د. كمال قبعة[*]

تتناول هذه الدراسة موضوع أيديولوجية وسياسة وتطبيقات الفصل العنصري في إسرائيل، والتي باتت كما أعتقد من الموضوعات التي يهتم بها الباحثون منذ فترة، وباتت تتصف بأهمية بالغة في الأشهر الأخيرة، وذلك في ظل انسداد الطرق كافة أمام تسوية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي؛ مما دفع بالمساهمة في هذا الأمر من خلال هذه الدراسة[1]. وتتزايد أهمية طرح هذا الموضوع مع تزايد وتيرة الوعي العالمي لطبيعة وأبعاد وحقيقة الفصل العنصري ليس في أراضي دولة فلسطين المحتلة، بل وبالأساس إدراك أن أيديولوجيا وسياسة وتطبيقات الفصل العنصري الإسرائيلي، هي في صميم عقيدة وثقافة ومنطلقات وبنية الاستعمار الاستيطاني الإجلائي الإحلالي الصهيوني في فلسطين عموماً.

وللإحاطة بعناصر الدراسة العديدة، والتي تم اختصار الكثير منها للإيفاء بمتطلبات محددات هذه الدراسة، كان لا بد من التعريف بمفهوم الأبرثايد الجنوب إفريقي البائد كونه شكلاً من أشكال الفصل العنصري، ويعتبر الأقرب إلى التجربة الصهيونية، بسبب الأصول الفكرية والتوراتية المتماثلة النظرة إلى السكان الأصليين، وكلتا التجربتين اعتمدتا طرقاً ووسائل في غاية التماثل والتشابه بما في ذلك محاولة سبر سياسة الفصل العنصري بأسانيد وتشريعات وقوانين موغلة في العنصرية[2]. وكان لا بد أيضاً من تناول مفهوم الفصل العنصري وفق ما تضمنته الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وإجراء بحث في خصوصية الأبرثايد بنسخته الإسرائيلية، وتناول أحدث التقارير الدولية ذات العلاقة بموضوع البحث، للوصول من ثم إلى جملة من الاستنتاجات والتوصيات.

في مفهوم الأبرثايد

ظهر مصطلح الأبارثايد أول مرة في جنوب أفريقيا عام 1944، واستمرت ممارسة الأبارثايد رسمياً في جنوب أفريقيا مدة أربعة عقود. وحظيت هذه السياسة بالدعم الكامل من الكنيسة الإصلاحية الهولندية، وهي كنيسة بروتستانتية تؤمن بأن عدم مساواة الأعراق مشيئة إلهية، وأن السود الذين تعتبرهم الكنيسة من أحفاد حام بن نوح، وجدوا ليخدموا البيض أحفاد سام. وتعني أبارثايد تقسيم الأعراق وسيطرة وتحكم العرق الأبيض عبر سياسة العزل والتطور المنفصل المسيطر على مستوياته وكافة مناحيه من قبل العرق والفئة المهيمنة، وهي عملياً السياسة التي حكمت العلاقات بين الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا والأغلبية من الملونين الأفارقة.

وأطلق على المعازل التي فرضت على السود في جنوب أفريقيا العيش فيها اسم بانتوستات، وهي تعني موطن السود. وقد صدر القانون بتشكيل البانتوستات رسمياً عام 1950 وبقي ساري المفعول حتى عام 1994. وفي عام 1951 صدر ما يعرف بقانون سلطة البانتو، وخصصت بموجبه حكومة جنوب أفريقيا أجزاء من احتياطي أراضي الدولة لبناء المعازل، وعينت لكل من المعازل سلطة مسؤولة عن قضايا المشافي، والطرق، والمؤسسات التعليمية وغيرها. وفي عام 1959 وضمن قانون تطور سلطات الحكم الذاتي، أي أن تتطور كل من المعازل، تأسست الوحدات الوطنية بشكل مستقل عن المعازل الأخرى، وفي الوقت ذاته بشكل مستقل عن جنوب أفريقيا[3]. وفي عام 1963 صدر مرسوم ترانسكاي، الذي يسمح للجمعية التشريعية والمجلس التنفيذي بإدارة أراضي ترانسكاي. وفي عام 1971 صدر قانون دستور المعازل وطبق على كل المعازل. وبموجب هذا القانون يحق لرئيس جمهورية جنوب أفريقيا تشكيل المجالس التشريعية للمعازل وتعيين أعضاء سلطة الحكم الذاتي، ويحق للسكان الأصليين انتخاب نصف أعضاء المجلس التشريعي، ويحتفظ بالنصف الثاني للزعماء الإقليميين الذين خلقت سلطات جنوب أفريقيا بينهم خلافات ومصالح أنانية متناقضة تسهل على السلطات في بريتوريا حكمهم. وتنحصر مهام وصلاحيات سلطات الحكم الذاتي بجمع الضرائب، إصدار القوانين المتعلقة بالمدارس، والسجون، والطرق، والشرطة، ولكن لا علاقة لسلطة الحكم الذاتي بالسياسة الخارجية، والدفاع، والاتصالات، والمصارف، والشؤون المالية، وكل ما يتعلق بالأمور المذكورة أعلاه مرتبط بموافقة رئيس جمهورية جنوب إفريقيا. وعندما يتمتع أحد المعازل بالحكم الذاتي، تسقط جنسية جنوب إفريقيا عن كل السكان التابعين له، وهذه طريقة فريدة للتخلص من السكان وتجريدهم من حقوقهم بلا ترانسفير”[4].

تجريم الفصل العنصري والمعاقبة عليه

تصدت الأمم المتحدة للأبرثايد فأصدرت الاتفاقيّة الدوليّة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في العام 1965، حيثُ أكدت الاتفاقية على ضرورة إقرار الكرامة والتساوي بين جميع البشر، بصرف النظر عن اللون – والعرق – والأصل القومي وغير ذلك من العناصر التمييزيّة. وفي العام 1985 تمّ اعتماد الاتفاقيّة الدوليّة لمناهضة الفصل العنصري في الألعاب الرياضيّة، حيث حثّت الاتفاقية على ضرورة تحقيق الاحترام العالمي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية ومراعاتها للجميع دون أي تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين، العمل على إزالة جميع الممارسات التي لها الطابع العنصري في الميادين الرياضية. وفى الجانب التعليمي  أصدرت الأمم المتحدة الاتفاقية الدوليّة الخاصّة بمكافحة التمييز في مجال التعليم في العام 1960، وذلك في دورة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة. وأصدرت الأمم المتحدة الاتفاقيّة الدوليّة لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها[5] في العام 1973.

وأقرّت الدول الأطراف في الاتفاقية الدوليّة لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها في العام 1973، أنّ الأفعال اللاإنسانية الناجمة عن سياسة الفصل العنصري بأنها جرائم ضد الإنسانية، ووضع حد للاستعمار وجميع أساليب العزل والتمييز المقترنة به، وتشجب بصفة خاصة العزل العنصري والفصل العنصري وتتعهد بمنع وحظر وإزالة كل الممارسات المماثلة في الأقاليم الداخلة في ولايتها، وذلك وفقا للديباجة. وأقرت المادة الأولى من الاتفاقية “أن الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، وأن الأفعال اللاإنسانية الناجمة عن سياسات وممارسات الفصل العنصري وما يماثلها من سياسات وممارسات العزل والتمييز العنصريين، والمعرفة في المادة الثانية من الاتفاقية، هي جرائم تنتهك مبادئ القانون الدولي، ولا سيما مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين. وتعلن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية تجريم المنظمات والمؤسسات والأشخاص الذين يرتكبون جريمة الفصل العنصري.

وتناولت المادة الثانية مصطلح عبارة “جريمة الفصل العنصري”، التي تشمل سياسات وممارسات العزل والتمييز العنصريين المشابهة لتلك التي تمارس في الجنوب الأفريقي، على الأفعال اللاإنسانية الآتية، المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية ما من البشر على أية فئة عنصرية أخرى من البشر واضطهادها إياها بصورة منهجية:

  • حرمان عضو أو أعضاء في فئة أو فئات عنصرية من الحق في الحياة والحرية الشخصية:
  1. بقتل أعضاء من فئة أو فئات عنصرية،
  2. بإلحاق أذى خطير، بدني أو عقلي، بأعضاء في فئة أو فئات عنصرية، أو بالتعدي على حريتهم أو كرامتهم، أو بإخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الإحاطة بالكرامة،
  3. بتوقيف أعضاء فئة أو فئات عنصرية تعسفا وسجنهم بصورة لا قانونية،

ب) إخضاع فئة أو فئات عنصرية، عمدا، لظروف معيشية يقصد منها أن تفضي بها إلى الهلاك الجسدي، كليا أو جزئيا،

ج) اتخاذ أية تدابير، تشريعية وغير تشريعية، يقصد بها منع فئة أو فئات عنصرية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عنصرية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والحق في تشكيل نقابات معترف بها، والحق في التعليم، والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في حرية الاجتماع وتشكيل الجمعيات سلميا،

د) اتخاذ أية تدابير، بما فيها التدابير التشريعية، تهدف إلى تقسيم السكان وفق معايير عنصرية بخلق محتجزات ومعازل مفصولة لأعضاء فئة أو فئات عنصرية، وبحظر التزاوج فيما بين الأشخاص المنتسبين إلى فئات عنصرية مختلفة، ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات عنصرية أو لأفراد منها،

هـ) استغلال عمل أعضاء فئة أو فئات عنصرية، لا سيما بإخضاعهم للعمل القسري،

و) اضطهاد المنظمات والأشخاص، بحرمانهم من الحقوق والحريات الأساسية، لمعارضتهم للفصل العنصري.

وفي العقود التي سبقت وتلت الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1973، ساهمت الأمم المتحدة في الكفاح العالمي ضد الفصل العنصري عن طريق توجيه انتباه العالم إلى لاإنسانية النظام، وإضفاء الشرعية على المقاومة الشعبية، وتعزيز إجراءات مناهضة الفصل العنصري التي تتخذها المنظمات الحكومية وغير الحكومية، وفرض حظر على توريد الأسلحة، ودعم فرض حظر نفطي ومقاطعة نظام الفصل العنصري في العديد من المجالات. وتدرجت المحطات الرئيسية في حملة الأمم المتحدة لمناهضة الفصل العنصري كالتالي:

  • 2 كانون الأول (ديسمبر) 1950ـ الجمعية العامة تعلن أن ’’سياسة التفرقة العنصرية (الفصل العنصري) تستند بالضرورة إلى مبادئ التمييز العنصري‘‘. (القرار 395 (د-5)
  • 1 نيسان (أبريل) 1960 ـ مجلس الأمن، في أول إجراء له بشأن جنوب أفريقيا، يعتمد القرار 134 الذي يشجب السياسات والإجراءات التي تتخذها حكومة جنوب أفريقيا وذلك في أعقاب مقتل 69 متظاهراً أفريقياً مسالماً في شاربفيل على يد الشرطة في 21 آذار (مارس). ويدعو المجلس الحكومة إلى التخلي عن سياساتها القائمة على الفصل والتمييز العنصريين.
  • 2 نيسان (أبريل) 1963 ـ الاجتماع الأول للجنة الخاصة المعنية بسياسات الفصل العنصري التي تتبعها حكومة جمهورية جنوب أفريقيا، والتي سميت في وقت لاحق باسم ’’اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري‘‘.
  • 7 آب (أغسطس) 1963ـ مجلس الأمن يعتمد القرار 181 الذي يدعو كافة الدول إلى الكف عن بيع وشحن الأسلحة والذخيرة والمركبات العسكرية إلى جنوب أفريقيا. وأصبح الحظر المفروض على الأسلحة إلزامياً في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1977.
  • 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963ـ الجمعية العامة تحث جميع الدول، في القرار 1899 (د-18) بشأن مسألة ناميبيا، على الامتناع عن تزويد جنوب أفريقيا بالنفط. وكان هذا أول جهد في جهود عديدة بذلتها الأمم المتحدة بغرض فرض عقوبات نفطية فعالة ضد نظام الفصل العنصري.
  • 23 آب (أغسطس) – 4 أيلول (سبتمبر) 1966ـ قيام شعبة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة واللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري وحكومة البرازيل بتنظيم الحلقة الدراسية الدولية المعنية بالفصل العنصري. وهي الأولى من عشرات المؤتمرات والحلقات الدراسية بشأن الفصل العنصري التي نظمتها الأمم المتحدة أو شاركت في رعايتها.
  • 2 كانون الأول (ديسمبر) 1968ـ الجمعية العامة تطلب إلى كافة الدول والمنظمات أن تعلق المبادلات الثقافية والتعليمية والرياضية وغيرها من المبادلات مع النظام العنصري والمنظمات أو المؤسسات التي تمارس الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
  • 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1973ـ الجمعية العامة تقر الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (القرار 3068 (د- 28). ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 18 تموز (يوليو) 1976.
  • 1 كانون الثاني (يناير) 1976ـ إنشاء مركز مناهضة الفصل العنصري.
  • 17 آب (أغسطس) 1984ـ مجلس الأمن يعلن في القرار 554 أن الدستور العنصري الجديد لجنوب أفريقيا لاغ وباطل.
  • 16-20 حزيران (يونيو) 1986ـ الأمم المتحدة تنظم المؤتمر العالمي المعني بفرض جزاءات على جنوب أفريقيا العنصرية، بالتعاون مع منظمة الوحدة الأفريقية وبلدان حركة عدم الانحياز.
  • 14 كانون الأول (ديسمبر) 1989ـ الجمعية العامة تعتمد بتوافق الآراء “الإعلان المتعلق بالفصل العنصري ونتائجه المدمرة في الجنوب الأفريقي”، الذي يدعو إلى إجراء مفاوضات لإنهاء الفصل العنصري وإقامة ديمقراطية غير عنصرية (القرار A/RES/S-16/1).

