إبراهيم أبراش[*]

 لا أحد يُنكر دور مصر التاريخي في استنهاض المشروع الوطني الفلسطيني الحديث لأول مرة من خلال منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 أو دعم العمل الفدائي في بداياته عندما وصفه الرئيس جمال عبد الناصر بقوله: “إنه أنبل ظواهر العصر”. آنذاك كان الدعم المصري الرسمي والشعبي للقضية الفلسطينية منسجما ومؤسَسا على البعد القومي للقضية الفلسطينية المبني على فهم عقلاني وواقعي لخطورة المشروع الصهيوني على مصر والمنطقة، ولم يكن مجرد حالة عاطفية انفعالية.

ما بين زمن البعد القومي واليوم جرت مياه كثيرة في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي وفي العلاقات الفلسطينية المصرية غيرت من العلاقة بين الطرفين، سواء في مصر والتحولات الداخلية فيها وخصوصا في السنوات الخمس الأخيرة حيث تراجع البعد القومي لصالح الحسابات الأمنية والاقتصادية، أو في فلسطين وما شهدته حركة التحرر الفلسطينية من أحداث ومتغيرات، وآخرها الانقسام حيث تعددت الأطراف السياسية الفاعلة.

هذه المتغيرات أربكت العلاقات الفلسطينية المصرية على المستوى الرسمي والمستوى الشعبي، وكان آخر مظاهر الإرباك والتوتر موقف مصر من القيادة الفلسطينية في سياق مبادرة الرباعية العربية حول المصالحة ثم التحركات المصرية الانفرادية تجاه قطاع غزة. كل ذلك يتطلب سرعة تصويب العلاقة بين الطرفين على قاعدة استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، واحترام المؤسسات الشرعية الفلسطينية، وتفهم المتطلبات الحياتية للفلسطينيين في قطاع غزة، وفي المقابل تفهم متطلبات الأمن القومي المصري وخصوصاً على حدودها مع فلسطين.

سنقارب الموضوع من خلال المحاور التالية:

المحور الأول

العلاقات المصرية الفلسطينية ما بين الالتزام القومي والأمن الوطني

المحور الثاني

 فلسطين ضحية صراعات مصر الداخلية وارتباطات حماس الأيديولوجية

 المحور الثالث

مصر ومبادرة الرباعية العربية ومسألة خلافة الرئيس أبو مازن

المحور الأول

العلاقات المصرية الفلسطينية ما بين الالتزام القومي والأمن الوطني

تاريخياً حدث تلازم ما بين القضية الفلسطينية والعالم العربي بحيث كانت أية تحولات أو متغيرات كبيرة تحدث في العالم العربي تنعكس مباشرة على القضية الفلسطينية، عندما تنتكس الحركة القومية والثورية العربية تنتكس القضية الفلسطينية، وعندما تنهض الحالة العربية تنهض معها القضية، فما كانت فلسطين تضيع وتحدث النكبة لو لم تكن الحالة العربية عاجزة بل ومتواطئة مع بريطانيا، وما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعرف نهوضا مع حركة فتح وبقية القوى الوطنية منتصف الستينات لولا حالة المد الثوري والتقدمي العربي بقيادة مصر الناصرية، في المقابل فإن الانتكاسات التي أصابت القضية الفلسطينية أخيراً غير منقطعة الصلة بتراجع الحالة الثورية والتقدمية العربية منذ توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل في كانون الأول (ديسمبر) 1978 ثم انهيار النظام الإقليمي العربي بعد حرب الخليج الثانية 1990/1991 وانتهاء بفوضى (الربيع العربي).

عوامل متعددة أضفت خصوصية على العلاقات المصرية الفلسطينية، منها الجوار الجغرافي والتداخل البشري وخصوصاً ما بين مصر وقطاع غزة. فخلال الفترة ما بين 1948 و1967 كان قطاع غزة مُدارا من طرف حاكم عسكري مصري، وكان أهل قطاع غزة يحملون وثائق سفر مصرية للاجئين، وكانت مصر بوابتهم الوحيدة للتعامل مع العالم الخارجي، بالإضافة إلى أن مناهج التعليم كانت مصرية. وحتى بعد سيطرة إسرائيل على قطاع غزة في حرب حزيران (يونيو) 1967 لم تنقطع علاقة مصر بالقضية الفلسطينية وبقطاع غزة واستمرت مصر تعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية بالرغم من بعض مراحل التوتر كما جرى عندما اعترفت مصر بمبادرة روجرز عام 1970، حتى اتفاقية كامب ديفيد واعتراف مصر بإسرائيل لم تدفع مصر للتخلي عن القضية الفلسطينية بالرغم من رفض الفلسطينيين لهذه الاتفاقية.

