د. عدنان ملحم[1]

[1] عضو مجلس إدارة “مركز الأبحاث” وعضو هيئة تحرير “شؤون فلسطينية”.

مركز الأبحاث

نستعرض في هذه الجولة ونحلل ما نشر في المجلة عن علاقات التحالف والاختلاف بين إسرائيل وكل من جنوب أفريقيا وإيران، بهدف رصد المشهد السياسي الحالي، ومعرفة جذور العلاقات بين هذه الكيانات السياسية المختلفة.

سافرت الدراسة في دواخل أربع عشرة مادة إعلامية بحثية، كتبها مجموعة من الباحثين والمختصين والساسة الذين يشار لهم بالبنان. تمثل جميعها بواكير مميزة وأصيلة، استند عليها جميع من كتب عن الموضوع لاحقاً.

أولاً: اهتمت مجلة شؤون فلسطينية بدراسة أسس وطبيعة العلاقات بين إسرائيل وجنوب أفريقيا في المجالات الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. وهما رمزا الاستيطان الاستعماري، وراعيا عجلة الشر والظلم واللإانسانية على مستوى العالم قاطبة.

وتبدو واضحة القواسم المشتركة بين النظامين الاستيطانيين العنصريين في الفكر والمنطلقات والسياسات، كل في موقعه وتاريخه وإمكاناته ومحيطه. ويتضح من خلال قراءة وتحليل الأبحاث المرتبطة بهذه العلاقات، حرص إسرائيل على أن تشكل جميعها رافعة حقيقية لمشروعها السياسي والاقتصادي بالدرجة الأولى. وسنبحث بمكونات سبعة أبحاث نشرتها المجلة حول هذه العلاقة وهي:

جورج طعمة، جنوب أفريقيا وإسرائيل (العدد 28، السنة 1973، ص85-97)، وأليزابيث ماثيو، إسرائيل وجنوب أفريقيا (العدد 73، السنة 1977، ص130-155)، ووفيق أبو حسين، التكامل الإستراتيجي بين إسرائيل وجنوب أفريقيا (العدد 114، السنة 1981، ص70-94)، ومحمد شهير العبسة، أفريقيا وقضية فلسطين (العدد 202، السنة 1990، ص60-78). ونجدة الشواف، التغلغل الإسرائيلي في جنوب أفريقيا (العدد 204، السنة 1990، ص91-108)، ويزيد الصايغ، تعاون إسرائيل وجنوب أفريقيا (العدد 212، السنة 1990، ص102-105)، وعبد الوهاب المسيري، الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا: التاريخ، والإشكاليات والتوقعات (العدد 212، السنة 1990، ص82-90).

1- أشار وفيق أبو حسين ونجدة الشواف إلى أن إنشاء الكيانين الاستعماريين الاستيطانيين في جنوب أفريقيا 1910 وفلسطين 1917 قد خطط له من أجل حماية المصالح التجارية الاستعمارية البريطانية، المتمثلة في التحكم بمفاصل المواصلات الإستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي وأبرزها رأس الرجاء الصالح، وقناة السويس، بالإضافة إلى السيطرة على ثروات وأسواق ومقدرات وتاريخ المنطقتين[1]. وأضاف محمد العبسة أيضاً نقطة أخرى، وهي الوقوف في وجه القيادات الشيوعية والقبلية والعسكرية[2].

واتخذ الكيانان من خطط طرد السكان الأصليين من أوطانهما بالقوة وإحلال أتباعهما في الأرض موضع الاهتمام وسيلة أساسية لذلك[3].

وأكد عبد الوهاب المسيري إيمان أصحاب المشروعين في جنوب أفريقيا وفلسطين بالتفوق العنصري، وبأنهما يمثلان شعب الله المختار، ويحمل كل منهما رسالة خالدة من أجل الحفاظ على قيم ومبادئ ومصالح الحضارة الغربية، وأنهما محاصران بعوالم معادية هدفها القضاء على وجودهما[4].

