عبد الغني سلامة[*]

 في آب (أغسطس) 1969 اقتحم سائح استرالي متصهين يدعى “مايكل روهن” باحة المسجد الأقصى وأضرم فيه النار، وبعد أن ألقت الشرطة الإسرائيلية القبض عليه، ادعت أنه مجنون، ثم رحّلته إلى أستراليا؛ حيث ما زال يعيش هناك حتى الآن، وليس عليه أي أثر للجنون، سوى جنونه بخرافات التاريخ. وفي شباط (فبراير) 1994 اقتحم مستوطن يهودي يدعى “باروخ جولدشتاين” الحرم الإبراهيمي في الخليل، وفتَحَ نيران رشاشه على المصلين وهم ساجدون في صلاة الفجر، فقتل منهم العشرات، وبعد ذلك بعدة سنوات فتَحَ مستوطن يهودي آخر نيران رشاشه بشكل عشوائي على المارين في أحد أسواق مدينة الخليل، فقتل وجرح العشرات، وعند اعتقاله برّر جريمته: بأن أباه “إبراهيم” كان قد اشترى الخليل من سكانها ببضعة شواقل قبل نحو أربعة آلاف سنة!! وطبعا لو سألنا “باروخ” -وهو طبيب عاش في أمريكا- عن دوافعه لارتكاب المذبحة، لأجاب دون تردد بأن أباه “إبراهيم” قد بنى هذا المعبد، وأوصى به خصيصا له، وعليه أن يتخلص من هؤلاء الدخلاء والغرباء الذين يتعبدون فيه بكل وقاحة!!

وليست هذه سوى أمثلة لحالات لا حصر لها من أشكال الصراع على التاريخ، والادعاء بملكيته، وهي إن دلت على شيء، فهي أولاً تدل إلى أي مستوى ينغمس فيه هؤلاء بتفاصيل التاريخ، فيصبحون أسرى له، فيتورطوا بجرائم فظيعة تبدأ من تدنيس القبور ونبشها، إلى ارتكاب المذابح، أو تفجير الأماكن العامة والمطاعم والأسواق، حيث من المؤكد تواجد أطفال وأناس أبرياء لا دخل لهم بالصراع.

ومما لا شك فيه، أن العيش في كهوف التاريخ المظلمة، بهذه القراءة الانتقائية المغلقة، سينتج عنه عقليات متعصبة عنصرية، وسيولد الكراهية، وسيؤدي حتما إلى إلغاء الحاضر، والحكم بالإعدام على المستقبل، لأن هذه القراءة الماضوية والنظرة النرجسية للتاريخ، إنما تنطلق من رؤية دينية طائفية، تريد أن تحتكر الله والتاريخ والأرض لصالحها، ومن أجل ذلك، ستوظف كل النصوص والأيديولوجيات لمصلحتها فقط، وطبعا بعد أن تضفي عليه هالات من القداسة. أي بعبارة واحدة: ستجعل من أطماعها الدنيوية حروبا دينية، لأنها أضمن وسيلة لتحويل البشر إلى حطب ووقود لهذه الحروب.

اليوم، يسعى اليمين الإسرائيلي بزعامة “نتنياهو” لانتزاع اعتراف العالم بيهودية الدولة الإسرائيلية، بل ويضع ذلك في مقدمة الشروط لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، وهذا الإصرار على هذا الطرح في حقيقة الأمر بالإضافة إلى كونه زج مزيدٍ من التعقيدات والمعيقات أمام العملية السلمية، وطلب شروطٍ تعجيزية في محاولة للتهرب من استحقاقات السلام، فهو أيضا تتويج لنهج صهيوني دأبت عليه إسرائيل منذ نشأتها؛ وهو تصوير الصراع العربي الصهيوني على أنه صراع ديني.

 وإسرائيل، في سبيل تثبيت صيغة “الصراع الديني” تستند على ادعاءات دينية تاريخية معينة، وضعتها ضمن قوالب دينية غيبية تجد ما يدعمها في نصوص التوراة، وهي بهذا الطرح تحقق جملة من الفوائد دفعة واحدة: فهي أولا تفرغ الصراع من محتواه السياسي بعد أن تبرز أبعاده الدينية، بحيث يفهمه العالم على أنه صراع ديني طائفي كغيره من الصراعات الطائفية الإثنية التي تحدث في مختلف أنحاء العالم، والتي عادة ما تنتهي بتقاسم الأرض وتثبيت حدود سياسية بين الطوائف المتنازعة، فضلا عن أنها ستدخلنا في متاهة الجدل الديني والتاريخي، بحيث تضيف مزيدا من الغموض والأكاذيب على حيثيات الرواية، وبالتالي ستزعزع ثقة العالم بعدالة القضية الفلسطينية، وستسعى للظهور بمظهر الضحية المغلوب على أمرها، أي دولة الأقلية اليهودية التي يتربص بها العالم الإسلامي ويريد أن يرميها في البحر، وبالطبع ستعيد للأذهان قصة الهولوكوست والمحرقة ومذابح النازية.

هذا الغلاف الديني/الغيبي الذي أحاطت به الحركة الصهيونية روايتها التاريخية – بالرغم من وهنه وزيـفه- كان ضرورياً، بل وشرطا أساسيا لا يمكننا تصور نجاح هذا المشروع بدونه، فهو يوفر قوة دفع له، ويشكل مثلاً أعلى للقيم المجتمعية الإسرائيلية تربى عليها الأجيال الجديدة بشكل خاص، وهاديا ومرشدا وناظما لعلاقاته الاجتماعية والسياسية، ومن خلاله يرى المجتمع الحالي صورته في الماضي السحيق ويعبر عن امتداده وتواصله التاريخي، وبالتالي فهـو رابط يجمع بين شتات اليهود في العالم، ودافع ومبرر للهجرة إلى ما أسـموها “أرض الميعاد”، ومسوّغ تاريخي لاحتلال أرض الغير، وحجة يرفعها السياسيون لإقناع الرأي العام العالمي، وأداةٌ تستخدم في المحافل الدولية كلما اقتضت الحاجة.

