[*]ماجد كيالي

 تبدو حركة “فتح” التي أسّست الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وأطلقت الكفاح المسلح (في الأول من كانون الثاني (يناير) 1965)، وقادت مسيرة النضال الفلسطيني، طوال العقود الخمس الماضية، في مواجهة أزمة كبيرة في البنية والسياسة والقيادة.

ربما يمكن اعتبار ذلك أمراً عادياً، فالحركات السياسية، أيضاً، تشيخ وتترهّل وتستنزف، فوق ذلك فهي تستهلك وتتعب وتصبح متقادمة، بأفكارها وصيغها التنظيمية وأشكال عملها.

بيد أن تحديد وضع حركة “فتح” يبدو أكثر تعقيداً، وصعوبة، بالنظر إلى أن هذه الحركة تكاد تكون هي ذاتها، من حيث الطبقة القيادية المسيطرة فيها، أو لجهة محافظتها على إطاراتها، وتقاليد عملها، وشعاراتها العامة، بالرغم من كل المتغيرات التي حصلت على صعيد خياراتها السياسية، وتحولها من حركة تحرر وطني إلى سلطة، ومن حركة تعمل في الخارج إلى حركة بات مركز ثقلها في الداخل، وإدارتها لأحوال جزء من شعبها، ناهيك عن التغيرات الحاصلة في المجتمعات الفلسطينية في الداخل والخارج.

على ذلك فإن مشكلة هذه الحركة أنها لم تهضم تماماً التطورات والتغيرات السياسية والمجتمعية الحاصلة في السياسة والمجتمع الفلسطينيين، أو لم تتكيّف معها، وأنها لم تشتغل على تطوير أوضاعها، أو تجديد شبابها، وهذا يشمل حقل الأفكار والسياسات والعلاقات الداخلية وأشكال العمل.

بديهي أننا عندما نتحدث عن حركة “فتح”، على هذا النحو، لا نقصد التقليل من قيمتها التاريخية والنضالية، ولا من الروح الكفاحية للمنضوين في إطارها، منذ انطلاقها في منتصف ستينات القرن الماضي، وإنما القصد هو تعيين المحصلة التاريخية لدور هذه الحركة، بالشكل الذي أديرت فيه من قبل قيادتها، أو الطبقة السياسية المتحكمة فيها، لأن كثيراً من الأمور توقّفت على القرارات التي اتخذتها، والخيارات التي انتهجتها، والطريقة التي أدارت بها أوضاعها الداخلية، وصراعها ضد عدوها.

منذ الخروج من لبنان (1982)، وانتهاء العمل المسلح في الخارج، ولا سيما بعد التحوّل إلى سلطة، في إقليم متعيّن في الضفة وغزة، في أكثر من عقدين، باتت هذه الحركة تبدو أقرب إلى جماعة غير واضحة المعالم من الناحية التنظيمية، وغير واضحة الهوية من الناحية السياسية، إذ لم تعد ذاتها الحركة التي ألهمت الروح الكفاحية عند الفلسطينيين، ووحدتهم، وصاغت هويتهم الوطنية. فوق ذلك فقد باتت هذه الحركة، التي كانت دائمة المبادرة، والتي طالما استمرأت التحايل على التناقضات العربية والإقليمية والدولية، رهينة خيارات أحادية، ولم تعد قادرة على تجديد شبابها وحيويتها ورؤاها، بل إن مكانتها القيادية والتمثيلية، في المجتمع الفلسطيني، آلت إلى انحسار، وهو ما ظهر واضحاً في الانتخابات التشريعية (2006)، في الضفة والقطاع، التي أفضت إلى فوز “حماس”، وصعودها إلى سدّة القيادة والسلطة، وبالتالي انقسام النظام السياسي الفلسطيني.

معلوم أن هذه الحركة كانت استطاعت، طوال خمسة عقود تقريباً، التحكّم بصياغة التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني، وطبعه بطابعها، فهي التي استنهضت هويته وعزّزت وحدته وشكّلت حركته السياسية وقادت كفاحه ضد إسرائيل، على الرغم من كل ما اعترضها من تحديات ومشكلات وضغوطات في الواقعين العربي والدولي، وعلى رغم تعقيدات الصراع ضد إسرائيل.

وما يسجّل لهذه الحركة أنها أكثر حركة فلسطينية خسرت من مؤسسيها وقيادييها، بواسطة عمليات اغتيال، فإلى ياسر عرفات الذي قضى (2004)، بعد حصار دام قرابة ثلاثة أعوام، فقد فقدت هذه الحركة كلاً من عبد الفتاح عيسى حمود (1969)، وأبو علي إياد (1971)، وأبو يوسف النجار، وكمال عدوان (1972)، وماجد أبو شرار (1981)، وسعد صايل (1984)، وخليل الوزير أبو جهاد (1988)، وصلاح خلف، وهايل عبد الحميد (1991)، في حين قضى كل من أبو صبري وخالد الحسن نتيجة المرض، الأول في مطلع السبعينات والثاني في أواسط التسعينات من القرن الماضي.

عوامل صعود “فتح”

من تفحّص التجربة الوطنية، في العقود الماضية، يمكن ملاحظة أن “فتح” تمكّنت من تعزيز مكانتها في قيادة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، بالرغم من الظروف الفلسطينية والعربية والدولية، الصعبة والمعقّدة، بسبب تمتّعها بسمات خاصّة، ميّزتها عن غيرها من الكيانات السياسية الناشئة، وقتها، والتي يمكن إجمالها في النواحي الآتية:

أولاً: منذ انطلاقها (1965) أسّست “فتح” نفسها باعتبارها حركة وطنية[1]، تتوخّى استنهاض شعبها وتنظيمه في كيان سياسي، وقيادة كفاحه من أجل تحرير فلسطين (وضمنه العودة)، متمثّلة في كل ذلك الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للفلسطينيين، الذين يعيشون في ظروف مرحلة تحرّر وطني، واعتبارات التميّز عن الأحزاب الطبقية، كما عن الأحزاب العقائدية أو الأيديولوجية، في سعيها لأن تكون بمثابة حركة الشعب الفلسطيني.