وهكذا يمكن التأكيد على أن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، قد تضمنت جملة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تمنع وتجرم العنصرية بكافة أشكالها، وخاصة جريمة الفصل العنصري التي اتفقت الدول الأطراف المتعاقدة فيها على قمعها والمعاقبة عليها، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية. وقد كان لنظام الأبرثايد في جنوب إفريقيا سابقاً النصيب الأكبر من تطبيق قواعد وأحكام تلك الاتفاقيات، الأمر الذي أدى إلى انهياره واندثاره. على أن جريمة الفصل العنصري ليست حكراً على نظام الأبرثايد الجنوب إفريقي سابقاً، بل وتمارس من قبل بعض الدول والأنظمة الأخرى وخاصة إسرائيل، مما يجعل من تلك الاتفاقية والخطوات التنفيذية التي سبقتها وتبعتها، إحدى طرق ووسائل مقاومة الشعوب للسياسات وممارسات الفصل العنصري بما في ذلك في فلسطين.

حقائق تسقط الادعاءات

لا تزال المؤسسة الإسرائيلية تتغنى بأنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، بل وأنها أيضاً واحدة من الدول في العالم التي تشكل نموذجاً فريداً يتوجب الاحتذاء به. ولطالما يردد المسؤولون الإسرائيليون ذلك، متغنين بأن القانون الأساس لديهم يؤكد في البند الأول منه “تقوم حقوق الإنسان الأساسية في إسرائيل على الاعتراف بقيمة الإنسان، قدسية حياته وكونه حراً، وسيتم احترامها بما يتماشى مع المبادئ الواردة في وثيقة الاستقلال لدولة إسرائيل”؛ علماً أن هذه القاعدة الدستورية لا تنطبق على الكرامة والحرية للإنسان إذا تعلق الأمر بالفلسطينيين، وتم انتهاكها بصراحة في عشرات القوانين العنصرية التي قوننتها الكنيست الإسرائيلي بهدف المساس بحقوق وحريات الفلسطينيين. ولعل التدقيق وتفحص طبيعة تلك القوانين وكذلك طبيعة النظام القانوني والقضائي والتنفيذي القائم، تجعل من الممكن التأكيد على أن هذه القوانين والنظم ليس لها مثيل في أي نظام لدول العالم، وتجاوزت المؤسسة الإسرائيلية بتشريعاتها العنصرية نظام الأبرتهايد البائد في جنوب إفريقيا.

ولا ترتبط هذه العنصرية بالضرورة بواقع الاحتلال، بل إنها تنبع من صميم الفكر الصهيوني وأنها مكوِّن طبيعي وبنيوي من مكوناته؛ وبالتالي فإن هناك علاقة عنصرية وبنيوية بين الصهيونية والعنصرية، وهو ما أشارت إليه الأمم المتحدة في القرار رقم 3379 «باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية بتاريخ 10/10/1975، والذي جرى شطبه في عام 1991. وعلى الرغم من ذلك فإن الحقائق تشير إلى أن ظاهرة وقوانين العنصرية تجاه الفلسطينيين دخلت مرحلة نوعية جديدة، تتكشف خلالها حقيقة طالما تم إخفاؤها وعدم البوح بها، وهي أن القوانين والنظم التشريعية والقضائية والتنفيذية الإسرائيلية تقوم على أساس أيديولوجي وسياسي، يمكن وصفه بأنه شكل من أشكال الفصل العنصري الأشد قسوة وإجرامية من الأبرثايد الجنوب إفريقي البائد.

على أن أحد الكتاب الإسرائيليين[6] يدعي بالقول أنه “وحتى لو وجدت في الهامش في إسرائيل ظواهر يمكن أن تُذكر بظواهر كانت موجودة في جنوب إفريقيا ذي الفصل العنصري، فإنني أفترض أن أكثر المنتقدين تطرفاً لا يعتقدون أن الحديث عن فصل عنصري أيديولوجي ممأسس ومحسوب”. على أن كاتبة إسرائيلية تفند ذلك الادعاء التخفيفي والديماغوجي بالتأكيد على “أن الوضع الراهن، أي الوضع الثابت للتمييز الممأسس ووجود نظامي قوانين منفصلين يعملان على التوازي – نظام قانون مدني داخل الخط الأخضر والمستوطنات، ونظام قانون عسكري يجري على الفلسطينيين وراء الخط الأخضر– هو الذي يجعل إسرائيل دولة فصل عنصري”[7]. وبذلك فإن الكاتبة تشير إلى أن أيديولوجية وسياسة وتطبيقات الفصل العنصري في إسرائيل وأراضي دولة فلسطين المحتلة “نظام ممأسس” وكذلك فإنه “نظامي قوانين منفصلين”؛ أي أن الفصل العنصري بشكله ومحتواه وركائزه يتميز بأنه مركب بنيوي رئيسي في الأيديولوجيا السائدة والنظام والسياسة والممارسة في إسرائيل.

وفي الوقت ذاته الذي ينفي فيه الكاتب[8] سابق الذكر وجود “فصل عنصري أيدولوجي ممأسس، “فإنه يقر ويعترف بوجود” فروق بين مجموعات من السكان. ويُعبر في بعض الحالات عن الفروق أيضا بانقسام ديني طائفي [..] قد توجد اقتراحات قانون مصابة بالتمييز وعدم المساواة، لكنها لا تقصد إلى إنشاء نظام فصل عنصري”، ويضيف ليتناقض مع نفسه واستنتاجه فيؤكد” ليست دولة إسرائيل بريئة من الظلم. وليست بريئة من عدم المساواة والأخطاء في التقدير، بل ليست بريئة أحيانا من سياسة غير مناسبة متعمدة. لكن توجد هاوية عميقة تفصل بين هذه الظواهر ودولة الفصل العنصري”. وهكذا يصعب الفهم بين قوله بأن القوانين والسياسات الإسرائيلية “لا تقصد إلى إنشاء نظام فصل عنصري”، وبين أنها “ليست بريئة أحيانا من سياسة غير مناسبة متعمدة”؟! وبهذا فإن ديماغوجية هذا الكاتب تعبر عن مكنونات تبريراته الهشة، فتارة يرى أن سياسات وقوانين الفصل العنصري في إسرائيل “لا تقصد” وتارة أخرى يقر بأنها “متعمدة”؟!.

 وحتى يسند استنتاجاته التبريرية الهشة يستطرد الكاتب ذاته بالقول: “لا يوجد اليوم في سفر قوانين دولة إسرائيل ولو قانون واحد أو توجيه أو أمر جنرال، يعتمد على فصل عنصري أو يكون الفصل العنصري غايته”. بينما وفي السياق ذاته يقول باحث[9] إسرائيلي آخر بأن “ريح العنصرية والقومية تهب في الآونة الأخيرة من جهات مركزية ذات سلطة في المجتمع الإسرائيلي، ومنها الأذرع الحاكمة. وتتجسد هذه الريح في الكنيست [..] التي يتم التعبير فيها عن العنصرية الطاغية لدى الجمهور بسن قوانين غوغائية تمنح العنصرية الشرعية والتعزيز”، ويضيف بأن سياسات وتطبيقات العنصرية في إسرائيل هي “ثمرة الشجرة المسمومة التي ترعاها الكنيست سواء كان ذلك متعمداً أو ابتغاءً للغوغائية المجردة”. ويصيب هذا الكاتب كبد الحقيقة عن قوننة وإسباغ التشريع على الفصل العنصري في إسرائيل من خلال الكنيست، وإشاعة ورعاية الفصل العنصري بكل مظاهره وعناصره.

وتظهر “ثمرة الشجرة المسمومة التي ترعاها الكنيست” في نتائج استطلاع للرأي[10]أجري في إسرائيل لمناسبة اليوم العالمي لمكافحة العنصرية، والذي أظهر أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين (95%) تعتقد أن شريحة واحدة من شرائح المجتمع الإسرائيلي على الأقل تعاني من التمييز العنصري. ولكن هوية هذه الشريحة تختلف من وجهة نظر المشاركين في الاستطلاع. وبين الاستطلاع أن 79% يعتقدون ان اليهود من أصل أثيوبي هم أكثر الذين يعانون من التمييز العنصري، بينما اعتبر 68% أن العرب هم أكثر الفئات عرضة للتمييز العنصري، مقابل 41,8% أشاروا إلى المتدينين المتزمتين، وقرابة 34% ذكروا الشرقيين والمهاجرين من الاتحاد السوفييتي. وقال 4,4% فقط إن إسرائيل لا تمارس التمييز العنصري ضد أي شريحة. وأظهر استطلاع آخر[11] بواسطة (معهد ديالوغ)، أن أغلبية الجمهور اليهودي في الدولة العبرية، تؤيد إقامة نظام أبارتهايد فصل عنصري في الدولة العبريّة، وذلك في حال ضم المناطق المحتلة إليها. وأعربت أغلبية الجمهور عن تأييدها انتهاج سياسة تمييز ضد المواطنين العرب. وبحسب نتائج الاستطلاع، فقد قال 59 بالمائة من المستطلعة آراؤهم إنّه يجب تفضيل اليهود على العرب لدى قبولهم لأماكن العمل في الدوائر الحكوميّة، في حين قال 49 بالمئة إنّهم يرغبون في أن تهتم الدولة بمصالح مواطنيها اليهود أكثر من اهتمامها بمصالح مواطنيها العرب. وقال 42 بالمئة من الجمهور اليهوديّ في الدولة العبريّة إنّهم لا يرغبون في العيش بجوار عرب، ولا يرغبون في أن يتعلم أولادهم في مدارس مشتركة مع العرب. ولفت ثلث المشمولين في الاستطلاع إلى أنهم يؤيدون سن قانون خاص يمنع العرب في الداخل الفلسطينيّ من المشاركة في الانتخابات العامة للكنيست، ترشحًا أوْ تصويتًا، في حين أعرب 69 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع عن معارضتهم منح حق التصويت للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلّة في حال ضمها إلى دولة الاحتلال.

