الرسالة الأميركية لإسرائيل: لا تركنوا إلى الدعم الأميركي، افعلوا ما فيه مصلحتكم

يوسي كوبرفاسر

مركز القدس لشؤون الجمهور والدولة

17  تشرين الثاني/نوفمبر 2021

من المنطقي الافتراض أنه بالنسبة للقيادة الإيرانية الجديدة، -التي تراجع في صفوفها حضور العناصر الواقعية (مثل الرئيس السابق روحاني أو وزير الخارجية ظريف)، فإن الحجة القائلة إنه “من الأفضل المخاطرة”، غير مهمة بالنسبة لهم، والاندفاع بات مسموعًا أكثر. وبعد كل شيء، وصلت إيران بالفعل إلى الاستقرار كدولة شبه نووية وخففت من محنتها الاقتصادية بفضل المساعدات الصينية وسياسة شد الحزام. ومن المنطقي أيضا الافتراض أن الذين يدعمون التوجهات الإيرانية رأوا مؤشرات ضعف الإدارة الأميركية مؤخرًا التي تجلت عبر الانسحاب المخجل من افغانستان، وسياسة عدم الرد على الانتهاكات الإيرانية للاتفاق النووي (وعلى رأسها عدم التبليغ عن مواقع نووية ومنع المراقبين الدوليين من العمل)، وتراجع الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني، ومع مراكمة ما بين 10-25 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60٪ وأكثر من 100 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 20٪، فإن لكل هذا له دلالة على أن إيران بحاجة إلى عدة أسابيع فقط للوصول إلى تخصيب اليورانيوم بمستوى عسكري من أجل بناء أول رأس حربي نووي. كما أن إيران شرعت في إنتاج اليورانيوم المعدني، وهي خطوة لا تفسير لها سوى نيتها إنتاج سلاح نووي. عدم الرد على الهجمات على القواعد الأميركية في سوريا ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي يجب أن تكون مؤشرا على أن قادة إيران لا يخشون أي رد أميركي، بالرغم من الطلعات الاستعراضية لقاذفة القنابل الأميركية B1 في سماء المنطقة. إسرائيل ليس مستعدة إطلاقا للعمل، بسبب الفجوات في قدراتها العملياتية، وبسبب غياب الغطاء الأميركي لأية عملية إسرائيلية ضد إيران.

ويبدو أن إيران هي التي باتت مستعدة عمليًا لمثل هذه الخطوة، ويظهر ذلك في تكثيفها إرساليات السلاح إلى سوريا وحزب الله، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى تكثيف غاراتها في سوريا، وكذلك يظهر استعداد إيران عبر تعزيز قدراتها في مجال الطائرات بدون طيار والصواريخ كمًّا ونوعًا.

مؤشر آخر ولا يقل أهمية هو قرار إنتاج اليورانيوم المعدني، فالخبرة التي راكمها الإيرانيون ستتيح لهم تقصير المدة المطلوبة لتحويل اليورانيوم المخصب بمستوى عسكري إلى مادة يمكن تحويلها إلى قنبلة. ويفترض عدة مسؤولين إسرائيليين كرئيس شبعة الاستخبارات في الجيش (أمان) ورئيس جهاز الموساد السابقين أن الأمر سيحتاج لسنتين ما بين إنتاج المادة المخصبة حتى إنتاج القنبلة. شخصيَّا لدى شك في ذلك، فالتطور الإيراني في إنتاج اليورانيوم المعدني والتطور في إنتاج الصواريخ طويلة المدى، والثغرات المعرفية التي كانت لدى الإيرانيين عندما أوقفوا مشروعهم النووي عام 2003، وما لديهم الآن في هذا المجال، كلها تجعل كل ذي عقل سويّ أن يفترض أن الوقت المطلوب حتى تصل إيران إلى القنبلة الذرية بات أقصر بكثير. مع ذلك، فلا شك أن اختيار إيران هذا المسار سيفرض عليها أن تقف على حافة خطيرة، تكون فيها عرضة لهجوم (إسرائيلي أو أميركي)، ولعقوبات اقتصادية شديدة.