وتبعاً لذلك فقد عكست “فتح”، في بناها الواسعة والمرنة، ومنطلقاتها السياسية العامة، واقع التنوع والتعددية في المجتمع الفلسطيني، إذ نأت بنفسها عن اعتناق أيديولوجية فكرية محددة، أو نظرية سياسية معينة، وبدت وكأنها بمثابة تجمع لجميع التيارات أو الألوان الفكرية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، وهذا هو معنى “فتح”، وعلامة تميّزها عن باقي الفصائل. ولعلّ هذا الوضع بالذات هو الذي جعل هذه الحركة أكثر قدرة على استقطاب الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، وعلى اختلاف منابتهم الاجتماعية وتلاوينهم الفكرية، في بيئة سياسية كانت حكراً على الحركات السياسية: القومية واليسارية والإسلامية، التي كانت ناشطة آنذاك في المنطقة.

في المحصلة فإن هذه الحركة، التي وصمت من البعض بـ”اليمينية” من الناحية السياسية، وبأنها أقرب للبرجوازية في التعبير الطبقي، ضمّت في قواعدها الفئات الأكثر فقراً وكدحاً في المجتمعات والمخيمات الفلسطينية (من اللاجئين ومن العمال والفلاحين والحرفيين)، ربما أكثر من أي تنظيم “عمالي”، كما أنها ضمّت “يساريين” ربما بما لا يقل عن أي تنظيم يساري، إن لم يكن أكثر[2]، فضلاً عن أنها ضمّت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى، مع التأكيد أن قطاعات من البرجوازية الفلسطينية (والعائلات التقليدية) محضتها دعمها؛ ما جعلها، بوضعها هذا بمثابة حركة الشعب الفلسطيني بامتياز. وبطبيعتها تلك فإن “فتح” بدت باعتبارها الحركة الأكثر شبها بشعبها، إذ شكلت حينها استجابة حية لحاجة الفلسطينيين إلى حركة وطنية توحّدهم، وتعبّر عنهم، وتقود كفاحهم، في مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الصهيوني المتمثل بإسرائيل.

وما ينبغي الانتباه إليه هنا أن طريق “فتح”، أي طريق الوطنية الفلسطينية، لم يكن سهلاً أو مفتوحاً، إذ أن المنطقة العربية كانت وقتها خاضعة في الأغلب لتيار القومية العربية، بزعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وضمنه “البعث” وحركة “القوميين العرب”. كما كانت تعجّ بالتيارات الأيديولوجية اليسارية والشيوعية المدعومة من الاتحاد السوفياتي (السابق)، وأيضا كان ثمة الحركات الإسلامية ذات النفوذ الواسع، ومع ذلك فإن هذه الحركة الوليدة، التي سبحت عكس التيارات السائدة، استطاعت أن تفرض وجودها. ومعلوم أن هذه الحركة كانت استوعبت، آنذاك، في صفوفها نشطاء سابقين في الأحزاب القومية والإسلامية، ومثقفين يساريين، وكلهم توحّدوا على مشروع “فتح”، أي على مشروع الوطنية الفلسطينية.

ولعل ذهاب “فتح” نحو هذا المشروع كان يتوخّى -إضافة إلى بعث الهوية الوطنية لشعبها-التعويض عن غياب الإقليم المستقلّ بإقامة نوع من كيانية سياسية تستطيع ترميم حال التمزّق في واقع الشعب الفلسطيني، ولملمة شتاته، ما يمهّد لفرض وجوده على الخريطة السياسية ولاحقاً على الخريطة الجغرافية. هكذا، سيسجّل التاريخ لحركة «”فتح”»، التي انطلقت في مطلع 1965، بأنها كانت السباقة لحفر الأفكار التأسيسية للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، فهي التي كرست مفهوم الوطنية الفلسطينية، وتالياً، مفهوم الكيانية السياسية الفلسطينية.

ثانياً: من الناحية التنظيمية لم تتشكّل “فتح”، كغيرها من الكيانات السياسية، باعتبارها حزباً، وإنما باعتبارها حركة الشعب كله، لهذا جاءت على شكل حركة سياسية واسعة ومرنة ومفتوحة، ما يسهل الانضمام إليها. وربما يجدر الانتباه، أيضاً، أن “فتح” هذه لم تأت على شكل جبهة، بالرغم من كونها حركة شعبية وتعدّدية ومتنوّعة، فيها اليميني واليساري والوسطي، والقومي والشيوعي والإسلامي والوطني. وفوق ذلك فهي كانت بمثابة حركة واسعة ومتشعّبة تنضوي في كيانها، وتخضع لقياداتها، تشكيلات عسكرية، وأجهزة خدمية متعددة وهيئات مختلفة. أما التنظيم في “فتح” فقد كان يعرّف كـ”جهاز”، أي باعتباره واحداً من الأجهزة التي تغطي مجمل قطاعات الحركة، واسمه جهاز (أو مفوضية) “التعبئة والتنظيم”، وهو يعمل تحت إدارة عضو في “اللجنة المركزية”، مع معاونين. علماً أن العضوية في التنظيم تقتصر على الأعضاء المدنيين المؤطّرين والناشطين في “فتح” في تجمعات الفلسطينيين، من غير المتفرّغين أو العاملين في الأجهزة الأخرى (العسكرية والمدنية)، وهذا يعني أن “فتح” بكّليتها لم تشكّل كيانا تنظيمياً وهرمياً واضح المعالم[3].

وعملياً فإن “فتح” استمدت وحدتها ككيان سياسي من عدّة عوامل، أهمها: الإجماع على الفكرة الوطنية، وانتهاجها المقاومة المسلحة، وحيازتها على أكبر تشكيلات عسكرية، وخضوعها إلى قيادة موحّدة تتمثّل في اللجنة المركزية (وهي الهيئة القيادية للحركة)، والانقياد إلى زعيم هو ياسر عرفات، كما يأتي في ذلك وجود جهاز بيروقراطي كبير وقوي، تمثّل في الأجهزة الخدمية، إلى جانب حيازتها على موارد مالية كبيرة، أسهمت في تعزيز نظام الربط والضبط الذي ضمن لهذه الحركة وحدتها.

ثالثاً: لا شكّ أن مبادرة “فتح” لإطلاق المقاومة المسلحة، ضد إسرائيل، لعبت دوراً كبيراً في إيقاظ الشعور الوطني عند الفلسطينيين، وتأجيج روح المقاومة والتحدّي عندهم، وتغذية أملهم باستعادة الأرض والوطن، وتخصيب مخيّلتهم في العودة. هذا ما سهل على “فتح” استقطاب الفلسطينيين من حولها، ومحضها دعمهم وثقتهم.