يظهر مما تقدم أن ثقافة وسلوكيات الفصل العنصري تضرب بأطنابها أغلبية فئات وشرائح المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي يمكن تسبيبه أساساً بالأيديولوجيا والثقافة الصهيونية السائدة، والرعاية الرسمية المنهجية لها، والقوانين التي تحميها وتغذيها. والحقيقة تشير إلى أن المجتمع المدني الإسرائيلي يتميز بـ”التقسيمة القومية- الإثنية التي تخترقه” ويتميز أيضاً “بالتمييز البنيوي ضد الفلسطينيين”[12]. ويتوجب التنويه إلى أن قوننة الفصل العنصري في نسخته الإسرائيلية لا تطال الفلسطينيين العرب فحسب، بل تمتد لتشمل فئات ومجموعات عنصرية إثنية وثقافية تعتنق اليهودية أيضاً، وهو ما أطلق عليه البعض بـ”تمييز إثني محصور ومحدود”[13]؛ كيهود الفلاشا الإثيوبيين والمتدينين اليهود المتزمتين واليهود ذوي الأصول الشرقية وحتى المهاجرين من الاتحاد السوفيتي سابقاً، وغيرهم كاليهود الهنود وحتى يهود الهنود الحمر الذين جلبتهم الوكالة اليهودية باعتبارهم من السبط اليهودي الضائع. والدليل على ذلك نتائج استطلاع رأي[14] بواسطة (معهد ديالوغ)، أظهرت أن أغلبية الجمهور اليهودي في الدولة العبرية، تعتقد بأن نظام الأبارثايد قائم في إسرائيل حتى من دون ضم المناطق المحتلّة إليها. ففي جنوب أفريقيا كان تقسيم لأربع مجموعات عرقية (بيض، وسود، وملونين وهنود)، كل واحدة تقع في مرحلة أخرى في سلم عدم المساواة، من أجل تخليد الحقوق الزائدة للبيض. العرق الأبيض (الناطقون بالأفريكانية والناطقون بالإنجليزية) كان يعرف كقومية واحدة، رغم الفوارق الكبرى بينهما، أما الأفارقة فقد قسموا إلى عدة مجموعات قومية مختلفة. وهذا ضمن للقومية البيضاء أن تكون هي الأكبر. “أما عندنا فإن التفرقة الأساسية التي أوجدتها السلطات هي ظاهرا جغرافية، موجهة للحفاظ على الحقوق الزائدة لليهود وتطويرها”. وفي مراحل سلم عدم المساواة يوجد على نحو منفصل سكان قطاع غزة، الضفة الغربية، شرقي القدس، وبعدهم الفلسطينيون مواطنو الدولة الذين يعيشون في إسرائيل. وكل مجموعة كهذه تحرم بشكل مختلف من حقوق الإنسان والمواطن. وهنا أيضا توجد تقسيمات فرعية هدفها تجزئة الشعب الآخر إلى عناصر مختلفة: “ج”، دروز، بدو، فلسطينيين، مسيحيين، مسلمين، “وكل بيروقراطية تنفذ تقسيمات فرعية وتصنيفات متشددة كهذه يوجهها مبدأ عدم المساواة من أجل رفاه مجموعة واحدة مهيمنة”.[15]ولذا يقول أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي[16]بأن “السبيل إلى جنوب إفريقيا ممهد، ولن يعاق بحاجز إلا عندما يعرض العالم الغربي على إسرائيل خيارا لا لبس فيه: التراجع عن الضم ولفظ دولة المستوطنين أو أن تكون مقصاة ومنبوذة”.

تسونامي شرعنة الفصل العنصري

 وتندفع الكنيست بفضل وجود الحكومة الأكثر يمينية والتحالف القائم على الدين والميثولوجيا، نحو إقرار تشريعات من نوع غير معهود في المرحلة السابقة. فبعد الإطباق على أراضي العرب الفلسطينيين، وإخضاعهم لنحو أكثر من سبع وثلاثين قانوناً وتشريعاً كانت بمثابة الأداة لـ”تهويد” الأراضي الفلسطينية، وفرض عديد التشريعات التي تحد وتنتقص من حقوقهم وحرياتهم على اختلاف أنواعها؛ يقوم التحالف الإسرائيلي بمحاولات حثيثة من أجل الانتقال لـ”تهويد” التراث والهوية ومحو الرواية والذاكرة الفلسطينية، عبر إعداد وتمرير تشريعات عنصرية قهرية مجحفة[17].

ويتهم القاضي إلياهو ماتسا، الذي أشغل منصب القائم بأعمال رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية سابقا، الكنيست بأنها تنجر نحو توجهات عنصرية، وتقوم بسن قوانين موجهة لقمع الأقليات وخاصة الأقلية العربية. بوادر فاشية تظهر على هوامش المجتمع الإسرائيلي…”، ويتابع: “لقد حصل تسونامي من الإجراءات التي تفرض قيوداً على الحقوق، إننا لا ننتبه لذلك، ولكنه يحصل أمام أعيننا، إنني أراه في كواليس الكنيست واللجان الوزارية المكلفة بالتشريع.. سندفع ثمناً باهظاً على كل ذلك”. والمتتبع للتطورات في إسرائيل يلحظ بوضوح في السنوات الأخيرة، وخاصة في عهد حكومة نتنياهو/ليبرمان، عملية قوننة للسياسات العنصرية التي انتهجتها إسرائيل ضد المواطنين العرب منذ قيامها وحتى اليوم، حيث طالت هذه السياسة جميع جوانب حياة المواطنين العرب، الاقتصادية، والاجتماعية، والأرض والمسكن وغيرها، وبذلك تمنع عمليا المواطنين العرب من السكن في 80% من مساحة الدولة. كما تم مؤخرا سن قانون خاص يشرعن وجود “مستوطنات الأفراد” في النقب التي بنيت دون التراخيص اللازمة، وهي عملياً تمنح مساحات أرض شاسعة لعائلات يهودية قليلة، في الوقت الذي تهدم به قرى عربية كاملة في ذات المنطقة، بالرغم من أنها قائمة قبل قيام الدولة، وذلك بهدف ضمان استخدام يهودي حصري لهذه الأرض. وتحت عنوان “خذ مزرعة بدون مقابل”[18]،  فإن إسرائيل سوف تمنح كل من يريد أن يكون مزارعا في النقب 80 دونما. إن مخططات تشجيع الاستيطان في النقب، تأتي في وقت يواجه فيه عرب النقب مخططات الهدم والترحيل، وتركيزهم على مسطحات صغيرة للاستيلاء على أراضيهم، وكان آخرها عمليات الهدم المتواصلة في عدد من القرى في النقب مثل العراقيب وخشم زنه وجرول أبو طويل، إلى جانب قائمة من القرى التي ترفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف بها وتوفير البنى التحتية الضرورية لها.

وجرى إقرار العديد من قوانين الفصل العنصري[19]، كقانون المواطنة العنصري لعام 2010، الذي يشكل أحد نماذج قوننة الفصل العنصري، إذ إن مضمون هذا القانون قد جعل مواطنة الفلسطينيين العرب في الداخل، رهينة لمفهوم الدولة اليهودية، وتحويل هذه المواطنة إلى مواطنة مشروطة بالولاء للصهيونية. وفي الحقيقة إن طلب إعلان الولاء لأيديولوجية إثنية ودينية وعنصرية هو أمر غير مسبوق في قوانين الدول، وهو اختراع خاص من إنتاج العنصرية الإسرائيلية. وحتى بيني بيجين وميخائيل إيتان، ادّعيا بأنّ التعديل في شكله الحالي يشكل تمييزاً واضحاً. وقانون المواطنة هو واحد من سلسلة قوانين عنصرية تم إقرارها في دورة الكنيست الشتوية لعام 2010 و2011. ومن بين القوانين العنصرية أيضاً، “قانون النكبة”. إن ما يضمره قانون النكبة وتفضحه نصوصه وأحكامه، يتمثل في أنه محاولة يائسة لغزو فكري وذهني، يستهدف إعادة قولبة الرواية الصهيونية وشطب الحقيقة الفلسطينية ورواية النكبة الفلسطينية، التي بنيت على أنقاضها رواية مزورة ودموية وظالمة، وفرضها بسطوة القانون على ضحاياها الفلسطينيين[20] .وهناك أيضًا قانون “حظر التحريض”، يقضي بتعديل قانون التحريض ليجرم كل من يدعو لرفض وجود دولة إسرائيل على أنها يهودية وديمقراطية، ويحاكم صاحب الدعوة بالسجن. وأقر أيضاً “قانون الولاء”[21]، الذي يُشترط الحصول على مواطَنة إسرائيليّة، بالتوقيع على تصريح ولاء “لدولة إسرائيل كدولة يهوديّة، وصهيونيّة، وديمقراطيّة، ولرموزها وقِيَمها”. وفرض مشروع القانون على كلّ مواطنٍ واجب الخدمة في الجيش أو في إطار بديل، وخُوّل وزير الداخليّة سحب المواطنة مِن كلّ مَن لا يوقّع على التصريح، أو لا يخدم الدولة. وقد تطول قائمة قوانين الفصل العنصري، وخاصة ما يجري تقديمه من مشاريع قوانين في الكنيست التاسعة عشرة.

في المقابل فقد بات هذا التطرف التشريعي يقلق العديد من أطراف ما يسمى بالمعارضة في الكنيست، وقد أعدت تلك الأطراف اقتراحات قوانين بهدف إلغاء عدة قوانين سابقة أقرت بالقراءتين الثانية والثالثة، وبضمنها “قانون المقاطعة” و”قانون النكبة” وتغيير القانون الذي يسمح بالتمييز العنصري في الحصول على سكن في ما يسمى بـ”البلدات الجماهيرية” وخاصة البند الثامن في القانون، الذي يمنع قبول مواطن جديد في البلدات الجماهيرية بذريعة “عدم ملاءمته للنسيج الاجتماعي الثقافي للبلدة”، وهو قانون فصل عنصري وإثني طائفي؛ والذي كان قد أقر في الكنيست الثامنة عشرة. كما يتوقع أن يناقش “قانون رفع نسبة الحسم” الذي صوتت عليه الكنيست، والذي يستهدف إعاقة تمثيل عديد الأحزاب والكتل النيابية من الوصول لعضوية الكنيست، وبهدف احتكار السلطة من قبل الأحزاب اليمينية المتنفذة. وقد وصفت تسيبي ليفني قانون المقاطعة الذي أقر في تموز (يوليو) 2011 بأغلبية كبيرة بأنه “قانون رهيب”. ويسمح هذا القانون بتقديم من يدعو لمقاطعة المستوطنات للمحاكمة، كما يصادر حق التمويل العام من المنظمات التي تدعو للمقاطعة. وفي حينه هاجمت ليفني بنيامين نتانياهو، وقالت إنه “رئيس حكومة لا يفقه ما هي الديمقراطية، وفارغ من أي قيمة، ولا يدرك أن المساواة ليست معروفا يسدى لشخص ما وإنما هي حق لكل مواطن”.[22] وبحسب عضو الكنيست إيتان كابل من حزب العمل، فإن “الكنسيت الثامنة عشرة ستسجل في التاريخ البرلماني على أنها مست بحرية التعبير بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك بسبب تشريعات تهدف لكم أفواه الخصوم السياسيين”[23].

والعنصرية سياسة إسرائيلية رسمية، فقد شرّعت الكنيست أكثر من (40) قانوناً عنصرياً، والكنيست الثامنة عشرة شرعت وحدها أكثر من عشرين قانوناً عنصرياً. والعنصرية في إسرائيل تحظى بتعاطف جزء كبير من الجماهير الإسرائيلية، حتى أصبحت العنصرية مقلقة جداً عليهم، والجهات الرسمية لا تعمل على إخمادها والقضاء عليها[24]، وهذا القبح العنصري يظهر في سياقات مختلفة، ففي استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أكد 67% من المستطلعين بأن إسرائيل أكثر عنصرية حالياً من أي وقت مضى. ووصف عاموس شوكان[25] حملة حكومة نتنياهو التي تستهدف ركائز الديمقراطية «الإسرائيلية» والتي ترجمت بسلسلة مشاريع قوانين استهدفت الصحافة والقضاء ومنظمات حقوق الإنسان، وصفها بأنها محاولة لإزالة العقبات الأخيرة التي تعترض طريق نظام الأبرتهايد. ويؤكد عاموس شوكان بأن التشريعات الأخيرة، محاولة لقمع المعارضة والنقد ضد نظام الأبرتهايد وقوننته، حتى لو تم ذلك بطريقة غير قانونية وغير شرعية، إذ أن المطلوب هو تحويل العمليات غير القانونية إلى عمليات قانونية، إذا كان ذلك بتغيير القوانين أو تغيير تفسير القوانين، وفي هذا السياق تندرج حملة التشريعات التي تستهدف وتترافق بهجوم منقطع النظير على المحكمة العليا وعلى منظمات حقوق الإنسان وعلى الصحافة، باعتبار هذه الركائز معوقات أمام إنشاء نظام الأبرتهايد”. حتى إن الوزير السابق دان مريدور، هاجم بشدة شركاءه سابقا في حزب الليكود، على خلفية قيامهم بمحاولة دفع قوانين تميز ضد العرب في إسرائيل وضد اللاجئين، واتهمهم بمحاولة سن قوانين أبرتهايد على شاكلة قوانين نظام الأبرتهايد السابق في جنوب إفريقيا. وقال مريدور إن “الأمر الوحيد الذي يهمهم هو ضم الأراضي. أما حقوق الإنسان والديموقراطية والمساواة فليست واردة في تفكيرهم”[26].

واضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى تغيير القرار العنصري الذي اتخذته، والقاضي بمنع الفلسطينيين من الضفة الفلسطينية استخدام حافلات الركاب التي تقل المستوطنين إلى داخل مناطق 1948، وذلك بعد أن ثارت ضجة كبيرة محلية وعالمية على القرار العنصري، الذي ذكّر بأساليب نظام الأبرثايد العنصري في جنوب إفريقيا. وكانت السلطات الإسرائيلية قد قررت تسيير خط حافلات ركاب من الضفة الفلسطينية المحتلة إلى داخل مناطق 1948، لذوي التصاريح الخاصة، ومنعهم من ركوب حافلات تقل المستوطنين في الأراضي الفلسطينية، بدعوى منع الاحتكاك بين الجانبين، وقضت التعليمات الجديدة بتجميع الفلسطينيين عند نقاط عبور وحواجز، لتقلهم حافلات خاصة بهم إلى داخل مناطق1948 ، ثم يتم تجميعهم من جديد في نهاية يوم العمل، وإعادتهم إلى نقاط العبور التي انطلقوا منها في الضفة الفلسطينية، حيث يتعرضون لحملات تفتيش مهينة. إلا أنه مع صدور القرار وبدء تنفيذه في بدايات شهر آذار (مارس) 2013، ثارت ضجة كبيرة في إسرائيل، خاصة من جهات حقوقية حذرت من أن هذا القرار سيواجه في العالم، على أنه نمط من أنماط نظام الأبرتهايد في جنوب إفريقيا، وانضمت إلى القوى المحتجة قوى يسارية إسرائيلية، كما أن وسائل الإعلام المركزية[27] في إسرائيل هاجمت القرار باعتبار “أن الفصل في الحافلات هو جزء من فصل مبدئي أكثر بين السكان، وجد تعبيره تقريبا في كل مجال محتمل: في فرز مناطق السكن، وفي منظومات القوانين المختلفة، وفي توزيع المصادر غير المتساوي وفي نظام الحركة التمييزي.

وهكذا يتبين بأن “تسونامي تشريعات” الفصل العنصري الإسرائيلية، بات صريحاً وواضحاً، الأمر الذي يفرض متابعة وفضح وكشف وتعميم المعرفة بشأن تشريعات الفصل العنصري الإسرائيلية، باعتبارها تغوُلاً غير مسبوق في قوننة وتشريع العنصرية والتطهير العرقي والفصل والتمييز العنصري، بل إنها تشكل شكلاً من أشكال الإبادة الثقافية المترافقة مع جريمة إخضاع الأقلية العربية الفلسطينية الأصلية في البلاد، لظروف تستهدف القضاء عليهم وعلى هويتهم وذاكرتهم وتاريخهم ومقدراتهم المادية وغير المادية. ويتوجب العمل على إخضاع إسرائيل للمساءلة والمسؤولية الدولية من قبل كافة المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، فالعنصرية المنطوية على أبشع أشكال الاستعمار الاستيطاني الإجلائي الاستئصالي للفلسطينيين والإحلالي لليهود مكانهم، باتت مفضوحة ومكشوفة ولم يعد بقدرة إسرائيل تزييف وقائعها وأبعادها الإجرامية، خاصة وأنها تنبع من أيديولوجية عدوانية بطبيعتها وأهدافها، ويجري تشريعها من أعلى الهرم التنفيذي والتشريعي بغطاء قضائي من محكمة “العدل” العليا الإسرائيلية؛ فهي إذاً رسمية ومنهجية وواعية للأبعاد المترتبة عليها، الأمر الذي يستصرخ الشرعية والمسؤولية الدولية.

الاستيطان: عزل وتبعية وسيطرة

ويرتبط الأبرثايد ارتباطًا وثيقًا بالاستيطان، غير أنّ هذا الأخير نادرًا ما يرتكز على نظام الفصل العنصري. وفي الواقع، تتنوّع نماذج الاستيطان، فنعدّ على سبيل المثال الاستيطان الّذي يمارس الإبادة الجماعيّة كما حدث في أميركا وأستراليا، والاستيطان القائم على استغلال السّكّان الأصليّين كإرغام الجزائريّين على القيام بالأعمال الشّاقّة والمُرهقة، والاستيطان المُستند إلى استيراد العبيد كما في أميركا الشّماليّة، واستيطان التّطهير العرقيّ أي طرد السّكّان الأصليّين من موطنهم كممارسات الصّهيونيّة. ونعدّ أيضًا نماذج استيطانيّة هجينة، كالاستيراد القسريّ لليد العاملة (أي الرّقّ) بعد إبادة السّكّان الأصليّين وهو نموذج خاصّ بأميركا الشّماليّة.

ولعل من الجدير بالملاحظة أن “نرى وفق منطق استيطانيّ بسيط أنّ نظام الأبرثايد في جنوب أفريقيا، لم يرتكز على طرد السّكّان السّود والأقلّيّات العرقيّة الأخرى، بل على استغلالهم. وكان شعار المستوطن الأبيض في الجزائر إرغام السّكّان الأصليّين على القيام بالأعمال الشّاقّة والمُرهقة. بينما نرى أن الصّهيونيّة الهادفة إلى إنشاء وطن قوميّ لليهود بأقلّ عدد ممكن من السّكّان غير اليهود، ليست مجرّد استيطان قائم على اغتصاب الأرض كأشكال الاستيطان الأخرى، بل على طرد السّكّان الأصليّين والتّطهير العرقيّ. وبالتّالي، نستنتج مدى خصوصيّة الاستيطان الصّهيونيّ  كأحد أشكال الإبادة والتطهير العرقي. والصّهيونيّةَ استيطان يرتكز على طرد السّكّان والتّطهير العرقيّ، ويهدف إلى إرساء أسس الدّولة القوميّة أي الدّولة اليهوديّة. ويتّضح من هذا المنطلق أنّ الصّهيونيّة فعلاً أكثر شراً من الأبرثايد”[28].

وفي هذا السياق يؤكد المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ريتشارد فولك[29]، في الاستخلاصات النهائية لتقريره بأن إسرائيل “تبدو جلياً في ممارساتها وسياساتها أنها تشكل عزلاً وفصلاً عنصرياً”[30]. ويلاحظ أن “الانتهاكات المناقشة في سياق الاحتلال الطويل الأمد تبدو مقصودة ومنظمة ومؤسسية ومستمرة منذ زمن طويل”[31].

وتبدو استخلاصات المقرر فولك واضحة وصريحة في الكشف عن حقيقة الجوهر والمضمون الذي يقوم عليه الاحتلال، إذ لا تخفى على أحد “منظومتا القانون المستقلتان اللتان تحكمان الضفة الغربية، فثمة قانون مدني لليهود وقانون عسكري للفلسطينيين؛ ونظاما البنية التحتية المستقلان (الشوارع والكهرباء والماء) – الفاخر والأعلى والمتسع لليهود، والمظلوم والمتضائل للفلسطينيين. والجيوب (الكانتونات) التي هي تحت حكم ذاتي فلسطيني محدود، ونظام رخص التنقل وحظره – الذي طُبق على الفلسطينيين في 1991 في موازاة إلغائه في جنوب إفريقيا.[..] إننا نتحدث عن فصل عنصري في الأرض الكاملة من البحر إلى النهر، وعن منطقة واحدة يعيش فيها شعبان وحكومة واحدة ينتخبها شعب واحد وتقرر مصير ومستقبل الشعبين. [..] الفصل الأساسي عندنا الذي أنشأته السلطات جغرافي يُستخدم للحفاظ على حقوق اليهود الزائدة وتنميتها”[32]. وتضيف عميرة هاس بأن “درجات سلم عدم المساواة” تجاه الفلسطينيين يتدرج ليشمل سكان قطاع غزة والضفة الغربية وشرقي القدس وفلسطينيي 1948، و”تُسلب كل مجموعة كهذه حقوق الإنسان والمواطن بطريقة مختلفة. وتوجد هنا أيضاً تقسيمات فرعية ترمي إلى تشظية الشعب الثاني [أي الفلسطيني- ك. ق.]، فثمة الدروز والبدو والفلسطينيون والمسيحيون والمسلمون. وكل بيروقراطية تقوم بهذه التقسيمات الفرعية والتصنيفات الدقيقة يوجهها مبدأ عدم المساواة لأجل رفاه مجموعة واحدة مهيمنة”.

ويرى باحثون آخرون بأن نظام الاحتلال بدأ بـ”تعزيز مبدئه الأساسي، ألا وهو الحكم التفاضلي على مجموعتين سكانيتين لهما مكانة مختلفة، كما باشر بتطوير التفاصيل الدقيقة التي تندرج ضمن هذا الأمر”. و”الحكم التفاضلي” معناه الرئيسي الحكم على أساس الفصل العنصري بنسخته الصهيونية، إذ “يتمثل الفصل بين هذين النظامين ويدوم بوساطة وسائل قانونية، عسكرية، أيديولوجية، وبيروقراطية خالصة عبر مصفوفة من ثلاثة مبادئ فصل: فصل قومي ثنائي بين اليهود والعرب، وفصل مدني ثنائي بين مواطنين وغير مواطنين، وفصل إقليمي”[33].

وبفعل مصفوفة الفصل المنهجي هذه “بدأ يتمأسس شكل جديد من السيطرة، أساسه تقطيع الحيز المكاني الفلسطيني ورفع مستوى قابليته للاختراق، وتعزيز التحكم بالحركة داخله. وبوساطة نظام حركة جديد وشبكة من الشوارع الالتفافية، نشأ تواصل بين جميع المناطق اليهودية في حين تحول المزيد من المناطق الفلسطينية إلى جيوب معزولة”[34]. وسياسة اصطناع “الجيوب المعزولة” والتي تتشابه تماماً مع سياسة “البنتوستات” في نظام الأبرثايد الجنوب إفريقي البائد، جاءت عبر قوانين عسكرية موغلة في الظلم والإجحاف بحق المواطنين الفلسطينيين، إذ “تمثل جل تأثير التشريع الاحتلالي في إنتاج قناع من القانونية لممارسات القمع الممأسسة”، و “فرض نظام احتلال يقوم على الفصل والاستيطان الاستعماري من الجهة الأولى، وعلى استباحة حياة السكان الفلسطينيين من الجهة الأخرى”. ويمكن تسمية ذلك ب”منظومة سيطرة [..] تنتج في الوقت نفسه ودون توقف، شروط انعزال الواحدة عن الأخرى، وعلاقات التبعية بينهما”[35].