ووصف جورج طعمة مجتمعاتهما بالتعددية القومية واللغوية والمذهبية غير المتجانسة: ففي جنوب أفريقيا هناك: الأفارقة السود (السكان الأصليون). وهناك البيض، والآسيويون، والهنود. وفي فلسطين العرب الفلسطينيون (السكان الأصليون)، والأشكناز (اليهود الذين ترجع أصولهم إلى مناطق أوروبا الشرقية)، والسفارديم (اليهود الذين ترجع أصولهم إلى إسبانيا والبرتغال أو منطقة البحر الأبيض المتوسط)[5].

واتخذت -حسب حسين وفيق أبو حسين ونجدة الشواف– جنوب أفريقيا وإسرائيل من العنصرية في مجالات التعليم والعمل والمواطنة والثقافة والقانون واللغة والمذهب أساساً في حركة نظامهما العام[6]، وأشار وفيق أبو حسين إلى خروج النظامين العنصريين من فلك السياسة البريطانية: إسرائيل عقب إعلان ولادتهما عام 1948، وجنوب أفريقيا عام 1910[7].

2- أجمل نجدة الشواف العوامل التي سهلت على إسرائيل التسلل إلى أفريقيا، وهي تشجيع الدول الاستعمارية بهدف إيجاد بديل معتمد يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية، بالإضافة إلى وجود علاقات وثيقة بين النخب الإسرائيلية والجنوب أفريقية، نشأت عن طريق الدراسة والثقافة، ناهيك عن غياب المنافس العربي والإسلامي الحقيقي، القادر على وقف التمدد الإسرائيلي[8].

واعترف عبد الوهاب المسيري أن الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا لعبت دوراً كبيراً في فتح أبواب البلاد أمام إسرائيل، بفعل قوتها الاقتصادية والسياسية وسيطرتها على مفاصل المجتمع الفاعل هناك. وأورد أعداد عناصر هذه الجالية، فقد بلغت أعدادهم عام 1880 (4,000)، 1904 (38,101)، 1951 (108,498)، 1960 (114,762)، 1989 (120,000)[9].

وأضاف وفيق أبو حسين ونجدة الشواف أن تزمت أبناء الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا للحركة الصهيونية، وبرنامجها والسياسي الاستيطاني، ساعد على ذلك أيضاً[10].

3- واستعرض وفيق أبو حسين، ونجدة الشواف وجورج طعمة مسيرة العلاقات السياسية بين جنوب أفريقيا وإسرائيل، فقد شجع رئيس وزرائها جون سمطس القادة البريطانيين عام 1917 على إصدار وعد بلفور. ووافق وفدها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 على مشروع قرار تقسيم فلسطين. وفي عام 1948، قدمت حكومة جنوب أفريقيا إلى إسرائيل كل الدعم السياسي، واعتبرت انتصارها (عدالة إلهية)[11].

وأشار وفيق أبو حسين إلى أنه في الفترة ما بين عامي (1949-1967) شهدت العلاقات بين جنوب أفريقيا وإسرائيل تطوراً كبيراً، وتبادل الطرفان الزيارات السياسية على مختلف المستويات في الأعوام 1953، و1957، و1961، و1965، وكذلك تنسيق المواقف تجاه مختلف القضايا. وحرصت إسرائيل على الحذر في إظهار علاقاتها مع حليفتها الأفريقية، خوفاً من أن تتهم بالعنصرية، ومحاولة منها لإقناع شعور القارة الأفريقية بأنها تختلف عن نظام جنوب أفريقيا[12].

وأضاف وفيق أبو حسين ونجدة الشواف معلومات عن إقامة إسرائيل عشية حرب عام 1967 علاقات مع 32 دولة أفريقية من أصل 38 منها، ومثّل ذلك انتصاراً دبلوماسياً كبيراً لها. ورأت جنوب أفريقيا في هزيمة إسرائيل لأعدائها في الحرب المذكورة، درساً من أحد رموز العدالة الصغيرة لكل أنظمة الظلم في العالم وخاصة إفريقيا[13].