الولايات المتحدة تحذر ولا تهدد

إمكانية العودة للاتفاق النووي حسب صيغته الأصلية، -التي هي في نظري وفي نظر الكثيرين أيضًا-، تشكل بالنسبة لإيران الخيار الأكثر أمانًا وراحة للوصول إلى ترسانة نووية كبيرة خلال أقل من عشر سنوات، لأن ذلك سيعفيها من فكرة الوقوف على الحافة الخطيرة. هذه الإمكانية باتت بالنسبة لإيران نفسها هي الأسوأ، لأن جزءًا من القيادة الإيرانية بات يرى ذلك، ولأن الإيرانيين بهذه الطريقة يعرقلون المطلب الأميركي بإدخال تعديلات على الاتفاقية ستمنع إيران من حيازة أسلحة نووية. وفي حالة اختيارها وتعهدها بذلك، فستكون إيران موضع تقدير من قبل الولايات المتحدة وباقي المنظومة الدولية.

الولايات المتحدة المعنية بمنع إيران من حيازة السلاح النووي، وفي الوقت ذاته تحرص على تجنب المواجهة العسكرية معها، ترى أن العودة للاتفاق النووي خيارها المفضل. وفي السابق، عُرض ذلك على أنه الخطوة الأولى بهدف إبعاد إيران عن السلاح النووي، تمهيدًا للشروع بمفاوضات على توسيع وتعزيز الاتفاق النووي لضمان منع إيران مطلقًا من أن تصبح قوة عسكرية نووية. هذا الخيار يبدو الآن ليس عمليًا بل وهم، ومؤخرًا بات غائبًا تماما عن التعامل الأميركي مع القضية. فالولايات المتحدة تحذر أيران من مواصلة توجهاتها لأن تصبح دولة نووية، لكنها حريصة على عدم توجيه تهديدات ملموسة، وعلى وجه الخصوص لا تتطرق إلى إمكانية القيام بعمل عنيف من أي نوع لمنع إيران نووية.

الولايات المتحدة تمتنع أيضا عن أية خطوة قد تؤدي إلى رد إيراني متطرف. ففي مؤتمر صحفي مشترك مع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر برز القلق المشترك من سلوك إيران، وعبر القادة عن إصرارهم على ضمان عدم تمكين إيران من تطوير سلاح نووي، أو من حيازته. مع ذلك، فإن الدعوة التي وجهت لإيران للعودة للاتفاق النووي كانت مصحوبة فقط بتلميحات لإمكانية مناقشة ما يثير قلق الغرب وقلق إيران (بدلًا من الإشارة الصريحة إلى أهمية تعزيز و توسيع الاتفاقية).

إسرائيل هي لاعب مهم في المرحلة الحالية، لكنها إلى حد كبير لاعب مرتبط بالنتائج، أي أن سياسة إسرائيل ستحددها قرارات إيران والولايات المتحدة. الخيار المفضل لدى إسرائيل هي أن تفرض الولايات المتحدة كل ثقلها على إيران من أجل إلزامها بالموافقة على اتفاق يعالج نقاط الضعف الكثيرة والخطيرة في الاتفاق الحالي. هذه كانت بشكل كبير سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب، ولو أنه حظي بفترة رئاسية ثانية فربما حصلت هذه السياسية على فرصة. في نهاية الأمر، كان الرهان الإيراني صحيحا، والآن فإن إمكانية تحقيق إسرائيل خيارها المفضل باتت ضعيفة للغاية. وبالتالي، علينا الاستعداد للانتقال إلى الخيارين الآخرين. والسؤال “أيهما تفضل إسرائيل؟” هو سؤال افتراضي، ما لم يفترض المرء أن إسرائيل يمكن أن تؤثر على القرار الإيراني وعلى السياسة الأميركية، وعلى الرغم من أن إسرائيل لديها قدرة ما، لكن لا يجب أن تبالغ في قدرتها.

في السابق، خضعت هذه القدرة لعدة اختبارات، ففي عام 2012 كان لتهديدات بنيامين نتنياهو لإيران عبر عرض رسومات القنبلة النووية الإيرانية والخط الأحمر دور في توقف إيران عن تخصيب اليورانيوم عند حد 20 في المئة. وهذا أقنع الصين بالانضمام للضغوط على إيران ودفع الرئيس السابق باراك أوباما لتبني سياسات أكثر صرامة تجاه طهران، من أجل إقناعها بالشروع بمفاوضات مباشرة أفضت إلى الاتفاق النووي. كل هذا، وإلى حد ما، من أجل منع إسرائيل من شن هجوم على إيران. المحاولة الثانية كانت خطاب نتنياهو في الكونغرس الذي فشل في منع تنفيذ الاتفاق النووي. والمحاولة الثالثة كانت الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني ونقله إلى إسرائيل والكشف عنه، ما ساهم في قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي. عمليات أخرى نسبت لإسرائيل ساهمت في الإضرار بالبرنامج النووي الإيراني لكنها لم توقفه، بل استغلتها إيران ذريعة من أجل تبرير انتهاكاتها للاتفاق النووي. واليوم تؤخذ التهديدات الإسرائيلية لمنع إيران بكافة السبل من حيازة سلاح نووي بمحمل الجد من قبل الولايات المتحدة وإيران، لكن يبدو أن تأثير هذه التهديدات على سياسات طهران وواشنطن بات ضعيفا مقارنة مع السابق.

