إكرام عمر

 تشير الدراسات التي أجراها البنك الدولي إلى أن القيود الإسرائيلية المفروضة على المناطق الواقعة تحت السيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية الكاملة، المعروفة بموجب اتفاقيات أوسلو، باسم (المناطق ج)[1]، تكلف الاقتصاد الفلسطيني، (تحرمه) من فرص قيمتها حوالي 3.4 مليار دولار سنوياً[2]. وحسب تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية، “إن الأنشطة الاقتصادية في تلك المنطقة قادرة على توليد 800 مليون دولار من الإيرادات الضريبية، سنويّاً، وهذا يمكن أن يُغني عن التمويل المقدم والمساعدات من الدول المانحة، هذا بالإضافة إلى أن هذه المناطق تحتوي على 90% من المقدرات والثروات الطبيعية الفلسطينية، وتعتبر الأخصب زراعيّاً[3].

تستعرض هذه الورقة الواقع الاقتصادي للمناطق “ج”، حيث تسلط الضوء على الإمكانات الاقتصادية للمناطق “ج”، بالإضافة إلى البحث في طبيعة وجدوى السياسات الاقتصادية الرسمية الموجهة لهذه المناطق.

  اعتبرت وزارة الاقتصاد الوطني في إستراتيجيتها القطاعية، أن تكثيف الجهود للعمل في المناطق المسماة “ج” والقدس، يعد أولوية وهدفاً استراتيجيّاً يجب العمل عليه، الأمر الذي يستوجب البحث في آليات العمل الخاصة بدعم الاقتصاد في مناطق “ج” التي تضمنتها الخطط والأطر الإستراتيجية الحكومية.

في محاولة لفهم السياسة الاقتصادية للحكومة الفلسطينية في المناطق “ج”، تستند هذه الورقة إلى السياسات التنموية التي تبنتها الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، بالإضافة إلى الإستراتيجية الاقتصادية القطاعية (2017-2022) التي تمت بلورتها بالتوافق مع أجندة السياسات الوطنية “المواطن أولاً للأعوام (2017-2022).

قسمت اتفاقية أوسلو الثانية التي تم توقيعها عام 1995 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، أراضي الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق لكل منها ترتيبات وسلطات أمنية وإدارية مختلفة،  فمناطق A وهي المناطق التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة (أمنيًا وإداريًا) ويطلق عليها مسمى محافظات، وتبلغ مساحتها 1,005 أي ما نسبته 18% من مساحة الضفة الغربية الإجمالية.

شكلت المناطق  Bالنوع الثاني من تصنيف الأراضي الفلسطينية بحسب اتفاق أوسلو، وهي المناطق التي تقع فيها المسؤولية عن النظام العام على عاتق السلطة الفلسطينية، وتبقى لإسرائيل السلطة الكاملة على الأمور الأمنية، وبالتالي فإنها تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية وتبلغ مساحتها 1,035، أي ما نسبته 18.3% من مساحة الضفة الغربية الإجمالية، أما المناطق المتبقية فهي مناطق C: وهي المناطق التي تقع تحت السيطرة الكاملة للحكومة الإسرائيلية، وتشكل 61% من المساحة الكلية للضفة الغربية.[4]

أولاً: المناطق “ج”.. نظرة عامة

تعتبر المنطقة المسماة “ج” أو كما يسمونها بالإنجليزية “C” جزءاً أساسياً من أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، تمتد من أقصى جنوب الضفة الغربية حتى شمالها مروراً بمناطق الأغوار والحدود الشرقية والغربية[5].

وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية  (UNOCHA)إلى أن هناك 542 منطقة سكنية في المنطقة “ج” (بما في ذلك 281 منطقة مبنية بالكامل أو معظمها)[6]. فيما تشير إحصاءات وزارة الحكم المحلي الفلسطينية إلى أن عدد التجمعات التي تقع بالكامل في منطقة “ج” 149 تجمعاً، عدا التجمعات البدوية وفيها هيئات محلية منتخبة أو معينة موزعة على كافة المحافظات[7].

وحسب التقارير الصادرة عن المكتب الوطني التنسيقي للمناطق المسماة “ج”، تشكل المناطق “ج” حوالي 64% من مساحة الضفة الغربية، ويسكن فيها ما يقارب 900 ألف مواطن فلسطيني.

ثانياً: المقومات الاقتصادية للمناطق “ج” (مفتاح التنمية)

وفق تقرير البنك الدولي للعام (2013)، فإن المنطقة “ج” تمتلك الكثير مما يمكن أن تقدمه من إسهامات لصالح الاقتصاد الفلسطيني، فهذه المنطقة غنية بمواردها الطبيعية، فضلاً عن كونها مترابطة الأوصال على عكس المنطقتين أ و ب اللتين تشكلان جزراً صغيرة منعزلة[8].

إن تحديد أهمية المناطق “ج” الاقتصادية يندرج في إطارين: الأول طبيعة الخصائص الجغرافية والمكانية لهذه المناطق، والثاني الموارد الطبيعية الموجودة فيها، وحيث إن المناطق “ج” متصلة مع بعضها، فإن ذلك من شأنه أن يساهم في حرية الحركة بين الأفراد والبضائع داخل هذه المناطق. كما أنها تشكل مساحة كافية لاستيعاب التزايد السكاني في الضفة الغربية ومدنها الرئيسية، علاوة على احتوائها على الكثير من مناطق الجذب السياحي الطبيعية والأثرية والدينية والثقافية الهامة[9].

وترتبط الطبيعة الجغرافية الخاصة بالمناطق “ج” بالمقومات الاقتصادية والموارد الطبيعية لهذه المناطق، فوجود البحر الميت ضمن المناطق “ج” على سبيل المثال يعد ميزة استراتيجية وقيمة اقتصادية وسياحية، وبالتالي، فإن الحديث عن مقومات الموقع الجغرافي في المناطق “ج”، لا ينفصل بأي حال عن الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية المتاحة التي تتمتع بها هذه المناطق.