وفي الواقع فقد كان لإطلاق المقاومة المسلحة، بما لها وماعليها، فعل السحر بين الفلسطينيين الذين رأوا في هذه الحركة الوليدة (وقتها) بمثابة المنقذ من حال الضياع، ورأوا في الطريق الذي اختطّته الوسيلة المثلى للرد على واقع التشرّد والحرمان من الوطن، وهزيمة إسرائيل، وتجسيد حلمهم بالتحرير واستعادة الحقوق، فضلاً أنها اعتبرت تمرّداً على حال العجز في النظام الرسمي العربي.

أيضاً، وفي حينه فقد اعتبرت المقاومة المسلحة بديلاً عن الجيوش العربية العاجزة والمنهزمة، ورداً على الأنظمة العربية الساكتة والعاجزة، وأسلوباً لاستنزاف إسرائيل في حرب شعبية طويلة الأمد، وطريقة تعبير من الفلسطينيين عن توقهم إلى الحرية واستعادة الوطن. كما يمكن أن نضيف إلى كل ذلك أن “فتح” هي التي احتضنت الانتفاضة الأولى (“أول الرصاص وأول الحجارة”)، وهي التي أطلقت الانتفاضة الثانية المسلحة، بعد إخفاق مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000).

ولا شك هنا في أن مبادرة “فتح” لإطلاق الكفاح المسلح تحديداً لعب دوراً كبيراً في الترويج لها في المجال الشعبي، وربما هنا يصحّ الاعتقاد بأن الهوية الوطنية الفلسطينية ونهوض الفلسطينيين إنما تعمّدا في معمعان هذا الكفاح. فمنذ ذاك الوقت اضطلع الكفاح المسلح، الذي تحملت تلك الحركة المسؤولية الأساسية فيه، بدور كبير في صوغ الهوية الوطنية الفلسطينية، وبعث منظمة التحرير، التي اعتبرت بمثابة الكيانية السياسية المعنوية للشعب الفلسطيني[4].

رابعاً: كرست “فتح” الوطنية الفلسطينية في حقل العمل السياسي، وقد ترجمت ذلك في دفاعها عن استقلالية القرار وإبراز الكيانية السياسية للفلسطينيين[5]. والحقيقة أن جزءاً كبيراً من شعبية هذه الحركة إنما يعود إلى مقاومتها التدخّلات الرسمية العربية في الشؤون الفلسطينية الداخلية، واستنهاضها البعد الوطني في الصراع ضد إسرائيل، فيما بدا بمثابة ردّة فعل على تغييب دور الفلسطينيين بدعوى “قومية” المعركة. فعلى الرغم من أن قضية فلسطين، وأساساً قضية وجود إسرائيل في هذه المنطقة، هي قضية عربية، أيضاً، ومن وجوه عديدة، فإن تمثّل “قومية” المعركة، لا سيما من قبل الأنظمة السائدة، كان ينطوي على قدر كبير من المخاتلة والتلاعب والتوظيف، ولم يرق إلى مستوى التحديات التي تطرحها هذه القضية.

كما لا بد من ملاحظة مسألة أساسية أخرى، وهي أن إبراز البعد الفلسطيني يشكّل تحدّيا للمشروع الصهيوني، الذي تأسّس في أحد مرتكزاته على نفي وتغييب وجود الشعب الفلسطيني، وهو الأمر الذي كان مغيّباً سابقاً. المهم أن “فتح”، وعلى الرغم من الأثمان الفادحة التي دفعتها في صراعها مع أطراف من النظام العربي، بهذا الشأن، استطاعت الصمود في معركة الدفاع عن استقلالية القرار، في مرحلة صعودها، كما نجحت في إبراز الكيانية السياسية للفلسطينيين، التي تمثلت في منظمة التحرير، وغيرها من الكيانات والهيئات الجمعية المنبثقة عنها، والتي مثلت الشخصية العامة السياسية والقانونية لشعب فلسطين.

خامساً: طوال تاريخها زاوجت “فتح” بين كونها حركة ثورية وكونها حركة سياسية واقعية ومرنة، لشعب مشتّت يواجه عدواً فريداً من نوعه. ومثلاً فإن هذه الحركة أطلقت الكفاح المسلح، ولكنها إلى جانبه أولت العمل السياسي والدبلوماسي اهتمامها، ورغم دأبها على التحرّر من وصاية الأنظمة إلا أنها ظلت ترسخ علاقاتها مع النظام الرسمي العربي. كذلك فإن هذه الحركة سعت إلى تطوير العلاقة مع الاتحاد السوفياتي (السابق)، ولكنها ظلت تعمل على تنمية العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وأخيراً فإن “فتح” التي أطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، والكفاح المسلح، هي ذاتها التي نحت نحو المفاوضة والتسوية. جدير بالتذكير أن “فتح” تبنّت خطاب “التحرير”، كونه الخطاب الملهم في بدايات انطلاقها، فهو الذي كان بإمكانه حينها جمع شتات اللاجئين، والتعبير عن ردّهم على النكبة، ولكنها كانت السبّاقة في إضفاء معنى جديد لهذا الخطاب، بتبنيها فكرة إقامة دولة ديمقراطية علمانية (بصرف النظر عن الدين والتميزات الأخرى) في كامل أراضي فلسطين، كحل للمشكلتين الفلسطينية والإسرائيلية (في أواخر ستينات القرن الماضي)؛ وفي ذلك فإن هذه الحركة لم تنس مخاطبة مجتمع العدو (الإسرائيلي) بتبنيها لهذا المشروع، في وقت مبكّر، وإن نكصت عنه في مرحلة أخرى لصالح خيار حل الدولتين.

