ترجمة وتحرير: يسار أبو خشوم

في قطاع غزة، تحاول فرنسا الحفاظ على تأثيرها بالاستثمار في الثقافة والتراث

Dans la bande de Gaza, la France tente de conserver une influence en investissant dans la culture et le patrimoine

جريدة “لوموند” الفرنسيّة

٧ آب/ أغسطس ٢٠٢٣

 

يتناول هذا المقال أوجه التأثير الثقافي الذي تمارسه فرنسا في قطاع غزّة، ولا سيّما في قطاع الآثار ومن خلال أنشطة المعهد الثقافي الفرنسي في القطاع، في ظلّ التراجع الملحوظ لتأثير فرنسا السياسيّ فيما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة. فيما يلي الترجمة الكاملة للمقال:

يعتبر موقع الحفريّات لدير القديس هيلاريون، الذي تموّله الوكالة الفرنسيّة للتنمية، رمزا لهذه السياسة التي تتجنب التعامل مع الإسلاميّين من حماس، الذين يحكمون القطاع الفلسطينيّ.

تشكّل هذه الأطلال، الواقعة في ضاحية النصيرات الراقية في وسط قطاع غزة، واحة هادئة، لا يعكّر صفوها سوى أصوات المسيّرات الإسرائيلية. في عام ٢٠٢٢، تمكّن حوالي ١٠ آلاف زائر، معظمهم من أطفال هذا القطاع الذي تحاصره إسرائيل منذ سبعة عشر عاما، من مشاهدة آثار دير القديس هيلاريون، وهو واحد من أكبر الأديرة في الشرق الأدنى والموقع الأثري الوحيد الذي يستقبل الجمهور بشكل دائم في غزة.

بُني هذا المجمّع الديني، الذي يتألّف من كنائس ومعموديّة وسرداب واسع وحمّامات وفندق، كمركز لاعتناق المسيحيّة ومحطّة للحجاج، ابتداء من القرن الرابع. وأعاد الفلسطينيّون اكتشافه من جديد في عام ١٩٩٧. وكان علماء الآثار الإسرائيليين قد درسوا الموقع لفترة وجيزة قبل سنوات قليلة، دون نشر أيّ شيء حول الموضوع.

في مطلع الألفيّة الجديدة، جاء خبراء فرنسيّون لتقديم الدعم؛ إذ تمّ دمج المدرسة الكتابيّة والأثريّة الفرنسيّة في القدس (EBAF) في أعمال الحفر، بناء على طلب من الوزارة الفلسطينيةّ وبرعاية القنصليّة الفرنسيّة. تمّ تخصيص تمويلات فرنسيّة، بشكل متقطّع، ليتمّ تقليصها فيما بعد. وفي عام ٢٠١٧، قدّم المجلس الثقافي البريطاني ميزانيّة كبيرة ساهمت في إعادة بدء الأعمال. ثم قرّرت الوكالة الفرنسيّة للتنمية، التي ترتبط مباشرة بوزارة الخارجيّة الفرنسيّة، العام الماضي، الاستثمار بمبلغ ١١,٨ مليون يورو في موقع القدّيس هيلاريون.

تمكين الموقع من الإدارة الذاتيّة

يعتبر المشروع رمزا لأهميّة التعاون الفرنسي في غزة ولأوجه قصوره على حدّ سواء؛ إذ تحاول باريس الحفاظ على تأثيرها في القطاع، متجاوزة الموضوعات السياسيّة مباشرة وساعية إلى عدم التحدّث إلى السلطات المحليّة لحماس، الحركة التي تصنّف كـ “إرهابية” من قبل الاتحاد الأوروبي. تقول المستشارة السياسيّة في القنصليّة الفرنسيّة العامّة في القدس، ليديا طبطب: “تعرقل هذه السياسة أنشطتنا إلى حد ما، لكن ليس أكثر من الحصار الإسرائيلي”، مضيفة بأنّ فرنسا تعتمد بشكل خاصّ على الثقافة لكي لا تنظر إلى غزّة من الزاوية الإنسانيّة أو الأمنيّة فقط”.

