عليان الهندي[*]

صدر عن مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب التقييم الإستراتيجي السنوي الذي اعتاد المركز على نشره منذ عام 2009 حتى اليوم. وقد حل التقييم الإستراتيجي مكان التقرير الإستراتيجي السنوي الذي كان يصدر عن نفس المركز الذي سمي حينها مركز الأبحاث الإستراتيجية “جافه”.

ومصطلح التقييم هنا، هو المصطلح المستخدم في أجهزة الأمن الإسرائيلية، خاصة في جهاز الاستخبارات الذي يعد تقييما سنويا يقدم لأصحاب القرار في إسرائيل، يشرح فيه التهديدات والفرص المتاحة أمام إسرائيل، ويقدم التوصيات المطلوب تبنيها من قبل المستوى السياسي في كل عام جديد. والتقييم الحالي الصادر عن المركز يحاكي التقارير المذكورة بشكل كبير جدا، خاصة أن كاتبي التقرير كانوا في معظمهم من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي الذين يقف على رأسهم الجنرال المتقاعد عاموس يادلين رئيس المركز.

وحسب المحررين، فإن التقييم الحالي موجه لأصحاب القرار وأجهزة الأمن وموجهي الرأي العام والمجتمع الأكاديمي المختص بالشؤون الأمنية في إسرائيل والعالم، والجمهور الإسرائيلي المعني بذلك. وشارك في كتابة التقرير 28 كاتباً ومختصاً شغلوا في السابق مناصب عسكرية وأمنية وسياسية ودبلوماسية وأكاديمية رفيعة. وشارك لأول مرة في كتابة التقرير الباحث الأكاديمي الدكتور محمد أبو نصرة من فلسطينيي ما قبل عام 1948.

أما الشق الفلسطيني من التقرير الإستراتيجي، فقد كُتب من قبل خمسة من باحثي المركز ثلاثة منهم (العقيد احتياط غلعاد شير، والعميد احتياط أودي ديكل، والعميد احتياط أرفيين أساف) شاركوا بفاعلية في المفاوضات التي جرت مع الفلسطينيين حتى عام 2008، والآخران (العميد شلومو بروم وعنات كوارتس) من أهم الباحثين في الشأن الفلسطيني في مركز أبحاث الأمن القومي.

وتضمن التقرير أربعة محاور رئيسة وعشرين موضوعاً فرعياً، وهي:

الأول، الشرق الأوسط في المجال الدولي– عام على الاتفاق بين الدول العظمى وإيران حول مشروعها النووي، إيران بعد الاتفاق النووي، التأثيرات الإستراتيجية على التطورات في سوق النفط العالمي على الشرق الأوسط، الولايات المتحدة والتدخل الروسي في الشرق الأوسط، روسيا– تحديات داخلية وخارجية، تحديات أمنية-سياسية ومأزق الاتحاد الأوروبي في أعقاب موجة الهجرة والمهاجرين من الشرق الأوسط إلى أوروبا، وسياسة الصين في الشرق الأوسط – بين الاستمرارية والتغيير.

الثاني، الشرق الأوسط– استمرار التقلبات: سوريا والعراق بعد الدولة الإسلامية، الأزمة في سوريا والحاجة إلى التكيف مع المرض، صراع نظام السيسي في مصر، المملكة العربية السعودية تواجه تحديات، والمحور السني مقابل المحور الشيعي في الشرق الأوسط.

الثالث، تحديات وفرص أمام إسرائيل – أزمة دائمة وجمود عميق بين إسرائيل والفلسطينيين، خلق واقع وبنى لتسويات مستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين، تفكير عربي في المسيرة السلمية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، تركيا بعد الانقلاب الفاشل- بين الانطواء وبين التحديات الخارجية، بداية العلاقة بين إسرائيل وبين الولايات المتحدة، التحديات العسكرية أمام إسرائيل- كثرة الساحات وتغيُر الأعداء، حرب الوعي الأولى، ظواهر الكراهية والعنصرية بين اليهود والعرب في إسرائيل: ميزات وانعكاسات وطرق المواجهة. عناصر داخلية في الحصانة الوطنية.

