[*]سميح شبيب

هدف هذه الورقة، التطرق لنشوء منظمات وقوى فلسطينية، خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية، لها وزنها وثقلها في الساحة الفلسطينية، وبقائها خارج أطر المنظمة وهيئاتها التمثيلية. ومن ثم ما توصلت إليه المفاوضات السرية، ما بين فلسطين وإسرائيل، إلى اتفاق، سمّي باتفاق أوسلو، وذلك في غياب م.ت.ف، عن تلك المفاوضات، ومن ثم انبثاق سلطة فلسطينية، حيث شكلت بديلاً من الناحية العملية عن المنظمة، التي لم تعد قادرة على اتخاذ قرار، ولم تعد تمثل الجميع الفلسطيني، بكافة قواه، خاصة فصائل العمل الإسلامي. في ظل أزمة م.ت.ف، وما تراكم فلسطينياً، على الصعيد السياسي والتنظيمي، فإن تحديث المنظمة، وتطوير أدائها، بات يستوجب إسقاط نظام “الكوتا الفصائلية” و”الإنابة الثورية”، و”المحاصصة”، وصولاً لإعادة بناء وهيكلية المنظمة، بحيث تتمثل بها، كافة القوى الحية والقادرة.

الانتفاضة الأولى 1987 وبروز تأثير الإسلاميين

أحدثت الانتفاضة، هزة عنيفة داخل الإطار التنظيمي والسياسي الفلسطيني على حد سواء. في بداية الانتفاضة، برزت م.ت.ف وفصائلها على أنها هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتمكنت المنظمة، عبر الانتفاضة، من تعزيز دورها وفاعليتها.

بعد أسابيع قليلة من بداية الانتفاضة، برز دور وتأثير الإسلاميين من خلال تنظيمين رئيسيين، هما: حركة حماس والجهاد الإسلامي، فكانت حركة الجهاد الإسلامي أول من واجه الاحتلال مواجهة مكشوفة، وانتقدت حركة الجهاد الإسلامي جماعة الإخوان المسلمين لاختيارها طريق الإيمان بغير جهاد، كما انتقدت منظمة التحرير الفلسطينية لاختيارها طريق الجهاد دون إيمان.

كانت القوة الإسلامية الرئيسية هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وهي فرع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين وكان يمثلها الشيخ أحمد ياسين وآخرون.

تحاشت جماعة الإخوان المسلمين العمل العسكري تماما في العقدين الأولين بعد سنة 1967 ونشطت من خلال دور الإخوان وشعبهم والجمعيات الإسلامية في الضفة والقطاع، وعملت على توسيع قاعدتها الاجتماعية بتأسيس المدارس الدينية والمكتبات ومراكز رعاية الأطفال والتدريب المهني، وأظهر التحدي الانتخابي المتنامي الذي شكله المرشحون الإسلاميون في اتحادات الطلبة التي تهيمن عليها منظمة التحرير الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعزز دور جماعة الإخوان المسلمين كقوة سياسية بعد العام 1979، خاصة بعد القرار الإسرائيلي بترخيص المجمع الإسلامي رسميا في قطاع غزة. كما أن الثورة الإسلامية في إيران وتنامي الصحوة الدينية في العديد من البلدان العربية كان له أثره الواضح في تعزيز دور جماعة الاخوان المسلمين، فما كان من الاخوان المسلمين إلا أن سيطروا على الجامعة الإسلامية التي ساعدت منظمة التحرير الفلسطينية في تأسيسها، الأمر الذي حدا بمنظمة التحرير الفلسطينية بإنشاء فرع لجامعة الأزهر لتأكيد حضورها بين الجمهور الإسلامي.

ظلت مشاركة الإخوان المسلمين في الاحتجاجات المدنية ضد الاحتلال محدودة وتعرض هذا الموقف للانتقادات والتشكيك من قبل قاعدتها التنظيمية، الأمر الذي حدا بالشيخ أحمد ياسين إلى تأسيس “المجاهدون الفلسطينيون” كذراع عسكري للجماعة، وبالرغم من ذلك فقد شككت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بهذا التطور، واعتبرته مخططاً موجهاً لتخريب منظمة التحرير الفلسطينية وليس ضد إسرائيل.