وخلال الفترة ما بين عامي 1967-1973 وحسب -نجدة الشواف ومحمد العبسة- نمت في أفريقيا حالة عداء ضد إسرائيل بسبب احتلالها لأراضٍ لا تملكها ودعمها لمختلف القوى الانفصالية في القارة السوداء مثل نيجيريا، بالإضافة إلى تحالفها الوثيق مع رمز العنصرية العالمية آنذاك جنوب أفريقيا[14].

وأوضح وفيق أبو حسين أن التمثيل الدبلوماسي بين إسرائيل وجنوب أفريقيا، اتخذ حتى عام 1972 شكل المفوضية ثم تحول إلى ممثلية، وأصبح عام 1973 سفارة مستقلة[15].

وخلال الفترة التي أعقبت حرب عام 1973 وامتدت حتى عام 1977، ذكر نجدة الشواف ومحمد العبسة قيام العديد من الدول الأفريقية، بقطع علاقاتهما مع إسرائيل تلبية للضغوط الدولية المتصاعدة، ودعماً للحقوق العربية المتمثلة بتبني قرارات الأمم المتحدة وفي مقدمتها: قرار مجلس الأمن رقم 242، والانسحاب من جميع الأراضي التي احتلت عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أماكن سكناهم التي هجروا منها عام 1948[16].

واتفقت معظم مصادر الدراسة أن ذلك لم يؤثر على متانة العلاقات بين إسرائيل وجنوب أفريقيا، وقد لعبت الأولى عرّاباً دولياً لمساعدة نظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي في التملص من تبعات الحصار السياسي والاقتصادي والدولي[17].

ومع سقوط الأنظمة الديكتاتورية في البرتغال وأنغولا عام 1974، أورد نجدة الشواف تأكيدات على إصابة النظام السياسي في جنوب أفريقيا بالرعب، ما زاد في عزلته، ودفعه تجاه إسرائيل أكثر فأكثر[18].

وأجمل نجدة الشواف ومحمد العبسة ملامح الفترة التي أعقبت زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل في 19/11/1977 وتوقيع مصر معاهدة كامب ديفيد معها في 17/9/1978. وأشارا إلى إعادة إسرائيل معظم علاقاتهما مع الدول الأفريقية إلى طبيعتها وتألقها. ولعبت جنوب أفريقيا دوراً كبيراً في إعادة فتح الأبواب أمام حليفتها للدخول ثانية إلى القارة الأفريقية[19].

واتفقت جميع المصادر –موضوع الدراسة– على حالة العداء الكامل لدولة جنوب أفريقيا العنصرية من قضية فلسطين، وهي حالة بدأت منذ تأسيس النظام العنصري عام 1910 واستمرت حتى عام 1994، موعد سقوط وتأسيس نظام ديمقراطي جنوب أفريقي يمثل طموح وآمال شعبه المناضل، وهو موقف عارض إلى حد كبير مواقف العديد من الدول الأفريقية والعربية والدولية من القضية الفلسطينية، فقد افتتح أول مكتب لـ م.ت.ف. في مقديشو العاصمة الصومالية في 4/7/1970، ثم تشاد وأوغندا. ولعل علاقات م.ت.ف. القوية مع حركات التحرر الأفريقية قد دعمت هذا التطور[20].

4- اتفق كلّ من وفيق أبو حسين واليزابيث ماثيو على أهمية العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل وجنوب أفريقيا. وأشارا إلى الدور الكبير الذي لعبته قيادات الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا في تمتين هذه العلاقات من خلال تأسيس مشاريع اقتصادية مشتركة، وإنشاء المؤسسات والبنوك المختلفة، وتقديم تسهيلات مالية داعمة لذلك، بالإضافة إلى عقد المؤتمرات واللقاءات الاقتصادية الخاصة[21].