الرابع، التقييم الإستراتيجي لإسرائيل– صورة الوضع والرد على التحديات.

ونظرا لتعدد وكثرة مواضيع التقرير، سأركز حول ما ذكر فيه عن القضية الفلسطينية، وكيفية كسر الجمود الحاصل، وطرق حل تؤدي في نهاية المطاف لخلق واقع يؤدي لدولة فلسطينية باتفاق دائم أو في إطار فصل أحادي الجانب. وخلال التلخيص، حاولت نقل وجهة نظر إسرائيلية في كيفية حل الصراع مع الفلسطينيين كما هي، حتى أنني لم أتدخل في المصطلحات المستخدمة، حيث سيلاحظ القارئ تردد مصطلح “يهودا والسامرة” ومصطلح الضفة الغربية لنفس المنطقة، الذي ربما يعبر فيه كُتاب الشق الفلسطيني من التقرير عن وجهة نظر سياسية.

وكان الهدف من وراء كل ذلك هو التسهيل على المختص والقارئ، من أجل فهم أعمق لرؤية إسرائيلية، شاركت واطلعت على عملية اتخاذ القرار والمفاوضات مع الفلسطينيين.

 القضية الفلسطينية

كُتب في التقرير أن مسيرة السلام التي بدأت قبل التوقيع على اتفاقيات أوسلو اعتمدت في الأساس على ثلاثة عناصر إستراتيجية أساسية هي: الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وبين منظمة التحرير الفلسطينية، والتخلي عن العنف والدخول في مفاوضات، وبناء تدريجي يؤدي في نهاية المطاف إلى حل دولتين لشعبين.

لكن الواقع الإستراتيجي تغير، ومعه حدثت تغييرات في صفوف الطرفين ساهمت بشكل أو بآخر في المأزق الذي تمر فيه المفاوضات، والواقع هو:

  1. موجات “الإرهاب” الفلسطيني المتكررة من الفلسطينيين، ما دفع إسرائيل إلى إعادة احتلال المدن الفلسطينية.
  2. الانفصال عن قطاع غزة.
  3. فوز حركة حماس في الانتخابات وسيطرتها بالقوة العسكرية على قطاع غزة.
  4. التقلبات الإقليمية التي أضعفت الدول العربية المركزية.
  5. عدم رغبة الطرفين (الإسرائيلي والفلسطيني) بإجراء مفاوضات للتوصل لحل نهائي.

لكن فشل المفاوضات، أوجد وجهتي نظر في إسرائيل: الأولى، تدعو إلى التمسك بالمفاوضات على أساس اتفاقيات أوسلو، رغم عدم تحقيقها أية نتائج، وهي وجهة نظر تلقى دعما دوليا. لكن تبين من المفاوضات التي أجريت، أن الفلسطينيين ظلوا متمسكين بمواقفهم الأساسية، في حين قدمت إسرائيل تنازلات وخطت خطوات كبيرة اتجاههم، لم تقابل من قبل الفلسطينيين سوى بمزيد من التعنت والتمسك، بعدم الاعتراف بيهودية الدولة، وعدم الموافقة على المطالب الأمنية الإسرائيلية التي اعتبروها مسا بسيادة دولتهم، والتمسك جزئيا بحق العودة، ورفض إقامة منطقة خاصة في “الحوض التاريخي” في القدس[1]، ورفض التوصل إلى أية حلول جزئية حتى وفق خارطة الطريق. ونتيجة ذلك، أصبحت إسرائيل رهينة لرفض الفلسطينيين التوصل لأية تفاهمات مشتركة أو لقواعد صراع جديدة للخروج من المأزق، أو التقدم نحو واقع من التعايش في سلام وأمن.