استمر الاهتمام المصري بالقضية الفلسطينية بعد توقيع اتفاقية أوسلو 1993 وقيام السلطة الوطنية 1994 حيث كانت مصر سباقة في فتح سفارة لها في قطاع غزة، وعبر الحدود المصرية دخل الرئيس ياسر عرفات وجماعته إلى قطاع غزة. مع أن العلاقة بين الرئيس أبو عمار والرئيس حسني مبارك توترت خلال عام 1999 عندما وقف مبارك ضد توجه أبو عمار لإعلان الدولة الفلسطينية في أيار (مايو) من نفس العام بعد نهاية المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو، وحذره من الإقدام على هذه الخطوة، وقد استمر هذا الموقف السلبي في القمة العربية في بيروت آذار (مارس) 2002 وفي موقف مصر من محاصرة الرئيس حتى وفاة أبو عمار نهاية 2004.[1]

الملاحظ أنه في تلك الفترة كان وفد أمني مصري برئاسة مصطفى البحيري ثم اللواء برهان جمال حماد دائم التواجد في قطاع غزة دون الضفة الغربية وقد استمر هذا الوفد الأمني خلال سنوات الانفلات والفوضى في قطاع غزة والتي صاحبت حصار الرئيس أبو عمار في المقاطعة واستمرت حتى سيطرة حماس على قطاع غزة. هذا التواجد كان يطرح تساؤلات عن سبب وجود الوفد الأمني في قطاع غزة دون الضفة؟ وعن دوره في الأحداث آنذاك؟.[2]

بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران (يونيو) 2007 غادر الوفد الأمني المصري قطاع غزة، واستمرت مصر في علاقاتها مع السلطة الفلسطينية والرئيس أبو مازن كمركز السلطة والشرعية، إلا أنها لم تُغلق معبر رفح وتحاصر غزة، وإن كان عمل المعبر لم يعد كما كان سابقا لرفض حركة حماس الالتزام باتفاقية المعابر الموقعة بين السلطة وإسرائيل.

وفي عام 2009 احتضنت مصر لقاءات مصالحة فلسطينية- فلسطينية، واستمرت بهذا الدور إلى حين اندلاع أحداث فوضى الربيع العربي، وظهور مشاريع إقليمية على رأسها دولة قطر متعارضة مع السياسة المصرية وخصوصا بعد ثورة 30 حزيران (يونيو)، لتدخل العلاقات المصرية الفلسطينية في حالة من الإرباك والتوتر استمرت حتى اليوم.

التباس العلاقات الفلسطينية المصرية في ظل فوضى الربيع العربي

القضية الفلسطينية كقضية مركزية عربية أو ما يسمى بالبعد القومي عرفت تراجعاً وتدهوراً في ظل ما يسمى بالربيع العربي، وخصوصا في الساحة المصرية، مما ترك تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية. سعت بعض مراكز القوى في مصر لفك الارتباط التاريخي والمصيري والإستراتيجي والنفسي ما بين فلسطين والشعب المصري، وسادت حالة من القلق بسبب غياب القضية الفلسطينية عن أجندة الثورة، حيث أخذت الثورة بعداً وطنياً ولم يرفع المحتجون أو الثائرون شعارات كبرى كتحرير فلسطين أو الوحدة العربية أو القضاء على إسرائيل وأميركا بل لم يتم ترديد ولو شعار واحد ضد واشنطن وإسرائيل أو حرق العلمين الإسرائيلي والأميركي كما كان الحال مع الثورات أو الانقلابات العربية السابقة.

بالرغم من تباين مواقف الفلسطينيين من ثورات الربيع العربي، فقد وجد الفلسطينيون عذراً لكل ما سبق من منطلق أن هناك أولويات للثوار الأوائل- قبل أن تنكشف أبعاد ما يجري – وأولوياتهم تغيير النظام القائم وبناء الدولة والمجتمع ثم التفرغ للقضية المركزية للأمة العربية، حتى إعلان الرئيس الإخواني مرسي اعترافه بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل ورسالته الشهيرة لشمعون بيرس، وجد الفلسطينيون مبررات لذلك من منطلق أن مصر تمر بمرحلة انتقالية سيدفع الفلسطينيون الثمن بداية ولكن بعدها ستعود مصر لأصالتها العربية وتُعيد ترتيب أولوياتها لتلتفت للقضية الفلسطينية ليس من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني فقط ولكن دفاعاً عن المصالح القومية المصرية المُهددة من الكيان الصهيوني.