استوردت إسرائيل من جنوب أفريقيا الماس الخام والمنسوجات والمنتوجات الكيماوية. وصدرت الأسلحة والمنتوجات الإلكترونية المتطورة[22]. وذكر وفيق أبو حسين حجم الصادرات الإسرائيلية لجنوب أفريقيا. فقد بلغت عام 1979 (12 مليون دولار)، وعام 1974 (28,7 مليون دولار)، وعام 1979 (43 مليون دولار)، واستوردت منها في عام 1973 (27,5 مليون دولار) وعام 1974 (38,4 مليون دولار)، وعام 1979 (43 مليون دولار)[23]. وذكر جورج طعمة ونجدة الشواف أن رجال المال اليهودي في جنوب أفريقيا قد جمعوا لدولة إسرائيل أثناء حربها عام 1967 مبلغ (28 مليون دولار)[24].

5- أورد وفيق أبو حسين وجورج طعمة وأليزابيث ماثيو معلومات تجنيد ممثلي الهاغاناة في جنوب أفريقيا عام 1972، جنوداً من المتطوعين الذين تم إرسالهم إلى فلسطين للمشاركة في القتال لصالح العصابات الصهيونية، مزودين بشحنات ضخمة من المؤن والأدوية الطبية[25]. وقاتل موشي ديان في حرب عام 1948 القوات العربية على الجبهة السورية تحت قيادة ضابط من جنوب أفريقيا[26]. وأضاف نجدة الشواف وأليزابيث ماثيو أن المؤسسة العسكرية في جنوب أفريقيا، قد وضعت طائراتها من نوع ميراج الفرنسية تحت تصرف إسرائيل، أثناء حربها في عام 1967[27]. وأضاف أنه في المقابل، أرسلت إسرائيل عام 1974 إلى جنوب أفريقيا 500 جندي وخبير عسكري لمساعدة نظامها على قمع ومواجهة الثوار السود[28]. وأشار عبد الوهاب المسيري إلى مشاركة هؤلاء في تنفيذ قوانين الفصل العنصري ضد الأفارقة[29].

وذكر يزيد الصايغ أن إسرائيل زودت جنوب أفريقيا عام 1989 بالتكنولوجيا اللازمة لإنتاج الصواريخ البالستية والبرامج الإلكترونية –خدمة– للأهداف العسكرية[30]. وأضاف جورج طعمة تصدير جنوب أفريقيا إلى إسرائيل في الأعوام 1966 و1970 دبابات عسكرية ضخمة من نوع (السنتوريون)[31] وتعاون الطرفان –حسب نجدة الشواف– عام 1959 في إنتاج القنابل النووية، ونقل لذلك جهاز الاستخبارات الإسرائيلية البلوتونيوم واليورانيوم إلى موقع المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا، وشاركت كلتا الدولتين في التجربة النووية التي تمت في المحيط الهندي في 22/9/1979[32].

وأشارت أليزابيت ماثيو إلى حجم صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى جنوب أفريقيا، التي بلغت عام 1973 (60 مليون دولار)، قفزت عام 1976 إلى (320 مليون دولار)[33].

6- ولعل النشاطات الثقافية قد لعبت دوراً مهماً في إكساب العلاقة بين الكيانين؛ جنوب أفريقيا وإسرائيل، أهمية خاصة. وأورد وفيق أبو حسين وجورج طعمة عشرات الأمثلة على المؤتمرات والورش والدورات والرحلات والأبحاث المشتركة في المجالات السياسية والعلمية والثقافية والاقتصادية والإعلامية. وشارك فيها آلاف الزعماء والعلماء والطلبة من مختلف الأطياف المهنية والوظيفية والعلمية[34].

ثانياً: اهتمت مجلة شؤون فلسطينية أيضاً من خلال أبحاثها ومقالاتها وتقاريرها المختلفة بدراسة تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية بين إسرائيل وإيران. ويبدو واضحاً خضوع هذه العلاقات لقواعد وأسس المصالح المشتركة المتسمة بالتغير وليس الثبات، والهادفة في مجموعها إلى المحافظة على فضاءات التكامل والتنسيق والتعاون بينهما على مختلف الأصعدة.