أما الإخوان المسلمون فقد أخذوا على المنظمة وجود العناصر اليسارية في صفوفها، وتشرذمها لعدة فصائل مستقلة تنظيمياً وعسكرياً، وبالتالي من حق الإسلاميين أن يكونوا في تنظيم مستقل، وبما أن فصائل المنظمة غير موحدة فلماذا يطلب من حماس أن تتحد معها، واعتبروا أن المنظمة ليست إطاراً للوحدة وإنما تكريس للفرقة.

أعلنت جماعة الإخوان المسلمين عن يوم الرابع عشر من كانون الأول 1987 يوم ولادة حركة حماس، وبالرغم من الإرباك والجدل الداخلي بين جماعة الإخوان المسلمين في الداخل والخارج عن ميلاد حماس إلا أن هويتها ومكانتها تعززت منذ نشر ميثاقها التأسيسي في آب 1988.

لقد جاء قرار إنشاء الحركة “حماس” بعد صراع داخلي بين قيادات حركة الإخوان المسلمين، والقيادات الشابة وخصوصاً تلك التي كانت متواجدة داخل الكتل الإسلامية.

أصبحت حماس قوة سياسية رئيسية تقود العديد من الناشطين، وأسست القواعد، ولكنها لم تنضم إلى القيادة الوطنية الموحدة التي كانت تقود فعاليات الانتفاضة بتوجيهات من منظمة التحرير، وشكلت إطارها الخاص بها وأصدرت بياناتها بشكل مستقل، وتعرض قادتها للاعتقال وبخاصة بعد خطف الجنديين الإسرائيليين (إيلان سعدون وآفي ساسبورتاس) وقتلهما عام 1989، لكن حماس أعادت تنظيم عضويتها وتوسعة جمهورها، وركزت أكثر على جهودها في الأراضي المحتلة على عكس فتح التي ركزت قوتها في المنفى، وكرست سلطتها الأبوية في الأراضي المحتلة.

 حماس وم.ت.ف

لم تقر حماس، بأن م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، الأمر الذي أثار المخاوف لدى قيادة المنظمة من أن تشكل حركة حماس منافساً حقيقياً لها.

كما بيَّن ميثاق حماس في المادة السابعة والعشرين منه، نظرة حماس إلى منظمة التحرير الفلسطينية حيث جاء فيه أن “منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه، فوطننا واحد، ومصابنا واحد ومصيرنا واحد، وعدونا مشترك”.

حاولت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تمثيل حركة حماس في المجلس الوطني منذ العام 1990، وبينت أن حماس جزء من منظمة التحرير الفلسطينية، وأكد الرئيس عرفات مراراً أن لحماس ستة مقاعد في المجلس الوطني ومقعدين في المجلس المركزي.

لكن حركة حماس نفت أي تمثيل لها في المجلس الوطني، بينما أكدت أنها رفعت مذكرة إلى رئيس المجلس الوطني السابق الشيخ عبد الحميد السائح في نيسان عام 1990، إذ اشترطت لدخولها المجلس الوطني الفلسطيني أن يتم فرز أعضاء المجلس على أساس الانتخاب لا التعيين، وإذا تعذر إجراء الانتخابات فينبغي أن يعكس التمثيل الجديد للمجلس الوطني أوزان القوى السياسية الموجودة على الساحة بأعداد تتناسب وأحجامها، ومن هنا طالبت حماس أن يكون تمثيلها بين 40% إلى 50% من مجموع أعضاء المجلس، وأن تحصل على تمثيل يتناسب مع حجمها وثقلها في جميع مؤسسات المنظمة وأجهزتها، كما اشترطت أيضا أن يتخلى المجلس عن الاعتراف بالقرارات الدولية 242 و338 وكذلك الاعتراف بإسرائيل.

ومع انعقاد مؤتمر مدريد، 13/10/1991، لم يعد خيار دخول المجلس الوطني، لدى حماس مطروحاً، وأعلنت أن م.ت.ف لا تمثل الشعب الفلسطيني، وإنما تمثل جزءاً منه. وفي اجتماعات الخرطوم، ما بين فتح وحماس، أيلول 1991، رفضت حماس الاعتراف بـ م.ت.ف، ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، لأن ذلك سيعني الموافقة على مبدأ المفاوضات.

وبعد اتفاق أوسلو، 13/9/1993، قادت حركة حماس تجمع “الفصائل العشرة” والقائمة على أساس رفض اتفاق (أوسلو) والعمل على إسقاطه، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والإعلان عن منظمة جديدة.