والثانية، وجهة نظر ترى بأن المشكلة بين الطرفين غير قابلة للحل، وبالتالي فإن خيار إدارة الصراع وتعزيز الأمر الواقع هو أفضل الخيارات.

ونوه التقرير، إلى أن استمرار الجمود العميق، وعدم إجراء مفاوضات بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، وتجاهل الطرفين لاحتياجاتهما السياسية المتبادلة سيؤدي إلى: أزمة عميقة في السلطة الفلسطينية، ربما تؤدي إلى انهيارها، وأزمة إنسانية عميقة في قطاع غزة، تدفع باتجاه اندلاع أعمال العنف، ما لم تتخذ إجراءات كافية لتحسين الوضع، وحلول خيار “الدولة الواحدة” مكان بقايا خيار “دولتين لشعبين”، ما يعطل إمكانية المحافظة على دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

الواقع السياسي للطرفين

للطرف الإسرائيلي: ذكر التقرير، أنه ربما كانت لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو نوايا لتغيير سياساته واتخاذ خطوات هدفها منع اندلاع أزمات. وكان رئيس الحكومة يدرك، أن تغيير سياساته اتجاه الفلسطينيين تتطلب منه ضم حزب “المعسكر الصهيوني” بدلا من حزب “البيت اليهودي”. لكن محاولته فشلت، بعد رفضه الالتزام بتنفيذ خطوات سياسية في المجال الفلسطيني، لا تكون تجميلية فقط.

الفشل في توسيع حكومته بضم “المعسكر الصهيوني” إليها، دفع بنيامين نتنياهو إلى تعزيز طابعها اليميني بعد ضم حزب “إسرائيل بيتنا” إلى الائتلاف الحاكم، ملغيا من الناحية العملية أية تغييرات سياسية تجاه الفلسطينيين. وزادت الأوضاع صعوبة، بعد إقالة موشيه يعلون من وزارة الدفاع وتعيين أفيغدور ليبرمان مكانه، ذلك أن وزارة الدفاع هي المسؤولة الأولى عن إدارة السياسات تجاه الفلسطينيين، الذي استهل توليه المنصب بقوله: إسقاط حماس سوف يكون له الأولوية في أية حرب جديدة مع قطاع غزة، وقيادة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل. ويدفع تحويل التصريحات إلى أفعال إلى انهيار السلطة، وارتفاع الثمن الذي ستدفعه إسرائيل مقابل هذا الانهيار.

وعلاوة على ذلك، أكد التقرير أن الحكومة الإسرائيلية بتركيبتها الحالية، لا تستطيع إجراء مفاوضات فعالة مع الفلسطينيين، أكثر مما أجرته معهم بواسطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. ورغم تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأنه معنيّ بمفاوضات مباشرة مع القيادة الفلسطينية، لكن هناك شكوكاً حقيقية تتعلق بجدية تصريحاته.

للطرف الفلسطيني: الضفة الغربية– ذكر التقرير أن السلطة الفلسطينية تعاني من انعدام شرعيتها لرفضها إجراء انتخابات منذ عام 2006 حتى اليوم، ولممارساتها غير الديمقراطية بحق معارضيها. لكن السبب الأساسي، لعدم شرعية السلطة الفلسطينية هو بانهيار نموذج محمود عباس وحركة فتح في تلبية المطالب الوطنية الفلسطينية وإقامة دولة بواسطة المفاوضات مع إسرائيل.

الفشل المذكور، وسيطرة إسرائيل على 60% من الأراضي (مناطق C) وجزئيا على مناطقB ، تمنع قيام دولة مستقلة، أو تحسناً في مستوى حياة الفلسطينيين.

ولرفضه استخدام المقاومة العنيفة، اختار رئيس السلطة محمود عباس إستراتيجية تدويل الصراع كأسلوب وحيد للمقاومة، حيث يخوض الطرف الفلسطيني معركة دبلوماسية وقانونية وإعلامية، بدأت بالانضمام إلى الأمم المتحدة كدولة مراقب، وإلى عضوية بقية المؤسسات الدولية، التي توجت بالانضمام إلى ميثاق روما، الذي منح محكمة العدل الدولية صلاحيات على المناطق الفلسطينية.