ولا شك أن إضفاء البعد الديني على الصراع سيؤدي إلى تقوية المزاعم الصهيونية بشأن تاريخ اليهود وعلاقتهم بفلسطين، وسيلغي البعد الإمبريالي للكيان الصهيوني، وسيموِّه على حقيقة وطبيعة هذا الكيان وعلاقته بالمشروع الإمبريالي العالمي، مما يعني تقويض الأركان الحقيقية التي يقوم عليها الصراع وتفريغه من محتواه السياسي، وتعطيلاً لكافة أدوات العمل العسكري والسياسي والدبلوماسي التي لا تنسجم مع هذه الرؤية.

ومن الطبيعي أن الرواية التوراتية للتاريخ ستعني بالضرورة نفي الطرف الآخر، ومصادرة حقه بالوجود، بل وإنكار وجوده أساساً، وفي الحالات التي تضطر فيها إلى الاعتراف بهم، فهم مجرد سكان محليين غير جديرين بالحياة وهم عبارة عن برابرة وبدائيين ومتخلفين حضاريا، وبالتالي يجب أن لا تؤخذ مطالبهم على محمل الجد.

الادعاء بملكية التاريخ

تدرك الحركة الصهيونية بأن الصراع حول تفسير الماضي والادعاء بامتلاكه، إنما هو صراع من أجل الهيمنة والسيطرة على الحاضر، وبالتالي فإن كتابة التاريخ حسب الرواية اليهودية هي توظيف للتاريخ لخدمة الأهداف السياسية التي تسعى لتحقيقها، وهنا، أي في الحالة الفلسطينية، لم يكن الأمر مجرد توظيف للتاريخ فحسب؛ بل ابـتداعاً لتاريخ جديد بكل معنى الكلمة.

ومن منطلق إدراكها لخطورة علم الآثار والتنقيبات الأركيولوجية وقدرته على هدم الرواية الإسرائيلية من أساسها، فقد تواصلت المحاولات الصهيونية للالتفاف حول هذا العلم وتطويعه لدعم وجهات النظر اليهودية، أي بعبارة أخرى “تزييف الحقائق التاريخية”. ولهذا الغرض، فقد تولى فريق من المنقبين والمؤرخين مهمة كتابة التاريخ وفق الرؤية الصهيونية، مستندين فقط إلى التوراة كمصدر تاريخي، الأمر الذي كان يدعوهم في كل مرة إلى تحليل البيانات الأركيولوجية بما يتناسب مع الأحكام المسبقة التي يريدونها، أي ليّ ذراع الحقيقة بأدوات علمية زائفة، وكانت نقطة البداية اختلاق كيان يدعى “إسرائيل القديمة” أو “المملكة الموحدة” وعاصمتها أورشليم، والتي يقصد بها مملكة سليمان وداود، وتصويرها على أنها كانت إمبراطورية، بينما هي في حقيقة الأمر لم تكن أكثر من شبح تاريخي أنتجه الخيال اليهودي، تجد له دوافع سياسية واضحة في الوقت الحاضر.[1]

بعد حرب حزيران (يونيو) 1967، صار بإمكان المنقبين الإسرائيليين البحث في الأرض المحتلة، وفي مقدمتها القدس، وقد امتزجت في البداية فرحة الجنود المنتصرين في الحرب مع فرحة الساعين للحفر والتنقيب فيها، فراح المنقبون بلهفة كبيرة يركضون وراء حلمهم الجميل بالعثور على أدلة تاريخية تسند روايتهم، وقد شعروا أن فرصتهم الذهبية قد حانت، وأنه بات في مقدورهم أن يلحموا الشعب الإسرائيلي القديم بوطنه التاريخي، وأن يبرهنوا على صدقية مزاعمهم في تدعيم حلقات روايتهم عن تاريخهم القديم، غير أن هذه الفرحة لم تحصل أبداً، وحماسهم بدأ يفتر شيئا فشيئا كلما تقدموا بالبحث، حتى أصيبوا بخيبة أمل كبيرة.[2]

وقد توهم هؤلاء الصهاينة أنه بمجرد إعادة رسم الخرائط وإطلاق الأسماء التوراتية على الأماكن سيعطيهم ذلك الحق بملكيتها، واليوم نرى بوضوح كيف أن الإسرائيليين يحاولون إضفاء شرعية دينية تاريخية لاحتلالهم فلسطين، وذلك عن طريق تغيير أسماء القرى العربية وإعطائها أسماء توراتية في محاولة مكشوفة لإثبات أن لهم حقاً تاريخياً بها، ولكن الحقيقة التي يجهلها الكثير أن هذه الأسماء هي أصلا أسماء فلسطينية كنعانية كانت سائدة قبل وأثناء وبعد الوجود الإسرائيلي في فلسطين القديمة. وأبرز مثال على ذلك تغيير اسم القدس إلى أورشاليم، مع العلم بأن أورسالم هو الاسم الكنعاني اليبوسي القديم للمدينة.

