جهاد ملكه ويحيى قاعود

مقدمة:

أعلن عضو الكنيست الإسرائيلي، وأحد أبرز أقطاب حزب الليكود جدعون ساعر (54 عاماً) يوم الثلاثاء 8 كانون أول (ديسمبر) 2020، انسحابه من حزب الليكود، وعزمه تأسيس حزب جديد باسم “تيكفا حداشا” “الأمل الجديد”، معلناً نيته عن خوض الانتخابات المقبلة. وأرجع ساعر سبب الانسحاب لسلوك وشخصية نتنياهو وقال “لم يعد بإمكاني البقاء في نفس الحزب الذي ينتمي إليه بنيامين نتنياهو”.

شكل انسحاب ساعر هزة لحزب الليكود الذي يقوده نتنياهو، خاصة في ضوء الأوضاع الإسرائيلية الداخلية وتفشي فيروس كورونا من جهة، وما تشهده الخارطة الحزبية والحكومة الائتلافية من خلافات وأزمات حول مجموعة قضايا ابرزها الموازنة، من جهة أخرى. لذا تبحث الورقة، تداعيات انشقاق ساعر على الخارطة الحزبية في إسرائيل، وما تضيفه الانشقاقات من إشكاليات جديدة في مسار عمل الحكومة الائتلافية الحالية.

“ساعر” خارج الليكود

في خطوة مفاجئة أعلن جدعون ساعر انسحابه من الليكود وعزمه على تشكيل حزب جديد، وهو أحد أبرز قيادات الحزب منذ عقد، وشغل عدة مناصب وزارية. والذي عزى استقالته إلى التهميش الذي تعرض له بعد محاولة منافسة بنيامين نتنياهو لقيادة الحزب- وهو الوحيد الذي تقدم لمنافسه نتنياهو على رئاسة الليكود في الانتخابات الداخلية في شباط (فبراير) 2019. وفي مؤتمره الإعلامي حول الانسحاب قال ساعر: “تحول الليكود إلى أداة لخدمة مصالح نتنياهو الذاتية”[1].

ظهرت بوادر الخلاف بين ساعر ونتنياهو، منذ أن لعب ساعر دوراً فاعلاً في انتخاب اليميني رؤوفين ريفلين “رئيس إسرائيل العاشر” عام 2014 رغم معارضة نتنياهو. كما أن ساعر القيادي الوحيد من حزب الليكود الذي عارض منح نتنياهو الحصانة ضد المحاكمات القضائية[2].

وبحسب موقع يديعوت أحرنوت، فإن كل من “يوعاز هاندل” و”تسفي هاوزر”، وكلاهما من مساعدي نتنياهو السابقين، قررا الانضمام لحزب ساعر والترشح للانتخابات القادمة ضمن قائمة ساعر الانتخابية، ومن المتوقع أن ينضم إليهما “غابي ازنكوت” رئيس الأركان السابق، وعدد من الشخصيات السياسية داخل النظام وخارجة[3]. من المرجح أن تشهد الأيام المقبلة انسحابات جديدة من داخل الليكود أو من الحلبة السياسية الإسرائيلية، في ضوء اتصالات ساعر ودعواته لشخصيات بارزة بالانضمام لحزبه الجديد.

في ضوء ذلك، هاجم حزب الليكود، في تصريحاته عضو الحزب المنشق ساعر، واتهمه بالانجرار خلف اليسار، راداً مغادرته للحزب الى هزيمته في الانتخابات التمهيدية، وإلى تراجعه على سلم الحزب القيادي وفق الاستطلاعات الأخيرة الى المراكز العشرة الثانية، وفي هذا السياق قالت وزيرة النقل ميري ريغيف بأن ساعر يغادر الحزب لأنه لم ينتخب رئيساً فقط[4].

يُشكل التنافس على زعامة حزب الليكود، ثاني أكبر تهديد لحياة نتنياهو السياسية بعد القضاء، فرئاسة الحزب يعني لنتنياهو الاستمرار في ممارسة عملة الحكومي وفرصه للمماطلة أمام القضاء الإسرائيلي.