وفيما يتعلق بالشارع الفلسطيني، فقد لوحظ أنه بدأ يعمل وفق خيارات أخرى مثل ممارسة العنف غير المنظم، وبروز نخب فلسطينية تطالب بالتخلي عن حل “دولتين لشعبين” لصالح دولة واحدة، والضغط على إسرائيل من أجل التخلي عن التمييز العنصري في كل المحافل الدولية، من أجل الحصول على حقوق متساوية في الدولة المذكورة. وعودة لجهات تدعو إلى عودة التنسيق بين الضفة الغربية والمملكة الأردنية الهاشمية. لكن هذه التوجهات ضعيفة ولم يتفاعل معها الجمهور بشكل جدي.

وفي الشأن الداخلي، تعاني السلطة الفلسطينية من ضعف لأجهزتها الأمنية في مناطق كثيرة، خاصة في مخيمات اللاجئين. وهناك ضغوط على السلطة لوقف التنسيق الأمني الذي سيساهم كثيرا في إضعافها. كما أن فراغ منصب الرئيس سيؤدي إلى صراعات داخلية، وإلى إضعاف كبير في عمل السلطة، لعدم وجود شخصية قادرة على قيادة الشارع الفلسطيني.

قطاع غزة– استمرار الانفصال العميق بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وعدم وجود أفق حل بين فتح وحماس، وبطء إعادة إعمار قطاع غزة، ووجود مشاكل حقيقية في تزويد الماء والكهرباء والطاقة، والبطالة، سيعزز من تدهور الوضع الحالي، ما يدفع إلى اندلاع موجة عنف جديدة في قطاع غزة.

ودفع الوضع المتدهور في قطاع غزة، إسرائيل إلى تغيير سياستها اتجاهه، حيث منحت تصاريح دخول وخروج البضائع وتدرس إمكانية إنشاء ميناء.

ورغم كل ذلك، لا يبدو أن حماس معنية بجولة عنف جديدة، مفضلة عليها القنوات الدبلوماسية والتحركات السياسية. لكن في حال وصولها، أي حركة حماس، لقناعة أن كل شيء ثابت وغير متحرك، فإنها ستختار العنف الذي تعتقد حينها أنها لن تخسر شيئا باستخدامه.

تغييرات وفوارق في البيئة الإستراتيجية    

الوضع الفلسطيني: أوضح التقرير، أن الظروف الحالية التي يمر بها الطرفان تصعب من إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي مستقر مع جهة تمثل دولة فلسطينية ذات سيادة، تكون مسؤولة وذات سيادة وتسيطر على شعبها وتحتكر القوة، وذلك للاعتبارات التالية:

  • انقسام السلطة الفلسطينية بين حماس في قطاع غزة، وفتح في الضفة الغربية.
  • احتياج السلطتين إلى تجديد شرعيتهما الجماهيرية.
  • تتجه السلطة الفلسطينية إلى الفراغ، نتيجة كبر سن الرئيس محمود عباس، الرافض لتعيين نائب له. وسلطته قائمة بفعل الدعم الدولي وعدم رغبة إسرائيل بالدفع نحو انهيارها.
  • الشعب الفلسطيني يرفض التسليم بوجود إسرائيل (حماس لأسباب أيديولوجية، وفتح لرفضها الاعتراف بأن إسرائيل هي البيت الوطني لليهود).
  • تراجع تأييد الفلسطينيين لجدوى المفاوضات مع إسرائيل.
  • دعم متزايد في صفوف الفلسطينيين للبحث عن خيارات أخرى لحل القضية الفلسطينية مثل خيار الدولة الواحدة.