وإذا كانت خرافات وأوهام الرواية اليهودية قد انطلت على الكثيرين ولمدة طويلة، فإن التنقيبات الأركيولوجية التي تلت حملة نابليون على الشرق وما نتج عنها من فك رموز الكتابات الشرقية القديمة قد نقلتنا مباشرة إلى العصور الموغلة في القدم، لنفهم التاريخ كما هو بالضبط، ولتمدنا بحقائق لا يرقى إليها الشك، ولتتضح تلك الصورة الغامضة والمشوهة التي طالما دأبت الحركة الصهيونية على ترسيخها في الذاكرة البشرية وعملت على إحاطتها بهالة من القداسة والسحر، ليصعب على العالم فهم الحقيقة التاريخية المجردة عن تاريخ بني إسرائيل.[3]

والآن بعد أكثر من قرنين من عمليات التنقيب والجمع والتحليل التي بذلها علماء كبار في علوم التاريخ والآثار واللغات القديمة وبشكل خاص في تفسير الوثائق التاريخية التي دونتها تلك الشعوب التي صنعت أحداث وتاريخ المنطقة، تكون قد  تكونت لدينا صورة واضحة عن تاريخ المنطقة التي يدعي اليهود أن لهم أصولاً فيها، وعليه فقد بدأت تتهاوى شيئا فشيئا تلك الادعاءات الكاذبة عن وحدة الشعب اليهودي وأصوله، وتاريخه المتسلسل، ونقاء عرقه، وحقوقه الدينية والقومية ….

ما قبل وجود اليهود

يتفق كثير من المؤرخين العلميين، بمن فيهم مؤرخون يهود،[4] على أن كل القصص المحكية عن فترة عصر الآباء ومحاولات رسم صورة محددة لإسرائيل التوراتية، أو الادعاء بوجود شعب يهودي عاش ما بين العصر البرونزي والحديدي، أي منذ ولادة النبي إبراهيم وحتى قيام دولة السامرة لم تكن أكثر من رواية خيالية معلقة في الفضاء، لا تجد لها أي سند مادي من خارج التوراة، أو دليل تاريخي يسندها، بل إن جميع الشواهد والبينات والتنقيبات الأثرية تنفي بشكل نهائي أي إمكانية لظهور كيان سياسي أو إثني من أي نوع يمكن أن نطلق عليه اسم إسرائيل قبل أواسط القرن التاسع قبل الميلاد، أي عقب بناء دولة السامرة، والتي سميت حينها مملكة إسرائيل.

والنص التوراتي في حديثه حول تلك المرحلة يقع في كثير من المغالطات التي يصعب تقبلها، خاصة فيما يتعلق بمجمل التواريخ التي ذكَرها والتي لا تتفق مع التواريخ الحقيقة لأحداث ذلك العصر، وعدم ذكره أي شيء يتعلق بتاريخ هذه الطائفة مدة أربعة قرون ونيف!![5] وهذا ما يؤكده “شلومو ساند”، حين يقول: “الكثير من الأسماء المذكورة في سِفر التكوين هي أسماء ظهرت في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، ما يعني أن كَتبة هذا السّفر عرفوا مملكتي آشور وبابل اللتين أقيمتا بعد زمن طويل جدا من عصر الآباء، حيث رغب مؤلفو التوراة المتأخرون في توكيد الأصل المختلف لآبائهم المتخيَّلين، لأن النسب الرفيع بالنسبة لهؤلاء المؤلفين ضروري ومهم أكثر من السيادة على البلاد، لذلك جاء الأب السامي للشعب اليهودي (إبراهيم)”.[6]

وكما تنفي الشواهد الأركيولوجية من الفترة الانتقالية بين عصري البرونز والحديد رواية “سفر القضاة”، و”سفر يوشع” واقتحام كنعان، ذلك لأن نتائج التنقيب الأثري في مواقع المدن التي يدعي النص التوراتي تدميرها كأريحا وعاي تظهِر عدم تطابق تاريخ تدمير تلك المدن مع التاريخ المزعوم في أسفار التوراة، ونتائج المسح الأركيولوجي الشامل لمنطقة فلسطين وتحديدا الهضاب المركزية التي قامت عليها فيما بعد مملكة إسرائيل، أو مملكة يهوذا في صحراء القدس.[7]

وكذلك، فإن الشواهد التاريخية تنفي أي إمكانية لظهور مجموعة إثنية واحدة في تلك المفترضة لعصر القضاة حتى نهاية القرن العاشر قبل الميلاد، وبالذات في مدينة القدس، أو وفود مجموعة إثنية من الخارج أثرت في ثقافة المنطقة وتراثها، حيث تظهر جميع المواقع في فلسطين استمرارية ثقافية محلية غير منقطعة ولا تشوبها شائبة فيما بين عصري البرونز والحديد، (1900 ~ 900 ق.م) فجميع القرى في ذلك العصر إنما هي كنعانية، وأنه حتى ذلك التاريخ لم تتوفر القاعدة السكانية اللازمة والأساس الاقتصادي لقيام مملكة قوية، فإضافة للفقر المدقع في منطقة السامرة (نابلس) فإن منطقة يهوذا كانت خالية من السكان تقريبا آنذاك، أما القدس فقد كانت مجرد بلدة متواضعة لا تصلح لأن تكون عاصمة مملكة قوية. [8]

