النكبة مصطلح يعني لغوياً “المصيبة أو الكارثة”، أما في الوضع الفلسطيني فقد عبرت عن هول الصدمة من الهزيمة العربية أمام العصابات الصهيونية عام 1948 وما تبعها من وقائع حددت مصير الشعب الفلسطيني، وأدت إلى انهيار واضح وتفكك في تركيبته الاجتماعية وفقدانه الهوية الخاصة، وذلك من خلال تهجير ما يقارب المليون لاجئ إلى الدول العربية والضفة الغربية وقطاع غزة، وتدمير 418 قرية فلسطينية وما رافقه من ارتكاب للمجازر الوحشية وعمليات القتل والترهيب من قبل العصابات الصهيونية.

فالنكبة في معناها البسيط والمباشر هي الاقتلاع والطرد ومن ثم الإحلال، وهي جريمة إنسانية بكامل المعاني والمعايير، ولأنها حدثت في التاريخ أي يمكن رصدها وتوثيقها، ولأنها حدثت دون ضجيج، وتم استيعابها واعتبارها جزءً من العقيدة الاستعمارية، فإن النكبة بهذا المعنى تحولت إلى قضية إنسانية وفُرّغت من معانيها الكارثية والأخلاقية، فأضحت في عرف المستعمر- على أنواعه- مشكلة جياع وعراة.

وقد برزت كلمة النكبة كرديف لضخامة تداعيات هزيمة حرب 48، وانتشرت كرمز ودلالة في الأدبيات والاعلام، باصطلاح أطلقه المؤرخ الفلسطيني قسنطين زريق في كتاب أصدره بعد أربعة أشهر من الهزيمة، بعنوان “معنى النكبة”، تحدث في مضمونه عن الحرب وآثارها المدمرة على المجتمع الفلسطين والشعوب العربية.

والنكبة كمصطلح لم تختص فقط بالوضع الفلسطيني عام 1948، إذ استخدم المصطلح تاريخياً إبان حكم العباسيين ومنع البرامكة بالقتل التشريد من السيطرة على بعض مقاليد الحكم، حيث ذكر التاريخ ما تسمى” نكبة البرامكة”، وكذلك الأمر أيام حكم محمد علي باشا وقتله لمجموعة من المماليك فيما عرف بـ”نكبة المماليك”، كما أن النكبة تتشابه في معناها الدرامي مرادفات تاريخية عديدة.

النكبة والتحولات الاجتماعية:

مع توالي السنوات على النكبة ووقوف المجتمع الدولي عاجزاً عن إعادة اللاجئين الفلسطينين لديارهم، ومواصلة تشردهم وإنكار حقوقهم، شهد مفهوم النكبة تحولاً على المستوى الاجتماعي، حيث يقول الدكتور المتوكل طه ” تحولت النكبة من الحديث عن جماعة ذات حقوق لا يمكن الانتقاص منها الى الحديث عن حقوق يمكن تنفيذ البعض منها، وهذا “الممكن” عادة ما يقل ويضيق مع الزمن”.

والنكبة الفلسطينية في جوهرها اشارة لسرعة انهيار المجتمع الفلسطيني تحت ضربات الهجوم العسكري الصهيوني ونزوح الشعب وتشتته في العالم العربي وسقوط المقاومة، في الوقت الذي رافق ضخامة الحدث غياب أدنى التوقعات العربية عن الهزيمة وما بعدها وقدرات الجيش والعصابات الصهيوينة الأقل عدداً والأكثر تنظيماً وقوة، والصدمة من إدراك عجز الدول العربية على التصدي للهجوم، واستبعاد انسحاب قوات الانتداب البريطاني من فلسطين بهذه السرعة وهذا التواطؤ.

وبذلك حملت النكبة معنى وقف التطور الطبيعي للشعب الفلسطيني ومن ثم تشويهه وتشريده، وتحويله من شعب مستقل وحرّ، إلى شعب من الملاحقين والجياع والمشوعين في منافيهم القريبة والبعيدة، فتحول في معظمه إلى أفراد بلا هويات وبلا روابط، ليصبحوا فجأة لاجئين وعليهم أن يطوروا مجتمعاً آخر في الهواء، وبني الفراغات، وبين الأنسجة، وتحت الخيام ويف الازدحام، ومن ثم في مدن الأحزمة الفقيرة.