إشكاليات الحضور

فضلا عن كل هذه الميزات، ربما يجدر بنا التأكيد بأن حركة “فتح”، وغيرها من الفصائل، ما كان لها أن تتوسّع وترسّخ حضورها، بشكل سريع وقوي ولافت، وفي غضون فترة زمنية قصيرة، من دون توفّر عوامل خارجية عديدة مساعدة، لعل أهمها يكمن في العوامل الآتية:

  • هزيمة حزيران (يونيو) (1967) والتداعيات الناجمة عنها، وما أحدثته من هزّة في الوجدان العربي والفلسطيني، لا سيما مع اختلال النظام السياسي والأمني العربي السائد، وحاجته للتغطية على هذه الهزيمة، وإيجاد تعويض للجماهير العربية يصرفها عن محاسبة النظم المسؤولة عن هذه الهزيمة. وفي هذا الإطار فقد شكل السماح بتوسّع المقاومة المسلحة، ولو إلى حدّ الانفلاش، مخرجاً مناسباً لتنفيس الاحتقان وتهدئة الخواطر في المجتمعات العربية. ولا شكّ بأن هذا التوسع أفاد “فتح”، حينها، ولكن هذه الحركة بطريقة بنائها وإدارتها لم تستطع تأطير هذا التوّسع، أو التدفق، بشكل مناسب ومدروس، بتحويله من حالة كمية إلى حالة نوعية، ما انعكس عليها سلباّ في مرحلة لاحقة، وأصابها بالترهل، وبتضخم بناها البيروقراطية والخدمية، وتوسع صفوفها من دون الالتزام بالمعايير النضالية أو معايير الكفاءة والدور.
  • تدفّق الموارد المالية على الساحة الفلسطينية (وخصوصا على “فتح”)، الأمر الذي مكّنها من التوسّع، وجلب ألوف متفرّغين، وإقامة المؤسّسات الإدارية والخدمية والعسكرية. وفي الواقع فإنه من دون هذه المساعدات ما كان بالإمكان تأمين متطلبات العمل الفلسطيني، التي بدت مكلفة جداً. وبديهي أن هذه المساعدات خلقت واقعاً من الاعتمادية على بعض الدول العربية، بكل ما لذلك من تبعات سياسية، كما أنها خلقت نوعاً من طبقة سياسية متميّزة في العمل الفلسطيني، تحصل على مواردها من خارج علاقات الإنتاج الطبيعية. وإضافة إلى هذا وذاك فإن هذا الوضع جعل من “فتح”، وغيرها، “مستقلة” عن شعبها (من حيث الموارد)، فبدلاً من أن تعتمد الحركة الفلسطينية على شعبها، بتأمين مواردها، بات الشعب (أو قسمٌ منه) يعتمد على حركته الوطنية. وفي الحقيقة فإن هذا الوضع ما زال مستمراً حتى اليوم، فقط هو انتقل من الدول العربية النفطية إلى ما يسمى الدول المانحة الداعمة لعملية “السلام”. ومعلوم أن هذه واحدة من أهم معضلات العمل الفلسطيني، حيث لم تعد الحركة الفلسطينية مرتبطة تماماً بشعبها، من الناحيتين التمثيلية والموارد الذاتية، لذا باتت القيادة الفلسطينية كأنها متحررة من أية التزامات أو ضغوطات من شعبها، ما يفسر، بين أسباب أخرى ضعف علاقات المشاركة، واحتكار القرارات المصيرية، وغياب المساءلة، والمحاسبة، والنقد، وعدم مقايسة التضحيات بالإنجازات.
  • إطلاقها المقاومة المسلحة، وقد حدث ذلك في واقع فلسطيني وعربي بحاجة إلى أي عمل ضد إسرائيل، التي تغتصب وتعربد وتقتل وتحتل. وفي حين رأت الأنظمة السائدة في المقاومة نوعاً من تغطية على هزيمتها وقصورها في مواجهة إسرائيل (كما قدمنا)، فسارعت إلى النفخ فيها، وتضخيمها، فإن الجماهير العربية رأت فيها نوعا من الخلاص، ليس فقط في مواجهة إسرائيل، وإنما حتى في مواجهة النظم العربية، التي قيدت الحريات، وحرمت مجتمعاتها أي مستوى من المشاركة السياسية، والتي تهيمن على مجتمعاتها بوسائل القوة والقسر وعلاقات الاستبداد. والحاصل فإن المقاومة المسلحة ألهبت مخيّلة كثيرين في العالم العربي، ونخبه الثقافية وتياراته السياسية، وبات الفدائي حينها بمثابة المخلص، وحملت الحركة الفلسطينية ما لا تحتمل من أحلام التغيير في العالم العربي.
  • لا شكّ أن الأوضاع العربية، وتناقضات النظام الرسمي، سهّلت ذلك، ففي تلك الفترة كان العالم العربي يتنازع بين تياري مصر عبد الناصر من جهة، والسعودية وسوريا من الجهة الأخرى، وكانت مصر تسعى وقتها لخلق تمثيل فلسطيني، وهو ما نتج عنه تأسيس منظمة التحرير، (1964). وفي هذا الإطار فقد وجد المحور المناوئ لعبد الناصر في انطلاق حركة “فتح” فرصة مناسبة لأخذ القضية الفلسطينية بعيداً عن مصر، ولعل ذلك يفسّر التسهيلات التي أتاحها نظام “البعث”، في سوريا، لهذه الحركة منذ بداياتها، في منتصف الستينات، كما يفسر الدعم السعودي (والخليجي) عموماً لها.
  • على الصعيد الدولي، أيضا، بديهي أن ظروف الحرب الباردة، وانقسام العالم إلى معسكرين، أسهم بدوره في تدعيم المقاومة الفلسطينية، وشرعنتها، وتعزيز التعاطف معها والدعم لها، وهو ما أمنه الدعم السوفييتي، والمنظومة الاشتراكية، في تلك المرحلة لحركة المقاومة، وبالخصوص لحركة “فتح”، التي رأت فيها ساحة مواجهة مع النفوذ الأمريكي والغربي في الشرق الأوسط.

مع ذلك ينبغي الاعتراف بأن المشروع الوطني، كما حاولته “فتح”، نشأ من الأساس مأزوماً بحكم عوامل متعددة، يكمن أهمها في عدم التكافؤ في المعطيات والإمكانيات وموازين القوى بين الفلسطينيين وإسرائيل، وافتقاد الفلسطينيين لحيز جغرافي مستقل، مع تمزق مجتمع الفلسطينيين، وعدم ملاءمة الظروف العربية لفكرة الكفاح المسلح الفلسطيني، أو لفكرة الصراع ضد إسرائيل[6].

مناقشة في الأفكار السياسية

على ذلك، وبعد هذا العرض، من المثير تفحّص الأفكار الأساسية لحركة «فتح» التي قادت الكفاح الفلسطيني، طوال نصف قرن، في بداياته ومآلاته، في مراحل صعوده وهبوطه، بما له وما عليه. وفي الواقع فإن هذه الحركة التي أسّست للهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين، على عمودي الكفاح المسلح وتحرير فلسطين، هي ذاتها التي نكصت عن ذلك، وذهبت في اتجاهات مختلفة عن الفكرة التي تأسّست عليها، بغض النظر عن أسباب ذلك، أو تقييمنا لهذه لأسباب.