تجول زاوية أنثولوجيا أيضاً في هذا العدد بنصوص سبعة أبحاث نشرتها مجلة شؤون فلسطينية حول العلاقات الإسرائيلية الإيرانية وهي: أحمد شاهين، المجابهة الأميركية الإيرانية (العدد 97، التاريخ 1977، ص153-156)، وحنة شاهين، ردود الفعل الإسرائيلية على الثورة الإيرانية (العدد 97، التاريخ 1979، ص137-143)، وتوفيق فياض، إسرائيل الخاسر الأكبر من ثورة إيران (العدد 87/88، التاريخ 1979، ص258-262)، وحليم أحمد، الثورة الإيرانية والصراع العربي الإسرائيلي العدد 87/88، التاريخ 1979، ص251-257)، وخليل الزبن، زيارة عرفات الثانية لإيران، (العدد 101، التاريخ 1980، ص132-138)، وعمرو هاشم، تطور العلاقات الإسرائيلية– الإيرانية (1948-1987) (العدد 188، السنة 1988، ص81-90)، وجمال علي زهران، تطور العلاقات الإيرانية– الإسرائيلية بين عهدي الشاه والخميني (العدد 238-239، التاريخ 1993، ص39-49).

1- أشار جمال زهران إلى وجود علاقات بين مؤسسات الحركة الصهيونية في فلسطين وإيران قبل عام 1948، حيث سهلت الأخيرة عمل الوكالة اليهودية في أراضيها، فهاجر 100.000 يهودي إلى فلسطين[35]. وأضاف مع عمرو هاشم معلومة عن رفض إيران لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947[36].

اعترفت إيران بإسرائيل عام 1950، وعللت ذلك -حسب عمرو هاشم– بأن الدول العربية نفسها، قد سبقتها في ذلك من خلال توقيعها اتفاقات الهدنة مع إسرائيل عام 1949، وقد جوبه القرار بمعارضة شعبية إيرانية، الأمر الذي اضطر الدولة للسيطرة عليها، بفرض الأحكام العرفية[37].

وأضاف عمرو هاشم أن حكومة رئيس وزراء إيران الوطنية الإصلاحية بزعامة محمد مصدق، ألغت قرار الاعتراف بإسرائيل بتاريخ 23/3/1951، رافضة كل أشكال العلاقة معها. إلا أن نجاح عملية الانقلاب التي قادها الجنرال فصل الله زاهدي عام 1953، بدعم من أميركا وحلفائها أعاد إسرائيل إلى ساحة إيران بقوة كبرى، وفتح أمامها جميع الأبواب الاقتصادية والعسكرية[38].

وترى حنة شاهين أن إصرار شاه إيران آنذاك رضا بهلوي على إقامة علاقات مع إسرائيل، يعود إلى إيمانه بأنها مشروع غربي حليف للغرب، سيكون له السند والعزوة في صراعه مع الاتحاد السوفياتي أولاً، ومع جيرانه العرب ثانياً، وخاصة مع بروز نجم جمال عبد الناصر. وكانت إسرائيل بحاجة إلى هذا التحالف لكسر عزلتها والخروج من حصارها السياسي والإقليمي[39].

وأوضح عمرو هاشم استمرار علاقات إسرائيل السياسية مع إيران بالتطور والنمو خلال فترة الخمسينيات والستينيات، وشهد البلدان زيارات رسمية سرية متبادلة لمسؤولين من الطرفين. وأعلن الشاه في بداية التسعينيات أن إسرائيل وإيران حال واحد. وبعد عودة علاقات مصر مع إيران عام 1971، سعت الأخيرة إلى أن تكون عراباً لدخول حليفتها إسرائيل إلى العالم العربي، لكنها فشلت في جهودها[40]. وأضاف كل من عمرو هاشم وجمال زهران محاولات شاه إيران بعد حرب عام 1973 خلق توازن في علاقاته مع العالم العربي دون أن يتخلى في الوقت نفسه عن إسرائيل، فسمح مثلاً للطائرات السوفياتية بنقل الدعم العسكري والاقتصادي والطبي لسوريا، وزود مصر بالنفط اللازم لها. لكنه استمر في دعم إسرائيل بالنفط والدعم اللازم لها على كل الأصعدة[41].