كما تحتوي هذه المناطق على مخزون الموارد الطبيعية كالمياه والطاقة والمعادن والمراعي، وأغلب الأرض الزراعية في الضفة الغربية، حيث “يحفل البحر الميت بالكثير من المعادن الثمينة، في مقدمتها مخزونات ضخمة من البوتاس والبرومين. وتحصل إسرائيل والأردن معاً على نحو 2.1 مليار دولار من المبيعات السنوية لهذه المنتجات، وهو ما يمثل 1% من الإمدادات العالمية من البوتاس و12% من إنتاج العالم من البرومين”[10].

إضافة إلى البوتاس والبروميل، فإن البحر الميت يعد من المناطق الغنية بالثروات المعدنية الأخرى، حيث “تصل احتياطات كلوريد المغنيسيوم في البحر إلى 23 مليار طن وكلوريد الصوديوم إلى 12.6 مليار طن، وكلوريد الكالسيوم إلى 6 مليارات طن”[11].

وبالنظر إلى المصادر الطبيعية التي تتمتع بها المناطق “ج”، تعتبر صناعة الحجر والتنقيب من أضخم الصناعات التصديرية في الأراضي الفلسطينية، حيث تستند صادراتها على “حجر القدس الذهبي” الشهير. ووفق بيانات البنك الدولي، فإن مساحة الأراضي التي تصلح لاستخدامها كمحاجر في المناطق “ج” تقدر بنحو 21 ألف دونم[12].

وتظهر الإحصاءات الخاصة بصناعة الحجر في فلسطين “أن الكسارات الفلسطينية تنتج ما يقارب 15 مليون طن من الحصباء (الحجارة الصغيرة) في السنة، تقدر قيمتها بـ59 مليون دولار، بينما تنتج الكسارات الإسرائيلية غير الشرعية التي تعمل في المنطقة “ج” ما يقارب 15.5 مليون طن قدرت قيمتها بـ105 ملايين دولار. ويعود السبب في فارق السعر إلى أن نوعية الحصباء الناتجة من معظم الكسارات الفلسطينية يتم تدويرها من مخلفات المحاجر، في حين أن الحجارة يتم استخراجها من المحاجر في المناطق “ج” خصوصاً لتطحن في الكسارات[13].

مما سبق، وفي ظل توفر الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية للمناطق “ج”، يمكن القول إن هذه المناطق يمكن أن تشكل مفتاح التنمية الاقتصادية الفلسطينية مستقبلاً.

ثالثاً: الاستهداف الاقتصادي الإسرائيلي  للمناطق “ج” وتأثيره على الاقتصاد الفلسطيني

أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على حق الشعب الفلسطيني في السيادة على أرضه بما يشمل ثرواتها الطبيعية، وذلك بقرارها رقم A/69/475، الصادر بتاريخ 13/11/2014، الذي ينص على “السيادة الدائمة للشعب في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وللسكان العرب في الجولان السوري المحتل، على مواردهم الطبيعية”[14].

على الرغم من ذلك، ومن أن القانون الدولي يلزم إسرائيل كسلطة احتلال بعدم استغلال الموارد في المناطق المحتلة، إلا لغرض منفعة المواطنين المحليين وليس لصالحها كدولة احتلال أو لمنفعة سكانها، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بذلك، حيث عمدت على استغلال المناطق الواقعة تحت سيطرتها العسكرية ومواردها الطبيعية لصالح المستوطنين واقتصادها[15].

حاولت إسرائيل التنصل من الحق الفلسطيني باستغلال المناطق عبر بسط نفوذها وتنفيذها سياسة الأمر الواقع على هذه المناطق، حيث اعتبرت أن” 30% مــن المنطقة “ج” هي مناطــق “إطلاق نار” ومناطــق عسـكرية مغلقـة لأغراض التدريـب العسـكري، وغالبيـة هـذه المناطق موجـودة في غـور الأردن. وقامــت ســلطات الاحتلال بتخصيــص 14% مــن أراضي المنطقة “ج” كمحميــات طبيعيــة يمنــع فيهــا البنــاء، بالإضافة إلى 3.5% مــن أراضي المنطقة “ج” حـصـرت مــا بيــن جــدار الضــم والتوســع والخــط الأخضر، ويمنــع فيهــا البنــاء أو إقامــة المشاريع التطويريـة، عـدا عـن أعمـال مصـادرة الأراضي “للصالـح العـام” وتعريـف أراضٍ أخـرى علــى أنهــا أراضٍ بور[16].

لتنفيذ سياساتها الهادفة إلى تفتيت المناطق “ج” وإحكام السيطرة عليها، اتخذت إسرائيل مجموعة من الوسائل والأدوات، منها “تكثيف النشاط الاستيطاني، وجدار الضم والتوسع، وشق الطرق الالتفافية، وهدم المنازل، والإخلاء القسري خاصة للتجمعات البدوية، وإنشاء مناطق التماس ونقاط التفتيش، وتقييد البناء والتخطيط، وتحويل مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية إلى مناطق عسكرية مغلقة أو محميات طبيعية، بالإضافة إلى انتزاع الأراضي من أصحابها لتحويلها إلى أراضٍ زراعية تابعة للمستوطنات والمناطق الصناعية”[17].

وقامت السياسة الإسرائيلية على فرض قيود على حرية حركة البضائع والأفراد داخل المناطق “ج”، ما أعاق إمكانية استغلال الأرض والاستثمار فيها، بالإضافة إلى عدم قدرة الفلسطينيين على الاستفادة من الموارد والمصادر الطبيعية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن النمو الناتج في بعض القطاعات نتيجة إلغاء القيود المفروضة يمكن أن يزيد القيمة المضافة المحتملة للاقتصاد الفلسطيني بـ3.4 مليار دولار. وبالتالي، فإن فهم وتحديد تأثير السياسات الاقتصادية الإسرائيلية في المناطق “ج” والخسائر التي تلحق بالاقتصاد الفلسطيني جراء هذه السياسات، تستوجب النظر في بعض الموارد الطبيعية التي تسيطر عليها إسرائيل داخل هذه المناطق.