وبالنسبة لإسرائيل

  • الإرهاب والمأزق السياسي، أديا إلى تراجع تأييد الإسرائيليين للحل السلمي.
  • تبلور فكرة عدم وجود شريك فلسطيني قادر على التوصل إلى اتفاق نهائي مع إسرائيل، أو تنفيذه لو تم التوصل إليه.
  • ازدياد التوجهات اليمينية في إسرائيل.
  • توسع الاستيطان الذي فسر من قبل المجتمع الدولي والفلسطينيين على أنه تخلٍّ إسرائيلي عن حل “دولتين لشعبين”.
  • زيادة نسبة المؤيدين لضم أجزاء من “يهودا والسامرة” إلى إسرائيل.
  • تشير معطيات الشبكات الاجتماعية إلى زيادة نسبة التطرف بصفوف الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني)، ما ساعد قيادة الطرفين على عدم التحرك بجدية نحو السلام.

مخطط هيكلي لإستراتيجية سياسية وأمنية

أشار التقرير، أن على إسرائيل التخلي عن المفاوضات كإستراتيجية، لتحقيق أهدافها السياسية التي يؤيدها معظم الجمهور الإسرائيلي، المتمثلة بالانفصال عن الفلسطينيين، من أجل المحافظة على وجود دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية للشعب اليهودي، ومنع قيام دولة واحدة. ومن أجل تحقيق ذلك عليها القيام بخطوات، تكون باتفاق مع الفلسطينيين أو من دون اتفاق معهم، وتكون الخطوات في المجالات التالية:

الأمن

  • العمل على تخفيض مستوى العنف إلى أدنى مستوى.
  • المحافظة على حرية عمل الجيش الإسرائيلي وأجهزة المخابرات في كل أنحاء الضفة الغربية، مع تقليل الاحتكاك في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.
  • استمرار التنسيق مع مؤسسات السلطة الفلسطينية.
  • تشجيع الاقتصاد الفلسطيني، وبناء البنى التحتية لدفعها إلى استيعاب المزيد من العاطلين عن العمل، بهدف تقليل نسب المشاركين في العنف.
  • الاستعداد الدائم لمواجهة أية “اعتداءات” مصدرها قطاع غزة.
  • تشكيل حرس حدود خاص بالضفة الغربية وقطاع غزة.
  • التنسيق مع مصر والأردن لمنع التسلل وعمليات التهريب.

الاقتصاد والبنى التحتية

استمرار التدهور الاقتصادي في قطاع غزة، وبصورة أقل في يهودا والسامرة، إلى جانب الفوارق العميقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يعزز من العوامل المؤدية لعدم الاستقرار وتوسع دائرة العنف والعداء وترفع معنوياتهم من أجل البدء بأعمال عنف ضد إسرائيل، وربما تؤدي عملية العنف المذكورة إلى إضعاف سلطة الحكم الذاتي.

ولتقليل احتمال انفجار الأوضاع يجب:

  • توفير بنية تحتية من ماء وكهرباء وتوفير طاقة وبناء مساكن جديدة وتحسين عمل مياه المجاري.
  • العمل على خلق فرص عمل جديدة في المنطقتين، وزيادة عدد العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل.
  • تشجيع التعاون الاقتصادي بين الطرفين. وللقيام بذلك يتطلب تعديل اتفاق باريس.
  • طرح أفكار جديدة مثل إقامة منطقة حرة ومناطق صناعية ذات مكانة خاصة وتشجيع القطاع الخاص وإقامة مشاريع صناعية وزراعية وغيرها.

ولربط اقتصاد قطاع غزة ويهودا والسامرة مع الاقتصاد العالمي، وفي نفس الوقت المحافظة على الأمن الإسرائيلي:

  • توضع ترتيبات وتطبق إجراءات جديدة على الجسور مع الأردن ومع مصر في منطقة رفح.
  • دراسة إمكانية إنشاء ميناء عائم في غزة أو تخصيص رصيف في ميناء أسدود لصالح الفلسطينيين. وفي حال إنشاء ميناء عائم قبالة شواطئ قطاع غزة، يشترط وضع قوات دولية للإشراف والرقابة فيه على البشر والبضائع.

