
ما الذي كشفه عام 2025 عن مستقبل غزة
What 2025 Revealed About Gaza’s Future
مجلة Foreign Policy الأمريكية
بقلم دان إفرون، رئيس التحرير التنفيذي للمجلة
( كانون الأول/ ديسمبر 2025)
ترجمة وتحرير: يسار أبو خشوم
يتناول هذا المقال مآلات الوضع في قطاع غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في خريف عام 2025، ويعرض قراءة تحليلية للواقع السياسي والميداني الذي أفرزته الحرب، مع التركيز على استمرار السيطرة الإسرائيلية، وإعادة تموضع حركة حماس، وحدود الدور الأميركي في إدارة مرحلة ما بعد القتال. كما يناقش المقال السيناريوهات المطروحة لمستقبل القطاع، بين تصورات متفائلة تفتقر إلى شروط تحققها، واحتمالات أكثر التصاقا بالواقع تقوم على استمرار الاضطراب وتدوير الصراع بدل حله. فيما يلي ترجمة تلخيصية للمقال:
تكشف الأشهر التي تلت توقف العمليات العسكرية الواسعة في غزة أن الهدوء لا يعني نهاية الحرب، ولا يفتح بالضرورة باب السياسة. خرج القطاع من حرب طويلة مثقلة بالخسائر البشرية والدمار الواسع، لكنه لم يدخل مرحلة تعاف حقيقي، بل وجد نفسه في منطقة رمادية يتداخل فيها الصمت العسكري مع مؤشرات صراع مؤجل. صمد اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة شكليا، بيد أن الواقع الميداني لم يتغير على نحو جوهري. وتواصل إسرائيل سيطرتها على مساحات واسعة من القطاع، وتحتفظ بحرية التدخل العسكري، فيما تستمر الخسائر الفلسطينية بوتيرة أقل. في المقابل، أعادت حماس ترتيب بنيتها التنظيمية، وملأت الفراغ القيادي الذي خلّفته الاغتيالات، واستفادت من بقاء جزء معتبر من شبكات الأنفاق. هكذا، يكشف عام 2025 أن الحرب لم تطو صفحتها، بل انتقلت إلى طور أقل ضجيجا وأكثر تعقيدا.
سيناريو الأمل: رهانات نظرية ووقائع عنيدة
ينطلق السيناريو المتفائل من فرضية تقول بأن الحرب الأخيرة ستدفع إسرائيل إلى إعادة النظر في خياراتها، بعد أن تبيّن لها أن القوة العسكرية لم تحسم الصراع، وأن كلفة استمرار السيطرة على غزة أخذت تتراكم سياسيا وأخلاقيا. يفترض هذا التصور أن تراجع الدعم الدولي، وازدياد النقد داخل الولايات المتحدة نفسها، قد يدفع واشنطن إلى ممارسة ضغط فعلي من أجل تسوية أكثر توازنا، ولعلّ هذا الضغط يفتح ثغرة في الجدار السياسي المغلق منذ سنوات.
غير أن هذا المسار يصطدم بواقع سياسي صلب؛ إذ يتجه المشهد الداخلي الإسرائيلي منذ وقت طويل نحو مزيد من التشدد القومي والديني، وقد عمّقت هجمات السابع من أكتوبر 2023 هذا الاتجاه بدل أن تضعفه. حتى لو تبدلت الوجوه في الانتخابات المقبلة، ثمّة ما يشير إلى أن السياسات الأساسية لن تشهد تحوّلا جوهريا فيما يتعلق بغزة أو بالقضية الفلسطينية عموما. على الجانب الفلسطيني، لا تظهر حماس استعدادا للتخلي عن سلاحها أو نفوذها، بل تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة حاكمة لا يمكن تجاوزها، معتبرة أن استمرارها المسلح يشكل مصدر شرعيتها الرئيسي. بين هذه الوقائع، يبدو سيناريو الأمل أقرب إلى بناء نظري جذاب، لكنه ضعيف الصلة بما يجري على الأرض.
ما بعد الحرب: هدوء هش وفوضى قابلة للتمدّد
يرجح الواقع أن تدخل غزة مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، تتسم بعنف منخفض الشدة، وأزمة اقتصادية ممتدة، وحوكمة مأزومة. تُظهر تجارب المنطقة أن غياب رؤية سياسية واضحة لما بعد الحرب يحوّل مناطق النزاع إلى بؤر فوضى دائمة. في غزة، تتجمع كل عناصر هذا النموذج؛ دمار واسع في البنية التحتية، اقتصاد شبه مشلول، مؤسسات مدنية ضعيفة، وسلطة سياسية لا تحظى بإجماع داخلي أو دعم دولي كاف. تشكل هذه البيئة أرضا خصبة لتجدد التوتر، حتى في ظل غياب حرب شاملة.
تطرح بعض العواصم فكرة نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، غير أن هذه الفكرة تبقى معلقة بين الطرح النظري وصعوبة التنفيذ. تخشى الدول العربية أن تُفسَّر مشاركتها بوصفها غطاء لاستمرار السيطرة الإسرائيلية، وتتردد دول أخرى في الانخراط في مهمة غامضة دون تفويض سياسي واضح. ويزيد الأمر تعقيدا الخلاف حول طبيعة هذه القوة، أهي قوة حفظ سلام تراقب المشهد من بعيد، أم قوة شرطية متعددة الجنسيات مستعدة للاشتباك؟ يعكس هذا الجدل غياب تصور دولي متماسك لمستقبل غزة أكثر مما يعكس نقاشا عمليا حول الحل.
خاتمة
يكشف عام 2025 أن غزة لم تدخل مرحلة سلام بقدر ما انتقلت إلى وضع انتقالي هش، خفت فيه حدّة المواجهة العسكرية دون أن تتغير أسس الصراع. استقر المشهد عند هدنة تُدار فيها التناقضات بدل معالجتها، ويتمّ فيها ضبط العنف دون تفكيك أسبابه. وأسهم وقف إطلاق النار في تقليص حجم المعاناة الإنسانية الآنية، غير أن هذا الهدوء بقي معلقا على ترتيبات أمنية مؤقتة، ولم يتحول إلى مسار سياسي قادر على معالجة جذور الأزمة. كما تواصل إسرائيل التعامل مع غزة من زاوية أمنية ضيقة، وتتمسك حماس بسلاحها باعتباره ركيزة لبقائها، فيما يعيش الفلسطينيون واقعا مثقلا بأنقاض لم تُرفع، وإعمار مؤجل، وأفق سياسي يزداد غموضا. في هذا السياق، تتشكل معادلة غير مستقرة تقوم على إعادة إعمار مشروطة، وإعادة تسلح صامتة، وتدخل دولي محدود التأثير. يكشف هذا الواقع عمق المأزق أكثر مما يكشف ملامح مستقبل واضح، ويعكس عجز النظامين الإقليمي والدولي عن تحويل توقف الحرب إلى بداية مسار سياسي يقود إلى سلام حقيقي.