الموارد الزراعية:

يعد القطاع الزراعي واحداً من القطاعات الاقتصادية المستهدفة في المناطق “ج”، حيث  يتركز الاستغلال الاستيطاني الإسرائيلي لمناطق (ج) في غور الأردن، والجزء الشمالي من البحر الميت، إذ تسيطر المستوطنات على 85% من مساحة هذه الأراضي، وهي أخصب أراضي الضفة، حيث وفرة المياه والمناخ يوفران الظروف المثلى لازدهار الزراعة، ما يجعلها تنتج ما نسبته 40% من صادرات التمور “من إسرائيل”[18].

وتنتهك سياسات التنظيم والتخطيط التمييزية لدولة الاحتلال في المنطقة “ج” جملةً من الحقوق التي يحميها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي يقوم عليها الحق في التنمية، وذلك من خلال عدم السماح للمزارعين الفلسطينيين والمستثمرين أيضاً باستخدام الأرض والعمل فيها والانتفاع منها، وهو العنصر الأساسي للتنمية، بضمان الانتفاع من الأرض واستخدامها كعامل أساسي لازم لضمان التمتع بعدد من حقوق الإنسان، بما فيها الحق في العمل للفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة “ج” التي هي أساساً مجتمع زراعي يعتمد بشكل رئيسي على الأرض، وعليه فإن مصادرة الأرض أو تقييد الوصول إليها، وإجراءات دولة الاحتلال وسياساتها التمييزية في المنطقة “ج”، تعرقل بشكل خطر قدرة الفلسطينيين على  العمل وكسب لقمة عيشهم اعتماداً على أراضيهم الزراعية[19].

ووفق مؤشرات البنك الدولي في تقرير للعام (2013)، فإن توفير إمكانية الوصول إلى مساحات إضافية من الأراضي والغابات، يمكن أن يضيف إلى الاقتصاد الفلسطيني ما يعادل 704 ملايين دولار من القيمة المضافة، أي ما يعادل 7% من إجمالي الناتج المحلي.

في المناطق “ج”، تسيطر المستوطنات على 85% من المياه الجوفيّة الفلسطينية، ويستهدف كلٌّ من الجدار والتوسع الاستيطاني، السيطرة على المياه الجوفية والينابيع أيضاً. كما تقيّد سيطرة دولة الاحتلال على مصادر المياه في الضفة الغربية، تطوير الزراعة الفلسطينية فيها.

الموارد الطبيعية والثروات المعدنية:

تواصل إسرائيل سياستها الهادفة إلى تقويض فرص التنمية في المناطق “ج” وذلك من خلال سيطرتها على الموارد الطبيعية والثروات المعدنية في هذه المناطق، حيث لا يسمح باستغلال هذه الموارد إلا للشركات الإسرائيلية، وعليه يقدر عائد الشركات الإسرائيلية السنوي من استغلال موارد حجارة البناء على سبيل المثال بـ900 مليون دولار، سنوياً[20].

بحسب تقديرات اتحاد الحجر والرخام الفلسطيني، فإن غالبية المناطق ذات الاحتياطي العالي من الصخور الطبيعية والملائمة لفتح محاجر بها تقع في منطقة “C” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة[21].

ويفرض الاحتلال الإسرائيلي مجموعة من التحديات على موارد حجارة البناء وصناعتها، فبالإضافة إلى استغلال موارد الحجر الطبيعية من قبل الشركات الإسرائيلية، لم تقم سلطات الحكم العسكري الإسرائيلي بإعطاء تصاريح جديدة للمستثمرين الفلسطينيين في منطقة “ج” لإقامة كسارات أو محاجر[22]. وعليه، فإن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن إلغاء القيود على صناعة الحجر سيمكن هذه الصناعة من مضاعفة حجمها، بما يزيد من القيمة المضافة، إذ إننا نفقد 216 مليون دولار سنوياً، ويضيف2 % إلى إجمالي الناتج المحلي.

وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ احتلالها لمنطقة البحر الميت عام 1967 قوانين وإجراءات صارمة تمنع الفلسطينيين من استثمار الموارد الطبيعية للبحر الميت، كما تمنعهم من الوصول إلى هذه المنطقة، فقد “أقامت إسرائيل في منطقة غور الأردن قرابة 19 مستوطنة، ست منها أقيمت في (منطقة) البحر الميت”[23]، علاوة على ذلك، سمح للشركات الإسرائيلية بالاستثمار في الموارد الطبيعية في المنطقة.

وعليه، تستمر خسائر الاقتصاد الفلسطيني نتيجة عدم تمكن الفلسطينيين من استغلال الثروات المعدنية الموجودة في منطقة البحر الميت، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنه لو سمح للفلسطينيين باستغلال مواردهم الطبيعية في معادن البحر الميت وحدها، لجنوا دخلاً سنويّاً يقدر بـ918 مليون دولار، أي ما يعادل 9% من إجمالي الناتج المحلي.

وخلصت دراسة أجراها الباحث محمود أبو شنب بعنوان “خيار الاعتماد على الطاقة المتجددة في تنمية الاقتصاد الفلسطيني واستقلالية قطاع الطاقة: دراسة حالة بلدية أريحا”، إلى أن سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المناطق “ج” تشكل تحدياً من التحديات التي تواجه قطاع الطاقة المتجددة، وذلك لعدم وجود مساحات كبيرة وكافية لاستثمارها في مجال توليد الطاقة المتجددة[24].

القطاع السياحي:

تشكل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المنطقة “ج” التي تحظى بتنوع التراث الثقافي الديني والحضاري، بالإضافة إلى التنوع البيئي والمظاهر الطبيعية المميزة، خاصة في منطقة البحر الميت، عائقا أمام الاستثمار الفلسطيني في القطاع السياحي.

ويرى حمدان طه الوكيل المساعد في وزارة السياحة والآثار أن “التحدي الأبرز في مناطق “ج” يتمثل في استغلال إسرائيل لهذا الاحتلال في السيطرة المباشرة على الموارد السياحية والتراثية في هذه المناطق، التي تزيد على 4 آلاف موقع ومعلم أثري وتراثي، يقع جزء منها داخل المناطق العازلة بين جدار الفصل العنصري والخط الأخضر، ويجري إلحاق هذه الموارد السياحية بالمستوطنات الإسرائيلية”[25].