هكذا، لا يمكن وصف التغيير في التفكير السياسي لـ«فتح» بمصطلح «التطوّر» أو «التحول»، فالأول ينطوي على دلالات إيجابية، بينما الثاني يحتمل السلب والإيجاب. لذا، يبدو مصطلح «النكوص» الذي يعني التراجع والانكماش والتخلّي، أكثر مطابقة للواقع، وهو ربما الأكثر صوابية في التعبير عن هذه الحالة، لا سيما منذ حسم تحوّل هذه الحركة إلى سلطة.

وكانت حركة “فتح” عرّفت الأفكار السياسة المؤسّسة لها في مجموعة “المنطلقات والأهداف والأسلوب”، التي أصدرتها في أواخر الستينات، وباتت تتكرر كلازمة في مجمل أدبياتها وخطاباتها، ولا سيما في مقدمة وثيقة النظام الأساسي الذي تقرّه مؤتمراتها (على الأقل حتى المؤتمر الخامس)[7]. وقد انطلقت هذه المبادئ الأساسية من اعتبار “فلسطين جزءاً من الوطن العربي” (المادة 1) وأن شعبها هو “صاحب الحقّ في تقرير مصيره والسيادة على جميع أراضيه» (المادة 2)، وأن “القرارات التي صدرت أو تصدر عن هيئة الأمم المتحدة، أو مجموعة من الدول.. والتي تهدر حق الشعب الفلسطيني في وطنه باطلة ومرفوضة”. (المادة 6) لأن “الوجود الإسرائيلي في فلسطين هو غزو صهيوني عدواني وقاعدته استعمارية توسعية…» (المادة 8).

أما الأهداف، كما حددتها “فتح”، فتتمثل في “تحرير فلسطين تحريراً كاملاً وتصفية الكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً” (المادة 12). وهذا طبيعي لأن هذه الحركة انطلقت قبل حرب (1967)، أي أن تعريفها لفلسطين كان كاملاً ولم يكن يقتصر على الأراضي المحتلة في الضفة والقطاع. اللافت في هذه الأهداف تبني “فتح” في فترة مبكّرة من تاريخها لهدف الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية، في النص الذي تضمن “إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية… على كامل التراب الفلسطيني تحفظ للمواطنين حقوقهم… على أساس العدل والمساواة من دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة» (المادة 13). ومعنى ذلك وقتها حل المشكلة اليهودية أو مستقبل اليهود في فلسطين، بما يتضمنه ذلك من التمييز بين الصهيونية واليهودية، وتحرير اليهود من الصهيونية، وكانت هذه فكرة لافتة ورائدة آنذاك.

ومن جهة الوسائل وأشكال النضال فقد أكدت “فتح” بأن “الثورة الشعبية المسلحة هي الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين.” (المادة 17)، وأن “الكفاح المسلح.. لن يتوقف… إلا بالقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين” (المادة 19). اللافت، أيضاً، أن هذه المبادئ تضمّنت، أيضاً، «مقاومة الحلول السياسية المطروحة كبديل عن تصفية الكيان الصهيوني» (المادة 22)، وهو ما تم تأكيده في البرنامج الصادر عن المؤتمر الثالث لهذه الحركة (1971) لجهة رفض «الحلول التصفوية والاستسلامية كافة بدءاً من وعد بلفور ومروراً بقرار التقسيم… والمشاريع المشبوهة كافة الرامية إلى إقامة كيان فلسطيني مسخ، ومرتبط بالصهيونية».

الآن، وبصرف النظر عن رأينا، فهذه الأفكار هي التي شكّلت هوية «فتح»، وميّزتها عن غيرها، وساهمت في تعزيز شعبيتها، في بيئة كانت تعجّ بالأيديولوجيات والطروحات القومية واليسارية والإسلامية.

بيد أن هذه الحركة، كما شهدنا، لم تصمد على مواقفها تلك، كما هو معروف، إذ مع الزمن، أدخلت عليها تغييرات نوعية عديدة، بفعل التحولات والتطورات والضغوطات، الدولية والإقليمية والعربية والفلسطينية والإسرائيلية، حتى أن ثمة أفكاراً ومنطلقات وأهدافاً تم شطبها نهائياً، لكن هذا الأمر حصل بعد انتهاء ظاهرة المقاومة المسلحة في الخارج، وتحول مركز ثقل العمل الفلسطيني إلى الداخل، بعد الانتفاضة الشعبية الأولى (1987-1993)، ولا سيما بعد عقد اتفاق أوسلو (1993) وإقامة كيان السلطة، وعلى وجه الخصوص بعد رحيل قائدها ياسر عرفات.

لذا يجدر بنا، في هذا السياق، التنبيه إلى ثلاث مسائل. الأولى، أن المبادئ المذكورة تم تضمينها في الوثائق الصادرة عن مؤتمري “فتح” الرابع (دمشق 1980) والخامس (تونس 1989)، على رغم التغييرات النوعية الحاصلة في السياسة الفلسطينية، والتي انتهجتها قيادة هذه الحركة، منذ ذلك الوقت، من موقعها في قيادة منظمة التحرير، والتي تجسّدت في التحول من هدف التحرير إلى هدف إقامة سلطة أو دولة في أي جزء يجري تحريره، منذ أقرّ ما بات يعرف بـ”البرنامج المرحلي”، في الدورة (12) للمجلس الوطني الفلسطيني (1974)[8]. ولعل ذلك يكشف حقيقة روح المناورة عند هذه القيادة، وعدم مبالاتها بالإنشاءات مقابل تركيزها على السياسات العملية، وتمييزها بين الشعارات والقرارات أو الخيارات؛ وهذه واحدة من أهم سمات عمل القيادة الفلسطينية (وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح في آن واحد). والمعنى أن قيادة “فتح” ظلّت تتعمد التورية، والحديث بلغة مزدوجة، حتى ذلك التاريخ، بل إن مقررات المؤتمر السادس الذي عقد في بيت لحم (2009)، بعد إقامة السلطة، وبعد رحيل ياسر عرفات، تضمنت انتهاج “فتح” لكل أشكال النضال وضمنها الكفاح المسلح!