وفيما يخص دولة السامرة (إسرائيل) فقد قامت حقيقة عام 880 ق.م، في منطقة نابلس، وكذلك دولة يهوذا فقد تأسست عام 735 ق.م، في منطقة صحراء القدس، وكان نشوؤهما بعد نضوج جملة من الظروف الذاتية والموضوعية اللازمة، كعودة المناخ المطري لمنطقة الهضاب، واستمرار النـزوح الداخلي للقبائل باتجاه مناطق السامرة ويهوذا، حتى اكتملت أخيرا القاعدة الاقتصادية والبشرية لهما، وتهيأت الظروف الموضوعية والتي ساهم في إنضاجها السياسة العليا للإمبراطورية الآشورية.[9]

هاتان الدويلتان، إنما كانتا دويلات فلسطينية محلية، نشأتا في البيئة الكنعانية وكانت لهجتهما هي الكنعانية، وتكتبان بالحروف الآرامية، وجميع آثارهما وفنونهما ومخلفاتهما إنما تعكس نمطا كنعانيا، وحتى آلهتهما كنعانية بما في ذلك يهوه، وطوال عمر هاتين الدولتين لم يكن أي أثر لأي معتقد توراتي، أو ما يمكن تسميته ديانة يهودية، وهاتان الدويلتان لا يربط بينهما إلا أوهى الروابط، وقد عاصرتا بعضهما البعض لفترة قصيرة جداً من الزمن، إذ قامت يهوذا على أنقاض إسرائيل، ولم يسبق وجودهما أي مملكة موحدة، كما أنهما لا علاقة لهما بإسرائيل التوراتية، وكما نشأتا تباعا، فقد دمرتا تباعا أيضاً، واختلفت مصائرهما التاريخية أيما اختلاف.[10]

ولم يُعثر على ذكر لكيان سياسي اسمه إسرائيل في جميع وثائق الشرق القديم قبل أواسط القرن التاسع ق.م، وقد بدأ هذا الاسم بالظهور لأول مرة في السجلات العسكرية الآشورية للدلالة حصرا على دولة السامرة، وكذلك مملكة يهوذا لم يرد اسمها إلا في نهاية القرن الثامن ق.م أي بعد أفول نجم إسرائيل، كما لا يوجد أي ذكر لهما بعد تدميرهما تباعا على يد الآشوريين والبابليين، إذ لم تقم لهما قائمة بعدها.

أما عن المملكة الموحدة (مملكة داوود وسليمان)، والتي من المفترض أنها اتخذت من القدس عاصمة لها؛ فإن المسح الأركيولوجي للمناطق الهضبية التي كانت نواة المملكة ينفي وجود قاعدة سكانية/اقتصادية في هذه المناطق خلال القرن العاشر ق.م تسمح بقيام مثل هذه المملكة، فمملكة داود وسليمان ليست مستبعدة تاريخيا فقط إنما مستحيلة الوجود، ناهيك عن نتائج التنقيب الأثرى في القدس نفسها الذي أكد أن المدينة كانت حينها مجرد بلدة متواضعة، يضاف إلى هذا عدم العثور على أي حجر أو أثر يدل على قيام هذه المملكة في يوم من الأيام.

وبالرغم من كل التنقيبات الأثرية في القدس، فلم يعثر الإسرائيليون على شيء، وكل ما وجدوه هو سور يعود إلى العام 1800 ق.م، وهو تاريخ بناء أورشليم لأول مرة زمن اليبوسيين، وقبل الزمن المفترض للملك سليمان بثمانية قرون، كما عثرت التنقيبات على آثار هـدم وإصلاح للسور تعـود للعام 587 ق.م، أي زمن السبي البابلي على يد نبوخذ نصر، وما بين هذين التاريخين فهو مفقود تماما، ولم يتم العثور على بنية واحدة أو حجر أو أي آثار تدل على وجود ما يسمى بمملكة سليمان أو أي هيكل أو معبد … فالهيكل الذي بناه زربال قائد الدفعة الثانية التي رجعت من السبي البابلي عام 520 ق.م في عهد كورش الفارسي، دمره القائد الروماني تيطس عام 70 للميلاد، ولم تعد له قائمة بعد ذلك التاريخ، وما زال أولئك الذين يستمدون آراءهم من النصوص التوراتية فقط يحلمون بالعثور على وثيقة واحدة تدعم تلك الآراء، ولكن دون جدوى.

المزاعم الإسرائيلية لتاريخ القدس

ترتكز فلسفة الحركة الصهيونية على مجموعة من الشعارات والأساطير شكلت منها صلب خطابها السياسي وبنيتها الفكرية، ومن أهمها أسطورة أرض الميعاد، وشعب الله المختار، وشعار أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، والادعاء بنقاء الجنس اليهودي وتفوقه، وتسلسل تاريخه عبر حقب تاريخية متصلة، وتستمد هذه الشعارات قوتها من فكرة المملكة الموحدة، وإسرائيل القديمة، والأصول النبيلة لليهود التي ترجعها نصوص التوراة إلى إبراهيم.

وفي حقيقة الأمر، فإن النص التوراتي لا يزودنا بأي دليل مقنع يربط بين عصر الآباء وفترة كتابة التوراة في القرن الخامس ق.م، (بين العصرين قرابة 1300 سنة) حيث يختزل سفر التكوين تاريخ المنطقة بمسائل عائلية قبلية معلقة في الفضاء، لا تمت للواقع التاريخي بصلة، ولا نجد فيها تقاطعات مع الشخصيات الحقيقية لذلك العصر، أو صدى لأحداث كبرى معروفة وقعت في تلك الحقبة.