والعزل من جهة والتبعية من جهة أخرى، هما وجها عملة الفصل العنصري والأبرثايد الإسرائيلي، إذ أنهما يشكلان “نظام فصل من نوع يهودي”، ملامحه الرئيسية تتكون من “شوارع فصل، وحواجز وجدران، وتصاريح عبور وتصاريح عمل..”[36]. ولعل كاتبي هذا الاستنتاج يصيبان كبد الحقيقة التي طالما تم تزويرها وطمسها، باعتبارهما للفصل العنصري والإثني والطائفي في إسرائيل “نظام فصل من نوع يهودي” يتشابه في الكثير من تطبيقاته مع نظام الأبرثايد البائد في جنوب إفريقيا؛ إلا أن كليهما شكل من أشكال الفصل العنصري، أي أن كلا الأيديولوجيتين والسياستين الرسميتين المتمثلتين بالأبرثايد الجنوب إفريقي من جهة والصهيونية من جهة أخرى، هما شكلان لجريمة الفصل العنصري التي يتوجب العقاب عليها. ويؤكد المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ريتشارد فولك[37]، أن الغاية الإسرائيلية تستهدف “المضي لأجل غير مسمى في فرض احتلال غاشم ينطوي على عناصر عقابية عديدة تتمثل في حمل السكان على مغادرة فلسطين، وهو ما يتماشى مع الأهداف التوسعية الاستعمارية الرامية إلى التطهير العرقي التي تتوخاها إسرائيل بشكل ظاهر”، ويؤكد أن “فلسطينيي القدس الشرقية يخضعون لعملية تطهير إثني تدريجية”.  وبذلك فإن الفصل العنصري في إسرائيل أشد إجرامية من الأبرثايد الجنوب إفريقي، كونه يتضمن و”يتماشى مع الأهداف التوسعية الاستعمارية الرامية إلى التطهير العرقي التي تتوخاها إسرائيل بشكل ظاهر”؛ أي أن العنصرية في إسرائيل ترتكب جريمة دولية مزدوجة ومركبة من الفصل العنصري والتطهير العرقي.

ويمكن مقارنة نقاط التفتيش التي تقيمها إسرائيل بنظام العبور الذي كان متبعاً من قبل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، كما أن تخصيص طرق منفصلة للفلسطينيين وأخرى للمستوطنين له سابقة أيضا في نظام الفصل العنصري نفسه. وقد “صاغت إسرائيل بمبادرة منها منظومة الشوارع المزدوجة والمستقلة في الضفة وسمي ذلك (اتصال مواصلات) وهو معروف أيضا بالاسم المغسول (نسيج حياة)  وهي منظومة طرق وانعطافات وجسور وأنفاق تُبعد أبناء البلاد الفلسطينيين عن الشوارع السريعة بين “الكتل الاستيطانية” المتوسعة وإسرائيل، وتصل بين الجيوب الفلسطينية من جهة “المواصلات”[38].

والمفارقة هنا تتمثل في محاولات إخفاء وطمس وتزوير هذه الحقيقة الماثلة، ما عدا بعض من لديه بصيرة وإنصاف كما فعل د. إيلان بابيه وغيره من الإسرائيليين، الذي يؤكد بأن المستعمرات والطرق الالتفافية والمصادرات والهدم التي هي أبرز طرق تنفيذ تلك الأيديولوجيا والسياسة الرسمية الإسرائيلية تستهدف أساساً “كي تغدو الدولة المؤملة [أي الدولة الفلسطينية- ك.ق.] جزراً منفصلة، ليدفع من ثم بالفلسطينيين كافة، نحو هذا المعزل القائم على أسس صريحة عن سياسة الأبرثايد الجنوب إفريقية المقبورة، والتي يسير تطبيقها بهدوء كلي..”[39]. وبهذا الصدد يقول جون دوجارد الذي عمل كمقرر خاص لمجلس حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ما بين 2001- 2008 “صعقت لما رأيته من تشابه بين نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وممارسات وسياسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة [..] شاهدت نقاط التفتيش المذلة، والتي ذكرتني بتطبيق قوانين التصاريح بشكلها الأسوأ، كما عايشت الطرق المنفصلة التي لم تكن موجودة في نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، إضافة إلى عمليات هدم المنازل التي ذكرتني بهدم المنازل في مناطق الأفارقة السود”. ويضيف جون دوجارد مؤكداً بأن “ممارسات إسرائيل الاستعمارية هي الأسوأ، حيث يتم استغلال الأراضي والمياه من قبل تجمعات المستوطنين، والتي ليس لها مصلحة في رفاهية الشعب الفلسطيني، وذلك بمباركة من دولة إسرائيل وتحت رعايتها وتغطيتها”[40].

وكدليل على هذه السياسة المنهجية يمكن الإشارة إلى ما يتبين من وثائق لـ”الإدارة المدنية”[41] رفعت لمحكمة العدل العليا، والتي تعترف بأن الإدارة المدنية للاحتلال “خصصت 0.7 في المائة من أراضي الدولة في الضفة الغربية منذ عام 1967 للفلسطينيين، مقابل 37 في المائة من هذه الأراضي خصصت للمستوطنين؛ علماً أنه يوجد في الضفة الغربية نحو 1.3 مليون دونم مما يسمى “أراضي دولة”، بعضها أراض سجلت في الطابو على اسم المملكة الأردنية حتى عام 1967، وفي غالبيتها العظمى هي أراضٍ أعلنت أنها “أراضي دولة” بعد 1979، وذلك للسماح ببناء المستوطنات. وحسب المعطيات التي سلمتها “الإدارة المدنية” للاحتلال للمحكمة، فإن 671 ألف دونم من أراضي الدولة لم تخصص على الإطلاق، ولا تزال توجد في حوزتها. 400 ألف دونم خصصت للهستدروت الصهيونية، وعلى هذه الأراضي بنيت معظم المستوطنات – والمنازل والأراضي الزراعية. و103 ألف دونم آخر خصصت للشركات الخليوية، والمجالس المحلية، والمجالس الإقليمية، وبالأساس لبناء مبانٍ عامة. وتلقت مكاتب حكومية مثل مكوروت، بيزك، شركة الكهرباء، 160 ألف دونم، أي 12 في المائة من أراضي الدولة. أما للفلسطينيين فيكاد لا يكون خصص شيء: 8600 دونم بالإجمال، 0.7 في المائة من أراضي الدولة.

ويؤكد بهذا الصدد أحد الكتاب[42] الإسرائيليين أنه “منذ أن تصبح هذه الأراضي (أراضي دولة) تصبح يهودية لأن دولة الاحتلال الإسرائيلية مخصصة لليهود”، ويضيف بأنه قد “تطورت في إسرائيل صناعة كاملة من اللاقانون الذي يظهر بمظهر القانون. توجد في ظاهر الأمر في مناطق الاحتلال إجراءات قانونية، لكن الحديث في واقع الأمر عن نشاط سلب وضم ضخم تشارك فيه المحاكم – بغمز حبيب أحيانا ومع تعويج للأنف قليل أحيانا. لكن جهاز القضاء الإسرائيلي سواء أكان يغمز أم يُعوج أنفه هو وسيلة مهمة لمنح ضم الأرض الشرعية. فهو يقبل الدعاوى الأكثر إندحاضاً التي تؤيد سلب الأرض ويبارك آخر الأمر ما قد تم ويمنحه ختم التحليل”. ويضيف بأن “جيش الدفاع الإسرائيلي أصبح وسيلة في يد الأيديولوجية الاستيطانية”. وقد جاءت هذه المكاشفة الجريئة بعد قرار وزير الحرب الإسرائيلي يعلون بمصادرة 984 دونماً في منطقة بيت لحم في أواسط نيسان (إبريل) 2014، والذي وصفته بعض الصحف الإسرائيلية  بأنه “تحايل على القانون الدولي”، وذلك في افتتاحيتها التي عنونتها بـ”السيطرة البربرية”[43]. والحقيقة أن “وزير الدفاع عمل بموجب الصلاحيات الممنوحة له، فيما هو يستند إلى بنية تحتية قانونية شوهاء. فهذه البنية تطورت على مدى عشرات السنين كوسيلة لتجاوز القانون الدولي وكغطاء قانوني في أيدي سلطات الاحتلال لسياسة غير قانونية”[44].
البانتوستات ألهمت شارون والمسؤولين الإسرائيليين

أثبت العديد من الباحثين في التاريخ والإثنوغرافيا، بأن فكرة العزل والانعزال والتمحور الإثني الجغرافي في معازل وغيتوات خاصة هي صناعة يهودية إكليريكية خالصة، وهي من اختراع كتبة التوراة والتاناخ في بابل، ولا تزال فكرة مهيمنة على العقل والذاكرة اليهودية. ولعل التذكير ببعض النصوص الدينية اليهودية تكشف ذلك، كمخاطبة الرب لموسى “احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها، لئلا يصير فخاً في وسطك. بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم”.[45]وتحرم الديانة اليهودية مصاهرة وزواج اليهود بـ”الأغيار” أي غير اليهود من أمم وشعوب الدنيا، بنصها “لا تعطوا بناتكم لبنيهم، ولا تأخذوا من بناتهم لبنيكم ولا لأنفسكم”[46]. وتجد مسوغات توراتية لكل السياسات والممارسات الصهيونية، من طرد الفلسطينيين من وطنهم وأماكن سكناهم ومصادرة أراضيهم، والسيطرة على مواردهم واستنزافها وحرمانهم من الاستفادة منها، وحشرهم في معازل وكانتونات خاصة بهم. ففي هذا الصدد تنص التوراة: “وتطردوا كل سكان الأرض من أمامكم [..] وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جوانبكم، ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها”[47].

ويتوجب التأكيد على أن “الزمن الصهيوني الإسرائيلي متجمد [..] كل القرون التي مضت منذ زمن الخروج من مصر، والزمن متوقف عن الحركة”[48]، ولذا فإن الصهاينة يستخدمون كل تلك النصوص في سياساتهم ويسبغون عليها صفة المشروعية بأوامر ونواهٍ ربانية، ويغرسونها في عقول الأجيال منذ الصغر وفي المدارس والجامعات والمؤسسة الدينية والعسكرية. ولكن الحقيقة المدوية التي يتوجب قولها، تتمثل في أن التوراة اليهودية تعتمد كالعهد القديم إلى جانب الإنجيل في الديانة المسيحية، الأمر الذي يجعل من تلك النصوص جزءاً من البنية الثقافية والمعرفية والعقائدية لكل معتنقيها.

تبرز هذه العقيدة في “أيديولوجيا غوش ايمونيم التي يحركها دافع ديني، وليس سياسياً. وحسب هذه الأيديولوجيا فإن إسرائيل هي لليهود. استراتيجية الاستيلاء على الأرض هي استراتيجية أبرتهايد. هذه استراتيجية تتجاهل الجوانب القانونية في الملكية على الأرض وتتجاهل حقوق الإنسان […] هذه الأيديولوجية ترى في خلق نظام أبرتهايد إسرائيلي أداة ضرورية لتحققها. ليس لها أي صعوبة في وجود نشاط غير قانوني وفي جريمة حقيقية، وذلك لأنها تعتمد على القوانين العليا التي تبنتها، والتي ليس لها أي صلة بقوانين الدولة، وهي تعتمد على التفسير الخاص لليهودية. وحتى نشاطها المتعارض مع إرادة الحكومة يحظى بسرعة شديدة بإسناد من جانب الحكومة. حقيقة إن الحكومة هي عمليا أداة لغوش إيمونيم. وهكذا نشأت ازدواجية قوة”[49].

 فمجرد وجود مستوطنة يكفي لضمان السيطرة على المكان. وبالتالي تتغيَّر طبيعة المكان من مكان حياة مسالمة إلى منطقة نزاع. لا تؤدي المستوطنة إلى تفتيت الأرض فقط، بخلقها بؤراً معزولة ومنفصلة، فتسبب انفصاما في المحيط المادي؛ وتدمر أيضاً تناسق المجتمع وانسجامه، وتؤدي بالتالي إلى تعميق السيطرة اليهودية على الأرض؛ ومن ثم تُعَكِّر المستوطنات المحيط وتقلقه. إنها تمزق الشعور بالمكان، وتعيق أو بالأصح تعكس ما أسماه كيفن لينش “تعاقب وتواصل منظر الأرض، وتناسق الفضاء الفلسطيني وترابطه، وذلك لأنها تعمل على فرض سلطتها على ما يحيط بها”[50]. ويُدخل وجود المستوطنين شعوراً بالقلق والضغوط في مجالات المدن ويُضر بالأمن النفسي للسكان. إنه مُخل بالتوازن ويصبح سببا من أسباب التشوش. وهذه المشاعر هي وصفة ممتازة لوقوع كارثة، قنبلة موقوتة، إن لم يجر إبطال مفعولها، لديها إمكانية هائلة لتسبب انفجاراً مريعاً. والمستوطنة تثير، بمجرد وجودها، العداء، وتلحق الضرر بالمكان الذي تحتله، لأنها امتداد لـ”الدولة”، بكل ما في ذلك من عواقب مرافقة بالنسبة للمواطنين العرب الذي يشعرون بالإذلال وبأنهم تحت الاحتلال […] فالمستوطنة تخلق “خرائطية إقصاء”، وتنظم المجال وفق بُنى السلطة والسيطرة، وتُحوله من ’مجال‘ إلى منطقة نزاع… إن المستوطنات تُقسِّم المجال إلى مجموعات أولئك الذين يمارسون السلطة، وأولئك الذين يخضعون لها”[51].