انسحاب “ساعر” والخارطة الحزبية في إسرائيلي

يتزامن انسحاب ساعر من حزب الليكود وتشكيل حزب جديد في ذروة التناقضات الدائرة في الخارطة الحزبية، داخل الكنيست والحكومة. حيث صادقت أحزاب المعارضة برفقة حزب “أزرق أبيض” في الكنيست 9 كانون أول (ديسمبر) 2020 بالقراءة الأولى على مشروع قانون “حل الكنيست” وفي حال المصادقة على مشروع القانون بالقراءة الثانية والثالثة، يصبح يوم 16 أذار (مارس) 2021 موعداً للانتخابات الرابعة. يضاف إلى هذه الإشكالية، غياب التوافق الحزبي حول “الميزانية”، خاصة في ضوء اقتراحات حزب “أزرق أبيض” بخفضها إلى 10%.

في المقابل، تدعم الأحزاب الصغيرة نتنياهو مثل “شاس” و”يهدوت هتوارة” وتعارض مشروع قانون حل الكنيست[5]. وفي كل الأحوال إن لم يتم التوافق والتصويت على الميزانية حتى 23 كانون أول (ديسمبر) الجاري، سوف يحل الكنيست تلقائياً وتجرى الانتخابات الرابعة.

ما يحدث الآن يفسره التوافق الهش بين الأحزاب السياسية في إسرائيل على تشكيل حكومة بعد ثلاث انتخابات متتالية في 17 أيار (مايو) 2020، وهو توافق تمثل في تشكيل حكومة ائتلافية من 34 وزارة مزدحمة بالانقسامات والخلافات والحسابات الشخصية، ويعكس عمليات الاسترضاء للخارطة الحزبية[6].

في ذات السياق، قد تشكل خطوة ساعر تحدياً لحزب “يمينا” برئاسة نفتالي بنيت في الانتخابات المقبلة، اذ كان يستنزف الحزب أصوات يمين الوسط، وتحدياً أكبر لـ حزب “أزرق أبيض” الذي يترأسه بيني غانتس. الأهم أن هذه الخطوة قد تمنع نتنياهو من الحصول على (61) صوتاً لازة لصالح قانون الحصانة[7].

جاء انسحاب ساعر من الليكود بعد منافسة ومعارضة لسياسات زعيم اليمين الأول في إسرائيل نتنياهو، لكنه ليس الانسحاب الأول في صفوف الحزب الذي تعرض لعدة انشقاقات كان أخطرها انشقاق أريئيل شارون في كانون أول (ديسمبر) 2005 والذي أسس في حينه حزب “كديما”، ليحل محلة في زعامة الليكود منذ ذلك التاريخ بنيامين نتنياهو عبر بوابة التشدد ضد الفلسطينيين.

“تكفا حداشا” تكتل يميني جديد

تمثل رؤية ساعر الجديدة، “الأمل” والتي تعني بالعبرية “تكفا”، المستمدة من النشيد الوطني الإسرائيلي، وهي دلالة على أن ساعر يريد أن يمثل “الإسرائيلية الرسمية”، ما يؤشر على إضعاف الكتلة اليمينية بشكل عام[8].

في ذات السياق، يؤمن ساعر بالفكر اليميني، وينتهج السياسة اليمينية التي يتبعها نتنياهو، وربما يتفوق عليه. فقد أعلن ساعر سابقاً معارضته الشديدة للانسحاب أحادي الجانب من غزة عام 2005، ويعارض فكرة إقامة دولة فلسطينية. وتضمن خطاب الانسحاب رؤيته اليمينية الأشد تطرفاً، حينما صرح “أدركت أكثر من أي وقت مضى أن الليكود غير وجهه وأبتعد عن مسار الدولة”.