وتقدر هيئة تشجيع الاستثمار الفلسطينية مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي بـ(2.5%) حاليّاً[26]، لكن في حال تم إلغاء القيود المفروضة على المناطق “ج”، سيتمكن المستثمرون الفلسطينيون من إقامة صناعة فندقية بمنطقة البحر الميت تعادل ما لدى إسرائيل، وهو ما سينتج قيمة مضافة تصل إلى نحو 162 مليون دولار سنويّاً، أي ما يعادل 1% من إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني[27].

قطاع الاتصالات:

فرضت إسرائيل قيوداً على بناء الشبكات الفلسطينية ومحطات التقوية في المناطق “ج”، تحول دون إنشاء أبراج خدمات الهاتف المحمول وتعرقل تمديد الكوابل الأرضية لخدمة الإنترنت، وبالتالي فإن إلغاء القيود المفروضة على هذا القطاع من الممكن أن يضيف 48 مليون دولار من القيمة المضافة للقطاع.

بالاستناد إلى المعطيات والمؤشرات في الموارد والقطاعات الاقتصادية أعلاه، كانت تقديرات البنك الدولي أن السيطرة الإسرائيلية والقيود المفروضة على المناطق “ج” “تكلف الاقتصاد الفلسطيني حوالي 3.4 مليار دولار سنويّاً”.

وأشارت وزيرة الاقتصاد الوطني في الحكومة السابعة عشرة عبير عودة خلال مشاركتها في مؤتمر “الصمود في مواجهة الاحتلال”[28] إلى أن الأنشطة الاقتصادية في المناطق “ج” قادرة على توليد 800 مليون دولار من الإيرادات الضريبية، وهذا يعادل نصف ديون الحكومة الفلسطينية”[29].

رابعاً: السياسة الاقتصادية الفلسطينية في المناطق “ج”

قامت الحكومات الفلسطينية المتعاقبة بوضع العديد من الخطط التنموية على مدار السنوات الماضية، بدءاً بالبرنامج الإنمائي للاقتصاد الوطني الفلسطيني 1994-2000، تلتها خطة التنمية الفلسطينية 1998-2000، وخطة التنمية الفلسطينية 1999-2003،  وخطة التنمية متوسطة المدى 2005-2007، وخطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية 2008-2010، وخطة التنمية الوطنية الفلسطينية 2011–2013، وخطة التنمية الوطنية للأعوام 2014–2016، وأخيرا أجندة السياسات الوطنية  للأعوام 2017-2022 “المواطن أولاً”[30].

لقد شكلت خطة التنمية للأعوام 2014-2016 وأجندة السياسات الوطنية للأعوام 2017-2022، مرحلة جديدة بالاهتمام الحكومي بالمناطق “ج”، في حين لم تكن خطط الحكومات قبل ذلك لتمنح اهتماماً خاصّاً وأولوية للمناطق “ج” الأكثر تضرراً بسياسات الاحتلال على مر السنوات[31].

خطة التنمية (2014 -2016)

تمحورت خطﺔ اﻟتنمية اﻟوطنية للأعوام (2014-2016) التي أعدتها وزارة التخطيط والتنمية الإدارية[32]، على أربعة قطاعات رئيسية هي: ﻗطﺎع التنمية الاقتصادية والتشغيل، وﻗطﺎع الحكم الرشيد وبناء المؤسسات، وﻗطﺎع الحماية والتنمية الاجتماعية، وﻗطﺎع البنية التحتية.

واعتبرت الخطة أن توسيع السيادة الفلسطينية وترسيخها على جميع الأرض والموارد الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وخاصة المناطق المصنفة “ج” والقدس الشرقية، في مقدمة أولويات العمل في المرحلة القادمة، حيث أكدت الأجندة على ضرورة تكثيف العمل من أجل إنعاش هذه المناطق اقتصاديّاً، وخلق حالة من الترابط الاقتصادي فيها من خلال التعامل معها كوحدة إقليمية واقتصادية واحدة.

وعملت الحكومة ضمن سياساتها وتوجهاتها الاقتصادية الهادفة لتعزيز وتشجيع الاستثمار في المناطق المصنفة “ج” على توفير التسهيلات اللازمة لتحقيق ذلك. وأولى قانون تشجيع الاستثمار المعدل لسنة 2014، اهتماماً خاصّاً بالمشاريع التي تستثمر في المناطق المصنفة “ج” والمناطق المهددة بالمصادرة.

استكمالاً لرؤية الحكومة بتعزيز الصمود والمقاومة للفلسطينيين القاطنين في المناطق “ج”، من خلال التعامل مع احتياجاتها التنموية المُلحّة، تم إعداد الإطار الوطني الإستراتيجي للسياسات والتدخلات الإنمائية في المناطق المسماة “ج” (2014-2016)، بهدف إعداد منظومة من التدخلات البرامجية التنموية المتكاملة للمناطق “ج”.

أجندة السياسات الوطنية للأعوام 2017-2022:

 تعبر الخطط التنموية والسياسات الوطنية عن رؤية الحكومة للمرحلة القادمة، بالإضافة إلى أنها النهج والمرجعية الخاصة بالإجراءات المتعلقة بمبدأ عملها، فأجنـدة السياسـات الوطنيـة للأعوام 2022-2017 “المواطن أولاً”، والإستراتيجيات القطاعيــة وعبــر القطاعيــة، تشكل خطــة التنميــة الوطنيــة الرابعــة التــي تعدهــا دولــة فلسطين وتصدرهـا منـذ العـام 2008. ويشـير عنـوان هـذه الخطة إلى التـزام الخطة وتأكيدهـا علـى وضـع خدمـة المواطن الفلسـطيني في جوهرهـا[33].

واعتبرت أجندة السياسات الوطنية “المواطن أولاً” أن تجسيد الدولة المستقلة وإنهاء الاحتلال أولوية وطنية أولى، وعليه، فقد رأت أنه وكجزء من تكريس مفهوم السيادة، لا بد من تدخلات سياساتية لبســط الســيادة علــى كامــل أرض دولــة فلسطين علــى حــدود العــام 1967، بما في ذلــك القــدس الشــرقية، وعلــى مواردهــا الطبيعيــة وحدودهــا البريــة والجوية والبحريــة، ووضــع الركائــز القانونيــة لتجســيد هــذه الســيادة.