ينطبق ما تقدم على البنية الفكرية والثقافية لأرئيل شارون، الذي اشتهر باقتراف المجازر ضد أبناء شعبنا وخاصة مجزرة قبية ومجازر الوحدة 101 في النقب وقطاع غزة ومجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا وآخرها اجتياح مخيم جنين والضفة الغربية عام 2002، واشتهر بكرهه وحقده على كل عربي. ويبدو أن شارون هذا قد استلهم من بانتوستات نظام الأبرثايد في جنوب إفريقيا، فكرة وسياسة ونظام حشر الفلسطينيين في كانتونات ومعازل باتت تسمى بموجب الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية بمناطق (أ) و(ب)، ليتم حشر الفلسطينيين فيها والسيطرة على كافة جوانب حياتهم، من خلال مداخل وبوابات حديدية ومراكز ونقاط عسكرية ثابتة ومتحركة ونظام تصاريح. ويكشف بهذا الصدد آفي بريمور الذي صاحب شارون إلى رحلات في إفريقيا، لكونه نائب المدير العام للشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية في بداية ثمانينات القرن الماضي، عن اهتمام شارون الكبير الذي أظهره آنذاك بالبانتوستات. ويقول بريمور إن “الذي استهوى شارون هو كيفية عمل ما يشبه الدول المستقلة التي سيطرت عليها جنوب إفريقيا، والتي كان مواطنوها المسجلون يستطيعون السكن بصفة سكان وراء “الحدود”[52]. وبدأ بريمور يظن بالتدريج أن “شارون لا يفكر في جنوب إفريقيا بل فينا”. وبعد نحو عشرين سنة، حينما قال شارون عندما كان رئيساً للوزراء إنه سيعطي الفلسطينيين دولة، فهم بريمور قصده جيداً فقال: “سيعطي في أحسن الحالات 60 بالمائة من مساحة الأرض، ويُقسمها بحيث يحاط كل قسم بمنطقة إسرائيلية، ونسيطر نحن على الدخول والخروج”. وإن كان شارون قد استلهم من تجربة الأبرثايد ذلك، إلا أن الحقيقة تفيد بأنه “طور فقط خطة الفصل والتمييز العنصري المحلية، التي دفع بها بيريس واسحق رابين وباراك إلى الأمام بصورة مستقلة باعتبارهم ساسة سلام”.[53]  ويبدو هذا الاستنتاج دقيقاً، إذ أن في العقل والثقافة لدى ساسة إسرائيل، ما تم غرسه في كافة المراحل التربوية التي شكلت الأساس العقائدي سابق البيان.

ويقودنا التمعن في أوجه الشبه بين نظامي الفصل العنصري في إسرائيل وبريتوريا والذي يسمى في إسرائيل بالصهيونية  فيما يسمى في بريتوريا بالأبرثايد، نجد أن قادة الأبرثايد الجنوب إفريقي البائد يعتبرون “البانتوستات” دولاً فعليّة تضمّ حكومةً وتتمتّع باستقلال إداريّ واسع، غير أنّ وجودها وحدودها وسلطاتها كانت رهنًا بالسّلطة المركزيّة في جنوب أفريقيا؛ أي بسلطة البيض في بريتوريا. وسعى اتفاق أوسلو إلى إقامة “بانتوستات” فلسطينيّة مستقلّة تديرها “السّلطة الفلسطينيّة”، بحيث تبقى الأراضي الفلسطينيّة المدارة فلسطينياً خاضعة كلّيًّا لقرارات الإدارة العسكريّة الإسرائيليّة. ويتبين من كل ذلك أن هناك جوانب كثيرة من الصّهيونيّة تتماهى فعلاً مع ممارسات الأبرتهايد. ولعل من اللافت التذكير بتصريح رئيسة وفد “حزب المؤتمر الوطنيّ” الجنوب إفريقي، خلال زيارتها للأراضي الفلسطينية المحتلة، السّيدة روبن ميشولا: “أنّ ما يتعرّض له الفلسطينيّون من اضطهاد وتمييزٍ يوميًّا على أيدي الاحتلال الإسرائيليّ، أسوأ ممّا تعرّضنا له في جنوب إفريقيا”، في ظلّ حكم نظام الأبرتهايد العنصريّ. وتصريحات وزيرة خارجية جنوب أفريقيا مايتي نكوانا ماشبان، إنّه في المرة الأخيرة التي شاهدَتْ فيها خارطة فلسطين لم تستطع النوم، وأضافت إنها نقاط صغيرة أصغر من البانتوستات التي أنشأها نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا للأطفال السود”. وكذلك يمكن الإشارة إلى اتهام سفير جنوب إفريقيا السابق في تل أبيب إسرائيل باتباع سياسة مستنسخة عن نظام الأبرثايد، كما ورفضه تكريم إسرائيل له[54].

 وأطلقت جنوب إفريقيا نقطة بداية لحملة عالمية ضد منتجات المستوطنات، خاصة لما تحمله جنوب أفريقيا من رمزية بصفتها عانت سابقا من نظام الأبرثايد. وأبرزت الصحف الإسرائيلية كون وزير الاقتصاد الجنوب إفريقي، روب ديفيس الذي اتخذ هذه الخطوة من أصل يهودي، وقررت الخارجية الإسرائيلية استدعاء سفير جنوب إفريقيا في إسرائيل لاستيضاح قرار بلاده فصل منتجات المستوطنات عن المنتجات الإسرائيلية الأخرى وتوبيخه على اتخاذ بلاده هذا القرار، بعد قرار الحكومة الجنوب أفريقية بتاريخ 19 أيار (مايو) 2012، أن البلاد ستلزم كل التجار على وضع ملصقات على منتجات مصنعة في مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية، كي يشيروا إلى أنها قادمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ونقل عن وزير التجارة والاقتصاد روب ديفيس قوله إن “المستهلكين في جنوب أفريقيا يجب ألا يتم تضليلهم بالاعتقاد، أن المنتجات التي تنتج في الأراضي المحتلة هي منتجات إسرائيلية المنشأ”[55].

رفاهية على حساب معاناة الآخر

ولا تختلف نظرة الاحتلال إلى الفلسطيني ومعاملته القاسية جداً للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، عن معاملة حكومة بريتوريا العنصرية للسود الأفارقة قبل سقوط نظام الأبارتيد. وأجبر الأبرثايد السود الأفارقة على العيش في البانتوستات، بينما سعت إسرائيل من خلال الاستيطان والطرق الالتفافية إلى خلق المعازل. وتقول كاتبة إسرائيلية[56] بأن “الجيوب التي تحت حكم ذاتي فلسطيني محدود، ونظام التصاريح ومحظورات الحركة– الذي فرض على الفلسطينيين في العام 1991، جرى بالتوازي مع إلغائه في جنوب إفريقيا”. ومثلما سعت جنوب إفريقيا إلى استخدام الحكم الذاتي للمعازل كوسيلة للتخلص من السكان الأفارقة وفرض الفصل العنصري وتكريس مبدأ التطور المنفصل للمعازل السوداء عن جنوب إفريقيا لجأت إسرائيل إلى الحكم الذاتي لإعادة إنتاج الاحتلال بتكاليف أقل، مع تكريس الاحتلال القائم على العزل والاضطهاد والقمع واستنزاف الموارد الفلسطينية وخاصة الأرض والمياه، والتحكم والسيطرة بمستويات التنمية وإخضاعها لمتطلبات الاستعمار الاستيطاني الإجلائي الإحلالي القائم على الفصل بكل أشكاله لتكريس هيمنة المستعمِرين على المستَعمرين.

وقد فضح كاتب[57]إسرائيلي حقيقة يعرفها الشعب الفلسطيني ويدفع ثمنها دوماً، بقوله أن الإسرائيليين “يجلسون منذ 46 سنة إلى مائدة العيد بعد أن يسمعوا عبارة “مع دخول العيد فُرض حصار كامل على المناطق”، وهي عبارة منطقها هو أن “حريتنا تساوي قمعهم” [..]حريتنا هي سجن الآخرين. هكذا حولوا شعبا عاديا إلى شعب سجانين. والذي قد يكون أشد بؤسا من ذلك أن اليهودي كان منذ آلاف السنين يدعو ربه على مائدة الفصح قائلا (صُب غضبك على الأغيار). أما الإسرائيلي فارتفع منزلة وأصبح يصب الغضب بنفسه متخذاً صورة الله ساجناً السجناء”. ويقول أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي[58]بأن مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بدولة يهودية واصطلاح “الاتفاق” في مفهوم قادة الحكم الإسرائيلي، “معناه الطلب من الفلسطينيين أن يستوعبوا هزيمتهم التاريخية، وأن يعترفوا بالملكية الحصرية لليهود على البلاد بأسرها واستسلام الفلسطينيين بلا شروط. ومن أجل أن يكون الحق الحصري لليهود على البلاد كاملاً ومعترفاً به، فإن الفلسطينيين ملزمون بأن يسلموا بدونيتهم. وينغرس هذا المفهوم عميقا في الوعي الإسرائيلي، وهو مشترك بين اليمين والوسط بكل فروعهما”. ويبدو مما سبق أن إسرائيل “اختارت أن تكون أسوأ دولة فصل عنصري في التاريخ”، من خلال الاستيطان وعزل الفلسطينيين في معازل ضيقة، لشل حركتهم حتى يصبحوا “كالصراصير المخدرة في زجاجة”، وفق الرؤية العنصرية للجنرال رفائيل إيتان[59].

عودة الروح للقرار رقم 3379 لعام 1975

تنبع العنصرية من صميم الفكر الصهيوني وهي مكوِّن طبيعي وبنيوي من مكوناته؛ وبالتالي فإن هناك علاقة عنصرية وبنيوية بين الصهيونية والعنصرية، وهو ما أشارت إليه الأمم المتحدة في القرار رقم 3379 “باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري” بتاريخ 10/10/1975، والذي جرى شطبه من سجلات الأمم المتحدة بتآمر وضغط غير مسبوق من قبل أطراف متنفذة في منظومة العلاقات الدولية في عام 1991.