أظهرت استطلاعات الرأي الإعلامية الأولى نسبه مقاعد عالية لحزب ساعر الجديد. فقد أجرت إذاعة FM103 التابعة لصحيفة جيروزاليم بوست، استطلاعاً أظهرت نتائجه بأن حزب ساعر الجديد سيفوز بـ 17 مقعداً، وسيكون ثالث أكبر حزب في إسرائيل. وقد أظهر استطلاع أخر أجرته قناة 12 أنه إذا ترشح ساعر وبينيت معاً، فإن قائمتيهما ستفوز بـ 32 مقعداً[9]. الأمر الذي ينعكس سلباً على الكتلة اليمينة في إسرائيل، وإضعافها وربما تفكيكها.

وفي تعقيب نتنياهو على خطوة ساعر، قال في مؤتمره الصحفي حول فيروس كرونا يوم الأربعاء 9 كانون أول (ديسمبر) “بعد الفوز الساحق في على ساعر في الانتخابات التمهيدية للحزب، لم أخسر سوى في استطلاعات الرأي”. وهاجم ساعر قائلاً “في حين أنني مشغول بجلب اللقاحات، هناك من هم مشغولون بإنقاذ حياتهم السياسية”.

حلبة سياسية إسرائيلية مرتبكة

بعد انسحاب ساعر من الليكود وعزمة على تشكيل حزب جديد لخوض الانتخابات المقبلة، أضحت أزمة التمثيل الحزبية في إسرائيل أكثر تعقيداً مما كانت عليه، خاصة في ضوء حكومة حالية “ائتلافية- حزبية” تجمعها التناقضات أكثر من التوافقات، ما يعني زيادة التنافس الحزبي المصلحي لقيادة الأحزاب لا التنافس التنظيمي.

من المرجح أن تنعكس الأزمة الحزبية في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة على تراجع نسبة مقاعد الأحزاب الصغرى واليسار والوسط. في المقابل زيادة حاجة الليكود لتوسيع كتلته الانتخابية. ما يعني بأن الخارطة الحزبية في إسرائيل الآن تعيش معادلة “من كتلة يمينة إلى صراع انتخابي يميني على حساب الأحزاب الأخرى”.

 

للتحميل اضغط هنا

 

الهوامش

[1] مؤتمر صحفي لعضو الكنيست ووزير الداخلية السابق، جدعون ساعر، قناة عربية sky news، 9/12/ 2020، https://bit.ly/33Xbe0b

[2] من هو جدعون ساعر الذي فشل في إبعاد نتنياهو عن قيادة حزب ليكود؟ BBC NEWS، 27 /12/ 2019، https://bbc.in/2K6m50L

[3] האוזר והנדל יצטרפו, סער במגעים עם גורמים נוספים، מורן אזולאי, יובל קרני، ידיעות אחרונות، 9/12/ 2020، https://bit.ly/3m3aHzU

[4] הליכוד על הודעת סער: עוזב כי הובס בפריימריז, מצטרף לנוטשים שהתרסקו، וואלה! NEWS، 8/12/2020، https://bit.ly/37TtNDo

[5] لجنة برلمانية تدفع قدما بمشروع القانون لحل الكنيست وتحدد يوم 16 مارس موعدا للانتخابات، جريدة تايمز أف إسرائيل، 9/12/2020، https://bit.ly/373N8mh

[6] المشهد الإسرائيلي: نتنياهو وإمبراطورتيه غير المستقرة، أحمد عزم، مركز الأبحاث، مايو/ أيار 2020،  ص2.

[7] حدعون ساعر ينافس نتنياهو على زعامة إسرائيل في أول انشقاق داخل حزب الليكود الحاكم، I24 news، 8/12/2020، https://bit.ly/3qHo9Np

[8] تقرير تلفزيوني، عمر ربيع، مراسل صحفي، قناة I24 news، 8/12/2020، https://bit.ly/33XYF4I

[9]Netanyahu, Sa’ar, Bennett trade barbs as fight on Right begins, Jerusalem Post, DECEMBER 9, 2020, https://bit.ly/3m2wxUi