مراجعة: عليان الهندي[*]

“تطبيق القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية” أو “خطة الضم” أو “الاندماج”، جميعها مشاريع غايتها تحقيق هدف إسرائيلي واحد وهو ابتلاع أرض ووطن الفلسطينيين وتشريد ما لم تنجح بتشريده في نكبة عام 1948 ونكسة حزيران (يونيو) عام 1967.

ولا تكمن أهمية الكتاب بالتفاصيل والبراهين الكثيرة المبنية على تزوير الحقائق، وعلى الرواية الصهيونية التقليدية المشوهة للأحداث والتاريخ، بل إلى الفكرة القائمة في هذا الكتاب الداعية إلى إقامة دولة واحدة في كل فلسطين يصنف فيها الفلسطينيون بأنهم ساكنون في دولة إسرائيل، التي ستعمل على تفكيكهم وطنيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وتحويلهم لمجموعات من الأقليات التي تحمل مسميات وتصنيفات مختلفة مثل الساكن والعامل والمخرب والمواطن الذي ستمنحه الجنسية الإسرائيلية بعد إخضاعه لاختبارات كثيرة ومتنوعة هدفها الأساسي إجباره على الرحيل.

الأهمية الأخرى لخطة “تطبيق القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية”، الواردة في الكتاب هي تبنيها من قبل اتحاد الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة “الأيباك”، وإقناع المرشح الأمريكي الجمهوري اليميني المتطرف تيد كروز بتبنيها في مسعاه للحصول على تأييد الحزب الجمهوري للترشح للرئاسة الأمريكية.

وعلى الأرض تتوافق الخطة بشكل كبير جدا مع المشروع الذي طرح من قبل أعضاء حزب الليكود في الكنيست السابقة، والداعي إلى تطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنين في الضفة الغربية، ومع القانون الذي يسعى له أعضاء نفس الحزب الداعي لتحويل القوانين التي تسن في الكنيست إلى أوامر عسكرية يوقع عليها قائد المنطقة الوسطى لتنفذ في الضفة الغربية.

ورد مشروع “تطبيق القانون الإسرائيلي” في الكتاب الذي يحمل عنوان “الضم الآن – الطريق إلى الدولة الواحدة” أو حسب تسميته الإنجليزية: The Israeli Solution: A one-State Plan For Peace in The Middle East، حيث أثار ضجة إعلامية كبيرة في الولايات المتحدة عند نشره، نتيجة تبنيه من قبل المحافظين الجدد، ومن قبل وسائل الإعلام المؤيدة في معظمها لإسرائيل. وقام بترجمته إلى اللغة العبرية أوري لدلر عام 2015.

ألفت الكتاب الصحافية كارولين غليك (مواليد الولايات المتحدة عام 1969 ورافقت الجيش الأمريكي في غزوه للعراق كصحفية تعمل في “جيروساليم بوست”) التي عملت في “مكتب منسق أعمال الحكومة في المناطق” كمنسقة للمفاوضات مع م.ت.ف. ومن هناك أطلت على ما يحاك ضد الفلسطينيين من مشاريع ومخططات، قامت هي بتحويلها إلى مشروع سياسي واقعي لشريحة عالية جدا من اليهود والنخب الحاكمة في دولة إسرائيل، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو الذي حاول ضم المؤلفة في مكان مضمون (مرشحة رقم 11) بالكنيست الحالية.

ويشار أن الخطة المطروحة أدناه لم تورد في الكتاب كما هي، بل هي تلخيص للأفكار الواردة في الكتاب وتحويلها إلى نقاط وفقرات حرصت خلالها بالمحافظة على روح وتفاصيل الخطة. لكن التقديم المطروح أدناه ترجمته كما هي من دون أي تدخل.

تقديم

بعد أسبوع من نهاية حرب الأيام الستة، عقدت الحكومة الإسرائيلية اجتماعات سرية جدا من أجل اتخاذ قرار في كيفية التعامل مع المناطق التي احتلتها الدولة من مصر وسوريا والأردن. وكانت مسألة القدس من أبسط القضايا المطروحة، حيث قرر المجلس الوزاري بالإجماع، توحيد العاصمة وتطبيق القانون الإسرائيلي على المناطق التي “حررت من الاحتلال الأردني”.