وشرح عمرو هاشم الظروف التي أحاطت علاقة إيران بإسرائيل بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس عام 1977 وتوقيعه معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، فقد ازدادت علاقاتهما متانة وعمقاً، على الرغم من حالة الغضب والاحتجاج التي شهدتها أجواء إيران[42].

وقدم عمرو هاشم تفسيراً لأسباب التوتر التي أصابت العلاقات بين إيران وإسرائيل بعد ذلك بفترة وجيزة، وهي عدم وقوف إسرائيل مع إيران في وجه النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، وخاصة في أفغانستان، بالإضافة إلى تعثر المفاوضات في الشرق الأوسط بسبب تعنت حكام تل أبيب، ما دفع رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن لزيارة طهران بتاريخ 22/7/1978[43].

ورصدت مصادر الدراسة التطورات التي أعقبت هروب شاه إيران من البلاد بتاريخ 16/1/1979. ومغادرة الدبلوماسيين الإسرائيليين العاصمة طهران، ووصول آية الله الخميني زعيم الثورة الإسلامية الدينية وطنه في شباط 1979، وإعلانه أن صراع العالم الإسلامي مع إسرائيل عقائدي لا يمكن تجاوزه، وقرار مهدي بازكان وزير النظام الإيراني الجديد قطع علاقاته مع إسرائيل فوراً[44].

ولخصت حنة شاهين وتوفيق فياض حجم خسارة إسرائيل بعد انتصار ثورة إيران، فقالا “إنها ضربة وتهديد لأمنها واقتصادها، وإخلال بميزان القوى العسكري والسياسي والتكنولوجي في منطقة الشرق الأوسط قاطبة”[45].

وأضافت حنة شاهين وتوفيق فياض وحليم أحمد، إيمان إسرائيل بأن التغيير في إيران سيكون وسيلة لتغلغل الاتحاد السوفياتي بالمنطقة، بهدف السيطرة على مصادره وموارده، وهو انتصار للقوى المعادية للعرب. وقد اعتبرت أميركا إيران قاعدة اقتصادية وعسكرية وسياسية مهمة، وقاعدة حراسة لمنطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر وأفريقيا، وداعمة موثوقة للقوى التابعة لها وخاصة إسرائيل وجنوب أفريقيا[46].

ورأت حنة شاهين وتوفيق فياض وعمرو هاشم، أن نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، أجبر إسرائيل على إنشاء حلف موالٍ للغرب غير معلن، وذلك بالتعاون مع مصر وتركيا والأردن ودول الخليج والسودان، والبحث عن حلول سلمية لقضية الشرق الأوسط من خلال تطبيق فكرة الحكم الذاتي على الفلسطينيين، وقيادة خطط غربية لرفع مستوى معيشة الناس في المنطقة ودعم اقتصاد دولهم. وقد عقدت سلسلة لقاءات تنسيقية بين مصر والمغرب والأردن لذلك[47].

فلسطينياً، أشار عمرو هاشم إلى إعلان إيران الصريح عام 1975 دعمها لـ م.ت.ف، ومبادئ السياسة الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية، وأهمها انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية عليها، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي طردوا منها[48].

وأورد جمال زهران اعتراف إيران الإسلامية بأن م.ت.ف هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وسماحها بفتح مكتب تمثيلي للمنظمة في طهران، اتخذ من سفارة إسرائيل مقراً له[49].