أما المسألة الثانية، فتتمثل في أن قيادة “فتح” تجاوزت الأفكار الأساسية لحركتها، بتحولها من مشروع تحرير فلسطين، وإقامة دولة واحدة ديمقراطية، إلى مشروع إقامة دولة في جزء من فلسطين (الضفة والقطاع)، كما تحولت من انتهاج الكفاح المسلح كوسيلة لتحرير فلسطين إلى انتهاج العمل الدبلوماسي، والمفاوضة، من دون أن تسعى إلى شرعنة كل ذلك بقرار جماعي يصدر عن تنظيمها، والأصحّ أنها لم تشعر بضرورة ذلك، بحكم هيمنتها على الحركة، والمنظمة، بدليل أن الأمور سارت كما سارت عليه، رغم ظهور خط معارض في “فتح” لهذا التوجّه، في حينه.

المسألة الثالثة التي ينبغي الانتباه إليها، في هذا المجال، مفادها أنه إذا كان المؤتمر العام الرابع لـ فتح (1980)، لم يمرّر “البرنامج المرحلي”، الذي بات معمولاً به، منذ العام 1974، في منظمة التحرير الفلسطينية، التي تهيمن عليها قيادة هذه الحركة، بتأكيده أن “فتح” “حركة وطنية ثورية هدفها تحرير فلسطين.. وتصفية الكيان الصهيوني.. وإقامة دولة ديمقراطية.. تحفظ لجميع المواطنين حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساواة دون تمييز”[9]، فإن قيادة هذه الحركة استطاعت تمريره في المؤتمر الخامس (1989)، الذي عقد في تونس[10]، بعد الخروج من لبنان، وانتهاء ظاهرة المقاومة المسلحة من الخارج، وفي مناخات الانتفاضة الأولى (1987-1993). علماً أن هذا المؤتمر لم يصل حدّ إزاحة المبادئ الأولية للحركة، وهذا ما يمكن ملاحظته في المقررات التي صدرت عن المؤتمر، والتي تضمنت النص الآتي: “يؤكد المؤتمر.. على الأهمية التاريخية لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة وبصورة خاصة “وثيقة الاستقلال”. أي أن لغة الخطاب هنا ما زالت مزدوجة، بحيث تم صوغها بطريقة لا تقطع مع “المبادئ”، من جهة، وتوصل، أو تمرّر، الجديد، أو الدخيل، على الفكر السياسي لهذا الحركة.

وفي الحقيقة، فإن إزاحة المبادئ، أو النكوص عنها، تحقّقت في المؤتمر السادس (2009)[11]، بعد إخفاق الانتفاضة الثانية (2000-2004)، ورحيل الزعيم الفلسطيني أبو عمار، الذي صاغ “فتح” على طريقته، وحافظ على ازدواجية خطابها، وفق فهمه لدوره النضالي ومكانته الشعبية ورمزيته التاريخية.

بالمحصلة فقد تمخّض المؤتمر السادس لهذه الحركة، والذي عقد في ظلّ السلطة، في الأراضي المحتلة (بيت لحم 2009)، عن إزاحة المبادئ المذكورة من الوثائق الصادرة عن المؤتمر، بعد 13 عاماً على تعديل الميثاق الوطني (غزة 1996)، و16 عاماً على توقيع اتفاق أوسلو (1993)، وعقدين على تبنّي برنامج «الحرية والاستقلال» (الجزائر 1988)، و35 عاماً على إقرار البرنامج المرحلي (القاهرة 1974)، في دورات المجلس الوطني[12].

مثلاً، فقد لخّص هذا المؤتمر في عبارة واحدة مراحل مهمة عديدة من التجربة الوطنية الفلسطينية، دون أن يصدر أي دلالات سياسية بشأنها، وبدون أي نظرة تقييمية أو نقدية، في قوله: “في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1987.. انطلقت انتفاضة الحجارة.. ليعلن بعدها المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 قيام دولة فلسطين.. وجاءت حرب الخليج (1990) وانهيار الاتحاد السوفيتي وخسارتنا لصديق كان دائماً إلى جانبنا، وخسارتنا العربية في العراق والخليج، وبروز القطب الأمريكي الأوحد في العالم، فكان لزاماً علينا إعادة النظر في استراتيجيتنا المرحلية واغتنام فرصة التحرك بالسلام، فكانت عملية السلام وقيام السلطة الوطنية التي فتحت الأبواب لتحرير المدن الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، ولبناء مؤسسات الدولة المستقلة القادمة، ولاعتراف دولي كبير وعلاقات سياسية واقتصادية وتجارية مع دول العالم، وإنجازات داخلية كثيرة على الصعيد السياسي والدستوري والاقتصادي.” واللافت أن هذا الكلام جاء عام 2009، أي بعد إخفاق مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000) وتجربة الانتفاضة الثانية، وسيطرة حماس على غزة، والحرب الإسرائيلية على غزة، وبعد تبيّن الأغراض الإسرائيلية من اتفاق أوسلو، على ضوء تجربة عمرها 16 عاماً!

فوق ذلك فقد كان صدر عن هذا المؤتمر عبارات عامة لا تتناسب مع حركة سياسية قادت كفاح شعب، قدم كل تلك التضحيات، من مثل أن أهدافها “تحرير الوطن وإنهاء استيطانه”، وفي حين أن “الوطن” بات مختزلاً في الضفة والقطاع (على الأكثر) فإن كلمة “تحرير” لا دلالة لها. أما قضية اللاجئين فجرى الحديث عنها بعبارات تتضمن تأكيد حقهم “في العودة والتعويض، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة، وقرار الجمعية العامة رقم 194″، و”ضرورة تفعيل وتعزيز دور الجاليات الفلسطينية”، و”إشراك الفلسطينيين في الشتات في أنشطة الحركة والمنظمة”، و”التصدي لمساعدة أبنائنا في الشتات عند تعرضهم للأخطار، كما حدث لأبناء شعبنا المقيمين في العراق”.

بالنتيجة فقد شرعن المؤتمر السادس للتغيير الجاري في “فتح” منذ انتهاء الظاهرة المسلحة في الخارج (1982)، ولا سيما منذ تحوّلها إلى سلطة (1994). والفكرة الثانية أنه منذ ذلك التاريخ بات ثمة تطابق بين بنية “فتح” وفكرها السياسي، إذ في عهد الرئيس أبو مازن، وهو قائد فتح ورئيس المنظمة، لم تعد ثمة حاجة إلى الازدواجية التي كانت.