منذ بداية الأحداث كان من الواضح أن أية تغييرات تشهدها مصر سيكون لها تداعيات على القضية الفلسطينية، تداعيات مرتبطة بالحوامل الاجتماعية والسياسية التي ستقود عملية التغيير. كنا وما زلنا نراهن أن الأيديولوجية القومية العربية والمواقف المعادية لإسرائيل كامنة ولا شك في عمق العقل الجمعي المصري، ولكنها ليست من أولويات الجماهير التي لها مطالب ذات طابع وطني، وبالتالي فالتحول في توجهات الرأي العام قد يحدث مع مرور الوقت، وهذا يذكرنا بـ(ثورة) تموز (يوليو) 1952 التي كانت في بدايتها ثورة وطنية خالصة، وهذا ما كان واضحا في مبادئ الثورة، وفيما بعد أصبح لها توجهات قومية وثورية تحررية.[3]

فوز مرسي وتداعياته فلسطينياً

بعد فوز الدكتور محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) 2012 عمت فرحة عارمة عند أنصار حركة حماس وخصوصا في غزة، حيث إطلاق النار وتقديم الحلوى والخروج إلى الشارع ورفع صور مرسي وشعارات الإخوان المسلمين، جرى ذلك في ظل تعثر المصالحة الوطنية وحالة سياسية واقتصادية واجتماعية مأزومة على كافة المستويات، كما راهنت حركة حماس على فوز مرسي في الانتخابات وعظَّمت من مراهناتها على الإخوان المسلمين وعلى مصر الإخوانية، وبالتالي رهنت مستقبل القضية الفلسطينية ومصير ما يقارب المليوني فلسطيني بما ستؤول إليه الأمور في مصر، وهذا يعني إعطاء الأولوية للانتماء الحزبي الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين على الانتماء للشريك الوطني، بل كان لدى حماس الاستعداد للتخلي عن المصالحة لصالح إلحاق نفسها وإلحاق قطاع غزة بالحالة المصرية التي يحكمها الإخوان المسلمون.

كان الرئيس محمد مرسي واضحا في خطابه الأول يوم 24 حزيران (يونيو) 2012 حيث مر في خطابه مروراً عابراً على القضية الفلسطينية وحصار غزة مع الإشارة بطريقة غير مباشرة لإسرائيل عندما قال بأنه سيلتزم بالاتفاقات الدولية التي وقعتها مصر مع الدول الأخرى ويقصد هنا تحديدا اتفاقية كامب ديفيد.

كان موقف الرئيس مرسي نابعاً من إدراكه لعِظَم التحديات الداخلية التي سيواجهها في سنواته الأولى، وأن مصلحة مصر ستكون مُسَبَقة على أي اعتبارات أخرى. بالرغم من حديث لقوى وطنية مصرية معارضة عن استعداد الرئيس مرسي وحركة الإخوان الدخول في تسوية جديدة في المنطقة تتضمن توسيع قطاع غزة باتجاه سيناء وإقامة دولة غزة الموسعة وإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين.

العلاقات الإستراتيجية الخارجية للدول لا تتغير بسهولة مع وصول رئيس جديد ينتمي لأيديولوجيا مغايرة حتى وإن كان التغيير عن طريق ثورة، لأن هناك مصالح قومية ثابتة للدولة لا يستطيع الرئيس الجديد تغييرها بسهولة وخصوصا إن كان في الأمر التباس إن كنا أمام ثورة شعبية شاملة أم أمام حالة ملتبسة ما بين الثورة والمخططات الخارجية، فإن نهج التغيير في السياسة الخارجية لمصر في العهد القصير لمحمد مرسي، لم يمس عمليا الجوانب الإستراتيجية تجاه مشكلة الشرق الأوسط، وتأثير فوز مرسي على القضية الفلسطينية كان على مستويات دون الإستراتيجية، ولكن كان له تأثير كبير في تعزيز سلطة حركة حماس في قطاع غزة وحدثت انفراجة في فتح معبر رفح وأسلوب التعامل مع الفلسطينيين، وفي نفس الوقت توترت علاقة مصر في عهده بالسلطة الوطنية وبالرئيس أبو مازن.

(ثورة 30 حزيران/يونيو التصحيحية) تخلط الأوراق عربيا وفلسطينيا

ما جرى في مصر بعد 30 حزيران (يونيو) 2013 ونهاية حكم الإخوان المسلمين، ليس مجرد حراك شعبي عادي أو تمردٍ على الرئيس مرسي أو انقلاب عسكري، وأياً كان المسمى فإنه حدث أعاد خلط الأوراق في مصر وفي المنطقة، كما ترك تداعيات على القضية الفلسطينية وخصوصا مع استمرار حركة حماس على تأكيد علاقتها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر بالرغم من تحول هذه الأخيرة لحركة معادية للنظام القائم في مصر، الأمر الذي أدى لعودة توتير العلاقة بين مصر وسلطة حماس في قطاع غزة وتشديد الحصار على القطاع، مع انفراجة في العلاقة مع السلطة الفلسطينية والرئيس أبو مازن.