وبعد نحو ما يزيد على عقدين من الزمن، نشرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، استنتاجاتها النهائية[60] فيما يتعلق بإسرائيل، وذلك في أعقاب الاجتماع في جنيف في الفترة ما بين 14 و16 شباط (فبراير) 2012، الذي بحثت فيه اللجنة مدى تطبيق إسرائيل لالتزاماتها تجاه الميثاق الدولي للقضاء على التمييز العنصري. وتتابع لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري امتثال الدول الموقّعة على الميثاق لبنوده، علما أن إسرائيل أقرت هذا الميثاق عام 1979 ولذلك فهي ملزمة بتنفيذ أحكامه. وفي الاستنتاجات المركزية لتقريرها تدعو اللجنة إسرائيل إلى ما يلي:

  • “بذل كلّ الجهود لإزالة جميع أشكال الفصل بين الجماعات اليهودية وغير اليهودية”. وقد انتقدت اللجنة بشدّة وبشكل خاص قانون لجان القبول الذي أقرّته الكنيست في شهر آذار (مارس) 2011 (الاستنتاج رقم 11).
  • “أن تضمن شمول قانون أساس: [كرامة الإنسان وحرّيته]، منعَ التمييز العنصري، ومبدأ المساواة. (الاستنتاج رقم 13).
  • “إلغاء جميع القوانين المميّزة ومشاريع القوانين المميّزة، وذلك كي تضمن للسكان غير اليهود الحصول المتكافئ على العمل والتحسينات الاجتماعية، وكذلك الحق في المشاركة السياسية”. (الاستنتاج رقم 16).
  • “إلغاء قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقت)، وتسهيل جمع شمل العائلات لكل المواطنين بغضّ النظر عن هويتهم العرقية أو القومية أو أصلهم”. (الاستنتاج رقم 18).
  • سدّ الفجوات في مجال التعليم، والإنجازات والدخل بين البلدات اليهودية والبلدات غير اليهودية، “وضمان تمتّع الأقليات غير اليهودية بحقوق اقتصادية واجتماعية متساوية”. “ومضاعفة الجهود من أجل الحصول المتساوي للنساء على جميع الحقوق المنصوص عليها في الميثاق”. (الاستنتاج رقم 19).
  • “سحب مشروع القانون المميّز لتسوية توطين العرب البدو في النقب، الذي يُثبّت في القانون استمرار سياسة هدم البيوت واقتلاع السكان البدو الأصلانيين بالقوة من أرضهم”. و”زيادة الجهود لضمان الحصول المتساوي على التربية والتعليم، والعمل، والسكن وخدمات الصحة العامّة” للسكان العرب البدو. (الاستنتاج رقم 20).
  • قلقها من استخدام إسرائيل للاعتقال الإداري والإفادات السرّية التي تأخذها من المعتقَلين، ومن ضمنهم الأطفال؛ ومن عدم تمكين سكان قطاع غزة من التوجّه إلى المحاكم الإسرائيلية لنيل العدالة، بشكل مناف لقرار المحكمة العليا الذي منع الحكومة الإسرائيلية من إعفاء نفسها من دفع تعويضات لفلسطينيين أصيبوا جرّاء عمليات قوات الأمن الإسرائيلية.
  • وأعربت اللجنة، ولأول مرّة، عن قلقها الشديد من وجود أنظمة قانونية منفصلة وأجهزة مؤسسات منفصلة، للفلسطينيين والمستوطنين اليهود الذي يسكنون في مستوطنات غير قانونية في الضفة الغربية المحتلة، والتي تتلخّص بما أسمته اللجنة “الفصل كأمر واقع”.
  • كما لفتت اللجنة نظر إسرائيل إلى توصيتها العامّة رقم 19 من عام 1995، بشأن منع وتحريم وإزالة كلّ أنواع السياسة والممارسة العملية الموبوءة بالفصل العنصري والأبارتهايد، ودعت إسرائيل إلى اتخاذ التدابير الفوريّة لمنع السياسات والممارسات العملية من هذا القبيل وإلغائها.

وعلى الرغم من الأهمية البالغة لكافة هذه الاستنتاجات والتوصيات من قبل لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، إلا أن مجال البحث هذا يتناول أساساً موضوع الفصل العنصري والأبارثايد الإسرائيلي، الذي تناولته خصيصاً الفقرة الأخيرة من الاستنتاجات من قبل اللجنة الدولية المختصة بهذا الشأن. ولعل من اللافت أن اللجنة الدولية تعيد تكرار توصية سابقة تقدمت بها لإسرائيل منذ عام 1995، والتي لفتت فيها نظر إسرائيل إلى أن “كل أنواع السياسة والممارسة العملية الموبوءة بالفصل العنصري والأبرتهايد” التي تتبعها، تستوجب الإسراع في “منع وتحريم وإزالة” تلك السياسة والممارسة، وذلك من خلال “اتخاذ التدابير الفورية” لمنعها وإلغائها. أي أن اللجنة الدولية المعنية بالقضاء على التمييز العنصري قد أقرت منذ عام 1995، بأن السياسة والممارسة الإسرائيلية هي شكل من أشكال الفصل العنصري والأبرثايد، وتعيد التأكيد على استنتاجها هذا عام 2012 لأن إسرائيل لا تزال تمارس وتنتهج سياسة الفصل العنصري، وتطالبها بالامتثال للاتفاقية الدوليّة لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها في العام 1973، علماً أن إسرائيل أقرت هذا الميثاق عام 1979 ولذلك فهي ملزمة بتنفيذ أحكامها. وتمثل توصيات واستنتاجات اللجنة الدولية المختصة بالقضاء على التمييز العصري إدانة صريحة للنظام والقوانين والسياسات والممارسات التي تقوم إسرائيل على أسسها والتي تتمثل في “الفصل المكاني (الإقليمي) وملاءمة (معالجة) مجالات مختلفة للتأطير الجيو- إثني”[61]. وفي السياق ذاته يقرر المقرر الخاص ريتشارد فولك بأنه يبدو أمراً لا جدال فيه أن التدابير الإسرائيلية “تنشئ محميات منفصلة للفلسطينيين وتصادر أراضيهم”[62].

في الملاحقة الجنائية والعقاب

وقع الرئيس محمود عباس في الأول من نيسان (أبريل) 2014، على قائمة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الهامة. وأبرز تلك الاتفاقيات والمعاهدات ذات العلاقة بالبحث هذا، تتمثل في:

  • الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1973، والتي ستدخل حيز التنفيذ بالنسبة لفلسطين في الثاني من أيار (مايو) 2014؛ وذلك لأن الاتفاقية تنص على أن العضوية تدخل حيز التنفيذ بعد مرور 30 يوماً على تقديم الطلب.
  • الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965، والتي ستدخل أيضاً حيز التنفيذ بالنسبة لفلسطين في الثاني من أيار (مايو) 2014؛ وذلك لأن الاتفاقية تنص على أن العضوية تدخل حيز التنفيذ بعد مرور 30 يوماً على تقديم الطلب.
  • اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1949 والتي ستدخل حيز التنفيذ في دولة فلسطين في الأول من تموز (يوليو) 2014؛ لأن قواعدها وأحكامها الختامية تنص على أن العضوية تدخل حيز التنفيذ بعد 90 يوماً من تقديم الطلب.

ولعل من الأهمية بمكان، التركيز على أن تطبيق هذه الاتفاقيات التي باتت بحكم الملزمة لدولة فلسطين، يشكل أداة فعالة بل ومطرقة ثقيلة لمطاردة وملاحقة الأبرثايد الإسرائيلي في المنظمات الدولية ولجانها المتخصصة بذلك، بما في ذلك ما تنص عليه المادة الثالثة من الاتفاقيّة الدوليّة لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1973، عن المسؤولية الجنائية الدولية على الأفراد وأعضاء المنظمات والمؤسسات وممثلي الدولة، سواء بالاشتراك أو التحريض أو التواطؤ أو بالتشجيع على ارتكاب جريمة الفصل العنصري أو المؤازة مباشرة في ارتكابها. ويتم إيقاع المسؤولية الجنائية الدولية على مرتكبي جريمة الفصل العنصري “سواء أكانوا مقيمين في إقليم الدولة التي ترتكب فيها الأعمال أو في إقليم دولة أخرى” – وفقاً للمادة الثالثة-. وعلى الدول الأطراف “اتخاذ تدابير تشريعية وقضائية وإدارية للقيام، وفقا لولايتها القضائية بملاحقة ومحاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب الأفعال المعرفة في المادة الثانية من هذه الاتفاقية أو المتهمين بارتكابها، سواء أكان هؤلاء من رعايا هذه الدولة أو من رعايا دولة أخرى أو كانوا بلا جنسية”- وفقاً للمادة الرابعة، التي تخضع جريمة الفصل العنصري للولاية القضائية الدولية لكافة أطراف الاتفاقية.

وأجازت المادة الخامسة “أن يحاكم المتهمون بارتكاب الأفعال المعددة في المادة الثانية من هذه الاتفاقية، من قبل محكمة مختصة من محاكم أية دولة طرف في الاتفاقية يمكن أن تكون لها ولاية على هؤلاء المتهمين، أو من قبل محكمة جزائية دولية تكون ذات ولاية قضائية فيما يتعلق بتلك الدول الأعضاء التي قبلت ولايتها”، كمحكمة الجزاء الدولي التي تشكلت بموجب ميثاق روما لعام 1998. وجاءت المادة الحادية عشرة لتزيل أي ذرائع تحول دون تسليم مقترفي جريمة الفصل العنصري لمعاقبتهم بنصها “لا تعتبر الأفعال المعددة في المادة الثانية من هذه الاتفاقية جرائم سياسية لغرض تسليم المجرمين”. و”تتعهد الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بالقيام، في الحالات المذكورة، بتسليم المجرمين طبقا لتشريعاتها وللمعاهدات السارية المفعول”. وخولت المادة الثامنة” أية دولة طرف في هذه الاتفاقية أن تطلب إلى أية هيئة مختصة من هيئات الأمم المتحدة أن تعمد، بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة، إلى اتخاذ إجراءات تراها صالحة لمنع ارتكاب جريمة الفصل العنصري وقمعها”.

وتفرض هذه القواعد والأحكام على الطرف الفلسطيني، جملة من المهام العاجلة، وأبرزها:

أولاً: بذل أقصى الجهود للحصول على قرار دولي من الجمعية العامة للأمم المتحدة، يصف إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، وحث جميع الدول والمؤسسات التابعة للأمم المتحدة على تطبيق الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، على إسرائيل، من خلال مقاطعتها سياسياً واقتصادياً وأكاديمياً وتربوياً ورياضياً، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها، إلى أن تلغي رزمة قوانينها العنصرية، وتلتزم بمبادئ وقواعد القانون الدولي وخاصة الإنساني منه وقرارات الشرعية الدولية، والتوقف عن اعتبار نفسها فوق القانون والمجتمع الدولي[63]. وسيشكل ذلك رد اعتبار وإعادة الروح للقرار رقم 3379 لعام 1975 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، بل وسيرتقي به باعتبار إسرائيل دولة فصل عنصري تستحق الملاحقة والتجريم والمعاقبة بكافة أشكالها وأنواعها.

ولعل ما يدفع بهذه الإمكانية العملية، وانتقال التحرك الفلسطيني والصديق المؤازر على المستويين الإقليمي والدولي، من مرحلة القول إلى مرحلة التطبيق والمتابعة العملية، بدمغ السياسة والممارسة الإسرائيلية بأنها شكل من أشكال الفصل العنصري، توفر ثلاثة تقارير دولية في غاية الأهمية وهي:

  1. ما يقرره المقرر الخاص فولك من أن الانتهاكات الإسرائيلية “قد تشكل [أفعالاً لاإنسانية] لأغراض الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها أو نظام روما الأساسي، ولا يمكن اعتبار أي منها حوادث معزولة، بل إن ارتكابها يعكس السياسات والقوانين والممارسات الإسرائيلية المنهجية والتمييزية التي تحدد الأماكن التي يجوز أو لا يجوز للفلسطينيين السفر والعيش والعمل فيها داخل الأراضي المحتلة”.[64]وفي الاستخلاصات يؤكد أن إسرائيل “تبدو جلياً في ممارساتها وسياساتها أنها تشكل عزلاً وفصلاً عنصرياً”[65].
  2. تقرير البعثة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن المستوطنات لعام 2013 A/HRC/22/63، التي توثق “مسائل تفتيت الأرض الفلسطينية وإنشاء محميات منفصلة ومناطق معزولة”[66]؛
  3. استخلاصات وتوصيات لجنة القضاء على التمييز العنصري في عام 2012 أنها “تشعر بقلق بالغ إزاء السياسات والممارسات التي تشكل عزلاً بحكم الأمر الواقع، وأنه قد هالها بشكل خاص الفصل المحكم بين مجموعتين” CERD/C/ISR/CO/14- 16.

ثانياً: يتوجب مؤازرة توصيات المقرر الخاص السابق جون دوغارد عام 2007، وكذلك المقرر الخاص ريتشارد فولك اللذين يوصيان، أن تطلب الجمعية العامة من محكمة العدل الدولية إصدار فتوى بشأن الوضع القانوني للاحتلال الطويل الأمد لفلسطين [..] وفرض نظام إداري وقانوني مزدوج وتمييزي [..]   وتقييم الادعاءات القائلة بأن الاحتلال الطويل الأمد ينطوي على خاصيات غير مقبولة قانونياً تتمثل في [الاستعمار] و[الفصل العنصري] و[التطهير العرقي]”[67]، والبحث مع الدول الصديقة والمؤازرة كيفية إنجاز ذلك.