ثم يأتي بعد ذلك سفر الخروج، الذي يحكي أسطورة العبودية في مصر وخروج بني إسرائيل منها،[11] أي أنه يتحدث عن حقبة تاريخية كاملة دامت قرابة الأربعة قرون، ولد خلالها النبي موسى[12]. دون أي ذكر لما كان يفعله هؤلاء الإسرائيليون قبل العبودية، ومن هم شخصيات تلك الحقبة، وكيف لهؤلاء الأجراء المسخّرين أن يخرجوا من مصر ومعهم أغنام ومواشٍ كثيرة! كما أن المصادر المصرية لا تذكر شيئا عن وجود إسرائيليين في مصر ولا عن خروجهم ولا التوراة أيضاً أوردت ما يفيد عن الأوضاع في مصر والأحداث التي جرت آنذاك، بحيث يمكن مقاطعتها مع ما نعرفه تاريخيا عن تلك الحقبة التاريخية.

ومن المعروف أن الزمن المفترض للخروج هو نفس الزمن الذي شهد أوج قوة الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة – أقوى وأشهر الأسر الفرعونية الثلاثين – وبالذات في عهد رعمسيس الثاني وابنه مرنفتاح، بما يعني أن قصة الخروج بالصيغة المذكورة استحالة مطلقة، حيث كانت جميع بلاد الشام تحت القبضة الحديدية للفراعنة، الذين ضاقوا ذرعا بالتمردات التي كانت تحدث في بلاد الشام بين فترة وأخرى.[13]

أما الأسطورة الكبرى في الرواية اليهودية فهي محاولة احتكار النبي موسى والادعاء بأنه مؤسس الديانة اليهودية، وحقيقة الموسويين (نسبة إلى موسى) أنهم لم يكونوا شعبا مستقلا بذاته، بدليل عدم وجود أية آثار تاريخية خاصة بهم، وكل الدلائل تشير أنهم كانوا مصريين بالانتماء والهوى والسياسة، وأحيانا جنودا للفراعنة، وليس هناك ما يدعونا للقول بأن الذين اتبعوا موسى في دعوته ليسوا مصريين، بل هم كذلك قلبا وقالبا، يضاف إليهم العبيد والأحباش وبقايا الهكسوس وكل المستضعفين من شتى الأصول والأعراق، وهؤلاء لم يشكلوا أمة أو شعبا أو ثقافة خاصة بهم ولم ينسلخوا عن مجتمعهم الأم في مصر، وليس لهم أي علاقة تاريخية أو إثنية أو ثقافية بما يدعونه من ديانة يهودية نشأت بعدهم بقرون عديدة في بيئة مختلفة تماما ومكان لم يروه أبدا.[14]

ثم تأتي أسطورة اقتحام أرض كنعان، واحتلال أريحا، وموت يشوع، وعهد القضاة، وقصة جولياث وشاؤول، والملك داوود وانتصاراته المزعومة على الفلسطينيين، واحتلاله القدس، وجعلها عاصمة لمملكته .. إلى آخر الرواية.

والرواية اليهودية تعتبر أن فترتي عهد القضاة وفترة المملكة الموحدة اللتين يفترض أن تكون إسرائيل قد سيطرت خلالهما على القدس، بالغتا الأهمية، بما يمكن اعتبارهما تمثلان اللحظتين الحاسمتين من التاريخ الإسرائيلي، وهي الفترة التي يطلق عليها في الدراسات التوراتية فترة النشوء وأصول إسرائيل، وهما تقعان في فترة التحول من العصر البرونزي المتأخر إلى العصر الحديدي الأول.[15]

ولتفنيد هذه الرواية؛ يلخص عالم الآثار “فرانكن” في موسوعة كامبرج للتاريخ القديم، الموقف بخصوص الفترة المفترضة للفتح الإسرائيلي والاستيلاء على كنعان على النحو التالي: “إذا وضعنا التوراة جانبا، فإن علم الآثار ينفي قطعيا بأن القرن الثالث عشر قبل الميلاد قد شهد تشكل شعب جديد في فلسطين، وأنه اتخذ وضع الأمة مع حلول القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وإنه لمن المتعذر على التقنيات الأركيولوجية الحالية تلمس أية آثار تدل على وصول عناصر إثـنية جديدة إلى أي موقع في فلسطين في تلك الحقبة من التاريخ”.[16]

أما الادعاء بتدمير أريحا في نهاية القرن الثالث عشر ق.م على يد يوشع فلا يقوم على أرضية صلبة، لأن علم الآثار برهن على أن المدينة كانت قد دمرت نحو 1550 ق.م ثم هجرت بعد ذلك ولا توجد آثار تنتمي للفترة المفترضة للاقتحام، أي أن الرواية تتحدث عن هجوم على مدينة كانت قد دمرت قبل ذلك بنحو خمسمائة سنة.[17]

وفي سفر الملوك، تصل قصة إسرائيل التوراتية ذروتها عند أخبار الملك سليمان، وهي مليئة بالمبالغات غير المعقولة، كما هو الحال عند الحديث عن العصر الذهبي في أساطير وخرافات الشعوب، بحيث نرى كل ما هو عجيب ومدهش وخارق، وتصف المملكة بيوتوبيا الأرض التي تنعم بالأمن والخيرات، ومن الطبيعي أن لا يكون على رأس هذه اليوتوبيا إنسان عادي بل رجل حكمة وعقل تفوق قدراته العقلية والروحية والجسمية ما نعرفه عن البشر.[18]

الرواية التاريخية وبداية تشكل اليهودية

 ورد مصطلح “يهودي” لأول مرة في التاريخ في زمن البابليين، في إشارة إلى من جيء بهم من يهوذا (الاسم الكنعاني لمنطقة أورشاليم)، كما ورد مصطلح يهودي على لسان سنحاريب الأشوري (705 ~ 681 ق.م) حيث أشار إلى حزقيا اليهودي أي الذي أحضر من يهوذا،[19] ومن الجدير بالملاحظة أن  لفظة “ديانة يهودية” لم تُستعمل في المراحل الأولى من الأسفار، ولم يبدأ الحديث عن الديانة اليهودية إلا في القرن الرابع ق.م، بعد أن طورت هذه الديانة أفكارها وطقوسها المتكاملة وأسست لنفسها إطارا موضوعيا، أي بعد مرحلة السبي إلى بابل حيث بُدئ بكتابة التوراة وبناء إطار مادي لليهودية واستكمل في أورشاليم على يد العائدين من بابل.