بسبب علاقة حماس بجماعة الإخوان فقد بالغت بعض القوى السياسية المصرية في تحميل حركة حماس المسؤولية عما جرى في مصر بعد سقوط محمد مرسي لدرجة أن محكمة القاهرة للأمور المستعجلة أصدرت يوم 28 شباط (فبراير) 2015 حكماً أولياً اعتبرت فيه حركة حماس “منظمة إرهابية”، وقد تم التراجع عن هذا الحكم لاحقا، بل سعت وسائل إعلامية مصرية لشيطنة الشعب الفلسطيني دون تمييز بين الحمساوي وغير الحمساوي.

 المحور الثاني

فلسطين ضحية صراعات مصر الداخلية وارتباطات حماس الأيديولوجية

بعد نهاية حكم محمد مرسي ومجيء الرئيس عبد الفتاح السيسي توترت العلاقات مع الفلسطينيين بشكل متسارع، ولم تعد الخلافات رسمية بل أصبحت شعبية ووصلت لدرجة كيّ وعي الشعب المصري لتُغِّير من إيمانه والتزامه بالقضية الفلسطينية كقضية عادلة. إن كنا لا نبرئ بعض الأحزاب الفلسطينية وتحديدا حركة حماس من مسؤولية التحول في الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، حيث أخطأت عندما اخترقت المبدأ والقاعدة التي تحكم الثورة الفلسطينية بمحيطها العربي وهي عدم التدخل في الشأن الداخلي لأية دولة عربية، والوقوف موقف الحياد في النزاعات العربية العربية، إلا أن ردة الفعل وخصوصاً من طرف الإعلام وعلى مستوى التعامل مع حصار غزة وإغلاق معبر رفح لا تعود للتجاوزات الفلسطينية المحدودة، بل إن جهات داخل مصر وظفت هذه التجاوزات لكسر العلاقة الحميمة بين الشعب المصري وفلسطين، ويبدو أن هذه الجهات أو القوى تعتقد أن تحرير النظام من التزاماته ومسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية ستعزز فرص تحسين علاقاته الاستراتيجية مع واشنطن وإسرائيل دون رهن ذلك بحل القضية الفلسطينية أو على الأقل وقف حالة العدوان المستمرة على الفلسطينيين، بعد أن تكون هذه الأطراف هيأت القاعدة الشعبية لقبول هكذا علاقات.

كل متابع للإعلام المصري وكل فلسطيني يقطن في مصر أو يضطر للمرور بمطاراتها وموانئها البحرية والبرية وخصوصا بوابة معبر رفح سيلمس بوضوح ليس فقط تشديداً أمنياً يمكن تفهمه وتحمله من منطلق خصوصية الحالة الأمنية في مصر، بل يصطدم بتشدد رسمي وشعبي غير مسبوق تجاه فلسطين، قضية وشعبا.

مع كامل الاحترام والتقدير للشعب المصري وقيادته السياسية، ومع تفهمنا لصعوبة المرحلة التي يمر بها النظام السياسي وخصوصا في مواجهته للإرهاب في الداخل والتحديات الإقليمية، إلا أن ما يجري في مصر مع الفلسطينيين أخطر في دلالاته السياسية وفيما يلحقه من أذى نفسي ومادي من كل ما جرى معهم في كل العهود السابقة بما فيها عهدي السادات ومبارك.

اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس السادات وإن حققت تسوية سياسية بين مصر وإسرائيل ألا أنها لم تقطع الصلة بين الشعب المصري والقضية الفلسطينية وفشلت في فرض التطبيع وهو الأمر الذي استمر في عهدي الرئيسين حسني مبارك ومحمد مرسي، كما لم تتعرض مصالح الفلسطينيين في مصر للخطر ولم تتم إهانتهم بطريقة ممنهجة ومقصودة إلا لفترات محدودة.

في تعامل الدولة المصرية وأجهزتها مع كل الدول العربية التي بها جماعات متطرفة تسيء لمصر علناً بل وتحاربها، يتم التمييز بين الأحزاب والجماعات الإرهابية من جانب والشعب والحكومة الشرعية من جانب آخر، فتتخذ مصر موقفاً معادياً للجماعات الإرهابية أو المُعادية لها دون أن تتعرض للشعب أو تُحرض الشعب المصري على الشعوب التي تنتمي لها هذه الجماعات.

