شهادات اللاجئين اليهود من العالم العربي، وتوثيق صورهم، ومستنداتهم، وذكرياتهم، وفي المقابل تتولى المؤسسات الثلاث إعداد مؤتمرات صحافية، وندوات دولية، اعتباراً من شهر أيلول (سبتمبر) 2010، بمناسبة انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وزعيم هذه الفكرة هو وكيل وزارة الخارجية، داني أيالون!!

ثالثا: تخصيص يوم احتفالي وطني إسرائيلي للمهاجرين اليهود من الدول العربية.

رابعا: إصدار لوائح وتشريعات قانونية من الكنيست الإسرائيلي تُلزم المفاوضين الإسرائيليين، بأن يطرحوا في مفاوضاتهم النهائية قضية “اللاجئين” اليهود من الوطن العربي، كشرط لإتمام أي مشروع سلام، أو توقيع أية اتفاقية، تعزيزاً للقانون، الذي أصدره الكنيست عام 2010، والذي ينص على ربط كل اتفاق نهائي بحل مشكلة أملاك اللاجئين اليهود، واستعادة حقوقهم كلاجئين.

خامسا: ربط قضية “اللاجئين” اليهود بمبادرة السلام العربية، التي أعلنها العاهل السعودي، الملك عبد الله، عام 2002، التي نصتْ على إنشاء دولة فلسطينية على حدود 1967، وعودة اللاجئين، والانسحاب من هضبة الجولان، كشروط لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ما يعني تسوية حقوق المهاجرين اليهود، ضمن بند التطبيع.

سادسا: إدماج قضية “اللاجئين” اليهود في ملف كل مباحثات مع دول العالم، وكذلك ملفات الأمم المتحدة، والمطالبة بأن تتبنى دول العالم هذه القضية، ضمن قوانين، وتشريعات جديدة، كما اقترح منسق المؤتمر اليهودي العالمي، داني ديكر.

سابعا: ربط قضية المهاجرين اليهود من الدول العربية بالهولوكوست، واعتبار “ترحيلهم” من الدول العربية إبادة جماعية، لذا يجب أن يُخلدوا كضحايا في النصب التذكاري الإسرائيلي، ياد فاشيم!!

“البند الأخير مُقترح من وزيرة شؤون المتقاعدين، ليئة ناس!!”[11]

يشير الباحث الأكاديمي، د. آدم روتر إلى أن نسبة اليهود الشرقيين (المزراحيم) من الدول العربية ممن يستحقون التعويضات عن أملاكهم، باعتبارهم لاجئين تبلغ 5% من مجموعهم الكلي في فترة الحرب العالمية الثانية، في المغرب، والعراق، ومصر، وتونس، نتيجة التغييرات الديموغرافية، يقول:

“كان مستوى حياة يهود القاهرة، وبغداد، أثناء الحرب الأولى أعلى من يهود أوروبا، فكانوا يعملون في التجارة، ومصانع النسيج، والسمسرة، ومحلات التجارة، والمعاملات البنكية والمصرفية، وفي تجارة الذهب.

وفي العهد العثماني عمل اليهود في القطاع الحكومي، ووصلوا إلى مراتب عليا، كمحصلي ضرائب، وقضاة، وكانت بعض العائلات تملك رؤوس أموال كبيرة.

أشعلت الحركة الصهيونية العداء في نفوس العرب، وزاد من هذا العداء إعلان قيام إسرائيل 1948، مما عزَّز اللاسامية، وصولا إلى المذابح ضد اليهود.

ونتج عن ذلك أن أقدمت الحكومات العربية على مصادرة وتأميم ممتلكات اليهود، ففي عام 1950 أممت حكومة العراق ممتلكات اليهود، بحجة تعويض اللاجئين الفلسطينيين، ولكن النقود تقاسمها السياسيون العراقيون، ولم تصل للفلسطينيين.

وفي عام 1960 أمم الرئيس، جمال عبد الناصر الممتلكات اليهودية، وحدث الشيء نفسُه في سوريا، وليبيا، وتونس، والجزائر، مما دفع اليهود إلى الهجرة بملابسهم الشخصية، بعد أن تركوا ممتلكاتهم.

عومل يهود المغرب بطريقة جيدة، وفي منتصف عام 1960 وصل عدد اليهود المهجرين من البلدان العربية أكثر من سبعمائة ألف يهودي، ومعظم هؤلاء هم اليوم في إسرائيل.

