نبيل السهلي[*]

 مع إحياء الشعب الفلسطيني للذكرى الثالثة والأربعين ليوم الأسير الفلسطيني وإعلان الأسرى الفلسطينيين إضراباً عاماً وشاملاً عن الطعام بدأ يوم الإثنين 17-4-2017، تبرز إلى الأمام وبقوة أسئلة حول حجم القضية وأهميتها وإمكانية تدويلها، حيث يعتبر الأسرى طليعة الكفاح الفلسطيني، ولهذا تتبوأ قضية الأسرى مكانة مهمة في إطار القضية الفلسطينية، نظراً إلى أنها طالت عدداً كبيراً من الشعب الفلسطيني، وفي شكل أساسي في الضفة الغربية وقطاع غزة. وستبقى تلك القضية متلازمة مع وجود الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على أراضي الفلسطينيين.

وقد ظهرت قضية الأسرى الفلسطينيين في الضفة والقطاع منذ احتلال المنطقتين في الخامس من حزيران (يونيو) 1967 على يد الجيش الإسرائيلي. فمنذ اللحظة الأولى للاحتلال سعت السلطات الإسرائيلية إلى تطبيق سياسة مبرمجة للحد من احتمالات حصول المقاومة في مواجهة الاحتلال من قبل الشبان الفلسطينيين في الدرجة الأولى، فكانت السجون الإسرائيلية بديل المشانق ومكان القتل الروحي والنفسي للفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين.

رمزية يوم الأسير

أقر المجلس الوطني الفلسطيني، باعتباره السلطة التشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1974، خلال دورته العادية يوم السابع عشر من نيسان (إبريل)، يومًا وطنيًا للوفاء للأسرى وتضحياتهم، باعتباره لشحذ الهمم وتوحيد الجهود، لنصرتهم ومساندتهم ودعم حقهم بالحرية، يومًا لتكريمهم وللوقوف بجانبهم وبجانب ذويهم، يومًا للوفاء لشهداء الحركة الوطنية الأسيرة. ومنذ ذلك التاريخ كان ولا يزال “يوم الأسير الفلسطيني” يومًا ساطعًا يحييه الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات سنويًا بوسائل وأشكال متعددة. وللتوضيح، فإن اختيار هذا اليوم وإقراره من قبل المجلس الوطني ليس له علاقة بأي حدث تاريخي ومميز ذي صلة بالحركة الأسيرة، سواء أكان ذكرى أول عملية تبادل للأسرى والتي جرت في 23 تموز (يوليو) 1968، أو إطلاق سراح أول أسير فلسطيني الذي كان في 28 كانون الثاني (يناير) 1971 كما هو سائد لدى اعتقاد الكثيرين، أو اعتقال أول أسيرة فلسطينية في تشرين الأول (أكتوبر) 1967، كما ليس له علاقة باستشهاد أول شهداء الإضراب عن الطعام عبد القادر أبو الفحم في يوليو/ تموز 1970 في سجن عسقلان، وأول شهداء القدس قاسم أبو عكر في سجن المسكوبية بتاريخ 23 آذار (مارس) 1969. وإنما جاء تقديرًا ووفاءً للأسرى وقضاياهم العادلة ومكانتهم لدى شعبهم وقيادته.

تبادل الأسرى

منذ إعلان دولة إسرائيل في العام 1948، تمت العديد من عمليات تبادل الأسرى بين الدول العربية وإسرائيل، وشملت الإفراج عن أسرى فلسطينيين. غير أن أبرز الصفقات هي التي بين منظمات فلسطينية وإسرائيل وأهمها:

  • 1968، كانت أول عملية تبادل فعلية بين إسرائيل ومنظمة فلسطينية، حيث اختطف عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين طائرة تابعة لشركة العال الإسرائيلية، وأجبرت على التوجه إلى الجزائر، وتم التوصل إلى صفقة للإفراج عن الطائرة وركابها مقابل إطلاق سراح 37 أسيراً فلسطينياً من ذوي الأحكام العالية.
  • في 28 شباط (فبراير) من عام 1971، حدثت أول عملية تبادل أسرى بين إسرائيل وحركة فتح، حيث أفرجت إسرائيل عن الأسير محمود بكر حجازي، الذي كان أول أسير لحركة فتح وللحركة الوطنية الفلسطينية، مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي شموئيل فايزر.
  • في 13 شباط (فبراير) من عام 1980، تمت عملية تبادل أسرى بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث أفرجت الأخيرة عن جاسوسة للموساد مقابل الإفراج عن الأسيرين مهدي بسيسو الشهير بـ”أبو علي” والمناضل الفلسطيني “وليام نصار”، وتمت عملية المبادلة في قبرص بإشراف لجنة الصليب الأحمر الدولية.
  • 1983، في 23 من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام المذكور، جرت عملية تبادل “ضخمة” للأسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، أفرجت المنظمة بموجبها عن 6 أسرى، مقابل إفراج إسرائيل عن 4700 أسير فلسطيني كانوا في معتقل “أنصار” بالإضافة إلى الإفراج عن 65 أسيرا فلسطينياً آخر كانوا في السجون الإسرائيلية.
  • في 20 أيار (مايو) من عام 1985، تمت واحدة من أكبر صفقات تبادل الأسرى بين إسرائيل وإحدى المنظمات الفلسطينية، حيث أفرجت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة بموجب اتفاقية تبادل للأسرى وقعت في جنيف عن 3 جنود إسرائيليين، مقابل إفراج إسرائيل عن 1150 أسيراً، من بينهم 153 أسيراً لبنانياً.
  • 2004، في 29 كانون الثاني (يناير)، تمت عملية تبادل أسرى بين حزب الله وإسرائيل، أطلق بموجبها سراح 400 أسير فلسطيني و23 لبنانياً، و5 سوريين و3 مغاربة و3 سودانيين وليبي واحد وألماني، إضافة إلى تسليم رفات 59 لبنانياً، مقابل تسليم حزب الله اللبناني جثث 3 جنود إسرائيليين.
  • وفي 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، وفي عملية تبادل للأسرى بين حركة حماس وإسرائيل، أفرجت الأخيرة عن 1050 أسيراً فلسطينياً مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

حجم القضية

وتشير دراسات إلى أن إسرائيل كثفت من عمليات الاعتقال والأسر خلال الانتفاضة الأولى (1987-1994)، حين تم اعتقال سبعة وعشرين ألف فلسطيني غالبيتهم من القوة النشطة اقتصادياً المتمثلة بفئة الشباب، وإضافة إلى ذلك اعتقلت السلطات الإسرائيلية خمسة وثلاثين ألف فلسطيني خلال الانتفاضة الثانية التي انطلقت من باحات الأقصى المبارك في نهاية أيلول/سبتمبر/ من عام 2000.

ورغم الاتفاقات المعقودة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل بقي في السجون الإسرائيلية حتى العام الحالي 2017، 6500 أسير فلسطيني موزعين على 222 سجناً بين سجون مركزية ومراكز تحقيق وتوقيف إسرائيلية، وثمة 62 أسيرة بينهن 14 فتاة قاصرة، فضلاً عن 300 طفل حسب نادي الأسير الفلسطيني، في حين وصل عدد الأسرى المعتقلين إداريا نحو 500 أسير، وهناك 29 أسيرا معتقلون قبل التوقيع على اتفاقية أوسلو” للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل  حسب نادي الأسير الفلسطيني، كما تؤكد دراسات وجود أربعين أسيراً عربياً وستين معتقلاً من العرب الفلسطينيين من داخل الخط الأخضر كانوا قد اعتقلوا بعد شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2000، إثر مشاركتهم في تظاهرات تأييد لانتفاضة الأقصى، كما سقط منهم ثلاثة عشر شهيداً.