ويشير مارتن بارون، مدير مكتب الوكالة الفرنسيّة للتنمية في القدس، قائلا: “نحن لا نتعامل مع رؤساء البلديّات، بل مع الأقسام التقنيّة للبلديّات، وعندما أزور سانت هيلاريون، لا أبلغ رئيس البلديّة بقدومي. لم أواجه مشكلات أبدا. كان هناك قلق حول حجم المشروع، لكننا قمنا بتطمين زملائنا في باريس، بأنّنا نعرف كيفية إنجاح المشاريع في قطاع غزة.”

الهدف هو تمكين موقع سانت هيلاريون من الإدارة الذاتيّة، بفريق محليّ، ومحاولة إدراجه في التراث العالمي لليونسكو، مما سيشكّل سابقة لقطاع غزة. “نحن جزء من السياسة الثقافيّة لفرنسا”، يرى رينيه إلتر، عالم الآثار المعيّن من قبل المدرسة الكتابية والأثرية الفرنسيّة في القدس للعمل مع المنظمة الدولية للإغاثة الأوليّة، التي تنفّذ المشروع الخاص بالدير. وفي نهاية تمّوز/ يوليو، زار رئيس معهد العالم العربي في باريس ووزير الثقافة الفرنسي الأسبق، جاك لانغ، قطاع غزة، وهو أمر غير مسبوق. إذ قام بزيارة الموقع الأثري، كما التقى بفنّانين من غزة يعرضون أعمالهم ضمن معرض “ما تقدّمه فلسطين للعالم” المقام حاليّا في باريس.

كانت الدبلوماسيّة الفرنسيّة في السابق متقدّمة في قضيّة فلسطين، لكنّها تتجنّب اليوم القيام بأيّة تصرّفات جريئة وتعيد توظيف عبارات مستهلكة، مثل “حلّ الدولتين”، التي غدت “مجرّد شعارات”، وفقا لرئيس لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس الشيوخ الفرنسيّ، كريستيان كامبون (من حزب الجمهوريين)، ومؤلّف تقرير بهذا الشأن في عام ٢٠٢٢. ويشير مراقب بأنّه “سياسيّا، تتظاهر فرنسا بالعمل لا أكثر”.

بالنسبة إلى مشروع سانت هيلاريون، يعترف رينيه إلتير بأنّه كان يتعيّن على الفريق بذل جهد كبير لإقناع فرنسا بمتابعة مشروع سانت-هيلاريون، مشيرا إلى أنّ العمل الميداني الشامل الذي تمّ إجراؤه على مدى السنوات الست الماضية كان له تأثير قويّ في إقناع الجميع. وصل رينيه، الذي يلقّبه باحترام العمّال الغزيّين في الموقع “صاحب التيشيرت الملوّن وقبّعة القش”، إلى القطاع الفلسطيني في عام ٢٠٠١ ولم يغادره منذ ذلك الحين، رغم الحروب وتولّي حماس السلطة في عام ٢٠٠٧. ويعمل من خلال التعاون الجامعي، ويدرّب الطلاب في الميدان من خلال جلب خبراء آخرين وإرسالهم لتحسين مهاراتهم في فرنسا. ويؤكّد قائلا: “أرغب في تعزيز التدريبات وتعاوننا العلمي والتقني. أمّا الباقي فهو سياسة، كلام فارغ، لا يهمّني”.

الفرنسيّون فقط يأتون للتنقيب هنا

في ذاك الصباح، كان ثلاثون شابّا وشابّة من غزة يتبادلون النكات أثناء قيامهم بالتنقيب في مقبرة تعود لنهاية الفترة الهيلينستية والعصر الروماني في قلب المدينة. وتعلّق الطالبة السابقة في الجامعة الإسلاميّة، شما أو معيلق، قائلة: “فقط الفرنسيّون يأتون للتنقيب هنا، ولا نرى هنا أيّة جنسيّات أخرى في المواقع الأثريّة”، وستغادر شما قريبا غزة لقضاء بضعة أيام في فرنسا في إطار هذا المشروع.