ولا يمكن تطوير أو تطور مجتمع تحت الحصار وتحت الملاحقة وتحت الشبهة ودائرتها، فالنكبة فرضت على الشعب الفلسطني أن يبدأ من الصفر، وأن يعيد تشكيل ذاته في أماكن متعددة.

وإن دلّ  جانب من النكبة على اللوم واليأس من الجيوش العربية ومن كل ما هو عربي، إلا أنها لا تركز للهزيمة العربية فقط، لأن التاريخ العربي يعج بالهزائم وسقوط لامارات والدول العظمى، بل يرتكز مصطلح النكبة في أبعاده على الانهيار الاجتماعي، وتشرذم الشرائح الاجتماعية المهيمنة قبل النكبة، من أصحاب الأراضي والبيارات والعقارات والأملاك والعائلات الاقتصادية والضالعين في الأجهزة الإدارية أيام الانتداب، الذين إما هجروا من الساحل للداخل، أو إلى الدول العربية خارج فلسطين، ما أدى إلى تفكك نسيج المجتمع وتلاشي القوى المدافعة عنه ولو أنها لم تكن ذات صفة نظامية، إضافة إلأى هجرة الكثير من الكفاءات النوعية إلأى الدول العربية وتحديداً دول الخليج والأردن.

الأبعاد السياسية للنكبة:

النكبة كما يراها الدكتور المتوكل طه ” هي الخيانة في وقت وصفت فيه النخبة العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالمريضة، وهي وصمة عار على جبين العالم، ودليل انتفاء العدالة الأرضية، وفشل ما يسمى المجتمع الدولي والليبرالية الغربية في حل القضية لمدة تزيد على ستين عاماً”، فالجيوش العربية التي قاتلت في حرب 1948 كانت ضعيفة، وتنفذ سياسات متشككة ومتوجسة، وهي تعبير عن انقسام العالم العربي وتعدد اتجاهاته، ولهذا لم يكن من الغريب ألا يسقط من تلك الجيوش مجتمعة أكثر من 650 شهيداً.

وقد جرّت النكبة وراءها على الصعد السياسية ونتيجة لفرضها وقائع حدودية على الأرض، ضفة غربية تابعة للحكم الأدرني، وقطاعاً غزياً تابعاً للإدارة العسكرية المصرية، وهما معزولات تماماً عن بقية الأراضي الفلسطينية، حتى تم احتلالهما ما بعد هزيمة حزيران عام 1967، وصدور قرار 242 الأممي الذي يعبر في مصمونه عن أرض لدولتين، بحيث أصبحت الضفة وغزة السقف الجغرافي للمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية.

ومع إنشاء الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين ضارباً بعرض الحائط مأساة النكبة، فرضت وقائع جديدة على الأرض جرّت زراءها كوارث عديدة ملموسة أهمها: لجوء الشعب الفلسطيني إلى الدول العربية، وتحويله من شعب كان يقيم على أرضه إلى لاجئ، وفقدان الثقة بالنموذج العربي بعد هزيمته التي عرفت بالنكسة عام 1967، حيث شعر الفلسطيني بأنه وحده في هذه المعركة أمام شعوب عربية عاجزة عن استرجاع حقه.

فالنكبة بمعنى أو بآخر دليل عجز النظام العربي ودليل فشله وانقسامه وتفتته، فعندما تضيع فلسطين عادة تكون البلا العربية وجماهيرها في أسوأ الحالات، وإذا استبعدت فلسطين فمن البديهي أن ترافق ذلك تغيرات عمية تجري على مستوى النخبة والقاعدة.

وارتبط مفهوم النكبة سياساً بدرجة كبيرة بالنضال وحركة التحرر الوطني، والمسؤولية التي يتحملها أبناء الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وطرده وإعادة الأمور إلى نصابها. وفي هذا السياق يقوم الدكتور سليم تماري: “تنامت ما بعد النكبة النظرة الدونية للعروبة وجلد الذات من العرب أنفسهم، وبكائية على الأطلال دون السعي فلسطينياً وعربياً لمعاصرة الحداثة بالمعنى الحقيقي، أو محاولة استيعاب  الأجهزة القتالية الحديثة، أو الرؤى القومية أو العصرية بشكل يجعل الأمة العربية تقف أمام الحركة الصهيونية”.

كما استندت بعض الأحزاب والقوى العربية في خطابها السياسي ضمن طروحاتها الاشتراكية التوحيدية إلى شعارات تحرير فلسطين، والربط بين إسرائيل والاستعمار الغربي، وبين تحرير فلسطين والوحدة العربية.