وبالنسبة إلى ظروف الأسر والاحتجاز، فإن عملية احتجاز الأسرى من الأراضي الفلسطينية تتم في سجون ومراكز اعتقال عسكرية إسرائيلية تقع داخل الأراضي المحتلة العام 1948، فهناك خمسة مراكز تحقيق وستة مراكز احتجاز وتوقيف، وثلاثة مراكز اعتقال عسكرية، وعشرون سجناً مركزياً تابعاً لمصلحة السجون الإسرائيلية.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى الأسرى القدامى الذين مضى على اعتقالهم أكثر من 20 سنة. ويبلغ عددهم اليوم 44 أسيراً، بينهم 29 أسيراً معتقلاً منذ ما قبل توقيع اتفاقية “أوسلو” في العام 1993. ويعتبر الأسيران كريم يونس وماهر يونس أقدم الأسرى من داخل الخط الأخضر، حيث تمّ اعتقالهما في شهر كانون الثاني (يناير) 1983، والأسير نائل البرغوثي الذي قضى أطول فترة اعتقال في سجون الاحتلال، وهي أكثر من 36 عاماً، منها 34 سنة بشكل متواصل، وأكثر من عامين بعد أن أعادت سلطات الاحتلال اعتقاله في العام 2014، علماً أنه أحد محرري صفقة وفاء الأحرار، في مقابل ذلك  يبلغ عدد الأسرى الإداريين في سجون الاحتلال نحو 500 أسير. إضافة إلى أن هناك المئات من الأسرى المرضى داخل السجون، منهم نحو 20 أسيراً يقبعون في “عيادة سجن الرملة”، بينهم الأسير منصور موقدة، من محافظة سلفيت، والمحكوم بالسجن لمدة 30 سنة.

واللافت أن سلطات الاحتلال تعتقل في سجونها 13 نائباً في المجلس التشريعي، بينهم سميرة الحلايقة. وأقدمهم الأسير مروان البرغوثي المعتقل منذ العام 2002، والمحكوم بالسجن خمسة مؤبدات، والأسير أحمد سعدات المعتقل منذ العام 2006، والمحكوم بالسجن لمدة 30 سنة. يشار إلى أن سلطات الاحتلال اعتقلت ستة نواب منذ بداية العام 2017. ويمكن الجزم بأن هناك عشرات الأسرى استشهدوا في السجون الإسرائيلية أثناء اعتقالهم على يد الجيش الإسرائيلي وأعدموا خارج إطار القانون، ناهيك عن الأسرى الذين استشهدوا في السجون نتيجة الإهمال الطبي المتعمد أو عمليات القمع والتعذيب. وقد بلغ عددهم 210 شهداء. ومنذ بدء انتفاضة الأقصى، في 28 أيلول (سبتمبر) 2000، سجلت المؤسسات الرسمية والحقوقية الفلسطينية 100 ألف حالة اعتقال، بينهم نحو 15 ألف طفل تقل أعمارهم عن 18 سنة، و1500 امرأة، ونحو 70 نائباً ووزيراً سابقاً، وأصدرت سلطات الاحتلال (27) ألف قرار اعتقال إداري. ومنذ تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2015، اعتقلت سلطات الاحتلال 10 آلاف فلسطيني، ثلثهم من محافظة القدس عاصمة دولة فلسطين. وفي السياق نفسه أكد نادي الأسير الفلسطيني اعتقال الجيش الإسرائيلي لمليون فلسطيني منذ عام 1967.

الحركة النسوية الأسيرة

ومن الأهمية بمكان تأكيد أن المرأة الفلسطينية عانت كثيراً من عمليات الاعتقال والملاحقة، وفي هذا السياق، تكتسب تجربة الحركة النسوية الأسيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي صفة مميزة وإن تداخلت إلى حد كبير في تجربتها مع تجربة الحركة الفلسطينية بشكل عام. فهي أكثر ألماً ومعاناة، وتحمل في خصوصيتها مدى النضج الوطني في المجتمع الفلسطيني، إذ تشارك المرأة بدورها النضالي إلى جانب الرجل في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك في نضالات الحركة الأسيرة التي بدأت إضرابا مفتوحاً عن الطعام يوم الاثنين 17-4-2017.