أي أن ما تم إحياؤه في أورشليم بعد السبي البابلي كان بناء كيان يهودي موالٍ وتابع للحاكم الجـديد (الإمبراطورية الفارسية)، ولم يكن بأي حال من الأحوال على صلة بديانة موسى، أو إحياءً ليهوذا ولا لإسرائيل القديمة، بل خلقا من جديد لمجتمع ودين جديدين، قوامهما فئات اجتماعية متعددة الأعراق والمنابت، وكان انتماؤهم إلى تلك “الإسرائيل” بمجرد تصور جذورهم في المنفى البابلي وإقحامهم لأنفسهم في التاريخ القديم للمنطقة، بغض النظر إذا ما كانوا يتحدرون من بقية يهوذا المسبية أم من أي منطقة أخرى، فالديانة اليهودية التي نعرفها الآن تكونت فعليا في بابل وتطورت بعد ذلك في القدس فترة الحكم الفارسي، وبأمر منه، ووصلت مرحلة النضوج شبه الكامل في الفترة اليونانية والرومانية وهي الفترة المعروفة بمرحلة المكابيين.

اليهود في القدس، لأول مرة في التاريخ

مع تشكيل الكيان اليهودي لأول مرة في أورشليم عقب عودة المسبيين من بابل في الفترة الفارسية تكون القصة التوراتية قد دخلت عتبة التاريخ[20]، من هذا المنطلق يكون فهمنا لحادثة السبي البابلي على يد الملك الكلداني نبوخذ نصر عام 586 ق.م لرعايا مملكة يهوذا كحادثة تاريخية من جهة، وكفكرة ملهمة في سياق القصة التوراتية من جهة أخرى.

وسواء أكان مع العائدين بعض المسبيين من يهوذا، أو بقايا من رعايا المسبيين من إسرائيل، إلى جانب شعوب أخرى فقدت ارتباطها بأوطانها الأصلية بعد مرور وقت طويل على اقتلاعها منها، وقبائل أخرى كانت تبحث عن حظوظ جديدة في المناطق التي تخطط الإمبراطورية لإعادة تعميرها، فضلا عن القبائل التي كانت ما زالت  تسكن فلسطين وتعاني من أوضاع اقتصادية ومعاشية مزرية ولا تمانع في العيش في ظروف أفضل، ومهما كان الشعب الذي نُقل أو أُعيد إلى فلسطين قسراً أو طوعاً؛ فهم بكل تأكيد لم يكونوا إسرائيليين (بالمعنى التوراتي) لا إثنيا ولا روحياً، ورغم ذلك أصبح الفرس يعتبرونهم إسرائيليين، وأصبحوا هم يعتبرون أنفسهم سكان إسرائيل المفقودة منذ زمن، والعائدين إلى أرض إسرائيل من منفى مرير، بعد أن خلصهم سيدهم ومنقذهم “كورش”، وهكذا بمساعدة الفرس تم تحديد الهدف: إعادة ديانة يهوه القديمة.

هذا الخليط غير المتجانس عرقيا ولا إثنيا ولا حتى ثقافيا الذي استوطن القدس وجد نفسه أمام خيارين: إما القبول بشريعة الملك الفارسي والتكيف مع القوانين الجديدة أو مواجهة أقصى العقوبات –كما ورد في رسالة داريوس إلى أهل أورشليم– ولا شك بأن المجتمع الأورشليمي الجديد قد أخذ بالخيار الأول.

وكعادة رجال الدين على مر العصور الذين يجدون مبرر وجودهم ويستمدون امتيازاتهم ومكتسباتهم من خلال التركيز على وحدة الطائفة والعزف على الوتر الديني والفكر اللاهوتي الغيببي، فقد أخذ كهنة أورشليم المهمة على عاتقهم في ابتكار رابطة طائفية لهذه الجماعة الجديدة، وابتكار أصل وتاريخ وتراث لها وغيرها من المبررات الأيديولوجية اللازمة لنشوء مجتمع ودين جديدين، وبذلك انكبوا على تدوين التوراة وابتداع هذا الدين اليهودي الجديد، فهذا الذي تم إحياؤه في أورشليم لم يكن إحياء ليهوذا القديمة أو لإسرائيل القديمة ولا استمرارا لهما بأي حال من الأحوال، بل هو خلق جديد لمجتمع قوامه فئات اجتماعية مختلفة ومتعددة تحاول أن تخلق لنفسها كيانا بدعم من الإمبراطورية الفارسية بعد أن تقاطعت مصالح الطرفين.

ومنذ نشأتها في القدس، وضعت دويلة يهوذا نفسها في إطار الدور الوظيفي كمحمية فارسية تؤدي دورا معينا، وفيما بعد متحالفة مع كل الغزاة الذين تعاقبوا على البلاد، الأمر الذي جعل منها كيانا غريبا وطارئا يفتقر للعمق الحضاري، وذا تركيبة سكانية غير منسجمة مع النسيج الاجتماعي، ومتقاطعة مع الدور الحضاري للسكان الأصليين، وبالتالي ضعفت الأواصر التي تربطها بالأرض وتلاشت بسهولة فيما بعـد.