ورأت الحكومة في أجندتها أنه علــى الرغــم مــن الممارسات الاستعمارية ومشــاريع الاستيطان في المنطقة المسماة “ج”، يجــب مســاندة التجمعــات الريفيــة والمهمشــة، والعمــل علــى استصلاح الأراضي الزراعيـة وإنعـاش القطـاع الزراعـي الـذي يتميز بازدهـاره في الماضي وأن يتـم العمـل علـى حمايـة التـراث الثقافي الفلسـطيني، إلى جانـب تطويـر قطـاع السـياحة والصناعـات المرتبطة بـه.

ولتحقيق المتابعة ولتعزيز الدعم والاستثمار في المناطق المسماة “ج”، تم في شهر حزيران عام 2016، تأسيس المكتب الوطني التنسيقي للمناطق “ج”، التابع لرئاسة الوزراء الفلسطينية، بهدف زيادة العمل مع الأطراف الدولية، ومساعدتهم في تنسيق البرامج الدولية، والتنسيق الحكومي الداخلي، تحديداً بالعمل بصورة مباشرة مع المؤسسات والوزارات، من أجل ضمان الاستجابة وتبادل المعلومات والبيانات الخاصة بالمنطقة “ج”، وأيضاً متابعة المشاريع على الأرض، سواء كانت وطنية أو دولية[34].

ويعمل المكتب الوطني التنسيقي تحت مظلة اللجنتين الوزارية والفنية الخاصتين بدعم الصمود والتنمية في مناطق “ج” والقدس الشرقية، من خلال التخطيط والتنسيق وحشد الدعم الدولي للفلسطينيين في تلك المناطق وحماية الأرض الفلسطينية والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية في تلك المناطق. وبالتالي، فإن المكتب الوطني يمثل جهود واهتمام الحكومة والوزارات ذات العلاقة بدعم المناطق “ج”.

الإطار الإستراتيجي وبرنامج العمل التنموي للمناطق “ج” 2018-2019[35]

يضع الإطار الإستراتيجي القضايا والتحديات التنموية والأولويات الوطنية والقطاعية الخاصة بالمنطقة المسماة “ج” في إطار موحد، كما يضم الإطار كافة السياسات والتدخلات الواردة في أجندة السياسات الوطنية والإستراتيجيات القطاعية المختلفة، وتنفيذ تلك السياسات والتدخلات الخاصة بالمنطقة المسماة “ج” من خلال ترتيبات مؤسسية تنظم عمل كافة الشركاء الحكوميين وغير الحكوميين والشركاء الدوليين، ووضع خطة تنفيذية لذلك.

وتتمثل الأولويات التي اعتمدها الإطار زيادة عدد وتطوير الهيئات المحلية فيها، وتوسيع صلاحياتها لتعزيز استجابتها لاحتياجات المواطنين، وإدماج هذه المناطق في التنمية المستدامة.

وفق الإطار الإستراتيجي، شكل إدماج المنطقة المسماة “ج” في التنمية الاقتصادية “عن طريق بناء اقتصادنا الوطني المستقل، أولوية من أولويات التنمية المستدامة، حيث ستعتمد الإستراتيجية في المنطقة المسماة “ج” في المجال الاقتصادي، على تطوير البنية التحتية التي تحدد الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتعزيز بناء قاعدة إنتاجية في المنطقة ترتبط بالمقومات والموارد المتوفرة فيها، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي المباشر فيها، بالتركيز على قطاعات الزراعة، والطاقة، والإنشاءات، والصناعة، والسياحة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ومن خلال توفير البيئة الاستثمارية الملائمة، وبالتركيز على الاحتياجات الاستثمارية الملحة والآنية للمنطقة المسماة “ج”، مع ارتباطها برؤية اقتصادية وطنية عامة”[36].

ووضعت الإستراتيجية فيما يتعلق بالاندماج الاقتصادي للمناطق “ج” مجموعة من السياسات والتدخلات، منها[37]:

  • إنشاء صندوق خاص لتعويض المستثمرين في المناطق “ج” المتضررين من إجراءات الاستعمار الإسرائيلي.
  • اعتماد سياسات تحفيز ضريبي للاستثمار في المنطقة المسماة “ج”.
  • توفير الدعم الفني والتقني للمؤسسات الاقتصادية في المنطقة المسماة “ج”.
  • مد الطرق وتوصيل الكهرباء والمياه بين التجمعات والقرى والمدن وللأراضي المخصصة للاستثمار والبناء في التجمعات السكانية في المنطقة المسماة “ج”.
  • تطوير المناطق السياحية.
  • تطوير المدن الصناعية الحالية وإنشاء مناطق صناعية جديدة.
  • تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع تهريب منتجات المستوطنات.
  • إنشاء بيئة تطوير أريحا والأغوار لتعزيز الجهود في هذه المنطقة ذات الأولوية الإستراتيجية.

 وشكلت الزراعة المجال الثاني في مجالات تعزيز التنمية الاقتصادية في المناطق “ج”، حيث تضمن الإطار الإستراتيجي مجموعة من السياسات الهادفة لتطوير القطاع الزراعي وتمكين المزارعين في المنطقة “ج”.

ويمثل الإطار الإستراتيجي وبرنامج العمل التنموي للمناطق المسماة “ج” 2018-2019، جهداً حكوميّاً مركزاً يستهدف المناطق “ج” بشكل خاص، كون هذا الإطار قدم رؤية شاملة لتحقيق التنمية المستدامة في المناطق “ج”، وبما يشمل تحقيق تنمية اقتصادية، على الرغم من إقرار الإطار بوجود الاحتلال كمعيق أساسي وتحدٍّ رئيسي يواجه تنمية المناطق “ج”.