أدبيات النكبة:

لم يكن الأدباء الفلسطينيون والعرب بمنأى عما حل بفلسطين -الأرض والإنسان- من ألم وبؤس نتيجة النكبة، فوجد الألم سبيله إلى قلوب الأدباءوشعروا بأنهم جرحوا في الأعماق، فجاء نتاجهم الأدبي في هذه المرحلة معبراً عن النكبة وفجيعتها، ومسلطاً الضوء على المحتل المغتصب وجرائمه.

وقد سيطرت الكبة بتبعاتها المختلفة على المشهد الشعري الفلسطيني بكامله، ففي دراسة أعدها الشاعر أحمد دحبور عن الشعر الفلسطيني واللاجئين يذكر أن الفجيعة استولت تماماً على هذا المشهد ” لا سيما تلك السنوات العجاف التي سبقت ظهور منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل المقاومة، وكانت الإشارة إلى اللجئين تبدأ بعناوين مجموعات من الشعراء. فهذا أبو سلمى يصدر ديوان “المشرد”، أما يوسف الخطيب فإن عنوان مجموعته المميزة المبكرة، هو “عائدون”، ولعل أول مجموعة فلسطينية تنطلق من مأساة اللاجئين، كانت للشاعر هارون هاشم رشيد، وهي “مع الغرباء”، وقد صدرت عام 1954، وهناك مجموعات تشير عناوينها إلى الجرح الفلسطيني بصورة مطلقة، مثل “فلسطين على الصليب” للشاعر معين بسيسو، و”حيفا في سواد العيون”للشاعر حسن البحيري، و”كلمات فلسطينية” للشاعر الحيفاوي حسن النجمي.

أما الرواية فبقيت أسيرة الجيل الذي عاش مأساة النكبة، لذلك فما عالج منها موضوع النكبة قليل مقارنة مع موضوعات الرواية الفلسطينينة الأخرى، كما أن معظم الروايات لم تعبر عن عظم المأساة ووجعها، ورواية غسان كنفاني “عائد إلى حيفا” إحدى تلك الروايات القلائل في هذا الموضوع.

وقد شكل عام 1948 نقطة تحول رئيسية في مضامين الحركة الثقافية الفلسطينية لتستمر اليوم بدورها بمعالجة تلك السيرورة غير الطبيعية للتاريخ، والفن التشكيلي الفلسطيني- كما مختلف صنوف الابداع الفلسطيني- وجد نفسه في ميدان تلك المعركة التي هزت الوجود الانساني الفلسطيني على أرض فلسطين، بل الوجود الفلسطيني كهوية على الأرض، وفي معالجته لقضية النكبة وظف الفن التشكيلي الفلسطيني عنصر المكان من الذات الانسانية الفلسطينية، التي يتقاذفها مخيم اللجوء المفروض قسرياً، والأرض والهوية متمثلة بالمرأة وجسدها هو الأرض والمنفى ما دامت الأرض محتلة.

وللدكتور سليم تمارس رأي يعزز هذا الاتجاه حيث يقول ” حتى عام 1967 كان معظم ما تناولته الأدبيات والفنون ما بعد النكبة مرتبطاً بالبكاء على الأطلال وتسييس الفكر اليومي،  وحلم العودة والفردوس المفقود، ما ساهم في تعريف وتوعية الشعوب بمعاناة الشعب الفلسطيني، إلا أنه أدى في ذات الوقت إلى خلق حالة من التنميط أدت إلى تحويل الفت تحديداً إلى ما يشبه الكليشيه”.

كما يرى الدكتور طه أن النكبة في الأدبيات والوجدان الفلسطيني هي المنفى القاسي الذي يجعل من الوطن خيالاً أندلسياً كاملاً أو يقدمه بطريقة أخرى، فالمنفى ليس سهلاً، وليس مجرد مكان، إنه ثقافة.

وبهذا فإن النكبة قد تركت آثارها في الأدب الفلسطيني، ووجد الكتاب والشعراء والروائيون والقاصون الفلسطينيون أنفسهم أمام فجيعة مشتركة، لا منأى لهم عن المأساة الحاصلة فيها من قتل وتشريد وتدمير ولجوء، وانعكس ذل كله في نتاجاتهم الأدبية التي غلب عليها بشكل واضح طابع الرومانسية الحزينة التي جاءت كرد فعل طبيعي ومبرر على الوضع المأساوي الذي عاناه اللاجئون.