واجهت الباحثين الإسرائيليين عقبةٌ في تحديد أثمان ممتلكات اليهود المتروكة في العالم العربي، غير أنهم يتفقون على أن أغلى ممتلكات اليهود هي ممتلكاتُهم في مصر، فكان اليهود يملكون أكثر من نصف منطقة المعادي الراقية، التي تحولت إلى مساكن للسفارات، فهي حي راقٍ، يضاف إلى ذلك المصانع، والمخازن، وقطاعات الأعمال، التي احتلتها الحكومة، وبعضها ما يزال يُدار إلى اليوم من الحكومة، وهي تساوي مليارات الدولارات، وربما تصل قيمتها ما بين 15-20 مليار دولار.

يقترح، د. آدم روتر، أن تُطالب مصرُ بالتنازل عن ادعائها بملكية فندق، الملك داود في القدس:

“بنك مصر، (يدّعي) أنه يملك فندق الملك داود في القدس، هذا البنك  تملكه الحكومة المصرية، ويملك البنك 500 فرعٍ، البنك يطالب بنصيبه في أسهم الفندق، نسي البنك أن إسرائيل يمكنها أن تطالب بممتلكات اليهود في مصر، وإذا حدث ذلك، ستكون الصفقة مربحة لإسرائيل.[12]

يقول الباحث في جامعة، بار إيلان، والخبير في شؤون الشرق الأوسط، إيدي كوهن، وهو ابن لأحد المهاجرين من لبنان 1980، في دراسة  له في موضوع (النكبة):

“لم تعلن الدول العربية عن استعدادها لدفع التعويضات، فسوريا، لم تعد قائمة، فالحكومة السورية اليوم تعمل ضمن 25% من مساحة سوريا فقط، والوضع في العراق مماثل، فداعش، تحتل ثلثه، وليبيا قسمت بالفعل، أما الجزائر، وتونس فلم تتضح أمورهما بعد.

الدولتان المرشحتان لتقديم التعويضات هما اليوم، مصر، والمغرب، أما مصر فتعاني من ضائقة اقتصادية، وأما المغرب ففيها استقرار اقتصادي، المغرب فقط مؤهلةٌ لتقديم التعويضات.”[13]

أقرتْ الكنيست شباط (فبراير) 2010 قانونا يُلزم الحكومة، بطرح قضية تعويضات اليهود عن ممتلكاتهم في الدول العربية، ضمن أية تسوية مع الفلسطينيين، ووفق التقديرات فإن أملاك الفلسطينيين المهاجرين عام 1948 بعد حرب الاستقلال، تبلغ 60% من مجموع مستحقات اليهود في البلدان العربية، وفي إطار اتفاقية محتملة بموافقة دولية، فإن أميركا، والدول الأوروبية، ستكون مسؤولة عن تقديم التعويضات للطرفين، كجزءٍ من الحل النهائي!!!

تجري حكومةُ إسرائيل نقاشا حول اليهود الذين طردوا من الدول العربية، عشية قيام الدولة، تجري هذه النقاشات بعد قيام الكنيست قبل سنة ونصف، بسن قانون “احياء ذكرى خروج وطرد اليهود من الدول العربية وإيران”، والذي حدد تاريخ الاحتفال، يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام موعدا لإحياء هذه الذكرى. وسيقام النشاط المركزي في القدس.

كما تقرر قيام وزارة الخارجية بتنظيم نشاطات بواسطة بعثاتها الدبلوماسية من أجل زيادة الوعي الدولي في موضوع حقهم بالتعويض. ويجري دفع هذا الموضوع كجزء من توجه تدفعه الحكومة منذ 2009، والذي يدعو إلى التأكيد بأن عدد “اللاجئين اليهود” الذين استوعبتهم إسرائيل من الدول العربية في حينه، يساوي عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين (خرجوا) في أعقاب حرب التحرير.”[14]

ويقول الباحث، إيدي كوهين:

“عاش طوال سنواتٍ في الدول العربية، وإيران أكثر من ميلون يهودي داخل مجتمعات مزدهرة، وأداروا حياة ثرية. ثم تعرضوا للطرد، وجرى إحراق ممتلكاتهم، ونُفِّذتْ المجازر الجماعية ضدهم، كما حدث في مجزرة، فرهود، في العراق، وطرابلس، وعدن. لقد أجبر الكثير من اليهود على ترك بيوتهم، وهاجر بعضهم إلى إسرائيل، وآخرون إلى دول أخرى. هدفنا الآن هو رواية حكايتهم، وإيصالها إلى الرأي العام.

“إن هذه القضية ستفاجئ الكثيرين، فلليهود نكبةٌ، وهي نكبة كبيرة، نكبة يتم إحياء ذكراها في 30 تشرين الثاني (نوفمبر)، ترمز إلى طرد واقتلاع حوالي مليون يهودي خلال القرن العشرين من موطنهم.