وأوضح خليل الزبن تفاصيل الموقف الفلسطيني من انتصار ثورة إيران، فقد صرح ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف أن الثورتين الفلسطينية والإيرانية “ثورة واحدة”، وأنهما صمام أمان وأمل حقيقي لحرية الشعب الفلسطيني. وطالب بدعم إيران للوقوف في وجه مؤامرات أميركا، وإسقاط معاهدة كامب ديفيد. في حين اعتبر آية الله الخميني ثورة الشعب الفلسطيني الجدار الصلب الذي يقف في وجه أميركا وإسرائيل. ووصف أول رئيس لإيران بعد الثورة الإيرانية عام 1979 الحسن بني صدر قضية فلسطين، بأنها قضية داخلية إيرانية، وأن علاقات بلاده مع م.ت.ف إستراتيجية[50].

وقدم أحمد شاهين شرحاً للدور الذي قامت به م.ت.ف لإيجاد حل لقضية احتلال مجموعة من الطلبة الإيرانيين السفارة الإيرانية واحتجازهم مئة رهينة، منهم ستون من حملة الجنسية الأميركية. واعتبرت م.ت.ف أن تحركها هذا ينطلق من ثوابت وأسس العلاقة الوثيقة التي تربطها بالثورة الإيرانية. ورفضت وصف تدخلها بالقضية المشار إليها بالوساطة، واعتبرت نفسها شريكة مع هموم وقضايا الشعب الإيراني[51].

وتعرضت العلاقات الإيرانية الفلسطينية –حسب عمرو هاشم– إلى أزمة حقيقية بسبب دعم م.ت.ف للعراق في الحرب العراقية الإيرانية، التي اندلعت في الفترة ما بين (1980-1988)[52].

2- أكد عمرو هاشم وحنة شاهين أن النفط هو أهم الواردات والاهتمامات التي حرصت إسرائيل على استيرادها من إيران. وعلى إثر إغلاق قناة السويس عام 1967، مُدَّ خط أنابيب لنقل النفط الإيراني إلى ميناء حيفا. وظل يضخ الذهب الأسود إلى إسرائيل حتى اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979[53].

وأضاف أن إسرائيل صدرت لإيران المنتجات الزراعية والكيماوية والتكنولوجيا. وبلغ حجمها عام 1967 (12.6 مليون دولار)، وعام 1978 (225 مليون دولار)[54].

وتبدو الأهمية الاقتصادية لإيران عند أميركا أيضاً، فأشار حليم أحمد إلى أنها ظلت سوقاً ضخمةً لمنتجات أميركا في جميع المجالات، ومُصدر نفط يغطي 75% من احتياجاتها واحتياجات كل من أوروبا وإسرائيل واليابان وجنوب أفريقيا[55].

3- أوضح عمرو هاشم وجمال زهران اعتماد إيران بشكل كبير على ترسانة الأسلحة الإسرائيلية، وقد ظل هذا الوضع مستمراً حتى بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وتحديداً خلال فترة حربها مع العراق (1980-1988)، فقد كانت أسلحة إيران ذات أصول إسرائيلية: دبابات، طائرات، ولذا، فقد احتاجت خلال الحرب المذكورة للتزود بقطع غيار من إسرائيل، وقد تم ذلك عبر وسطاء إسرائيليين وإيرانيين في لندن[56].

وأضاف عمرو هاشم أن الخبراء والعلماء الإسرائيليين قدموا خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، كل دعمهم وخبراتهم لمشروع إيران للطاقة الذرية المخصص للأغراض السلمية[57].

4- وذكر عمرو هاشم خطط إسرائيل المنظمة طوال فترة علاقاتها مع إيران، لاستضافة البعثات والمؤامرات والرحلات والزيارات العلمية والثقافية للطلبة والعلماء والنقابات والاتحادات الإيرانية، بشتى اهتماماتها وتخصصاتها[58].

 الهوامش

  1- وفيق أبو حسين، ص 71، 77، 8. نجدة الشواف، ص 103.