من حق مصر- القيادة والشعب – أن تقلق على أمنها وأن تغضب من تصريحات وممارسات حركة حماس التي قد تسيء للقيادة المصرية أو تؤيد جماعة الإخوان المسلمين، ولكن الأجهزة الأمنية المصرية تعلم جيداً أنه ليس كل الشعب الفلسطيني حماس، كما تعلم أن ما يجري في مصر لا علاقة مباشرة لحركة حماس به وهو شأن مصري داخلي، وأن التشديد في إغلاق معبر رفح البري يضر بالشعب أكثر من حماس وقياداتها، حيث لهؤلاء مصادر تمويل خاصة سواء من الضرائب التي يفرضونها على الشعب أو من خلال أموال المساعدات، وهو ما يمكنهم، بالإضافة إلى قوتهم العسكرية، من الاستمرار في مصادرة قطاع غزة والسيطرة عليه لسنوات قادمة، وخصوصا أن الانقسام ليس شأنا فلسطينياً داخلياً بل جزء من معادلة إقليمية وإسرائيلية.[4] نخلص مما سبق أن العلاقات الفلسطينية المصرية في زمن ما يسمى الربيع العربي اتسمت بما يلي:

  • تغيرت للأسوأ نظرة قطاع كبير من الشعب المصري للفلسطينيين وجرت عملية شيطنة الشعب الفلسطيني عند الجماهير المصرية، وهذا ما تمظهر في طريقة تعامل المصريين مع أهالي قطاع غزة، سواء على المعابر حيث يتعرض المسافرون للإهانة والاستفزاز والابتزاز، أو داخل مصر حيث بات الفلسطينيون يترددون بالجهر بأنهم فلسطينيون من غزة.
  • ما جرى بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) أثار كثيراً من التساؤلات حول إن كان هناك تغير في سياسة الحكومة والإعلام المصري ليس تجاه حركة حماس فقط بل وتجاه الرئيس أبو مازن والسلطة الوطنية الفلسطينية. وكانت مؤشرات ذلك استقبال محمد دحلان المفصول من حركة فتح والمشتبك بخصومة كبيرة مع الرئيس الفلسطيني استقبالاً رسمياً والسماح له بتوظيف الإعلام المصري – حواراته مع قناة دريم 2- لمهاجمة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دولة فلسطين العضو كامل العضوية في جامعة الدول العربية، وهذا مؤشر له دلالاته السياسية.
  • إلا أن أخطر ما نتج عن طريقة تعاطي الإعلام المصري الموجه مع الملف الفلسطيني إعادة تشكيل وعي الجماهير المصرية العاشقة لفلسطين وقضيتها العادلة تجاه فلسطين والفلسطينيين، بالزعم أن الفلسطينيين لا يستحقون مساندتهم أو الوقوف لجانبهم ولا داعي لأن تعيد مصر النظر باتفاقية كامب ديفيد إرضاء للفلسطينيين أو تدخل في مواجهة مع إسرائيل من أجل الفلسطينيين، مع تكرار الحديث. أن مصر قدمت مائة ألف شهيد دفاعاً عن الفلسطينيين، وذلك للوقيعة بين الشعبين المصري والفلسطيني.
  • إن تحويل مؤشر العداء من إسرائيل إلى الفلسطينيين وهو عداء بدأ يتغلغل إلى نفوس الشعب المصري وينعكس في سلوكياتهم تجاه الفلسطينيين، هذا التحول سيؤدي لأن يفقد الفلسطينيون دولة وشعبا أهم دول وشعوب المنطقة وهو ما قد يؤثر على مواقف شعوب ودول أخرى، الأمر الذي يشكل انتصاراً كبيراً لإسرائيل ودافعاً قوياً لها لتنفرد بالفلسطينيين وتستكمل مشروعها الاستيطاني والتهويدي في الضفة والقدس واستكمال مشروع دويلة غزة الإخوانية.
  • استمرار حركة حماس في التأكيد على انتمائها لجماعة الإخوان المسلمين واستمرار حالة العداء بين جماعة الإخوان والدولة المصرية مع حالة العنف والإرهاب في سيناء، من أهم أسباب التوتر بين مصر وحركة حماس في قطاع غزة وأهل قطاع غزة من سيدفع ثمن ذلك.