وحول مصير “يهودا والسامرة” وغزة، ولأن هذه الأراضي كانت ضمن المناطق المخصصة للسيادة الإسرائيلية بصك الانتداب الصادر من قبل عصبة الأمم عام 1922، وبسبب أهميتها التاريخية والإستراتيجية لإسرائيل، لم تطرح في جلسات الحكومة إمكانية إعادتها مقابل السلام، لكن المجلس الوزاري قرر فرض قوانين إسرائيل على قطاع غزة، لكنها أجلت القرار بخصوص “كيفية التعامل مع السكان العرب” القاطنين فيه.

وفيما يتعلق بموقف الحكومة من شبه جزيرة سيناء (التي احتلت من مصر)، وهضبة الجولان (التي احتلت من سوريا) ذكر، أنه ورغم تفوق مطالب إسرائيل بالسيادة في هاتين المنطقتين على المطالب المصرية أو السورية (لأن إسرائيل احتلت هذه المناطق منهما بحرب دفاعية، وفقدتهما مصر وسوريا في حرب هجومية) فإن بالإمكان التفاوض حولهما مقابل سلام شامل.

وكانت يهودا والسامرة ذات العدد السكاني الكبير نسبياً، تشكل التهديد الأكبر لإسرائيل. حيث أوصى بعض الوزراء بفرض القانون الإسرائيلي على غور الأردن وعلى منطقة الخليل. وفي المقابل، إجراء مفاوضات للتوصل إلى اتفاق للحكم الذاتي للسكان المحليين، يُبقي السيطرتين الأمنية والسياسية في قبضة إسرائيلية.

ولم يكن المجتمعان الإقليمي والدولي (الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة ولا الجامعة العربية) يؤيدَان إقامة دولة عربية إضافية في المناطق. ونتيجة ذلك، لم يطرح في جلسات الحكومة المذكورة إمكانية ايجاد حل قائم على “دولتين لشعبين”، حيث قررت الحكومة استمرار حكمها للمناطق –باستثناء القدس-  بواسطة الجيش الإسرائيلي طالما لم يعرب العرب عن استعدادهم للتفاوض مع إسرائيل.

ولم يترك الكرم الإسرائيلي أي تأثير على العرب. وفي الأول من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1967 اجتمع أعضاء الجامعة العربية في الخرطوم مصدرين في نهاية مؤتمرهم لاءات الخرطوم الثلاث: لا للسلام مع إسرائيل، ولا للاعتراف بإسرائيل، ولا للمفاوضات مع إسرائيل.

ونتيجة ذلك، تحول الحكم العسكري والإدارة المدنية من حل قصير المدى ومؤقت حتى التوصل إلى سلام، إلى وضع قائم.

ومن الناحية العملية، تحولت الإدارة المدنية إلى أداة لتعزيز الحكم الذاتي الفلسطيني، حيث كان معظم العاملين في الإدارة المدنية من الفلسطينيين، وهم من أدار حكم الفلسطينيين. أما السلطات الإسرائيلية فتدخلت في حياة الفلسطينيين اليومية، من أجل منع تعليم مواد معادية للسامية في المدارس، ومن أجل إخراج المنظمات الإرهابية خارج القانون، وتحسين الوضع الصحي والأمني للإسرائيليين والفلسطينيين سوياً فقط.

ولا بد من الإشارة أن الاحتلال الإسرائيلي للقدس ويهودا والسامرة شكل للعرب الفلسطينيين هدية ربانية، من الناحيتين الاقتصادية وحقوق الإنسان، حيث اصطف عرب القدس بالدور من أجل الحصول على الهوية الإسرائيلية، الذين منحوا مكانة ساكن دائم داخل دولة إسرائيل. ومنح الفلسطينيون حريات سياسية من ضمنها حرية التعبير والتجمع في أطر واتحادات وحرية الصحافة وتحرير المرأة، وإمكانية الاستعانة بالقضاء الإسرائيلي، وهي حريات لا تتوفر في أي مكان بالعالم العربي.

ومنذ إقامة السلطة الفلسطينية عام 1994 تمت السيطرة على يهودا والسامرة بطريقة مشتركة من قبل الحكم العسكري الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية.