2- محمود العبسة، ص 6.

3- وفيق أبو حسين، ص77، 78.

4- عبد الوهاب المسيري، ص86.

5- جورج طعمة، ص 94، 95.

6- وفيق أبو حسين، ص 80. ونجدة الشواف، ص 101.

[7] وفيق أبو حسين، ص71.

[8] نجدة الشواف، ص93، 94.

[9] عبد الوهاب المسيري، ص 83، 84، 85.

[10] وفيق أبو حسين، ص 73. نجدة الشواف، 101.

[11] وفيق أبو حسين، ص 74. نجدة الشواف، ص 101، 102.

[12] وفيق أبو حسين، ص 75.

[13] وفيق أبو حسين، ص75. نجدة الشواف، ص 101.

[14] نجدة الشواف، ص97، 98. محمد العبسة، ص66.

[15] وفيق أبو حسين، ص92.

[16] نجدة الشواف، ص 98، 102، 104. محمد العبسة، ص 68، 69، 70، 72، 73.

[17] وفيق أبو حسين، ص75. نجدة الشواف، ص 83. محمد العبسة، ص73. جورج طعمة، ص85. اليزابيث ماثيو، ص102. عبد الوهاب المسيري؛ ص88.

[18] نجدة الشواف، ص104.

[19] نجدة الشواف، ص98. محمد العبسة، ص 72، 73، 74.

[20] محمد العبسة، ص 70، 71، 75، 86.

[21] وفيق أبو حسين، ص87، 89، 90. اليزابيث ماثيو، ص132، 133، 134، 135، 136.

[22] وفيق أبو حسين، ص87. اليزابيث ماثيو، ص132، 134، 136.

[23] وفيق أبو حسين، ص 87، 88، 89.

[24] جورج طعمة، ص90. نجدة الشواف، 99.

[25] وفيق أبو حسين، ص81. جورج طعمة، ص88. اليزابيث ماثيو، ص138.

[26] جورج طعمة، ص88.

[27] نجدة الشواف، ص104. اليزابيث ماثيو، ص138.

[28] وفيق أبو حسين، ص81، 82، 110.

[29] عبد الوهاب المسيري، ص88.

[30] يزيد الصايغ، ص 102.

[31] جورج طعمة، ص88.

[32] نجدة الشواف، ص105، 106.

[33] اليزابيث ماثيو، ص139.

[34] وفيق أبو حسين، ص90. جورج طعمة، ص 90، 91.

[35] جمال زهران، ص40.

[36] جمال زهران، ص39. عمرو هاشم، ص81.

[37] عمرو هاشم، ص81.

[38] عمرو هاشم، ص82.

[39] حنة شاهين، ص138.

[40] عمرو هاشم، ص83، 85.

[41] عمرو هاشم، ص85، 86، 87. جمال زهران، ص41.

[42] عمرو هاشم، ص86، 87.

[43]  عمرو هاشم، ص87.

[44]  حنة شاهين، ص140. جمال زهران، ص41، 42.

[45]  حنة شاهين، ص138، 139. توفيق فياض، ص261.

[46]  حنة شاهين، صد140. توفيق فياض، 358. حليم احمد، ص250، 251، 252، 253.

[47]  حنة شاهين، ص141، 142، 143. توفيق فياض، ص258، 259. عمرو هاشم، ص88.

[48]  عمرو هاشم، ص86، 88، 89.

[49]  جمال زهران، ص41، 42.

[50] خليل الزبن، ص132، 133، 134، 135.

[51]  احمد شاهين، ص15.

[52]  عمرو هاشم، ص88.

[53]  عمرو هاشم، ص85، 86، 87. حنة شاهين، ص137، 139.

[54]  عمرو هاشم، ص85.

[55]  حليم احمد، ص253.

[56]  عمرو هاشم، ص89، 112. جمال زهران، ص42.

[57]  عمرو هاشم، ص83.

[58]  عمرو هاشم، ص 83.

 

للضغط اضغط هنا