الإستراتيجية القطاعية لتنمية الاقتصاد الوطني (2017 – 2022)

تبنت وزارة الاقتصاد الوطني من خلال سياساتها الوطنية المعتمدة في الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية 2014-2016، والإستراتيجيات الوطنية السابقة عدة سياسات وطنية تهدف إلى رفع المستوى الاقتصادي في الوطن وتعزيز الاستخدام الأَمثل للموارد المتاحة في ظل الأَزمات الاقتصادية والسياسية التي تواجه فلسطين، واستمراراً لهذه السياسات، قامت الوزارة بإعداد الإستراتيجية القطاعية لتنمية الاقتصاد الوطني، ووضعت الوزارة رؤيتها المستقبلية للقطاع الاقتصادي بحيث يتم الانتقال إلى اقتصاد منتج يتمتع بالاستقلال قادر على الصمود والمنافسة وجذب الاستثمارات لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة”[38].

وشكل الاحتلال في الإستراتيجية القطاعية لوزارة الاقتصاد الوطني المعيق الأساسي للتنمية الاقتصادية، لا سيما في المناطق “ج”، حيث أشارت الإستراتيجية إلى أن هناك خسائر اقتصادية نتيجة عدم استغلاله والسيطرة على الموارد الاقتصادية في المناطق المصنفة “ج” التي تشكل غالبية أراضي الضفة الغربية.

وضمن إستراتيجيتها القطاعية لتنمية الاقتصاد الوطني، لم تخصص الوزارة بنداً خاصاً للتنمية الاقتصادية في المناطق “ج”، فقد تم استهدافها ضمن سياسات الوزارة وعبر تدخلاتها في قطاعات اقتصادية محددة، على سبيل المثال، وفي مجال التنمية الصناعية والتجارية لوزارة الاقتصاد الوطني، أشارت الإستراتيجية إلى دعم وتطوير المنشآت الصناعية والموارد الطبيعية في المناطق المسماة “ج”، كما تضمنت الإستراتيجية قطاع المنشآت الصناعية والحرفية في القدس الشرقية.

خامساً: الإنجازات الاقتصادية في المناطق “ج”.. ماذا بعد؟

تحظى السياسة الاقتصادية الحكومية للمناطق “ج” باهتمام بالغ لدى صانعي القرار والباحثين والمهتمين في التنمية الاقتصادية المحلية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى الإمكانات والموارد الموجودة في هذه المناطق التي، بحسب تقديرات البنك الدولي، تشكل مفتاح التنمية.

وأوصى الكاتب حازم الشنار في كتابه “أزمة الاقتصاد الفلسطيني والتدخلات الممكنة” بضرورة تشكيل هيئة وطنية لتنمية الأغوار ولإنقاذ المنطقة “ج”، تكون تحت مظلة رئاسة الوزراء أو وزارة التخطيط، ويتبعها صندوق مخصص لتمويل المشاريع يدار بإشراف وزارة المالية، كما طالب الكاتب بضرورة تحفيز القطاع الخاص واستثمارات القطاع العام لمواجهة التدهور الاقتصادي الحالي، ودعا الشنار إلى رعاية وتحفيز المشاريع الصناعية والمناطق الصناعية والحرفية، وتأهيل المنشآت الإنتاجية والخدمية، ورعاية وتوفير خدمات الإرشاد والتدريب للمشاريع الزراعية، بالإضافة إلى رعاية المشاريع السياحية والأماكن الأثرية والتاريخية في المناطق “ج”، وذلك كجزء من إستراتيجية تنموية مقترحة للمنطقة “ج”[39].

وبين د. محمد اشتية مؤلف كتاب “فلسطين من منظور تنموي جديد” أن تحقيق التنمية المتوازنة في فلسطين يكون بالتركيز على التنمية المناطقية وخاصة في الأغوار الفلسطينية[40]، حيث ركز الكاتب على مفهوم التنمية “بالعناقيد”، وهو يعني التركيز الجغرافي لشركات ومؤسسات تعمل في مجالات مترابطة ومتداخلة ومن نوع محدد من الصناعة. ويكون عملها مكملاً بعضها لبعض.

الخبير الاقتصادي بكر اشتية بين في مقابلة أجراها الصحفي كايد ميعاري لموقع “بوابة اقتصاد فلسطين” أن الأهمية الإستراتيجية لأراضي “ج” تتطلب سياسات اقتصادية وتنموية خاصة، تراعي الواقع القانوني والجغرافي والسياسي الاستثنائي، وأن المطلوب هو سياسات اقتصادية (مالية ونقدية) تركز على القطاعات الإنتاجية وخاصة الزراعة، ويجب توافر ثلاثة عناصر أساسية تحقق التمكين الاقتصادي للمواطنين في أراضي “ج” وتوقف النزيف الحاصل، وتتمثل بشركات تسويق زراعي، وجهة أو صندوق تأمين زراعي، وتسهيلات بنكية”[41].

مقابل تلك المطالبات، جاءت الخطط والإستراتجيات التنموية الحكومية لتعزز الوجود الفلسطيني داخل المناطق “ج”، من خلال تدخلات سياساتية وإجراءات حاولت تنفيذها على أرض الواقع.

وأشار تقرير إنجازات حكومة الوفاق (الحكومة السابعة عشرة) إلى إطلاق منحة لبرنامج دعم صمود وتنمية المواطنين في المناطق المسماة “ج” والقدس الشرقية بقيمة 7 ملايين دولار، من خلال برامج التمكين الاقتصادي، وإمكانية التوظيف والتعليم، والسكن، والسياحة، والأنشطة الثقافية، واستهداف الشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة. كما تمت المصادقة على الإطار الإستراتيجي للمناطق المسماة “ج”[42].

ونفذت الحكومة برامج دعم صمود المواطنين في المناطق المسماة “ج”، من خلال تقديم الدعم الاقتصادي والمعيشي، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، بما فيها بناء المدارس، والمباني العامة، وشق الطرق، وشبكات المياه والكهرباء، وتقديم الخدمات الأساسية والاجتماعية للمواطنين، بالإضافة إلى العمل على تنفيذ مشروع تطوير المناطق “ج”، الممول من الاتحاد الأوروبي ومن خلال صندوق تطوير وإقراض البلديات، بقيمة 8.7 مليون يورو، حيث تم تنفيذ 38 مشروعاً لتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وتحسين البنية التحتية ودعم الخدمات الأساسية وتنفيذ مشاريع ذات بعد تنموي اجتماعي في تلك المناطق[43].