المحور الثالث

مصر ومبادرة الرباعية العربية ومسألة خلافة الرئيس محمود عباس (أبو مازن)

خلال السنتين الأخيرتين عاد للظهور لاعب سياسي جديد وهو محمد دحلان لتصبح علاقة مصر مع الجانب الفلسطيني ثلاثية الأبعاد – حماس والرئيس أبو مازن ومحمد دحلان -، جاءت مبادرة الرباعية العربية – مصر والسعودية والإمارات والأردن – للمصالحة الفتحاوية تمهيدا للمصالحة الفلسطينية الشاملة كما يقول أصحابها والتي تم الكشف عنها بداية أيلول (سبتمبر) 2016 لتُظهِر أو تبحث عن دور للاعب جديد ربما كبديل عن اللاعبين الآخرين وخصوصا فيما يتعلق بالتعامل مع قطاع غزة. هذه المبادرة وترت العلاقة بين الرئيس أبو مازن وأصحاب المبادرة وخصوصا مصر وكَثُرت الأقاويل عن تدهور العلاقة بين الرئيس أبو مازن ومصر، بل وصل الأمر لدرجة القول بأن القيادة المصرية تدعم محمد دحلان ليكون خليفة للرئيس أبو مازن!.

السياق والتوقيت اللذان جاءت فيهما المبادرة العربية والموقف المصري من الرئيس أبو مازن وتقرب الدولة المصرية من محمد دحلان أثارا التخوفات إن كانت الدولة المصرية أو بعض أجهزتها المخابراتية تريد بالفعل إنهاء حقبة الرئيس أبو مازن وإعادة تشكيل النظام السياسي بما يخدم الاستراتيجية الجديدة للنظام المصري في المنطقة؟[5]. مما عزز الشكوك حول المبادرة والموقف المصري أن المبادرة خلطت ما بين المصالحة الفتحاوية والفلسطينية الشاملة من جانب وخلافة الرئيس أبو مازن من جانب ثانٍ، أو هكذا فَهِم أو فَسر كثيرون مضمون المبادرة، أو بصيغة أخرى بدا الأمر وكأن أصحاب المبادرة يقولون إما أن تقبلوا بمحمد دحلان رئيسا أو تعيدوه لموقعه في حركة فتح، وإلا لن نساعدكم في ملف المصالحة ولن نستمر في تقديم المساعدة لكم!.[6]

كان من الواضح أن مصر تدعم دحلان بقوة وتريد عودته ليكون فاعلاً رئيساً في الاستراتيجية المصرية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية والمنطقة. كانت مصر تعتقد وتراهن أنه يمكنها ومن خلال التنسيق من دول عربية وإقليمية الضغط على الأطراف الفلسطينية الفاعلة وخصوصاً الرئاسة الفلسطينية لفرض رؤيتها ولو في نطاق تغيير الأوضاع في قطاع غزة دون أن تصل الأمور للانقلاب على الرئيس أبو مازن أو خلق كيان سياسي بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية.

يمكن رصد هذا التحول في الموقف المصري من خلال:

  • نشاط ملحوظ لمحمد دحلان وجماعته في قطاع غزة خلال الخمس سنوات الماضية من خلال تقديمه الأموال لمؤسسات خيرية في القطاع من خلال زوجته دائمة الزيارة لقطاع غزة، إشراف مسؤولين في حماس على مشاريع مساعدات من محمد دحلان للمحتاجين في القطاع، تقديم أموال لبعض الجامعات في القطاع، تحرك مواليه بحرية في القطاع، وزيارة أعضاء تشريعي من حركة حماس لمحمد دحلان في الإمارات، وتصريحات لقادة حمساويين تمتدح محمد دحلان وتنتقد الإجراءات التي اتخذها الرئيس أبو مازن بحقه.
  • وفي مصر سمحت الدولة بحراك ملحوظ لمحمد دحلان وجماعته داخل مصر من خلال وقوفه وتمويله لعدة مؤتمرات لنخب فلسطينية من قطاع غزة سياسية واقتصادية واجتماعية جرت بدءا من السادس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2016 في عين السخنة على ساحل خليج السويس وتحت إشراف مركز الأبحاث القومي لدراسات الشرق الأوسط المحسوب على جهات أمنية سيادية.
  • تسهيلات ملحوظة على معبر رفح حيث تم فتحه عدة مرات بعد هذه اللقاءات خلاف ما كان سابقاً حيث كان يتم غلقه لعدة أشهر، مع وعود مصرية بمزيد من التسهيلات بل وصل الأمر للحديث عن منطقة تجارة حرة وزيارة وفد مصري لقطاع غزة، أيضا بدأنا نسمع خطاباً متبادلاً مرناً لا يخلو من نغمة تصالحية بين حماس والدولة المصرية.
  • عودة الاتصالات بين حركة حماس والقيادة المصرية من خلال موسى أبو مرزوق وقيادات حمساوية أخرى زارت مصر مؤخراً وبحث في ملفات متعددة وعلى رأسها الملف الأمني.
  • تراجع الاهتمام المصري بملف المصالحة الفلسطينية.[7]