هذا يفيد بأن تحول “فتح” نحو التسوية في مطلع السبعينات لم يحدث نتيجة تطور في الثقافة السياسية لـ”فتح” كحركة، ولم يشرّع في مؤتمراتها، وإنما اتخذ هكذا خيار في إطار اللجنة المركزية فقط، وفي إطارات منظمة التحرير، وهو ما حدث مع اتفاق أوسلو (1993)[13]. وبديهي أن كل العمليات السياسية، من المفاوضة إلى الانتفاضة، لم تدرس في الأطر القيادية ولم تكن وليدة ثقافة سياسية، ولم تأت نتيجة إعدادات ميدانية. وفي هذا المجال تبدو «فتح» وكأنها حركة للقيادة، أو للزعيم (أبو عمار بخاصة)، أكثر من كونها حركة لها قيادة، بدليل أنها كانت تميل حيث تميل القيادة، أو بشكل أدق حيث كان يميل زعيمها الراحل ياسر عرفات، فإذا مال نحو الكفاح المسلح تذهب معه، وإذا مال نحو التسوية تميل معه، وإذا غادر المفاوضات إلى الانتفاضة تغادر معه، وهذا ما يفسّر اتجاه كتائب الأقصى (المنبثقة من «فتح») بتبني نمط العمليات التفجيرية/ الاستشهادية على رغم أن دلالاتها السياسية لا تتوافق، كما يفترض، مع التوجه السياسي للحركة.

المعنى من كل ذلك أن الحركة الفلسطينية لم تكن تولي اهتماماً مناسباً لفكرها السياسي، وأن الطبقة القيادية فيها هي التي تتحكّم بتقرير الخيارات الكبرى، وأن الديموقراطية لا تشتغل جيداً في الحقل السياسي لفصائل الفلسطينيين، وضمنها “فتح”.

طبعاً، ليس القصد هنا نفي شرعية التغيير في التفكير السياسي للحركات والأحزاب، فهذا أمر محمود، على أن يأتي نتيجة لتفاعل داخلي، وكمحصلة عملية ديموقراطية، وفي سياق الإغناء والتطوير، مع المحافظة على الهدف الأساس، أو الروح التي شكّلت هذه الحركة أو الحزب، وهي بالنسبة لـ«فتح» تتحدد في تعزيزها هوية الفلسطينيين وكيانيتهم السياسية، واستمرار كفاحهم لتقويض المشروع الصهيوني الاستعماري والعنصري، الذي تمثله إسرائيل.

بين الأفول والنهوض

هكذا يمكن قول أشياء كثيرة عن حركة “فتح” تحسب لها، ولكفاح مناضليها، وللحنكة السياسية التي تمتع بها قادتها، وفي مقدمتهم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، مع ذلك فإن الموضوعية تقتضي القول، أيضاً، بأن هذه الحركة التي أطلقت الكفاح المسلح، هي التي أنهت الكفاح المسلح، لصالح خيار المفاوضة والتسوية، بتوقيعها اتفاق أوسلو (1993)، الناقض والجزئي والمجحف. وأن هذه الحركة التي عززت مكانة منظمة التحرير، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد، والكيان المعنوي للفلسطينيين، هي التي همّشت هذه المنظمة وغيّبتها لصالح السلطة.

ونخلص من ذلك إلى حقيقة مفادها أن الحركات والأحزاب الراديكالية تتغير أيضا، وحتى أنها تتغير من دون وعي أصحابها، وربما برغم إرادتهم، فهي تتغير بدفع من الظروف والضغوط الموضوعية، وبحكم ثقل المسؤوليات السلطوية التي تدخلها، وأيضا بسبب تولد مصالح وعلاقات جديدة، ينبثق عنها رؤى أفكار سياسية أو سلطوية جديدة أيضا.

القصد من هذا الكلام لفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين العوامل الموضوعية/الخارجية، من جهة، والعوامل الذاتية/الداخلية، من الجهة الأخرى، من بين العوامل التي تسببت في أزمة فتح، وإخفاق خياراتها، وتراجع دورها ومكانتها.

ربما يرى البعض أن ما حصل هو أمر طبيعي، إذ لا يمكن توقّع أن تبقى حركة سياسية هي ذاتها، لا سيّما كحركة «”فتح”»، لها كل هذا القدر من العمر، وعانت من كثير من المصاعب والتعقيدات والتحدّيات، أي على طبيعتها، أو أن تنأى بنفسها عن التأثر بالتحولات الجارية في محيطها. ذلك أن الحركات والظواهر السياسية والمجتمعية تتغير وتتأثّر بالزمن، وبدخول عوامل جديدة مغايرة عن التي شهدت تأسيسها، لكن الأمر بالنسبة إلى «”فتح”» لم يكن يقتصر على ذلك فقط.

وفي الحقيقة فإن التغيّرات التي حصلت في «”فتح”» لم تكن كلها استجابة لسياقات التطوّر الطبيعي، ولم تأت في سياق التكيّف الاضطراري مع التحوّلات الحاصلة فيها أو المحيطة بها، وإنما هي تغيّرات من طبيعة نكوصيّة، أو تراجعيّة، وهي تطوّرات لم تحصل بضغط العوامل الخارجية/الموضوعية فقط، وإنما حصلت أيضاً بفعل قوّة دفع ذاتية، ناجمة عن ثقافة معينة وبنى وعلاقات قامت عليها، أو انزاحت إليها، هذه الحركة.

في كل الأحوال فإن حركة “فتح” باتت تقف إزاء مسارين، إما النهوض أو الأفول، والخيار بين هذين المسارين يتوقف على ما تفعله أو ما لا تفعله قيادة هذه الحركة، التي احتفت في مطلع هذا العام (2015) بمرور نصف قرن على انطلاقتها.

ولعله كان بالإمكان تحويل هذه المناسبة من مجرد مناسبة للاحتفال، إلى مناسبة لإطلاق ورشات نقاشية بين قيادات هذه الحركة وكوادرها وجمهورها، لإجراء مراجعة نقدية للتجارب السابقة، من الأردن إلى لبنان ثم الضفة وغزة، وللخيارات من الكفاح المسلح والانتفاضة إلى التسوية والمفاوضة، وللكيانات السياسية من المنظمة إلى السلطة، مروراً بالفصائل. هكذا، كان حريّاً بقيادة “فتح” طرح الأسئلة المناسبة، بخصوص أين كنا وأين أصبحنا؟ ولماذا لم تنجح حركة التحرر الفلسطينية في المهام التي أخذتها على عاتقها، طوال نصف قرن، ولم تستطع حتى الحفاظ على الإنجازات التي حققتها في مرحلة ما، رغم أن الفلسطينيين لم يقصرّوا في بذل التضحيات واجتراح البطولات في ظروف صعبة ومعقدة؟

المشكلة أن “فتح”، وغيرها من الفصائل، لم تطرح هذه الأسئلة على نفسها ولا في أي مرحلة، لأن المراجعة النقدية تؤدي إلى تحديد المسؤوليات، كما تفترض بداهة حالة سياسية تتأسّس على الديمقراطية والتداول والتمثيل وهو ما تفتقده الحركات الفلسطينية، التي تشكلت طبقتها القيادية منذ نصف قرن تقريبا، والتي ما زال فيها قياديون على رأس فصائلهم طوال هذه المدة!