للأسف، نكبتنا لا تحظى بدعم دولي، أو حتى قطري. ليس لها تنظيمات إسرائيلية وأجنبية تعترف بها وتعمل من أجل نشرها إعلاميا. ليس لها تنظيمات تدعمها، وتكتب عنها، وتجري مقابلات معنا، وتكتب مقالات علمية عنا نحن، اللاجئين، اليهود من الدول العربية. ليس لدينا تمويل وميزانيات كتلك التي تحولها أوروبا، وأميركا، وبقية الدول العربية للاجئي النكبة، الفلسطينيين”.[15]

إنَّ معظم الباحثين في إسرائيل تمكنوا من حَرْف قضية اللاجئين إلى مسارات أخرى لهدف تذويبها وطمس معالمها، ومن ثم المقايضة عليها، وهم يرون أن استيعابهم “للاجئيهم” اليهود من الدول العربية انتصارٌ إسرائيلي خالص، وهم كثفوا هجومهم بتأسيس جمعيات خاصة للمساومة على هذه القضية، على شاكلة جمعية، يهود الدول العربية وإيران، وكذلك شكلوا اللجان في الكنيست لإحياء موضوع اللاجئين اليهود من الدول العربية، واستحداث مقررات دراسية عن المهاجرين اليهود من الدول العربية.

اتسع نشاطُ إسرائيل في هذا الاتجاه ووصل إلى بعثة إسرائيل في الأمم المتحدة برئاسة، داني دانون، فقد نظمتْ البعثةُ مؤتمرَ المهاجرين اليهود من الدول العربية، من عام 1948- 1970 ردا على نظرية المهاجرين الفلسطينيين.

أشار المحتفلون إلى أن عدد المهاجرين اليهود وصل إلى 850,000 مهاجر يهودي من الدول العربية، أي أكثر من عدد المهاجرين الفلسطينيين منذ عام 1948 والذي يبلغ وفق الاحصاءات من  650,00- 700,000 فقط.

ألقيت الكلمات التالية في المؤتمر:

قال، دافيد سويسا، مؤسس مجلة عوليم، ومستشار إعلامي:

“انضممت إلى قافلة اللاجئين، منذ غادرت الدار البيضاء، الكل يعرف الكثير عن المهاجرين الفلسطينيين، ولكن القليلين يعرفون قضية المهاجرين اليهود.

اعتُقل يهودُ مصر، واتهموا بأنهم صهيونيون شيوعيون، وصودرت أملاكهم في القاهرة والإسكندرية، معظمهم هاجر عام 1948 والباقي عام 1956.”

وقال داني دانون، سفير إسرائيل في الأمم المتحدة:

“جئنا هنا لنؤكد على قصتنا المنسية، سأواصل جهودي لجعل العالم يعترف بتهجيرنا من الدول العربية، فقد جاء والدي من مصر مهاجراً، يجب على الأمم المتحدة الاعتراف بالمهاجرين اليهود”.

أما وزيرة المرأة والمساواة، غيلا غاملئيل فقالت:

“ولدت في ليبيا، من أب ليبي، وأم يمنية، أطالب الأمم المتحدة بالاعتراف باللاجئين اليهود.

أنفقت الأمم المتحدة خلال 65 عاما مليارات الدولارات على اللاجئين الفلسطينيين، ولم تنفق سنتا واحداً على اللاجئين اليهود. إن هجرتنا هي (نكبة يهودية)! كانت إسرائيل ضحية نجاحها، فقد حولت لاجئيها إلى مصدر فخر لها”.

وقال الصحافي، بن درور يمني:

“استوعبت إسرائيل مئات آلاف المهاجرين عام 1950، وبالرغم من الصعوبات إلا أننا نجحنا، في الاستيعاب، ونحن فخورون.”

وقال مالكولم حونين، نائب رئيس المؤتمر اليهودي في أميركا:

“لن ننسى الدروس المستفادة من هجرتنا”.

أما الحاخام، إيلي عبادي من جمعية العدالة لليهود، وهو يهودي مولود في لبنان من أسرة مهاجرة من حلب، ثم تركت لبنان 1971 إلى المكسيك فقال:

“يجب إرغام الدول العربية على إرجاع وحفظ التراث اليهودي، المقابر، والكنس، ويجب أن يكون موضوع اللاجئين على سلم أولويات أية تسوية”.[16]

خلاصة

إسرائيلُ غير مستعدة لعودة اللاجئين الراغبين إلى بيوتهم وفق المطلب الفلسطيني، وإن كل قرارات الأمم المتحدة بهذا الخصوص قرارات مرفوضة إسرائيليا.