————————-

“سمعت رسالة واحدة من أعضاء الكونغرس: لا تعتمدوا على دعم أميركي، وبالتأكيد ليس على عملية أميركية مباشرة أو على مساندة أميركية. أنتم وحدكم وافعلوا ما ترون أن يتوجب فعله”.

————————-

الخياران المتبقيان في جدول الأعمال هما خياران إشكاليان بالنسبة لإسرائيل. فإن لم يتم إحباط البرنامج النووي الإيراني، يمكن لإيران أن تصبح خلال وقت قصير نسبيا دولة نووية، مع كل ما يعنيه ذلك (تهديد حقيقي لأمن إسرائيل، ترسيخ إيران هيمنتها الإقليمية، وسباق تسلح نووي في المنطقة). وقد يؤدي أي جهد إسرائيلي (أو أميركي) مكثف لمنع اقتراب إيران من أن تصبح “دولةَ عتبةٍ نووية” أو وصولها إلى هذه المرحلة وباحتمال متوسط إلى مرتفع إلى تصعيد واسع.

ولمنع هذا السيناريو، ستوافق إيران والولايات المتحدة على مقترح للعودة إلى الاتفاق النووي، النظام الإيراني سيحصل على ثروة مالية ضخمة وعلى إنجاز كبير سيمكنه من تعزيز جهوده لتحقيق هيمنة اقليمية، عبر تعزيز التهديد لإسرائيل بدءًا من المدى الزمني القصير.

 فوق كل هذا، يمكن لإيران ان تصل خلال عشر سنوات إلى مرحلة “دولةِ عتبةٍ نووية” قادرة على إنتاج ترسانة نووية كبيرة دون أن تضطر إلى خوض تحد كبير مثل الذي يتوجب عليها خوضه في سبيل إنتاج قنبلة نووية واحدة في المرحلة الحالية.

يجب أن نتذكر أن استعداد إيران عام 2015 لقبول قيود الاتفاق النووي، جاء نتيجة تقديم الاتفاق ليس فقط تسهيلات اقتصادية بعيدة المدى لإيران، ولكن أيضا لأنه قدم لها مسارًا آمنًا وقصيرًا، كي تصبح عام 2031 “دولةَ عتبةٍ نووية” مع قدرات على إنتاج عدد كبير من القنابل خلال فترة قصيرة. إيران كانت تتحكم بثلاثة مكونات تلزم للسلام النووي: مادة مخصَّبة، وقدرة على تحويلها لسلاح، والأدوات التي تمكنها من الوصول لهذا الهدف.

مع اقتراب نهاية فترة الاتفاقية، كان سيتم رفع كافة القيود، ما يمكّن إيران بالفعل من بتخصيب اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزي السريعة، ودون رقابة في أي مكان وفي أي وقت أو على العلماء النوويين، ودون أدنى معرفة بمدى تقدم إيران الحقيقي في مسار التسلح. وسيحتفظ الإيرانيون ليس فقط بمنشأة التخصيب الكبيرة تحت الأرض في نطنز، بل بمنشأة التخصيب الصغيرة العميقة تحت الأرض في بوردو، والتي كان الغرض منها تمكينهم من تنفيذ مرحلة التخصيب النهائية بأمان. كما لم يقيد الاتفاق أي تطوير إيراني لصواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.