مع أن المؤتمر السابع لحركة فتح -29/11/2016 – بايع الرئيس أبو مازن رئيساً بلا منازع لحركة فتح وأقصى محمد دحلان وجماعته من خلال التحكم في عضوية المؤتمر، بالإضافة إلى إصدار محكمة مكافحة الفساد يوم الرابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي حكما بإدانة محمد دحلان بتهمة الفساد والحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات وتغريمه بـ160 مليون دينار، إلا أننا نعتقد أن الخلاف ما بين الرئاسة الفلسطينية مع مصر ومحمد دحلان لم يحسم، وفي ظني فإن أية خطوة قد يقدم عليها محمد دحلان سواء على مستوى حركة فتح أو من خلال دعوته لمؤتمر وطني لن يُكتب لها النجاح دون دعم مصري، ولا نعتقد أن مصر في هذه المرحلة ستقطع الوصل مع الرئيس ومنظمة التحرير أو تشارك في خلق كيانية سياسية جديدة منافسة أو بديلة لمنظمة التحرير ولسلطة الرئيس أبو مازن، ولكن قد تغير من طريقة تعاملها مع السلطة ومع قطاع غزة تحديدا.[8]

ارتباطاً بما ورد أعلاه فإن مصر ستهتم في المرحلة القادمة بملف قطاع غزة لاعتبارات تتعلق بالبعد الأمني وضمان حماية جبهتها الجنوبية، بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي حيث ترى مصر في التجارة مع قطاع غزة مورداً مالياً مهماً سيساعد على تنشيط الاقتصاد المصري المأزوم وخصوصا في سيناء، وسيكون مدخلها أو تبريرها لذلك تخفيف الحصار عن القطاع.

وفي السياق الاقتصادي نرى من المهم التحذير من ربط اقتصاد قطاع غزة بالاقتصاد المصري في ظل غياب سلطة وحكومة فلسطينية تراقب الحركة الاقتصادية وتحمي الاقتصاد الفلسطيني والمستهلك الفلسطيني، فمن خلال ما جرى خلال الفترة السابقة فإن ما يدخل من مصر للقطاع من مواد لا يتناسب مع الاحتياجات الحقيقية والضرورية لأهالي قطاع غزة ولا تساعد على استنهاض الاقتصاد الفلسطيني، فغالبية البضائع استهلاكية ومن النوعية الرديئة ولا تخضع لأية مراقبة مهنية أو صحية، والمستفيدون من هذه التجارة هم كبار التجار من الجهة المصرية المرتبطين بالمؤسسة العسكرية، ومن الجانب الفلسطيني كبار التجار المرتبطين بحركة حماس. ما نخشاه في حالة فك ارتباط اقتصاد غزة بالسلطة الفلسطينية وبالتالي بالضفة الغربية وإسرائيل أن يصبح الوضع الاقتصادي في قطاع غزة شبيهاً وامتداداً للوضع الاقتصادي في مصر بل في رفح المصرية.

ومع ذلك فإن هذا التوجه لمصر لا يخلو من خلفيات سياسية كما ستكون له تداعيات سياسية كبيرة، ذلك أن ارتباط اقتصاد قطاع غزة بإسرائيل يستند على مقتضيات بروتوكول باريس الاقتصادي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وهذا البروتوكول والذي تم توقيعه يوم 29/4/1994 هو جزء من اتفاقية أوسلو التي تتعامل مع قطاع غزة والضفة كوحدة سياسية وجغرافية واقتصادية واحدة، وعليه فإن ربط اقتصاد القطاع بمصر معناه الانفكاك من اتفاقات أوسلو ومن بروتوكول باريس وهذه مسألة سياسية أكثر منها اقتصادية، فهل مصر تعي هذا الأمر وقررت التخلص من حل الدولتين والتعامل مع قطاع غزة مباشرة؟.