ومع ذلك، كان للحكم العسكري الإسرائيلي مساوئ كثيرة بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين الذين يحيَوُن في يهودا والسامرة، لأن الحكم العسكري أدار أراضيها حسب القانون الأردني والأوامر العسكرية التي صدرت من عام 1967 وصاعداً، وليس حسب القانون الإسرائيلي. ونتيجة ذلك، كانت العقبات البيروقراطية في مجالات الحياة العادية المختلفة، مثل كيفية مواجهة حوادث الطرق والعمل الجنائي والتخطيط وتخصيص الأراضي الزراعية، أكبر بكثير من تلك العقبات التي يواجهها المواطنون اليهود والعرب في المناطق الخاضعة للسيادة الإسرائيلية. وعلى سبيل المثال، يعتبر تسجيل الأراضي مهمة غير ممكنة تقريباً.

الخيارات الإسرائيلية

يشير تطور الأمور أن م.ت.ف لم تكن مهتمة مطلقاً بتنفيذ الالتزامات التي أخذتها على عاتقها عندما وقعت اتفاق السلام مع إسرائيل. وإسرائيل من جهتها سلمت م.ت.ف السيطرة على أراضي، لكن المنظمة رفضت التوقيع على اتفاق سلام معها، ورفضت إقامة سلطة حكم دائم، وحلت مكانها سلطة فساد رسمي مستفحل، حيث اهتم قادة السلطة بالسرقة من الصندوق العام وقمع الفلسطينيين والتحريض على العنف والكراهية ضد اليهود، أكثر من اهتمامهم ببناء دولة حقيقية وإقامة علاقات سلام مع إسرائيل.

كما أن الخيار الأردني هو خيار لا مخرج له. والأمل الإسرائيلي بكونفدرالية مع الأردن، يتم في إطارها فرض السيادة الأردنية على الفلسطينيين في مناطق يهودا والسامرة، فقد كل احتمالات تنفيذه. ومن الناحية العملية، لم يكن هناك مطلقاً أي احتمال بتنفيذ هذا الخيار.

وفي ظل عدم وجود إمكانية لإقامة علاقات سلمية مع حكومة فلسطينية أو إقامة كونفدرالية مع الأردن، تجد إسرائيل نفسها أمام ثلاثة خيارات أساسية هي:

  1. إعادة الحكم العسكري الإسرائيلي كجهة حكم وحيدة.
  2. المحافظة على الوضع القائم الذي تسيطر فيه جهتان على الأرض –الحكم العسكري والسلطة الفلسطينية.
  3. دمج/ضم يهودا والسامرة لإسرائيل ذات السيادة.

المشكلة في الخيار الأول هي أن عودة الحكم العسكري للعب دور الحاكم الوحيد في المناطق هي إمكانية لا يمكن تطبيقها لفترة طويلة. ومن الناحيتين الاقتصادية والإنسانية، كانت ظروف حياة الفلسطينيون تحت الحكم العسكري الإسرائيلي أفضل بكثير من أي حكم سابق، أو تحت السلطة الفلسطينية. لكن الحكم العسكري ليس حلا معقولا على المدى البعيد، ومن حق العرب واليهود العيش داخل سلطة مدنية وديموقراطية.

وفيما يتعلق بالخيار الثاني، المحافظة على سلطة برأسين، فإن المعطيات تشير أن نجاح سلطة مشتركة مع م.ت.ف على المدى البعيد، يعني أن خيار دولتين لشعبين هو أيضاً خيار قابل للتنفيذ. ووفق المذكور في هذه الحالة، فإن دولة فلسطينية كانت ستقوم قبل 15 عاماً. لكن ولسوء الحظ، أوضح الفلسطينيون بالأقوال والأفعال أنهم غير معنيين بدولة تعيش بسلام جنباً إلى جنب مع الدولة اليهودية. ومن أجل ذلك، يعتبر حل محاولة المحافظة على السلطة القائمة على رأسين على مدار العقدين السابقين، حلاً ليس بأفضل من حل دولتين لشعبين.

ورفض الخيارين الأولين يبقينا أمام الخيار الثالت وهو: “تطبيق القانون الإسرائيلي” على المناطق ودمج هذه المناطق بالأراضي الخاضعة للسيادة الإسرائيلية.