ورغم قلة المصادر التي وثّقت أعداد وأسماء النساء الأسيرات، فإن المعلومات الأولية تشير إلى أن ما يقارب عشرة آلاف وخمسمائة امرأة فلسطينية دخلن المعتقل منذ بداية الاحتلال حتى بداية العام الحالي 2017. وكثيراً ما كانت بين المعتقلات أمهات قضين فترات طويلة في السجون، مثل ماجدة السلايمة وزهرة قرعوش وربيحة دياب وسميحة حمدان وغيرهن.

وتعرضت الأسيرات لكثير من حملات التنكيل والتعذيب أثناء الاعتقال. وتفيد شهادات عدة للأسيرات أنهن تعرضن للضرب والضغط النفسي والتهديد بالاغتصاب. وشهد العامان 1968 و1969 بداية قاسية وعنيفة جداً في تاريخ الحركة النسائية الأسيرة، خصوصاً في انطلاقة تجربة الاعتقال وبدء النضال والكفاح للدفاع عن ذواتهن داخل السجون ضد مخططات تدمير وتحطيم النفسية والإرادة الوطنية لدى الأسيرات.

وسجل تاريخ الحركة النسوية الأسيرة مواقف أسطورية، كما حصل العام 1996 عندما رفضت الأسيرات الإفراج المجزوء عنهن على إثر اتفاق طابا، وطالبن بالإفراج الجماعي ومن دون ذلك فضلن البقاء في السجن، واستطعن أن يفرضن موقفهن في النهاية ليتم الإفراج عن جميع الأسيرات في بداية العام 1997. وخاضت الأسيرات معركة الحرية بعد اتفاق أوسلو تحت شعار «لا سلام من دون إطلاق سراح جميع الأسرى والأسيرات». وشاركن في الخطوات النضالية إلى جانب بقية الأسرى في السجون كافة في سبيل تحقيق أهدافهن بالحرية والإفراج. وبشكل عام كانت السجون الإسرائيلية وما زالت بديل المشانق ومكان القتل الروحي والنفسي للفلسطينيين أصحاب الأرض، ووظف أصحاب القرار في الدولة العبرية أدوات القانون والقضاء الإسرائيلي توظيفا مخالفا للقوانين والأعراف الدولية خدمة لأهدافها الإستراتيجية المتمثلة بطرد الفلسطينيين واحتلال أرضهم وتهويدها  في نهاية المطاف.

مقاضاة إسرائيل

يلحظ المتابع لقضية الأسرى بأن السجون الإسرائيلية تحقق هدفين للإسرائيليين، فهي عبارة عن عقاب جماعي لأهالي الأسرى عبر منع زيارتهم منذ عام 2000 من جهة، وعقاب فردي من خلال استخدام العنف والعزل في الزنازين من جهة أخرى. وبذلك ضربت سلطات الاحتلال الإسرائيلي كافة القرارات الدولية بشأن الأسرى بعرض الحائط، وذهبت إلى أبعد من ذلك حين أعادت تطبيق الأمر العسكري (132) الذي استخدم في انتفاضة عام 1987، وسمح هذا الأمر باعتقال المزيد من الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، كما تجاهلت سلطات الاحتلال قرار اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي الصادر في السابع عشر من نيسان 1980 والذي يُعتبر فيه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال أسرى حرب تطبق عليهم اتفاقات جنيف الرابعة، في مقابل ذلك تعتبر سلطات الاحتلال الأسرى الفلسطينيين قتلة ومجرمين، وتستخدم تلك الورقة للضغط على الفلسطينيين لإجبارهم على تقديم تنازلات سياسية كبيرة، وهذا ما توضح خلال فترة المفاوضات التي تلت اتفاقات أوسلو في عام 1993.

ويشير رجال قانون إلى وجود آثار قانونية تتمتع بها دولة فلسطين من حقوق والتزامات دولية، شأنها شأن بقية الدول الأخرى في المجتمع الدولي، مما تستطيع به المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من خلال الانضمام إلى أجهزة الأمم المتحدة. وبعد انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، بات بمقدور الفلسطينيين مقاضاة عدد كبير من القادة في إسرائيل باعتبارهم مجرمي حرب، وملاحقة دولة إسرائيل ومسؤوليها بسبب ارتكابهم أعمالاً ضد الإنسانية وجرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني وبحق الأسرى، ومن ثم نزع الغطاء القانوني عن دولة الاحتلال في تعاملها مع الأسرى، ووضعها في مواجهة المجتمع الدولي.