 استقرار السلطة الفلسطينية

  1. يجب العمل على خلق قيادة مستقرة ومسؤولة وفعالة، بدلا من القيادة الضعيفة والفاسدة المنقسمة على ذاتها والفاقدة لشرعيتها الجماهيرية.
  2. كذلك يجب إعادة بناء مؤسسات الحكم والبنية التحتية للدولة الفلسطينية في كل المستويات.
  3. إعادة بناء قوى الأمن الفلسطيني في يهودا والسامرة، وعندما تنضج الظروف في قطاع غزة، بهدف تحويلها لقوى أمن مهنية، بهدف خلق واقع “قانون واحد– سلاح واحد”.

تهيئة المنطقة لتسوية مستقبلية

اعتبر التقرير أن الوقت مناسب لطرح أفكار جديدة لحل مرحلي مع الفلسطينيين، تنفذ بتنسيق مع السلطة الفلسطينية (حل مفضل) أو من دون تنسيق معها. والهدف من هذه الأفكار هو: الانفصال عن الفلسطينيين، من أجل وقف النشاطات المساهمة في الزحف نحو الدولة الواحدة، والعمل بشكل تدريجي لخلق ظروف وبيئة تسمح بوجود مستقبلي “لدولتين لشعبين”.

وتتضمن الأفكار الجديدة:

  • إعادة تنظيم خارطة يهودا والسامرة، بحيث يتم:
  1. نقل الصلاحيات والسيطرة الأمنية والمدنية وإدارة شؤون الحياة اليومية لكل الفلسطينيين في مناطق A & B وتسميتها مناطق A. وتخصيص 25% من مناطق C للتطوير وإقامة المشاريع الاقتصادية لصالح الفلسطينيين، ودراسة إمكانية تنفيذ مشاريع بنى تحتية واقتصادية لدولة فلسطينية (إضافة لتطوير مناطق A). وتسمى المنطقة الجديدة منطقة D.
  2. تسمية المناطق التي تتواجد فيها كتل المستوطنات بما فيها مستوطنة معاليه أدوميم مناطق E. وتبلغ مساحة هذه المناطق 10% من مساحة يهودا والسامرة.
  3. تبقى بقية الأراضي وفق تسميتها السابقة، مناطق C، التي سيحدد مستقبلها في المفاوضات المستقبلية.
  • إذا تعاون الطرفان في تنظيم المنطقة المذكورة بطريقة تدريجية استعدادا لحكم ذاتي فلسطيني موسع، يمكن لإسرائيل الاعتراف بمناطق A & D على أنها دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة (ثلثي الضفة الغربية). ولا يتطلب هذا الاعتراف إخلاء مستوطنات أو وقف النشاطات الأمنية. لكنه يُلزم بتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين إسرائيل والفلسطينيين في المنطقتين. وخلال تلك الفترة تقام البنى التحتية، ويسمح بالتنقل المريح للفلسطينيين.
  • يستمر البناء في كتل المستوطنات والقدس، مع توقف توسيع المستوطنات القائمة خارج كتل المستوطنات. وفي نفس الوقت تهيأ أراضٍ داخل كتل المستوطنات وفي دولة إسرائيل لبناء مستوطنات جديدة للمستوطنين الذين يختارون نقل سكنهم من المستوطنات المنعزلة.
  • البدء بحل القضايا المثيرة للمشاكل دون الانتظار للحل النهائي مثل: استمرار بناء الدولة من أسفل إلى أعلى، وزيادة كمية المياه للفلسطينيين، والتوصل إلى اتفاقيات في مجالات الكهرباء والطاقة والبيئة، ومعالجة مياه المجاري وإخلاء القمامة، وإقامة مشاريع مشتركة للطاقة البديلة وتعزيز السياحة، وبحث إمكانية إنشاء جماعات محلية من دون تجاهل السلطة المركزية.