أسباب الضم

لتطبيق القانون الإسرائيلي على يهودا والسامرة أسباب كثيرة من أهمها:

  1. استعادة “الحقوق التاريخية والدينية” لليهود في كل “أرض إسرائيل”، والرغبة في رفع الظلم الذي مورس عليهم على مدار أكثر من ثلاثة آلاف عام.
  2. عدم وجود دولة أخرى قبل نشوء دولة إسرائيل، وعدم وجود مطالب بالسيادة على هذه المناطق من العرب القاطنين في هذه المناطق. وما يسمى بالشعب الفلسطيني أنشأه الحاج أمين الحسيني، الذي رفض في الوقت ذاته صياغة رواية وهوية وطنية جماعية وفردية للفلسطينيين، مركزا على الدوافع المدمرة والسلبية الموجودة فيهم من أجل تدمير وإبادة اليهود والحركة الوطنية الصهيونية من كل أرض إسرائيل. وسار على نفس النهج وريثه ياسر عرفات والرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس.

ويشار أن الرئيسين ياسر عرفات ومحمود عباس لم يستجيبا للمقترحات الكريمة التي قدمها رئيساً وزراء إسرائيل إيهود براك وإيهود أولمرت من أجل إقامة دولة فلسطينية، مقابل السلام ووجود دولة إسرائيل كدولة يهودية، متطلعين إلى العمل على شن حرب لا هوادة فيها ضدها بهدف تدميرها.

  1. ضم “يهودا والسامرة” يتلاءم مع “الحقوق الوطنية” لليهود كما نص عليه صك الانتداب على فلسطين الصادر عن عصبة الأمم الذي يعطي لإسرائيل منفردةً، الحق الشرعي بالسيادة عليها، بعد أن تنازل الانتداب البريطاني عن هذا الحق لأول مرة في شهر شباط (فبراير) عام 1940.
  2. ضم “يهودا والسامرة” يضمن عدم شن حرب على إسرائيل من الشرق، ويوفر لها حدوداً يمكن الدفاع عنها في كل الظروف. والضم من الناحية الأمنية يتلاءم مع الخطة التي قدمها رئيس القوات الأمريكية المشتركة الجنرال إيرل فيلر إلى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، التي تضمنت خارطة أمنية تُضم بموجبها معظم مناطق “يهودا والسامرة” وأجزاء من هضبة الجولان وأجزاء من قطاع غزة وشرق سيناء، بما فيها منطقة شرم الشيخ الواقعة في الطرف الجنوبي من سيناء.
  3. منع بناء شبكات وقدرات إرهابية عربية قوية في المناطق. حيث أدت السيطرة الإسرائيلية الفعالة على “يهودا والسامرة” من عام 1967–1988 (حتى الانتفاضة الأولى) إلى هجمات إرهابية قليلة تم التخطيط لها أو خرجت من يهودا والسامرة. علاوة على ذلك، لا تثق إسرائيل بقوى الأمن الفلسطينية المعادية كي تمنع تنفيذ الإرهابيين عمليات قتل ضد اليهود.
  4. المساعدة بالدفاع عن المصالح الأمريكية في المنطقة.

خطة الضم

يعتبر التنازل عن حقوق إسرائيل في يهودا والسامرة، تنكرا للماضي وللإرث اليهودي ويفرغ الدولة اليهودية من أهميتها، ووفق ذلك لا يحق لإسرائيل التنازل عن هذه المناطق.

وعلى مدار الخمسة والعشرين عاماً الماضية، فضلت حكومات إسرائيل السعي إلى حل كامل على حساب الحل الجيد، ما دفعها للهرولة خلف خطوات سلمية رخوة مع م.ت.ف. كما وصلت لكونفدرالية، والتي لم تأتِ مع الأردن، إلى طريق مسدود. وجرى كل ذلك من دون أن نسأل أنفسنا ما هو المطلوب؟. والمطلوب هو، فرض القانون الإسرائيلي على يهودا والسامرة ودمج المناطق والسكان الفلسطينيين بإسرائيل، وفرض القانون الإسرائيلي على المناطق يضع حداً للقمع الرسمي الذي يتعرض له الفلسطينيون تحت السلطة الفلسطينية. وكمواطن دائم في إسرائيل ومع إمكانية طلب الجنسية الإسرائيلية، سيجد الفلسطينيون أنفسهم يعيشون في ديموقراطية ليبرالية تحفظ فيها حقوق الفرد.