وتقوم إسرائيل بتشجيع مبادرات الحلول الفردية لقضية اللاجئين، والتي تجعل منها قضية فردية، وليست حقا قانونياً وطنياً، أطلقت على هذا الملف اسم: (جمع شمل العائلات) في إطار إنساني.

ومن يتابع ممارسات الاحتلال، فإنه سيجد بأن المحتلين عندما فشلوا في إقناع العالم بأنهم استوطنوا أرضا بلا شعب، عمدوا إلى تفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين منذ اليوم الأول للاحتلال، فقد كان تأسيس المنظمات الإرهابية اليهودية يهدف إلى تهجير أهلنا من أرضهم بواسطة المجازر، والطرد المنظم.

واتبع المحتلون طرقا ووسائلَ شتى أهمها:

  • الطرد والتهجير القسري، [الترنسفير بأنواعه] بواسطة العمليات العسكرية وتدمير الممتلكات والبيوت لأسباب عسكرية وأمنية كثيرة ومتنوعة، فقد محا المحتلون معظم القرى الفلسطينية، وغيروا أسماءها كأبشع احتلال في التاريخ.
  • إفشال خطط بناء المجتمع الفلسطيني اقتصاديا، ويشمل ذلك احتكار التجارة، والتضييق على رؤوس الأموال، وإرغامها على الهجرة والاستثمار خارج الوطن، وجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعا، يدور في ذيل فلك الاقتصاد الإسرائيلي.
  • التخريب المنظم للتعليم، ويندرج تحت هذا المخطط، تخريب المناهج الدراسية، وحشو الطلاب في الفصول الدراسية بأعداد كبيرة، وعدم السماح ببناء مدارس جديدة، وإبقاء المدرسين في ذيل السلم الوظيفي الحكومي، وفرض حصار على المعامل العلمية والأنشطة الفنية التربوية.
  • تأسيس البنية التحتية للهجرة، مثل الإعلانات في الجرائد والمجلات عن فُرص الهجرة، ومنح التراخيص لمكاتب الهجرة ودعمها.
  • تشجيع عمل الأطفال الفلسطينيين في سن مبكرة.

فتح المحتلون أبواب العمل في السبعينات، والثمانينات للأطفال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وأوجدوا البنية الأساسية لتخريب الجيل الفلسطيني،  مما دفعهم لترك مدارسهم..

  • مطاردة الشباب الفلسطيني واعتقالهم وسجنهم وإبعادهم، ومساومتهم على الهجرة.
  • بذر الشقاق في المجتمع الفلسطيني، وإحداث شرخ في نسيجه بواسطة إثارة الأحقاد والضغائن بالنعرات مثل: مواطن، لاجئ – مقيم، وعائد – حضري، وبدوي، وكان المحتلون يعملون بمخطط مدروس خلال الاحتلال لترسيخ القبلية والعنصرية، فقد كانت الطلبات التي تقدم لسلطات الاحتلال، وكل الاستمارات التي توزع تؤكد على خانة الانتماء الأسري، والعائلي، واعتمدوا لترسيخ ذلك خطة ترقيم هوياتنا، فرقم، 9 للمقيمين، و8 للعائدين بجمع الشمل، ورقم 4 للعائدين بعد اتفاق أوسلو، واعتمدوا نظام الألوان، فالبطاقات الفسفورية الحمراء لسكان قطاع غزة، أما الزرقاء، والخضراء، فلسكان القدس، والضفة.

نجحت إسرائيل في نقل تبعات القضية ومسؤوليتها إلى دول العالم، حيث ربطتْ قضية اللاجئين الفلسطينيين باللاجئين اليهود من العالم العربي، بالرغم من الفارق الكبير بين الحالتين، واستغلت الأحداث الجارية في العالم العربي، لتدمج قضية اللاجئين الفلسطينيين، مع حركة اللجوء العربية إلى دول العالم، مع محاولتها المستمرة ربط الفلسطينيين بالحركات الإرهابية.

قامت إسرائيل بتقسيم اللاجئين إلى فئات، وهي لا تعترف بحقوق اللاجئين الفلسطينيين الصامدين في أرضهم منذ عام 1948، ممن نُزعتْ أملاكهم وقراهم، واضطروا لتركها والسكن في قرى ومدن أخرى إلى جوار أملاكهم وقراهم، وهذا الملف لم يوثَّق فلسطينيا كوثيقة قانونية، فما حدث في قرى ومدن الجليل يُدين إسرائيل بجريمة التطهير العرقي.