هناك مسألة أخرى ذات بعد قانوني مرتبطة بفهم أو تصور مصري لاتفاقية أوسلو وعملية السلام. فاتفاقية أوسلو قامت على أساس قرار مجلس الأمن 242 وقرار 338 الذي يؤكد على القرار الأول، ومن المعلوم أن قرار 242 لا يتحدث عن حل الدولتين أو عن سيادة فلسطينية على أي شبر من أرض فلسطين بل عن انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967– أو أراضي حسب التفسير الإسرائيلي – وإنهاء حالة الحرب وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب. ومن هذا المنطلق فإن التحرك المصري تجاه قطاع غزة سيجد ما يسنده انطلاقا مما آلت إليه عملية التسوية من فشل، ورغبة مصر أن يكون لها تواجد في قطاع غزة – ما دامت السلطة غير قادرة أو غير مسموح لها بالعودة للقطاع – وذلك للحيلولة دون سقوطه تحت هيمنة أطراف معادية أو مهددة للأمن القومي المصري، وقد نسمع عن حراك أردني في اتجاه الضفة من نفس المنطلق.

خاتمة

خلاصة لهذا البحث يمكن القول بأن العلاقات الفلسطينية المصرية تمر بمنعطف دقيق، وحتى في حالة عودة مصر لتأخذ موقعها القومي في ريادة الأمة العربية فإن مفهوم البعد القومي ودور مصر لن يكون كما كان سابقا، حيث ستعطي مصر الأولوية لأمنها ومصالحها الوطنية، التي لن تتحقق من خلال التصادم مع تل أبيب وواشنطن بل من خلال التقارب معهما.

ومن جهة أخرى ومع أن مصر ترعى ملف المصالحة الفلسطينية إلا أن قدرتها على إنجازها باتت محدودة بسبب ترسخ واقع الانقسام وظهور جماعات مصالح راغبة في استمراره من جانب، ومن جانب آخر لأن إسرائيل لن تسمح بإعادة توحيد الضفة وغزة في إطار سلطة وحكومة واحدة، ومصر لا تستطيع إجبار إسرائيل على تغيير موقفها، بالإضافة إلى ظهور قوى ومحاور عربية وإقليمية تنافس مصر على الملف الفلسطيني وعلى ملف المصالحة.

الهوامش:

[*] أستاذ العلوم السياسية، جامعة الأزهر- غزة.

[1] -http://middle-east-online.com/?id=200917

[2] تساؤلات كثيرة تم طرحها حول وجود هذا الوفد الأمني في قطاع غزة فقط وبعد أن أعلن شارون نهاية 2004 عن نيته الخروج من قطاع غزة، وهل كان تنسيق بين مصر وإسرائيل حول الموضوع باعتبار أن المسؤولية عن قطاع غزة ستؤول لمصر حسب مرجعية اتفاقية أوسلو وهما قرارا مجلس الأمن 224 و338؟.

[3] انظر حول الموضوع: إبراهيم أبراش، الثورات العربية في عالم متغير، منشورات دار الزمن، الرباط، 2011.

[4] انظر حول الموضوع: إبراهيم أبراش، صناعة الانقسام: النكبة الفلسطينية الثانية، دار الجندي للطباعة والنشر، القدس، 2014. أيضا: صناعة دولة غزة https://palestinethink.eu/2015/02/02/creatinggazastate/:

[5] في يوم 26 أيلول (سبتمبر) 2016 تم تسريب تسجيل صوتي للواء وائل الصفطي مسؤول الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية، هاجم فيه الرئيس أبو مازن وتحدث عنه وعن حركة فتح باستخفاف معظما من قيمة وأهمية محمد دحلان.

[6] مع أن أكثر من موقع الكتروني وصحيفة نشرت نصوص المبادرة إلا أنه لا يوجد نص رسمي للمبادرة كما أن الأطراف المعنية – مصر والأردن والعربية السعودية والأردن – لم تتحدث رسميا عن المبادرة.

[7] في اعتقادي بأن رعاية مصر للمصالحة منذ البداية لم يكن مؤسسا على قناعة مصرية كاملة بإمكانية إنجازها، فمصر كانت تعرف حقيقة أن ما جرى ليس نتيجة خلافات بين حركتي فتح وحماس بل نتيجة مخطط إسرائيلي أميركي إقليمي شاركت فيه بعض الأطراف الفلسطينية لفصل غزة عن الضفة.

[8] قبل أيام من انعقاد المؤتمر السابع لفتح أعلن الرئيس أبو مازن أنه يعرف من يقف وراء اغتيال ياسر عرفات وسيتم الإعلان عن ذلك خلال المؤتمر، وكان الاعتقاد أنه سيوجه الاتهام لمحمد دحلان، ولكن خلال المؤتمر وبعده تم تجاهل الأمر وعاد الصمت المريب حول ملف اغتيال أبو عمار وفي المقابل تراجع محمد دحلان مؤقتا عن فكرة عقد مؤتمر وطني في القاهرة كما قلت تصريحاته المستفزة تجاه الرئيس، مما يدفع للتساؤل إن تمت صفقة ما بين الطرفين أدت لهذه النتيجة!.