كما يؤكد حقوقيون أن انضمام فلسطين إلى الجنائية الدولية أفسح المجال أمام إمكانية تدويل قضية الأسرى والضغط على المجتمع الدولي لعقد مؤتمر للدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 للبحث في قضية الأسرى وحقوقهم، وبيان طبيعة الالتزامات القانونية الناشئة على دولة إسرائيل تجاه أسرى دولة محتلة، ودور الدول الأطراف في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الأسرى الفلسطينيين. كما أن الانضمام إلى النظام الأساس لمحكمة العدل الدولية، يفتح المجال أمام طلب إصدار فتاوى قانونية، وفتح معارك قانونية دولية مع دولة الاحتلال محورها موضوع الأسرى والمعتقلين، إضافة إلى إتاحة المجال لرفع دعاوى قانونية أمام المحاكم الداخلية للدول التي قبلت بفتح ولايتها القضائية أمام هذه القضايا.

ثمة سياسات إسرائيلية إزاء قضية الأسرى تعزز التوجه المذكور، في مقدمها اعتقال الفلسطينيين ونقلهم إلى السجون الإسرائيلية التي تقع داخل الأراضي المحتلة في العام 1948، إذ يعتبر هذا في حد ذاته إجراءً غير قانوني ومخالفاً لأبسط قواعد القانون الدولي. وفي هذا السياق، تنص اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بالسكان المحميين تحت عنوان البند الرابع على وجوب قضاء السكان الذين تتم إدانتهم فترة محكوميتهم في الأراضي المحتلة.

وتبعاً لأهمية قضية الأسرى، فإن الضرورة تحتم تسريع القيام بعمل دبلوماسي وسياسي وقانوني مبرمج، بغية تدويلها والاستفادة ما أمكن من القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة.

كانت عملية اعتقال الفلسطينيين وأسرهم وما زالت بمثابة حرب إسرائيلية معلنة، نشهد فصولها يومياً، بغية الحد من حركة الشباب، وبالتالي الكفاح المشروع لتلك الشريحة من الشعب الفلسطيني ضد احتلال مديد طاولت سياساته الأرض والسكان والثروة الطبيعية.

ولحصول فلسطين على وضع دولة غير عضو في الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2012، وكذلك انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية رسمياً في مطلع نيسان (أبريل) عام 2015، انعكاسات كبيرة على قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إذ أصبحوا أسرى دولة فلسطين التي أخذت مكانتها كشخص اعتباري من أشخاص القانون الدولي. إن نقل الوضع القانوني لمنظمة التحرير من حركة تحرر وطني إلى دولة فلسطين، أدى إلى اعتبار الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار دولة فلسطين تحت الاحتلال، ما أكسب الأسرى الفلسطينيين الصفة الشرعية القانونية باعتبارهم أسرى حرب ومقاتلين شرعيين، وأسرى دولة مستقلة محتجزين كرهائن يتوجب إطلاق سراحهم فوراً.

ويبقى القول أن التفاف الشعب الفلسطيني والقوى الحية لدعم إضراب الأسرى المفتوح عن الطعام لنيل حقوقهم وحريتهم، يدفعنا إلى التأكيد أكثر من أي وقت مضى على ضرورة إعطاء قضية الأسرى في سجون الاحتلال بعداً قانونياً وإنسانياً وأخلاقيا، وبالتالي مطالبة المجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة بإعلان إسرائيل دولة خارجة على القانون الدولي، لعدم التزامها بميثاق الأمم المتحدة وقراراتها وبأحكام القانون الدولي الإنساني في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين، وعدم الوقوف عند هذا الحد، بل تحتم الضرورة أيضاً المطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين وسوقهم إلى العدالة الدولية لنيل العقاب عن جرائمهم المختلفة ومن بينها جريمة اعتقال الفلسطينيين وتعذيبهم، وبهذا يمكن تدويل قضية الأسرى الفلسطينيين.

 [*] كاتب، مقيم في بيروت.