أي أن الشعب اليهودي في مرحلة التأسيس في أورشاليم، كان قد توحّد حول مشروع سياسي/أيديولوجي معين، وكان حينها مجرد قبول هذا المشروع هو الذي يحدد انتماء الإنسان إلى اليهودية، ولم تكن اللغة والأرض أهم مركبين، فعندما عاد المسبيون من بابل كانت لغتهم هي الآرامية، وفي الإسكندرية كانت لغة اليهود هي اليونانية، واليوم فإن التوراة مكتوبة بعدة لغات، أي حسب أماكن سكنى اليهود.[21]

والأرض التي تُوحِّدُ الشعبَ -كما هو الحال لدى بقية الشعوب- دامت لليهود لفترة مؤقتة محدودة. ومنذ خراب الهيكل لم تعـد كذلك، أي أن الشعب الذي بلور كيانه حول مشروع معين واكتسب خصائص مميزة به في مرحلة وجوده فوق أرض مشتركة، وامتلاكه لغة واحدة، وقبل أن يصل مرحلة النضوج فـقد الأرض واللغة مرة واحدة، وبهذا بقي المشروع مجسدا فـقط بالتوراة، وبالتالي لم تعـد اليهودية تعبر عن قومية معينة.

ولأن القاعدة السكانية لهذا المشروع لم تكن متجانسة إثنيا أصلاً، ولأن المشروع نفسه وُجد ونُمّي على هامش الطموحات التوسعية للإمبراطورية الفارسية وبدعم منها، ولأنه وظّف نفسه كليا في خدمة هذه الإمبراطورية وجميع الإمبراطوريات التي تلتها في حكم المنطقة، وكان تأثره شديدا وجوهريا بالثقافات التي مرت عليه، كل ذلك أدى به إلى هذه النهاية المدوية ودخوله مرحلة التيـه التاريخي بالمعنى الوجودي والموضوعي.

وتسعى الرواية اليهودية لتثبيت أسطورة “المساداة”، واضطهاد الرومان لهم، وذلك في محاولة منها لتبرير الخروج اليهودي من فلسطين، والانقطاع التاريخي عنها لقرون طويلة، وحول هذا الموضوع يؤكد عدد من المؤرخين أنهم في سياق بحثهم عن التمرد المفترض الذي وقع في الحقبة الرومانية (66 ~ 70م) لم يجدوا في السجلات الرومانية الغنية بالتوثيق ولا حتى إشارة واحدة إلى حدوث أي عملية نفي أو طرد من أرض فلسطين، التي كانت تحت حكمهم آنذاك. كما أن مسألة تهجير آلاف اليهود ظلت تثير سؤالا لم يجد حلا بعد: كيف خرجت هذه الأعداد الكبيرة دون أن تترك خلفها أثرا؟ فلم تدل الشواهد التاريخية على أي سلطة أو مملكة أو حتى قرية يهودية واحدة في المناطق التي هُجروا إليها. والواقع أن أحبار اليهود تركوا البلاد طوعا، لأنهم فضلوا الديانة على الموطن.[22]

وطوال الحقبة الرومانية وما تلاها شهدت فلسطين فترة من الهدوء، لم يقم اليهود خلالها بأي أعمال تذكر، وعاشوا كطائفة محلية لا تتمتع بأي مزايا سياسية، وكان الاتفاق الذي نظم العلاقات بين السلطات الرومانية واليهود يقضي ببقاء اليهودية كديانة داخلية مع تحريم أي نشاط تهويدي، وبقاء إدارة المؤسسات المحلية التي أخذت منهم بأمر من هدريانوس وكذلك المحاكم الدينية، أما موضوع القدس فلم تتنازل السلطات الرومانية بشأنه، وبقيت محرمة على اليهود ومغلقة في وجههم حتى الفتح العربي الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

خلاصة

بعد هذا السرد التاريخي الموجز، اتضح لنا بأن الرواية التوراتية ما هي إلا قصة أصول مبتكرة لدين جديد، ومجتمع جديد يحاول أن يثبت أقدميته وتجذره في المنطقة، وأن يقحم نفسه في صلب التاريخ، من خلال جمع وتصنيف وإعادة صياغة لتركة ثقافية شعبية متعددة النشأة والأصول، والادعاء بأنها هي تاريخ هذه الجماعة، وإن الذين صاغوا هذه القصة بدعوى التأريخ لهذه الجماعة إنما كانوا يكتبون بتأثير أيديولوجيا ضيقة وبهدف محدد أبعـد ما يكون عن التأريخ الأمين، وهم مدفوعون بهاجس تراثي يتركز حول اختلاق أصول وجذور لهذه الجماعة، وتبرير لوجودها المصطنع ورسم صورة معينة لمستقبلها، وقد استخدموا لهذه الغاية أسلوب الجمع التراثي، واقتطاف خبر من هنا وقصة من هناك، وتجميعها، بحيث تبدو للوهلة الأولى وكأن تسلسلا منطقيا يربطها، ولكن هذا الترابط سرعان ما يهوي ويتعرى أمام ضعفه، وفي نهاية هذه العملية ظهرت رواية خيالية ونوعا من القصص الشعبية والحكايا والأساطير أحداثها لا تتقاطع مع التاريخ الفلسطيني، ولا مع تاريخ الشرق القديم، ولا تمت للحقيقة بصلة.