ثالثاً: الأخذ بتوصية المقرر الخاص الذي يوصي بـ[استخدام ضم الأراضي] و[الطموحات الاستعمارية] بدلاً من [الاحتلال] وكذلك اعتبار السياسات الإسرائيلية [فصلاً عنصرياً] “[68]، في كافة معاملاتنا وخطابنا وحياتنا وعلاقاتنا السياسية، وخاصة في المناهج الدراسية والإعلام المرئي والمقروء ..إلخ.

رابعاً: تجديد وتفعيل مقاطعة منتجات وبضائع المستوطنات، والاستغناء عن ما يمكن الاستغناء عنه من المنتجات والسلع والبضائع الإسرائيلية، ومؤازرة حملة المقاطعة الدولية المتصاعدة.

خامساً: متابعة وفضح وكشف وتعميم المعرفة بشأن تشريعات الفصل العنصري الإسرائيلية، باعتبارها تغوُلاً غير مسبوق في قوننة وتشريع العنصرية والتطهير العرقي والفصل والتمييز العنصري، بل إنها تشكل شكلاً من أشكال الإبادة الثقافية المترافقة مع جريمة إخضاع الأقلية العربية الفلسطينية الأصلية في البلاد، لظروف تستهدف القضاء عليهم وعلى هويتهم وذاكرتهم وتاريخهم ومقدراتهم المادية وغير المادية.

الهوامش:-

[*] باحث ومستشار قانوني.

[1] للباحث اهتمام خاص بهذا الموضوع، وكرس رسالة الدكتوراه له وكانت بعنوان: “الجوانب اللاقانونية لسياسة وتطبيقات الفصل العنصري- الإثني والديني- الطائفي الصهيوني”، ونال عليها لقبه الأكاديمي دكتوراه فلسفة في فقه القانون من جامعة صوفيا- بلغاريا عام 1987. وقد تم نشر ملخص للرسالة في كتاب: د. كمال قبعة، الصهيونية والفصل العنصري، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية: الرباط، 1992.

[2]  للتوسع في هذا الموضوع يمكن مراجعة: مجدي حماد، النظام السياسي والاستيطاني دراسة مقارنة: إسرائيل وجنوب أفريقيا، دار الوحدة: بيروت، 1981.

[3] حمد سعيد الموعد، الأبارتيد الصهيوني. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2001، ص 24.

[4] المصدر نفسه، ص 32- 33.

[5] اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3068 (د-28) المؤرخ في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1973، تاريخ بدء النفاذ: 18 تموز (يوليو) 1976، وفقا لأحكام المادة 15. حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993، ص 110.

[6] شوكي فريدمان، لا يوجد فصل عنصري في إسرائيل. هآرتس/الأيام 17 تموز (يوليو) 2013.

[7] كارولينا لنتسمان، بقي بيبي مع الفصل العنصري، هآرتس/الأيام 14 نيسان (أبريل) 2014.

[8] شوكي فريدمان، لا يوجد فصل عنصري، مصدر سبق ذكره.

[9] عمير فوكس “هآرتس”/الأيام 22 آب (أغسطس) 2012. محام وباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.

[10] صحيفة “يسرائيل هيوم”/الحياة الجديدة 18 آذار (مارس) 2014.

[11] هآرتس/ القدس العربي 24 تشرين أول (أكتوبر) 2012.

[12] أرئيلا أزولاي وعدي أوفير، نظام ليس واحداً: الاحتلال والديمقراطية بين البحر والنهر، مصدر سبق ذكره، ص 352.

[13] المصدر نفسه، ص 383.

[14] هآرتس/ القدس العربي، 24 تشرين أول (أكتوبر) 2012.

[15] عميرة هيس، مانديلا والمقارنة..”أبرتهايد إسرائيلي”- ما المقصود؟ هآرتس/الحياة الجديدة 17 كانون الأول (ديسمبر) 2013.

[16] زئيف شترنهل، استسلام الفلسطينيين شرط لاتفاق السلام! هآرتس/الأيام 19 نيسان (أبريل) 2014.

[17] د. كمال قبعة، قوننة العنصرية الإسرائيلية، مجلة “المجلس”، مجلة برلمانية تصدر عن المجلس الوطني الفلسطيني، المجلد التاسع، السنة السادسة عشرة، العدد 42، كانون الثاني (يناير) 2011، ص 62-65.

[18] يديعوت أحرونوت”/ الأيام، بتاريخ 6/10/2010.

[19] د. كمال قبعة، قوننة العنصرية الإسرائيلية، مصدر سبق ذكره، ص 62- 63.

[20] المصدر نفسه، ص 64.

[21] “معاريف”/ الحياة الجديدة الصادرة بتاريخ 12/10/2010.

[22] هآرتس/ موقع عرب 48، بتاريخ  22 نيسان (أبريل) 2014.

[23] المصدر نفسه.

[24] يديعوت أحرونوت/ الحياة الجديدة 12-3-2013.

[25] عاموس شوكان، صحيفة هآرتس/الأيام بتاريخ 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011.

[26] صحيفة هآرتس/ الأيام 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013.

[27] صحيفة هآرتس/ الأيام بتاريخ 9 آذار (مارس) 2013.

[28] حمد سعيد الموعد، الأبارتيد الصهيوني، دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2001، ص 119.

[29] الاستاذ الفخري في جامعة برينستون البالغ من العمر 82 سنة، يهودي الديانة، ما يسمح له بأن يضرب عرض الحائط كل تهم معاداة السامية التي توجه إليه. وتنتهي ولاية فولك بعد تقديم تقريره الأخير يوم 24 من آذار (مارس) 2014 إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقد في جنيف، وبعد ست سنوات خاض خلالها معارك عدة قاسية مع إسرائيل وداعميها لا سيما الولايات المتحدة وكندا.

[30] تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ريتشارد فولك، مجلس حقوق الإنسان-الدورة الخامسة والعشرون،AHRC/25/67، الصادر بتاريخ 13 كانون الثاني (يناير) 2014، الفقرة 78 ص 27. وأنظر أيضاً صحيفتي الأيام والحياة الجديدة بتاريخ 22 آذار (مارس) 2014.

[31] الفقرة 79 ص 27.

[32] عميرة هاس، الفصل العنصري في نسخته الإسرائيلية. هآرتس/الأيام 10 كانون الأول (ديسمبر) 2013.

[33] أرئيلا أزولاي وعدي أوفير، نظام ليس واحداً: الاحتلال والديمقراطية بين البحر والنهر [1967-]. ترجمة نبيل الصالح، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، مؤسسة الأيام: رام الله- فلسطين، آذار (مارس) 2012، ص 15 و31.

[34] المصدر نفسه، ص 167.

[35] المصدر نفسه، ص 102 و374 و375.

[36] المصدر نفسه، ص 387.

[37] تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ريتشارد فولك، مجلس حقوق الإنسان-الدورة الخامسة والعشرون، AHRC/25/67، الصادر بتاريخ 13 كانون الثاني (يناير) 2014، الفقرة 4، ص 4، والفقرة 34 ص 14..

[38] عميرة هاس، الكنتونات الفلسطينية كما أرادها شارون. هآرتس/الأيام 16 كانون الثاني (يناير) 2014.

[39] د. إيلان بابيه، المجتمع الإسرائيلي بين (ما بعد الصهيونية) و(الصهيونية الجديدة). سلسلة أوراق إسرائيلية (6)، مدار، رام الله، حزيران (يونيو) 2001، ص 36- 37.

[40] جون دوجارد، نظام الفصل العنصري في كل من جنوب إفريقيا وفلسطين، جريدة حق العودة، العدد 46، بتاريخ 26 كانون الأول (ديسمبر) 2011، التي تصدر عن مركز بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.

[41] حاييم لفنسون، 37% من “أراضي الدولة” بالضفة خصصت للمستوطنين و0.7 فقط للفلسطينيين، هآرتس/الحياة الجديدة 29 آذار (مارس) 2013. وفي تفاصيل التخصيص للفلسطينيين كتبت “الإدارة المدنية” أنه أعطيت 6910 دونمات في منطقة جنين – تخصيصات قديمة توجد اليوم في المنطقة أ وب؛ في منطقة الخليل خصص دونم واحد، لمحجر؛ في منطقة بيت لحم 630 دونما للبدو؛ في منطقة نابلس وأريحا خصص 1000 دونم؛ في طولكرم 10 دونمات، وفي منطقة رام الله لم يحصل الفلسطينيون على إنش واحد من أراضي الدولة.

[42] أفيعاد كلاينبرغ، ضم فعلي آخر لأرض فلسطينية، يديعوت أحرونوت/الأيام 17 نيسان (أبريل) 2014.

[43] صحيفة هآرتس/ القدس 16 نيسان (أبريل) 2014.

[44] يعلون في مهمة تبييض، هآرتس، أسرة التحرير/ الأيام 17 نيسان (أبريل) 2014.

[45] سفر الخروج 34: 12- 13.

[46] نحميا 13: 23- 25.

[47] عدد 33: 50- 53 و55.

[48] بديعة أمين، الجذور التوراتية للعنصرية الصهيونية. وزارة الثقافة: دار الشؤون الثقافية العامة: بغداد، 2002، ص 172.

[49] عاموس شوكن، التصفية الضرورية للديمقراطية.. كيف لإسرائيل أن تعيش على الحراب؟ هآرتس/ الحياة الجديدة، 1 كانون الأول (ديسمبر) 2011.

[50] د. كمال قبعة، جرائم المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب القانون الدولي الإنساني، مجلة “المجلس”– مجلة برلمانية فصلية تصدر عن المجلس الوطني الفلسطيني، المجلد العاشر، السنة الثامنة عشرة، العدد 44، كانون الثاني (يناير) 2012، ص 72 -78.

[51] مائير مارجليت، إسرائيل والقدس الشرقية استيلاء وتهويد، ترجمة مازن الحسيني، منشورات مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2011، ص 12.

[52] عميرة هاس، الكنتونات الفلسطينية كما أرادها شارون. هآرتس/الأيام 16 كانون الثاني (يناير) 2014.

[53] المصدر نفسه.

[54] إسرائيل والفصل العنصري  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، ar.wikipedia.org/wiki/. ‏

[55] يديعوت أحرونوت/الأيام 20 أيار (مايو) 2012.

[56] عميرة هيس، مانديلا والمقارنة..”أبرتهايد إسرائيلي”- ما المقصود؟ هآرتس/الحياة الجديدة 17 كانون الأول (ديسمبر) 2013.

[57] اسحق ليئور، حرية منقوشة عنصرياً في الجسم العربي، هآرتس/ الأيام 15 نيسان (أبريل) 2014.

[58]زئيف شترنهل، استسلام الفلسطينيين شرط لاتفاق السلام! هآرتس/ الأيام 19 نيسان (أبريل) 2014.

[59] ميسون العطاونة الوحيدي، مقاومة الاحتلال والفصل العنصري في فلسطين وجنوب إفريقيا. منشورات الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين: رام الله، 2014، ص 276.

[60] تقرير لجنة القضاء على التمييز العنصري في عام 2012، رقم الوثيقة CERD/C/ISR/CO/14-16، وكذلك موقع عرب 48www.arabs48.com/?mod=articles&ID=90254، تاريخ الزيارة 26 آذار (مارس) 2012.

[61] أرئيلا أزولاي وعدي أوفير، نظام ليس واحداً: الاحتلال والديمقراطية بين البحر والنهر، مصدر سبق ذكره، ص 325.

[62]  المصدر نفسه، الفقرة 71 ص 25.

[63] ميسون العطاونة الوحيدي، مصدر سبق ذكره، ص 271 و275.

[64] تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان، مصدر سبق ذكره، الفقرة 77 ص 27.

[65] المصدر نفسه، الفقرة 78 ص 27.

[66] المصدر نفسه، الفقرة 70 ص 25.

[67] المصدر نفسه، الفقرة 51 ص 19 وص 28- 29.

[68] المصدر نفسه، الفقرة 7 ص 5.