على الرغم من ذلك، ورغم أن المشاريع المنفذة تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية وتوفير البنية التحتية للمواطنين في المناطق “ج”، فإن الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والاستثمار في مناطق “ج” ما زالت غير متاحة، وما زالت القيود الإسرائيلية تحول دون إقامة مشاريع استثمارية في المناطق “ج”، باستثناء تلك المشاريع التي يتم تنفيذها بموافقة إسرائيلية كمشروع مدينة ترقوميا الصناعية[44]، التي ستقام على أراضٍ تصنف “ج”، الأمر الذي سيؤدي لزيادة الأراضي المسموح زراعتها أو تطويرها، التي تقع بجانب المنطقة الصناعية.

الخاتمة

تشكل المناطق الفلسطينية الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية والمسماة “ج” أغلب الأرض الزراعية في الضفة الغربية، كما تحتوي على مخزون الموارد الطبيعية كالمياه والطاقة والمعادن والمراعي، بالإضافة إلى وجود العديد من الأماكن السياحية والأثرية فيها، كالبحر الميت وغيره.

وتهدف السياسة الإسرائيلية في المناطق “ج”، إلى تفتيت المناطق “ج” وإحكام السيطرة عليها، واتخذت إسرائيل مجموعة من الوسائل والأدوات، منها “تكثيف النشاط الاستيطاني، وجدار الضم والتوسع، وشق الطرق الالتفافية، وهدم المنازل، والإخلاء القسري خاصة للتجمعات البدوية، وإنشاء مناطق التماس ونقاط التفتيش، وتقييد البناء والتخطيط، وتحويل مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية إلى مناطق عسكرية مغلقة أو محميات طبيعية، بالإضافة إلى انتزاع الأراضي من أصحابها لتحويلها إلى أراضٍ زراعية تابعة للمستوطنات والمناطق الصناعية.

وتعتبر السياسات الإسرائيلية المعيق الأساسي في عملية التنمية المستدامة في فلسطين، كما تعد المسبب الأكبر للتشوهات البنيوية في الاقتصاد الفلسطيني، نظراً لسياستها القائمة على فرض القيود والحد من القدرة على ممارسة أنشطة الأعمال خاصة في المناطق “ج”.

مقابل تلك السياسات، قامت الحكومات الفلسطينية المتعاقبة بوضع العديد من الخطط التنموية لهذه المناطق، وشكلت خطة التنمية للأعوام 2014-2016، وأجندة السياسات الوطنية 2017-2022، نقطة تحول في الاهتمام الحكومي في المناطق “ج”، حيث تضمنت هذه الخطط دعم الحكومة لتعزيز صمود المواطن في المناطق “ج”.

وعبرت التدخلات السياساتية الحكومية التي تضمنها الإطار الإستراتيجي وبرنامج العمل التنموي للمناطق “ج” 2018-2019، عن الرغبة في تحقيق تنمية مستدامة في المناطق “ج”، لا سيما تحقيق تنمية اقتصادية، الأمر الذي يحتم على الحكومة العمل على تطبيق هذه التدخلات، فعلى الرغم من الإنجازات التي حققتها السياسات الرسمية في تنفيذ العديد من المشاريع الاقتصادية في هذه المناطق، إلا أن هناك بعض البنود التي تحتاج إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع، كإنشاء صندوق خاص لتعويض المستثمرين في المناطق “ج” المتضررين من إجراءات الاستعمار الإسرائيلي، واعتماد سياسات تحفيز ضريبي للاستثمار في المنطقة المسماة “ج”، بالإضافة إلى ضرورة الضغط على إسرائيل من أجل تمكين المستثمرين الفلسطينيين من تنفيذ مشاريع تساهم في زيادة الدخل القومي الفلسطيني.

الهوامش

[1]  قسمت الضفة الغربية بحسب اتفاق أوسلو (2) الذي جرى توقيعه عام 1995 في مدينة طابا المصرية، إلى ثلاثة أنماط من المناطق وكان يُفترض أن يسرى ذلك التقسيم لمدّة خمس سنوات فقط على النحو التالي: المناطق التي كان يشغل معظمها العمران الفلسطيني عند توقيع الاتفاق وفيها سكن وما زال يسكن معظم السكّان الفلسطينيين وقد صُنّفت كمناطق A وB. بقيّة أراضي الضفة الغربية أي ما نسبته 61% من مجمل مساحتها جرى تصنيفها كمناطق C، وهي منطقة متّصلة جغرافيًّا أبقتها إسرائيل تحت سيطرتها في مجال الأمن وجميع المجالات المدنية المتعلّقة بالأراضي، بما في ذلك التخطيط والبناء ومرافق البنى التحتيّة والتطوير.

[2] تقرير البنك الدولي حول الضفة الغربية وقطاع غزة، والمنطقة “ج” ومستقبل الاقتصاد الفلسطيني. البنك الدولي. أكتوبر 2013. ص5

http://www.worldbank.org/content/dam/Worldbank/document/MNA/WestBank_Arabic_executive_summary_area_C_sept13_final.pdf

[3]  الإستراتيجية القطاعية لتنمية الاقتصاد الوطني (2017-2022)، وزارة الاقتصاد الوطني، تموز 2017، ص26.

[4]  الموقع الرسمي لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا). البناء في المناطق المصنفة (C) حسب اتفاق أوسلو. تاريخ الدخول 29-5-2019 http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=5178

 [5] إستراتيجية الحشد والمناصرة للمنطقة المسماة “ج” في فلسطين (2016-2018). وزارة الحكم المحلي (2016) ص 4

https://unhabitat.org/wp-content/uploads/2016/12/National-Advocacy-Strategy-for-Planning-and-Development-in-Area-C-of-the-West-Bank.pdf

[6] National Strategic Framework for Development Policies and Interventions in Area C (2014 – 2016). Ministry of Planning and Administrative Development, 2014.