وقد طرحت التصورات التالية:

  • التصور الأول: يقوم على إعلان قيادة بديلة عن قيادة المنظمة تقوم بإجراءات وإصلاحات ديمقراطية في آليات عمل المنظمة وإعادتها إلى برنامجها الوطني.
  • التصور الثاني: ويتمثل في إعلان منظمة تحرير بديلة لا علاقة لها بالمنظمة القائمة، وتستند هذه المنظمة إلى برنامج الإجماع الوطني الفلسطيني، وتعلن مشروعية تمثيلها للشعب الفلسطيني.

وتبنت حركة حماس إنشاء جبهة أو تحالف وطني إسلامي عريض، ذي برنامج سياسي موحد، يضم في عضويته فصائل ومستقلين من مختلف الاتجاهات.

إلى ذلك، يمكن القول، بأن المشاركة في مؤتمر مدريد أحدثت انقساماً بين مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وبين فصائل المقاومة، حيث انسحبت بعد الجولة الثالثة كلٌ من الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب، ورئيس الوفد الفلسطيني الدكتور حيدر عبد الشافي، نتيجة الشروط المجحفة والمتمثلة في تأجيل القضايا الهامة مثل الحدود والقدس والاستيطان واللاجئين والمياه والسيادة على الأرض، وكذلك الفصل بين المسارات العربية للوصول إلى تسويات ثنائية.

تم الإعلان عن الاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في أواخر آب عام 1993، بعد تسعة شهور من المفاوضات السرية في (أوسلو) عاصمة النرويج.

شكَّل الإعلان عن هذا الاتفاق إرباكاً وحيرةً وتوجساً في الأوساط العربية والفلسطينية خاصة تلك التي كانت مشاركة في المفاوضات الثنائية في واشنطن.

وأحدث إعلان الاتفاق حالة من الجدل تراوحت ما بين الترحيب والإدانة، أما بيانات حماس والجهاد الإسلامي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، فقد طعنت في الاتفاق وشككت في شرعيته، وشرعية قيادة المنظمة، وأكدت أنها لن تلتزم به، وأنه غير ملزم للشعب الفلسطيني، بينما لوحت بعض الفصائل مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة- وحركة الجهاد الإسلامي بالتهديدات والتصفيات الجسدية لكل من شارك ووقع على هذا الاتفاق، وظهرت الدعوات إلى عقد مؤتمر شعبي فلسطيني في القدس والخارج لتشكيل منظمة بديلة أو موازية للمنظمة، فيما طالب آخرون بدعوة المجلس الوطني للانعقاد.

إنشاء السلطة الفلسطينية

أقر المجلس المركزي الفلسطيني في جلسته التي عقدت في تونس في 10-12/10/1993 قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وعلى اعتبارها ذراعاً من أذرع المنظمة في الداخل وأن المنظمة هي المرجعية التنظيمية والسياسية للسلطة. عارضت قيام السلطة، معظم الفصائل المنضوية تحت لواء المنظمة، بالإضافة إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إلا أن هذه المعارضة لم تمنع قيام السلطة واستمرارها وحدث انقسام داخل بنية منظمة التحرير الفلسطينية ورافقه تراجع لدور وقاعدة القوى اليسارية وتآكل لدورها الفعلي في المجتمع بسبب عجرها عن إيجاد بديل مناسب.

ومع نشوء السلطة، تبينّ بأنها أضحت بديلاً عن المنظمة، التي تآكلت وضعفت هيآتها وأجهزتها كافة، وتم التركيز على بناء السلطة وتقويتها. ونشأ تشابك كبير، ما بين عمل السلطة، وبين المنظمة.

وأدت الإجراءات الإسرائيلية القاضية بفصل الضفة عن غزة للازدواجية في بناء المؤسسات الفلسطينية، وخلق دوائر موازية في كل من الضفة والقطاع، ويأتي هذا الفصل بحجة الأمن لمواطني إسرائيل وللمستوطنات.

لذا، كان واضحا في الاتفاقيات إصرار إسرائيل على إعطاء الأمن الأولوية القصوى وفرضت مطالب أمنية عديدة على السلطة؛ لأن هدف إسرائيل من المفاوضات العربية الإسرائيلية هو بناء نظام أمني إقليمي يشكل ركيزة التسوية السياسية على أساس نشوء هيمنة أمنية إسرائيلية في المنطقة، وتمكين إسرائيل من فرض إرادتها من خلال القوة المادية والسيطرة، ومن خلال فرض قيم ومفاهيم سياسية جديدة على المنطقة، مما يعني تحول السيطرة العسكرية الإسرائيلية إلى هيمنة أمنية، تكتسب الشرعية من خلال مفاوضات تؤدي إلى مأسسة هذه الهيمنة، والإيحاء للعالم بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي شريكها الأساسي في عملية التسوية، بينما نظرت إسرائيل إلى الاتفاق على أنه تطور إيجابي، يقرّب إسرائيل من تحقيق أهدافها، وفي حال فشل الاتفاق أكّد (رابين) أنه “إذا لم ينجح الفلسطينيون في اختبار تنفيذ ما يتوقع منهم، فإننا قادرون، وفي غضون برهة زمنية قصيرة جداً من السيطرة على كل الأوضاع”!!..