تعتمد إسرائيل في تكتيكات المفاوضات على إرجاء ملف اللاجئين إلى المباحثات النهائية، وجعل ملف حل قضية اللاجئين شرطاً رئيساً لإتمام أية تسوية مقبلة، لأنه أكثر الملفات خطورة على إسرائيل.

تربط إسرائيل بين حق العودة، وحق إسرائيل في المحافظة على أمنها، وتجعل حق العودة خاضعا لملف المخابرات الإسرائيلية، بحجة المحافظة على الأمن.

تستفيد إسرائيل من تناقضات المطالب الفلسطينية وعدم تحديد مفهوم (حقوق اللاجئين) من قبل التيارات والأحزاب الفلسطينية، وعدم وجود ملفات قانونية ووثائق حقوقية تحفظ حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

وقد نجحت إسرائيل في ربط أية مطالبة بحق العودة بتقويض وجود إسرائيل، وهذا هو المفهوم الذي رسّخه الإعلام الإسرائيلي في معظم دول العالم.

إن معظم مؤسسات ومنظمات وجمعيات اللاجئين الفلسطينيين، وهي أكثر من أن تُحصى، ما تزال عاجزة عن تكوين أرشيفات توثيقية شاملة، بالصوت والصورة لحقوق اللاجئين وتسلسل أجيالهم، وما يترتب على هذه الحقوق من مضاعفات حياتية وتعليمية.

وتقتصر جهود الكثير منها على إصدار الأوراق والمنشورات في المناسبات، وعقد مؤتمرات في مناسبات اللجوء المأساوية، بدون أن تتمكن من القيام بجهد مركزي، بتكثيف الجهود وتوحيدها، وبخاصة الجمعيات والمؤسسات التي ترفع شعار اللاجئين، لغرض إنجاز برنامجٍ شامل لتوثيق الحقوق الفلسطينية بالصوت والصورة، وإبراز الوثائق الفلسطينية، وأعتبرُ هذا المشروع أهم بكثير من الخطابات السياسية، والشعارات الحزبية المُكررة، والخلافات على المناصب والمكاسب، وهذا ما يستلزم:

  • تأسيس بنية إعلامية أرشيفية لحق العودة، تأخذ في الاعتبار الواقع الراهن وتكنولوجيا العصر.
  • أن يتوجه الإعلام الفلسطيني إلى الرأي العام العالمي بلغاته المختلفة، وبطريقة حديثة تعتمد اللغة الرقمية، والمنظومة القانونية العالمية في موضوع حقوق الإنسان.
  • الاهتمام باليسار الإسرائيلي الداعم لحقوقنا المشروعة ومن ضمنها حق العودة، إذ أن هناك مواقع وجمعيات إسرائيلية تدعم الحق الفلسطيني مثل جمعية [ زوخروت] أي الذكريات.
  • تشكيل لجان متخصصة في قضايا حق العودة مثل: منظومة القوانين الدولية، والعلاقات العامة، والإعلام.
  • إدراج حق العودة في المناهج الدراسية.
  • تجديد المعلومات الإحصائية في كل عام، بالتعاون والتنسيق مع وكالة غوث اللاجئين.
  • تكثيف الجهود لإنتاج برامج ومسلسلات عن حق العودة.
  • إجراء مسابقات في الفنون التي تعالج حق العودة.
  • تأسيس قناة فضائية، وإذاعة مسموعة فلسطينية متخصصة في حق العودة.

 

 

مراجع البحث

[*] كاتب وباحث فلسطيني.

[1] كتاب اللاجئين، نمرود هغلعادي ص11-20.

[2] طهارة السلاح، دان ياهف ص7-9.

[3] الإسرائيليون الأوائل، توم سيغف 40-41.

[4] الستار الحديدي، آفي شلايم ص67.

[5] التطهير العرقي، إيلان بابيه ص17.

[6] طهارة السلاح، مرجع سابق ص23.

[7] صحيفة يديعوت حرونوت، بن درور يمني 5-12-2015.

[8] = إسرائيل هايوم، ملف خاص 14-5-2015.

[9] = الأيام/ مقال توفيق أبو شومر 4-10- 2017.

[10] صحيفة، يديعوت أحرونوت 28-8-2017.

[11] = جيروسلم بوست 29-8-2012.

[12] = يديعوت أحرونوت 3-8-2015.

[13] المرجع السابق.

[14] صحيفة إسرائيل هايوم 30-11-2015.

[15] المرجع السابق.

[16] صحيفة تايمز أوف إسرائيل 3-12-2015.