اللافت، أيضاً، أن هذه الحركة لم تطرح هذه الأسئلة على نفسها حتى في سياق تحضيرها لعقد مؤتمرها السابع، الذي كان يفترض عقده هذا الشهر آذار (مارس) 2015، والذي تأجّل فجأة، علما أنها لم تطرح وثائقها السياسية للنقاش العام، كأن المؤتمر مجرد مناسبة انتخابية، أو داخلية، علما أن سياسات هذه الحركة لا تخصّها وحدها، كونها الحركة التي تحدد الخيارات السياسية للفلسطينيين، منذ نصف قرن، وتهيمن على المؤسسات الكيانية للشعب الفلسطيني (المنظمة والسلطة والاتحادات الشعبية).

كل ما يحصل ينبغي أن يثير مخاوف قيادات هذه الحركة، وكوادرها، والجمهور الغيور على المصلحة الوطنية، إذ ثمة ما زالت مشروعية فلسطينية لحركة سياسية كالتي مثلتها «فتح» في بداياتها، بعد الاستفادة من عِبر ودروس التجربة الماضية، أي أن الفلسطينيين هم أحوج ما يكونون إلى حركة وطنية كهذه، حركة تحمل وتتمثّل حقاً مشروعهم التحرّري الديموقراطي الذي يتأسّس على الحقيقة والعدالة والكرامة والمساواة للجميع؛ باعتباره المشروع النقيض لإسرائيل الاستعمارية والعنصرية والدينية. الفلسطينيون بحاجة إلى تجديد حركتهم الوطنية.

 هوامش:-

[*] كاتب وباحث فلسطيني، مقيم في تركيا.

[1] لمزيد من الاطلاع راجع موقع الموسوعة الفلسطينية:  http://www.palestinapedia.net

[2] لعل أبرز من عرف من التيار اليساري من فتح: أبو صالح، وماجد أبو شرار، وناجي علوش، ومنير شفيق، وحنا ميخائيل (أبو عمر)، وأبو معن، وأبو نائل، وأبو فارس، ونزيه أبو نضال، وإلياس شوفاني، ويحيى يخلف. بهذا الخصوص لمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة مادتي يسار فتح في مجلة الدراسات الفلسطينية. أيضا، راجع مادتي: “فتح وتجرية التيار اليساري الديمقراطي فيها. مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 92، خريف 2012.

[3]لأغراض الاطلاع على هيكلية حركة فتح، والعلاقة بين هيئاتها، وأيضا للمقارنة، ثمة نصّان للنظام الداخلي لحركة فتح، الأول على موقع عضو اللجنة المركزية للحركة عباس زكي، وهو الصادر عن المؤتمر الخامس للحركة، وهذا رابطه:  http://www.abbaszaki.plo.ps/fateh/fatehlows.htm

والثاني في موقع عضو اللجنة المركزية للحركة توفيق الطيراوي، وهو الصادر عن المؤتمر العام السادس للحركة، وهذا رابطه: http://www.tirawi.ps/ar/fateh/1118-the-political-agenda-and-rules-of-procedure.html

[4] الاقتران بين الكفاح المسلح وصوغ الهوية الوطنية جرى التعبير عنه بشعارت مثل: هويتي بندقيتي، ولكن أبلغ تعبير عن ذلك كان في كتابي: د. ماهر الشريف: “البحث عن كيان”، الصادر عن دار مدى، دمشق، 1995. ود. يزيد صايغ: “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة. الحركة الوطنية الفلسطينية (1949-1993)، إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2002. أيضا، يمكن الاطلاع على مادتي: “صعود وأفول الهوية الوطنية الفلسطينية”. مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 90، ربيع 2012.

[5] القصد هنا الصراع على الإمساك بالقضية الفلسطينية، أو بالحركة الوطنية الفلسطينية، في البدايات مع النظام الأردني، ثم ولفترة أطول، وأكثر تعقيدا، مع النظام السوري.

[6] ماجد كيالي: “تحوّلات السياسة الفلسطينية في نصف قرن.. قراءة في مقررات دورات المجلس الوطني”، مجلة شؤون فلسطينية، رام الله، العدد 258، خريف 2014.

[7] لمراجعة النص كاملا في الرابط الآتي: http://www.abbaszaki.plo.ps/fateh/fatehlows.htm

[8] قرارات المجلس الوطني البرنامج المرحلي في الدورة 12 في موقع وكالة “وفا” عبر الرابط:    http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=3789

[9] يمكن مراجعة البرنامج السياسي الصادر عن المؤتمر الرابع في الرابط الآتي:   http://samednews.blogspot.com/2013/12/1965_29.html

[10] المصدر السابق.

[11] الوثيقة الختامية الصادرة عن المؤتمر السادس لحركة فتح، في الرابط الآتي:  http://www.tirawi.ps/ar/fateh/1118-the-political-agenda-and-rules-of-procedure.html

[12] يمكن الاطلاع على مجمل قرارات دورات المجلس الوطني الفلسطيني في موقع وكالة “وفا”، عبر الرابط:  http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=3237

[13] تم فرض “البرنامج المرحلي” في اجتماع المجلس الوطني (1974)، أي دون تمريره في مؤتمر حركة “فتح”، إذ أن المؤتمر الرابع لهذه الحركة عقد بعد سبعة أعوام (1981)، وهو لم يقر هذا البرنامج، إذ بقي على برنامج التحرير. وهذا تكرر في فرض اتفاق أوسلو، في اجتماع المجلس المركزي للمنظمة، وليس في اجتماع للمجلس الوطني، ولا في مؤتمر لـ”فتح”، إذ أن أول مؤتمر لهذه الحركة، بعد اتفاق أوسلو تم عقده، عام 2009، في بيت لحم، أي بعد 16 عاما، على قيام السلطة.