مساعي الحوار

سعت حركة حماس، وفصائل أخرى، إلى خلق بديل لـ م.ت.ف، لكن مساعيها تلك لم تتوج بالنجاح، كما أن م.ت.ف، لم تتمكن من تهميش حركة حماس. لعل مؤتمر الحوار الفلسطيني المنعقد، خلال الفترة 15-17/3/2005 في القاهرة بمشاركة الرئيس محمود عباس، وبحضور اثني عشر تنظيماً وفصيلاً فلسطينياً، ناقشوا فيه الأوضاع الداخلية الفلسطينية وموضوع التهدئة مع إسرائيل مقابل وقف العدوان على الشعب الفلسطيني، كما بحث المؤتمر عقد الانتخابات المحلية والتشريعية، وأكد على الحوار كوسيلة وحيدة للتعامل.

أما فيما يخص منظمة التحرير فقد ذكرت الوثيقة بأنه “وافق المجتمعون على تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التراضي عليها بحيث تضم جميع القوى”.

على أساس أن الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني هو م.ت.ف، ومن أجل ذلك تم التوافق على تشكيل لجنة تتولى تحديد هذه الأسس، وتتشكل اللجنة من رئيس المجلس الوطني، وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأمناء العامين لجميع الفصائل الفلسطينية، وشخصيات وطنية مستقلة، ويدعو رئيس اللجنة التنفيذية لهذه الاجتماعات.

وبالرغم من تنفيذ معظم بنود وثيقة إعلان القاهرة مثل التهدئة وإجراء الانتخابات إلا أن موضوع تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية لم يخرج إلى حيز الوجود، مع العلم أن هناك بعض المشاورات والاجتماعات قد حصلت سواء في الداخل أو الخارج.

لقد شكل إعلان القاهرة ولأول مرة صيغة أجمعت عليها كافة الفصائل والتنظيمات، تطالب بتفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية كمخرج للأزمة الشاملة التي تعصف بالأوضاع الفلسطينية، وإذا كانت الفصائل قد أجمعت على ضرورة التفعيل والتطوير فهل اتفقت على توحيد المفاهيم والمصطلحات؟

الانتخابات التشريعية الثانية، ورؤية حماس إعادة بناء م.ت.ف ومؤسساتها.

أقر المجلس التشريعي الفلسطيني في الثامن عشر من حزيران عام 2005 بعض التعديلات التي طرأت على قانون الانتخابات رقم (13) لسنة 1995، واشتملت هذه التعديلات على زيادة عدد مقاعد المجلس التشريعي من 88 إلى 132 مقعداً، وأقر القانون الجديد أيضا “النظام المختلط” في الانتخابات والذي يجري من خلاله توزيع المقاعد مناصفة بين نظام (الدوائر- 16 دائرة انتخابية) ونظام التمثيل النسبي (القوائم).

وقد شاركت حركة حماس ومعظم الفصائل في هذه الانتخابات لأول مرة بينما قاطعت حركة الجهاد الإسلامي الانتخابات التشريعية التي جرت في الأراضي الفلسطينية للمرة الثانية.

تنافس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية إحدى عشرة قائمة انتخابية تتبع لمعظم التنظيمات الفلسطينية، ومن أبرزها قائمة حركة فتح، وقائمة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس، ووفق مصادر لجنة الانتخابات المركزية فإن نسبة التصويت بلغت 77.96% في جميع الدوائر الانتخابية.

استطاعت حركة حماس في هذه الانتخابات تحقيق فوزٍ كبيرٍ، إذ انتقلت الحركة ودفعة واحدة من المعارضة إلى السلطة، فقد حصلت على 74 مقعداً، أي ما نسبته 56% من مقاعد المجلس التشريعي الـ132 مقعداً، في حين حصلت حركة فتح على 45 مقعداً أي ما نسبته 34%، فيما حصلت قائمة الشهيد أبو علي مصطفى على ثلاثة مقاعد، وقائمة البديل (ائتلاف الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وفدا ومستقلين) على مقعدين، وقائمة فلسطين المستقلة على مقعدين، وقائمة الطريق الثالث على مقعدين فيما حصل المستقلون على أربعة مقاعد.