لذلك، فإن الاعتماد على التوراة في عملية التأريخ للمنطقة هو عمل عبثي لا طائل منه، ذلك لأن النص التوراتي بحد ذاته ليس نصاً تاريخيا بأي معيار، ولا يمكن له أن يكون كذلك، وهو مليء بالتناقضات والتعقيدات، والفجوات التي يصعب ردمها، والأحداث التي يتعذر التوفيق فيما بينها، والأساطير التي لا يصدقها عاقل.

وباتفاق المؤرخين، واستنادا للنقد النصي للأسفار نفسها، وتبيان تناقض الرواية مع ذاتها، وضعف حبكتها، والترتيب الزمني المفروض عليها فرضا، إضافة للشواهد الأركيولوجية فقد سقطت وإلى غير رجعة روايات عصر الآباء، وعصر العبودية، والخروج من مصر والتيه في الصحراء، واقتحام كنعان، وأمجاد المملكة الموحدة في القدس، كما وردت في أسفار التوراة، كما سقطت فكرة ما يسمى بِـ”الشتات اليهودي”، الذي تقف وراءه فكرة طرد الرومان لليهود بعد تدمير الهيكل، فمن ناحية فإن طرد “الشعب اليهودي” من وطنه لم يحدث أبداً، ومن ناحية ثانية فإن رواية الطرد والتشريد كانت ضرورية من أجل بناء ذاكرة للمدى البعيد، وُضع فيها شعب عرقي “متخيَّل” ومنفي، باعتباره استمرارا مباشرا للشعب التوراتي القديم.[23] بمعنى أن اليهود لم يُطردوا أساسا من فلسطين، بل خرجوا منها طوعا، ولم يعودوا إليها بإرادتهم الحرة.

كما أكد المؤرخون بأنه لا يوجد ذكر لكيان سياسي اسمه إسرائيل، أو الشعب اليهودي في جميع وثائق الشرق القديم قبل أواسط القرن التاسع ق.م، أما عن المملكة الموحدة المزعومة؛ فإن المسح الأركيولوجي للقدس ينفي وجود قاعدة سكانية/اقتصادية فيها خلال القرن العاشر ق.م تسمح بقيام مثل هذه المملكة، فمملكة داود وسليمان ليست مستبعدة تاريخيا فقط إنما مستحيلة الوجود، ففي ذلك الوقت كانت القدس مجرد بلدة متواضعة.

والديانة اليهودية التوراتية نشأت في العهد الفارسي في بابل واستُكملت في القدس على يد كهنة أورشليم، وهي لا تمت بأي صلة لديانة التوحيد التي جاء بها النبي موسى قبل هذا التاريخ بنحو ثمانية قرون من الزمان، أما دولة يهوذا التي قامت فعليا في القدس، فقد وضعت نفسها منذ نشأتها في إطار الدور الوظيفي كمحمية فارسية تؤدي دورا معينا، وفيما بعد متحالفة مع كل الغزاة الذين تعاقبوا على البلاد، الأمر الذي جعل منها كيانا غريبا وطارئا يفتقر للعمق الحضاري، وذا تركيبة سكانية غير منسجمة مع النسيج الاجتماعي ومتقاطعة مع الدور الحضاري للسكان الأصليين، وبالتالي ضعفت الأواصر التي تربطها بالأرض، ثم تلاشت بسهولة فيما بعـد.

 

الهوامش

[*] باحث فلسطيني، مقيم في رام الله.

[1] كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة، ترجمة د. سحر الهنيدي، عالم المعرفة، الكويت 1999، ص 9.

[2] شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، ترجمة سعيد عياش، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، رام الله، ط1، 2010، ص 156.

[3]  فراس السواح، الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، دار علاء الدين، دمشق 1993، ط 2.

[4] عدد كبير من المؤرخين اليهود يعارضون الرواية التوراتية، وقد كتبوا عنها وفندوها، أبرزهم شلومو ساند، إسرائيل شاحاك، ميخائيل هرسيغور، إسرائيل فنكلشتاين، نيل إشر سيلبرمان، ومن العلماء الأمريكان كيث وايتلام، توماس طومسون.

[5]  جودت السعد، أوهام التاريخ اليهودي، المصدر نفسه، ص 25 ~ 55.

[6]  شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، مصدر سبق ذكره، ص 158.

[7] روجيه جارودي، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، دار الغد العربي، ط 1، القاهرة 1996، ص60.

[8] فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل، دار علاء الدين، ط 1، دمشق 1995، ص 94.

[9]  المصدر نفسه.

[10]  شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، مصدر سبق ذكره، ص 163.

[11]   فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل، مصدر سبق ذكره، ص 55.

[12]  الموسوعة الفلسطينية، موسى، النبي هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق 1985، ج 3.

[13]  شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، مصدر سبق ذكره، ص 130.

[14] سيغمون فرويد، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للنشر، بيروت، ط4، 1986، ص17-20.

[15]  كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة، مصدر سبق ذكره، ص 129.

[16]  فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل، مصدر سبق ذكره، ص 110.

[17]  كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة، مصدر سبق ذكره، ص 153.

[18] فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل، مصدر سبق ذكره.

[19]  جودت السعد، أوهام التاريخ اليهودي، مصدر سبق ذكره، ص 147.

[20]  فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل، مصدر سبق ذكره.

[21]  ميخائيل هرسيغور، إسرائيل/فلسطين، الواقع وما وراء الأساطير، ص 59.

[22]  شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، مصدر سبق ذكره، ص 180، 199.

[23]  شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، المصدر نفسه، ص 15.