“لا تركنوا إلى الدعم الأميركي”

الخيار بين الإمكانيتين الإشكاليتين ليس حقًّا بأيدينا، لكن بتفكير شامل يتوجب على إسرائيل أن تمنح الأولوية لمعالجة التهديد الفوري، لأن هذا هو المسار الذي تتقدم فيه إيران حاليًا، وأيضًا لأن التعامل معه أكثر ملاءمة لإسرائيل. لا يزال نطاق الخطة الإيرانية محدودًا ويسمح بإنتاج منشآت نووية منعزلة. ويجب عليها أن تتجاوز عتبة إشكالية تتمثل في أن قدرتها في الدفاع عن المنشآت النووية ضد العمليات السرية والهجمات الإلكترونية والهجمات التقليدية، والتسبب بأضرار جسيمة للغاية وجزئية لإسرائيل هي قدرات جزئية. ويبدو الآن أنه لا يوجد غطاء أميركي لعملية إسرائيلية كهذه.

خلال زيارتي لواشنطن قبل أسبوعين سمعت رسالة وحيدة من أعضاء في الكونغرس: “لا تركنوا إلى الدعم الأميركي، وبالتأكيد ليس على عملية عسكرية أميركية مباشرة، أو على دعم أميركي، أنتم وحدكم وافعلوا ما ترون أنه يتوجب عليكم فعله”. هذه كانت رسالة صادمة لكنها ليست مفاجئة، مع ذلك، يبدو أن الغطاء الأميركي قد يكون متاحًا إذا بقيت إيران مصرة على مواقفها، وقد تستغل الإدارة الأميركية التهديد الإسرائيلي كرافعة لدفع إيران للعودة للاتفاق النووي. وإذا مضت إيران باتجاه الوصول إلى مرحلة “دولةِ عتبةٍ نووية” مثلًا بالوصول إلى نقطة محددة (مثلًا تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%) فربما يمكن حينها تشجيع واشنطن لتحمل جزء من الجهد فيما يمكن أن نطلق عليه اسم “الخطة ب”.

العودة للاتفاق النووي إشكالية بشكل أكبر، فأولًا، هذه ليست عودة للاتفاق النووي السيئ بل لاتفاق أسوأ بكثير (فالإيرانيون تعلموا كيف يصنعون أجهزة طرد مركزي متطورة، ويورانيوم معدنيا وتخصيب اليورانيوم بمستويات عالية). ثانيًا، خلال العقد المقبل سيواصل الإيرانيون تطوير قدراتهم للدفاع عن برنامجهم وتهديد إسرائيل، ولا ضمانة لأن نستغل نحن الوقت بشكل أفضل منهم.

يصف البعض العودة للاتفاق بأنها خطوة ستمكن الولايات المتحدة من كسب المزيد من الوقت بشكل مقبول (مثل الذي يركل علبة صفيح في الشارع)، لكن تكمن المشكلة في أن هذا الصفيحة قد تتضخم مع كل ركلة بسبب الرفع السريع للقيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، حتى تنفجر في نهاية الشارع بوجه من يركلها. إن مسار الاتفاق يضع إيران في مقدمة احتمال أن تصبح “دولةَ عتبةٍ نووية” ذات ترسانة عسكرية كبيرة من في غضون عشر سنوات، وسيؤدي إلى تحييد قدرة إسرائيل على التصرف.

في عام 2016 أخبرني مسؤول أمريكي كبير، لا يزال يشغل منصبًا رسميًا أنه في حين أن الاتفاق يمثل إشكالية كبيرة، إلا أن الفوائد الكامنة فيه في السنوات الأولى تفوق عيوبه. وقال في ذلك الوقت، بين العامين الخامس والسابع من عمر الاتفاق، سيتعين على الرئيس الأميركي فحص إن كان من الصحيح الاستمرار بالاتفاق. لقد وصلنا إلى هذه النقطة الزمنية ومن الواضح تمامًا أن التحليل الموضوعي من شأنه أن يلقي بظلال من الشك على جدوى المضي في الاتفاق.

اذن، ما الذي يتوجب علينا فعله؟

أولًا، الدخول في حوار وثيق مع الولايات المتحدة لتوضيح أهمية تحسين الاتفاقية وكبح الجهود الإيرانية الحالية لأن تصبح “دولةَ عتبةٍ نووية”، من خلال تنقيح العواقب السلبية لعدم القيام بذلك، ومحاولة الحصول على الدعم الأميركي والمساعدة العسكرية عندما تكون ضرورة لذلك.

ثانياً، يجب استكمال الاستعدادات للتحرك لإفشال الجهد الإيراني الحالي والبرنامج النووي بشكل عام بدعم أميركي أو بدونه، وفي الوقت ذاته محاولة تشجيع الأميركيين على قيادة هذا التحرك.

 

لتحميل الورقة اضغط هنا

 

للاطلاع على الخبر من مصدره اضغط هنا