ويذكر جهاد أبو حسن، منسّق ميداني في المنظّمة الدولية للإغاثة الأولية في القطاع، بانّه منذ عام ٢٠١٧، تمّ تدريب ٨٨ شابّا وشابّة من غزّة في سانت هيلاريون، ٥٥% منهم نساء، ولم يكن الأمر سهلاً: ففي عام ٢٠١٨، “كان من الصعب إحضار خبراء والحصول على تصاريح لهم، بعض الأدوات لم تكن متوّفرة”. لذلك اضطّر فريق رينيه إلتر لصنع مناشيرهم الخاصة لنحت الأحجار. ويضيف السيّد أبو حسن بأنّ “فرنسا لعبت دورا مهمّا جدا في الآثار في غزة، فإدارة التراث لم تكن أولويّة للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، وكانت المواقع الأثريّة مهملة إلى حد ما، ويمكن فهم ذلك، بفعل الاحتلال والحصار، إذ كانت الأولويّة للشعب تتركّز حول الاحتياجات الأساسية.”

ويؤكّد أبو حسن ورينيه إلتر على أنّه منذ تنفيذ مشروع سانت هيلاريون، تمّ إعادة هيكلة وتطوير قسم الآثار في وزارة غزّة. عموما، يعتقد جان-باتيست هومبير، المسؤول عن الآثار في الأكاديميّة الفرنسيّة للدراسات الكتابيّة والأثريّة في القدس، أنّ وجود فرنسا في غزة استمرّ بفضل الجهود الفرديّة أكثر من كونه سياسة مُنسّقة. موضّحا بأنّه منذ بداية الألفيّة الجديدة، في سانت هيلاريون، حاولت الأكاديميّة “الحفاظ على وجودها بموارد محدودة”، وأنّهم “الوحيدون الذين بقوا في غزة، رغم جميع التقلبات السياسية.”

في هذا القطاع المحاصر، تأمل فرنسا أيضا في أن تبرز من خلال معهدها الفرنسيّ. فخلف جدران عالية باللون البرتقالي، في شارع شارل ديغول في وسط مدينة غزة، بني هذا المعهد على مساحة ألف متر مربّع، تبرّع بها ياسر عرفات لجاك شيراك. وهذا المعهد هو الوحيد الذي لا يزال مفتوحا كمركز ثقافي أجنبي في غزة. والموظّفون الدائمون في الموقع هم من السكّان المحليّين فقط.

محتفىً بها في الماضي

يؤكّد شريف سرحان، الحاصل على إقامة فنيّة في فرنسا عام ٢٠١١، بأنّ “المعهد الفرنسي هو مكان للفنانين ويسمح لهم بتعزيز العلاقات بينهم”. ويشير مساعد مدير المعهد، إيهاب أبو معمر، بأنّه “عند استلام حماس للسلطة، قرّر المعهد الفرنسي الحفاظ هذا المكان مفتوحا. ولم يلعب دورا قطّ في الحديث مع السياسيين”.

“هذا يجعل فرنسا بالتأكيد واحدة من الأطراف التي ستحشد طاقاتها يوما ما عندما نعمل مجدّدا على إحلال السلام في هذه المنطقة من العالم”، يؤكّد كريستيان كامبون، الذي ترأس وفدا برلمانيّا فرنسيّا إلى غزّة في عام ٢٠٢٢، وهو أمر غير مسبوق منذ وصول حماس إلى السلطة؛ إذ كان يتطلّب الأمر تدخّل رئيس البرلمان الإسرائيليّ لكي يُسمح للنواب بالدخول إلى القطاع، الذي لا يزال يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، رغم انسحاب المستوطنين والجنود عام ٢٠٠٥.

يردّ الوزير السابق وأحد قادة حماس، باسم نعيم بأنّ “فرنسا مهتمّة بلعب دور في حلّ هذا النزاع، لكن لا شيء يمكن حلّه دون حماس”. في شوارع القطاع، إذا كان الغزيّون يرتبطون بفرنسا من خلال أنشطتها الثقافيّة، فإنّهم يحتفون أساسا بالماضي؛ إذ يتذكّرون بحنين مواجهة جاك شيراك مع الشرطة الإسرائيليّة في شوارع البلدة القديمة في القدس، في تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٩٦، وزيارته لغزة بعد بضعة أيّام، وتحيّته لياسر عرفات، بعد وفاته، في عام ٢٠٠٤، في المطار العسكري في فيلاكوبلي. هي تحرّكات قويّة، من زمن آخر، شاهدة على دعم تراجع تدريجيّا، إذ يختم المتحدّث باسم حماس، غازي حمد، قائلا: “اليوم، فرنسا، كحكومة، ليس لديها تأثير واضح على الوضع”.

 

للتحميل اضغط هنا