تغيير الوعي

يتطلب خلق ظروف مناسبة لتسوية مستقبلية، من قبل القيادتين (الإسرائيلية والفلسطينية) تبني سياسة تدفع باتجاه التقارب بين الشعبين والعيش بأمن وسلام واحترام متبادل. كما أن الطرفين مدعوان إلى تغيير وطني في التعامل بينهما من “عدو إلى جار دائم”، ووقف التحريض المتبادل، وتشجيع البرامج المشتركة مثل برنامج “شعب لشعب”. ولتحقيق ذلك يمكن الاستعانة بعرب إسرائيل لجسر الهوة بين الطرفين.

خلاصة  

رغم السياسة الإسرائيلية العملية منذ عام 2005 الذي انفصلت فيه إسرائيل عن قطاع غزة، والتخلي عن نهج المفاوضات كوسيلة للتوصل لحل نهائي مع الفلسطينيين، لصالح خطوات أحادية الجانب، يعترف التقرير الإستراتيجي لعام 2017، ولأول مرة، بأن المفاوضات لم تعد وسيلة أو إستراتيجية أو سياسة إسرائيلية حالية ولا مستقبلية لحكومة اليمين ولا لغيرها من الحكومات، للتوصل إلى حلول نهائية مع الفلسطينيين، كما نصت عليها الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين في أوسلو وغيرها. ذلك أن المفاوضات، تتطلب من إسرائيل تقديم تنازلات، تؤدي إلى عودتها إلى حدود الرابع من حزيران لعام 1967، وهو أمر غير مستعدة وجاهزة له قيادة وجمهورا، على مختلف أطيافهم من دون استثناء.

وكانت المفاوضات كوسيلة للتوصل إلى حل مع الفلسطينيين، هي أحد الشروط الإسرائيلية التي تبنتها الإدارات الأميركية المختلفة منذ عام 1974، لمشاركة الفلسطينيين في أية مسيرة سلمية.

ولم يتوقف الأمر على تخلي إسرائيل عن نهج المفاوضات كوسيلة للتوصل إلى حل قائم على أساس “دولتين لشعبين”، بل تخلت عن هدف الدولتين لصالح سياسة تدعو إلى ضم كل أراضي الضفة الغربية والقدس، مع عدم طرح أية رؤية لمستقبل الفلسطينيين في هذه البلاد، سوى الترحيل والطرد والتهجير.

وبتخلي إسرائيل عن الوسيلة والهدف، مطلوب من الشعب الفلسطيني وقياداته، البحث عن وسائل أخرى غير المفاوضات لتحقيق أهدافهم الوطنية، التي يجب أن تتجاوز حل دولتين لشعبين، لصالح إستراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الوجود والانتشار الفلسطيني في كل فلسطين التاريخية، والعمل على إلغاء التقسيم الإسرائيلي للشعب الفلسطيني منذ عام 1948.

ولا بد من الإشارة، أن السياسات والأهداف الإسرائيلية، ليست قدرا محتوما، ولا مخططا يبدأ من “أ” وينتهي بـ”الياء”، بل هي سياسات مبنية على الأمر الواقع المحمي بقوة السلاح، الذي نجح الفلسطينيون بمواجهته بقوتهم الأخلاقية، والتي تمثلت بصمودهم ووجودهم، الذي اعتبرته إسرائيل وعلى مدار وجودها التهديد الأول لها.

الهوامش:

[*] باحث في الشؤون الإسرائيلية ومترجم لغة عبرية، مقيم في رام الله – فلسطين.

[1]الحوض التاريخي: هو الحوض المقدس الذي يضم الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس، وبعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 أضافت إسرائيل ما يسمى بـ”الحائط الغربي” الذي هو حائط البراق وعدداً من المقابر والمغاور، وغيرها مما اعتبرته إسرائيل أماكن يهودية مقدسة. وغيرت اسم المنطقة من الحوض المقدس إلى الحوض التاريخي.