وإضافة للاعتبارات الأمنية، التي ستطبق على المستوى الفردي وليس الجماعي، يمتلك الفلسطينيون:

  1. حرية السفر والعيش في كل مكان يرغبون به داخل إسرائيل.
  2. يحق لليهود في إسرائيل العيش بكل مكان يرغبون به في الدولة الإسرائيلية ذات السيادة.
  3. تلغى كل القيود على شراء الممتلكات والأراضي المفروضة على اليهود.
  4. كمواطنين دائمين في إسرائيل، يتمتع الفلسطينيون من اللحظة الأولى بحق المشاركة في الانتخابات المحلية.
  5. يمنح المواطنون الجنسية الإسرائيلية بما يتلاءم مع قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل، ويمنحون حق المشاركة بانتخابات الكنيست.
  6. تفتح أمام الفلسطينيين مؤسسات التعليم الإسرائيلية والاقتصاد الإسرائيلي.

ولا يوجد شك أن هناك أسئلة ثقيلة تفرضها هذه الخطة. فمن وجهة نظر إسرائيلية المصدر الأساسي للقلق ظل كما كان عام 1967 هو الخشية من تدفق مفاجئ وضخم للسكان العرب إلى إسرائيل ما يتسبب في زعزعة استقرار الدولة وتعريض طابعها اليهودي للخطر. وفي السياق المذكور، لا بد من الإشارة أن المعطيات الفلسطينية غير صحيحة، لأن العدد الحقيقي للفلسطينيين في الضفة الغربية هو 1.4 مليون نسمة عام 2004، وليس كما يدعي الفلسطينيين 2.8 مليون نسمة، وفيما يتعلق بعددهم عام 2006 فهو 1.66 مليون نسمة، بمعنى أن اليهود سيشكلون ثلثي سكان إسرائيل في حال ضمها لـ”يهودا والسامرة”، وإخراج قطاع غزة كليا من ساحة الصراع السياسي والديموغرافي.

وبالإضافة لذلك، يلغى تطبيق القانون الإسرائيلي على المناطق، بشكل نهائي، إمكانية إنشاء كونفدرالية بين إسرائيل والأردن والفلسطينيين، مع العلم أنها لا تذكر منذ عام 1967.

والحل المذكور هو حل واقعي وبسيط جدا، يتم من خلاله تطبيق القانون الإسرائيلي على “يهودا والسامرة”، تسيطر إسرائيل من خلاله على هذه المناطق باعتبارها جزءاً من مناطقها العادية، ويحل الحكم العسكري نفسه كما تم حله في هضبة الجولان عندما فرضت إسرائيل قانونها على الأرض.

تنفيذ الخطة

يتم تنفذ خطة تطبيق القانون الإسرائيلي على “يهودا والسامرة”، عندما تتخلى الحكومات الإسرائيلية وحليفتها الأقرب إليها (الولايات المتحدة الأمريكية) عن الجري وراء أحلام مُقنوَنَة والبحث عن حلول كاملة، لصالح تبني حلول واقعية، بدلا من الفرص والتهديدات الكامنة في حل دولتين لشعبين والآليات المرتبطة بها.

وعندما تعترف الولايات المتحدة بفشل الحل القائم على دولتين لشعبين، تتوقف عن دعم السلطة الفلسطينية وقواتها المسلحة، ما يدفع إلى انهيار السلطة وتفككها.