وبعيداً عن الأسباب الداخلية والخارجية لهذا النجاح الذي حققته حركة حماس، فإنها باتت أمام تحديات وتبعات داخلية وخارجية، يفرضها عليها موقعها الجديد في قيادة السلطة.

بدأت حركة حماس بعد تكليف الرئيس محمود عباس النائب إسماعيل هنية، الذي سمته حركة حماس رئيساً للوزراء، بالمشاورات مع الفصائل والكتل البرلمانية، إلا أن تلك المشاورات وصلت إلى طريق مسدود، لعدم الأخذ بورقة الملاحظات التي تقدمت بها الكتل البرلمانية حول برنامج الحكومة في 15/3/2006 حيث رأت الورقة أن برنامج الحكومة الفلسطينية يجب أن يستند على وثيقة الاستقلال والقانون الأساسي وقرارات الشرعية الدولية، وضرورة التزام الحكومة بالاتفاقيات التي وقعت مع منظمة التحرير الفلسطينية.

لم تستطع حركة حماس إقناع أي من الكتل البرلمانية أو الفصائل الفلسطينية بالمشاركة في حكومتها، وقدم رئيس الوزراء المكلف تشكيلة حكومته المكونة من أربعة وعشرين وزيراً، في حين أكد الرئيس محمود عباس أن الحكومة المقترحة ستعرض على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية للاطلاع عليها.

وقد طالبت اللجنة التنفيذية حينها بتعديل البرنامج الحكومي خاصة لجهة الاعتراف بدور منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن حماس رفضت هذه المطالبة، وشهد الحقل السياسي الفلسطيني جدلاً وحواراً سياسياً غير مسبوق، وقد بين إبراهيم أبراش أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر أن هذه القضايا تتمحور حول طبيعة العلاقة ما بين مؤسسات رئيسية ثلاث: الأولى منظمة التحرير الفلسطينية التي يزيد عمرها عن أربعة عقود وتمثل الشعب الفلسطيني، وتعتبر الإطار الموحد للقوى السياسية الفلسطينية وبمثابة النظام السياسي الفلسطيني، والثانية وهي السلطة الوطنية باعتبارها نظاماً فرعياً للمنظمة أسست بقرار منها للتعامل مع استحقاقات سياسية مرتبطة بالتسوية السياسية التي ألزمت نفسها بها، والثالثة هي حركة حماس التي أصبحت الحكومة وجهاز السلطة التنفيذي من باب الانتخابات دون أن تكون جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية.

إن رفض اللجنة التنفيذية لبرنامج الحكومة التي شكلها رئيس الوزراء المكلف إسماعيل هنية هو رفض يأتي من زاوية أنه لا ينبغي أن تعترف مرجعية اعلى بمرجعية أدنى لا تعترف بها ولا بالقانون الأساسي الذي شرع الانتخابات.

حركتا حماس والجهاد الإسلامي، اللتان ما تزالان خارج أطر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، لهما نظرة خاصة وتحديداً حركة حماس التي ترى بأن عملية إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن تستند إلى الواقع الجديد في بنية النظام السياسي الفلسطيني على ضوء تنامي دور حركات الإسلام السياسي وتراجع دور قوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، كما عكسته نتائج الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت في الخامس والعشرين من كانون الثاني 2006، وما يمليه ذلك من ضرورة إحداث تغييرات على برنامج منظمة التحرير الفلسطينية.

إن نتائج الانتخابات التشريعية الثانية زادت من التعقيدات حول توحيد الفهم لعملية الإصلاح، وبخاصة أن قيادة منظمة التحرير باتت تستحضر دور منظمة التحرير وتركز على الدور القيادي والتمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي ترفضه حماس بحجة أنها غير ممثلة في منظمة التحرير.

إن الإصلاح يقتضي استنهاض قوة المجتمع، وبناء مؤسسات سياسية ومجتمعية فاعلة، ومأسسة الحكم، وتقسيم العمل والصلاحيات، وإرساء حكم القانون والمساءلة والمحاسبة، وتبني قيم الحوار والديمقراطية والشفافية في أطر منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها.