تاريخ الدخول 7-4-2019.

 http://www.lacs.ps/documentsShow.aspx?ATT_ID=21825

[7]  إستراتيجية الحشد والمناصرة للمنطقة المسماة “ج”، ص 4.

[8]  تقرير البنك الدولي حول الضفة الغربية وقطاع غزة المنطقة ج، ص 1.

[9]  إستراتيجية الحشد والمناصرة للمنطقة المسماة “ج”، ص 5.

[10]  تقرير البنك الدولي 2013، ص3.

[11]  وليد مصطفى. الموارد الطبيعية في فلسطين.. محددات الاستغلال وآليات تعظيم الاستفادة (رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني، 2016)، ص26.

[12]  تقرير البنك الدولي 2013، ص3.

[13]  مصطفى، الموارد الطبيعية في فلسطين، 33.

[14]  المصدر السابق، ص110.

[15]  المصدر السابق.

[16]  حمد، عائشة. “السياسات الإسرائيلية في المناطق المصنفة “ج”.. معيقات التنمية فيها وتدخلات الحكومة لفلسطينية في مواجهتها “خطط وتحديات”. رام الله: سلسلة تقارير خاصة رقم (٨٥)، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، 2016 ص16.

[17]  المصدر السابق، ص11.

[18]  ريما شبيطة. نحو سياسات لتعزيز التنمية في المناطق “ج”، ورقة تحليل سياسات. رام الله، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية “مسارات”، 8 أيار 2018. ص11

. https://www.masarat.ps/files/content_files/thlyl_lsyst_-_ltnmy_fy_mntq_j_-_rym_shbt.pdf

[19]  السياسات الإسرائيلية في المناطق المصنفة “ج”، ص17.

[20]  مصطفى، الموارد الطبيعية، ص 34.

[21]  معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ماس. ورقة خلفية جلسة طاولة مستديرة حول واقع صناعة الحجر والرخام في فلسطين المشاكل – التحديات – التدخلات المطلوبة، ديسمبر 2018. ص3 .

[22]  المصدر السابق.

[23]  معهد ماس، واقع صناعة الحجر، ص44.

[24]  محمود أبو شنب، “خيار الاعتماد على الطاقة المتجددة في تنمية الاقتصاد الفلسطيني واستقلالية قطاع الطاقة: دراسة حالة بلدية أريحا”، مجلة سياسات، العدد 44، 2018. ص121.

[25]  حسناء الرنتيسي. موقع الاقتصادي. قطاع السياحة.. هزيمة جديدة في مناطق “ج”. تاريخ النشر 2015-03-04  تاريخ الدخول 9-4-2019. http://www.aliqtisadi.ps/article/684/-%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D9%87%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%A9-

[26]  موقع هيئة تشجيع الاستثمار تاريخ الدخول 9-4-2019

http://www.pipa.ps/ar_page.php?id=1aeb09y1764105Y1aeb09

[27]  تقرير البنك الدولي 2013، ص4.

[28]  مؤتمر عقد في العاصمة الأردنية عمان، بتاريخ 24/11/2016.

[29]  وكالة معاً الإخبارية، وزيرة الاقتصاد تستعرض تحديات الاقتصاد في مؤتمر بعمان، تاريخ النشر 24-11-2016. تاريخ الدخول 9-4-2919 . http://maannews.net/Content.aspx?id=878327

[30]  حمد، السياسة الإسرائيلية، ص39.

[31]  المصدر السابق، ص40.

[32]  تم دمج وزارة التخطيط مع وزارة المالية بتاريخ 19-9-2015، قرار رقم 15 لعام 2015

http://muqtafi.birzeit.edu/pg/getleg.asp?id=16743

[33]  أجندة السياسات الوطنية “المواطن أولاً” للأعوام (2017-2022) 2017، ص8.

[34] موقع 24 اف ام، مقابلة أجراها الصحفي إيهاب الجريري مع مروان درزي مدير المكتب الوطني التنسيقي للمناطق “ج”، التنسيق الوطني للمناطق المسماة “ج”… التحديات والإمكانات، 2017-3-6 تاريخ النشر، تاريخ الدخول 11-4-2019 http://www.24fm.ps/ar/news/1488797889

[35] هي خطة تم إعدادها من قبل المكتب الوطني التنسيقي للمناطق المسماة “ج” تقدم تدخلات وسياسات الحكومة في هذه المناطق. وهي وثيقة غير منشورة، تم اعتمادها من قبل مجلس الوزراء الفلسطيني.

[36]  الإطار الإستراتيجي وبرنامج العمل التنموي للمناطق المسماة “ج” (2018-2019)، كانون الثاني 2018.

[37]  المصدر السابق، ص18.

[38] الإستراتيجية القطاعية لتنمية الاقتصاد الوطني (2017 – 2022). ص38.

[39] حازم الشنار، أزمة الاقتصاد الفلسطيني والتدخلات الممكنة (مجموعة مقالات 2013)، 106-107.

[40] محمد اشتية، فلسطين من منظور تنموي جديد (رام الله: المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار، 2018) ص72.

[41]  كايد ميعاري. بوابة اقتصاد فلسطين الاستيطان يلتهم مناطق “ج”. ومحاولات فلسطينية بإمكانات محدودة لإنقاذها. تاريخ النشر 19-9-2018، تاريخ الدخول 11-4-2019. https://www.palestineeconomy.ps/ar/Article/bf455by12535131Ybf455b

[42]  ملف إنجازات حكومة الوفاق الوطني، مكتب رئيس الوزراء تاريخ الدخول 12-4-2019، ص3

http://www.palestinecabinet.gov.ps/WebSite/Upload/Documents/Achv.%20Report%20A5.pdf

[43]  المصدر السابق.

[44]  سيتم تطوير وتشغيل هذا المشروع بالتعاون ما بين الهيئة العامة للمدن والمناطق الصناعية الحرة وصندوق الاستثمار الفلسطيني بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (08/17/160/م.و/ر.ح) https://www.piefza.ps  الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للمدن الصناعية والمناطق الصناعية الحرة. تاريخ الدخول 26-4-2019.

للتحميل اضغط هنا