أود هنا، وفي هذا السياق، استرجاع، بعض ما ورد في مداخلة هامة، تقدم بها شفيق الحوت، في ندوة بعنوان: مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك عبر الفيديو كونفراس، وبدعوة من معهد إبراهيم أبو لغد- جامعة بيرزيت بتاريخ 6/2/2005.

حدد شفيق الحوت، مطالب الشعب الفلسطيني في الشتات بالنقاط التالية:

أولاً: التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، في العودة، وتقرير المصير، والسيادة، والدولة المستقلة وعاصمتها القدس.

ثانياً: رفض كل محاولات التجزئة وتغييب الهوية.

ثالثاً: تأكيد التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعب فلسطين.

رابعاً: الاعتراف بالتعددية السياسية، وتعميق روح الديمقراطية، مع الالتزام بأن “المجلس الوطني”، والذي يفترض أن يمثل أعضاؤه الفلسطينيين حيثما وجدوا، هو وحده صاحب الحق في اتخاذ القرارات التي تمس المصلحة الوطنية العليا ومصير الشعب والوطن.

خامساً: اعتماد الانتخابات- حيث أمكن- سبيلاً لانتخاب أعضاء هذا المجلس، وإلا فعن طريق التوافق بين القوى الحية والفصائل الأساسية.

هذا بالنسبة إلى أهم الأهداف، أما بالنسبة للآلية المطلوبة، فإنني اعترف بأننا نواجه مشكلة شائكة وصعبة، لأسباب جغرافية وسياسية وإقليمية.

ولعل الخيار الممكن والوحيد يبدأ بدعوة الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية إلى تشكيل لجنة تحضيرية لوضع تصور مشترك لمستقبل منظمة التحرير الفلسطينية، على ضوء ما بين أيدينا من وثائق ودراسات واقتراحات.

ما يمكن استنتاجه مما سبق، هو أن مستقبل م.ت.ف بات مرهوناً برؤية سياسية جديدة وبإرادة سياسية، تشارك بها الفصائل كافة، ومنها بالطبع حركتا حماس والجهاد، وبأن هذه الرؤية السياسية، من الطبيعي، أن تصنع تصوراً جديداً، لإعادة بناء وهيكلة المنظمة، على أسس، غير تلك الأسس، التي قامت عليها منذ 1969-1993.

هناك من المستجدات، ما يستدعي البحث عن أسس جديدة، لعل أبرزها: التفكير جدياً، باللجوء إلى الانتخابات الحرة المباشرة، لأعضاء المجلس الوطني، أولاً في فلسطين، ومن ثم في الدول التي تسمح الظروف فيها بانتخاب أعضاء المجلس، أما في الدول التي لا تسمح الظروف فيها بالانتخاب، فيمكن تسمية الأعضاء، وبالتوافق ما بين الفصائل الفلسطينية، وعلى أساس المقاربة، مع الدول المجاورة أو المحيطة بها.

باختصار لم يعد نظام الإنابة الثورية، والكوتا والمحاصصة، قادراً على تمثل الشعب الفلسطيني، بشكل صحيح.

المصادر والمراجع

 اعتمدت هذه الورقة، على المصادر والمراجع التالية:

  • نوفل، ممدوح، النظام السياسي الفلسطيني بين الداخل والخارج، في ما بعد الأزمة، رام الله، مواطن، 1999.
  • صايغ، يزيد، الحركة الوطنية الفلسطينية 1949-1993، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2004.
  • شبيب، سميح، النظام السياسي الفلسطيني بين الداخل والخارج، التغيرات البنيوية في الحياة السياسية الفلسطينية وآفاق العمل، رام الله، مواطن، 1999.
  • أبراش، إبراهيم، العلاقة المكتسبة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس، الحياة الجديدة، رام الله، 2006.
  • الزبيدي، باسم، الثقافة السياسية الفلسطينية، رام الله، مواطن، 2003.
  • الحوت، شفيق، مؤتمر مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية، فيديو كونفراس، معهد إبراهيم أبو لغد، جامعة بيرزيت، رام الله 6/1/2005.
  • رزقة، يوسف. منظمة التحرير بين الإحياء والإقصاء، موقع الكتروني، التجديد الغربي، 5/5/2007.
  • الحسن، خالد، فلسطينيات (5)، أوراق سياسية، عمان: دار الشروق، 1994.

[*] رئيس تحرير فصلية “شؤون فلسطينية”.