ميزات الخطة

  1. حل السلطة الفلسطينية بهدف التخفيف من التهديد الذي تشكله قواتها على إسرائيل.
  2. تفكيك قوات الأمن الفلسطينية ومصادرة أسلحتها، ويحل مكانها الجيش والشرطة الإسرائيليان، كجهة مسؤولة مسؤولية كاملة عن الأمن في كل مناطق الدولة.
  3. تضع إسرائيل قيوداً معقولة حول الحق بالجنسية مثل منع منح الجنسية لكل من كان عضواً سابقا أو حاليا في منظمات الإرهاب، أو من حرَض على العنف سابقا وحاضرا. وتمنع م.ت.ف من تمثيل الفلسطينيين في يهودا والسامرة. ويتمتع الفلسطينيون في يهودا والسامرة، الذين يطلبون الجنسية ويحصلون عليها، بتمثيل في الكنيست، ويمثلون جميعهم في الإدارات المحلية من قبل أشخاص يتم انتخابهم من قبلهم.
  4. وجود إسرائيل كقوة وحيدة في يهودا والسامرة، يمنع نمو المنظمات المتطرفة مثل داعش وغيرها.
  5. ضمان السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن وعلى سلسلة الجبال المطلة على طول الحدود الأردنية، لمنع أي هجوم من الشرق.

مخاطر الخطة

يخلق فرض القانون الإسرائيلي على يهودا والسامرة عدة صعوبات لإسرائيل، وهي:

  1. ضم 1.66 مليون فلسطيني يخلق صعوبات اقتصادية آنية، مثل صعوبات أمام تقديم خدمات الرفاه الاجتماعي.
  2. الضغوط الدولية الرافضة للخطة.
  3. مواجهة تحديات داخلية مثل شن هجمات إرهابية، ومواجهة حرب دبلوماسية من م.ت.ف.
  4. تدهور العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية التي تقيم سلاماً مع إسرائيل، لكن هذا التدهور لن يؤدي لاندلاع حرب، نظرا لانشغال هذه الدول بشئونها الخاصة.

وبخصوص الصعوبات الكامنة في البندين الثاني والثالث، فإن إسرائيل تتعرض لما هو منصوص فيهما حاليا من دون أن يفرض القانون الإسرائيلي على يهودا والسامرة.

  مستقبل قطاع غزة

لا تتحدث خطة تطبيق القانون الإسرائيلي عن قطاع غزة، لكنها تتحدث عن ضرورة الابتعاد عنه لأربعة اعتبارات أساسية هي:

  1. تنازلت إسرائيل عن السيادة في قطاع غزة عندما نفذت الانفصال أحادي الجانب عام 2005، ووفق القانون الدولي لا تستطيع إسرائيل استعادة السيادة التي تنازلت عنها.
  2. رغبة سكان قطاع غزة عدم الاندماج مع إسرائيل، الذين أظهروا رغبة بالانضمام لمصر، أو الاستقلال.
  3. إخراج قطاع غزة يفقد الصراع الديموغرافي مع الفلسطينيين قيمته.
  4. تحويل قطاع غزة لدولة، وهجرة من يرغب من الفلسطينيين سكان يهودا والسامرة بالعيش في السيادة الفلسطينية.

ردود الأفعال

تشير المؤلفة في كتابها أن تطبيق القانون الإسرائيلي على يهودا والسامرة سيؤدي إلى سلسلة من ردود الأفعال المحلية والإقليمية والدولية، من أهمها:

رد الفعل الفلسطيني: تنقسم مواقف الفلسطينيين بخصوص القرار الإسرائيلي بتطبيق القانون الإسرائيلي إلى عدة مواقف أساسية، حيث سيكون رد فعل الغالبية العظمى من الفلسطينيين القاطنين في “يهودا والسامرة” بالموافقة على هذا القرار، نظرا لاحترامهم “الديموقراطية الإسرائيلية”. ورغبة الفلسطينيين في المنطقة المذكورة بالعمل والاندماج مع إسرائيل ستدفعهم إلى التدافع نحو وزارة الداخلية الإسرائيلية للحصول على مكانة “ساكن دائم”، وليس جنسية إسرائيلية. وبشكل عام، لن تقدم أعداد كبيرة من الفلسطينيين طلبات الحصول على الجنسية الإسرائيلية نظرا لكرههم لليهود، وسيكون موقفهم مشابهاً لعرب الجولان والقدس الذين حصلوا على مكانة “ساكن دائم” وليس على جنسية إسرائيلية.

لكن السلطة الحاكمة لـ”يهودا والسامرة” وفي مقدمتها رئيسها أبو مازن، وبقية “فصائل الإرهاب” ستعارض الخطة الإسرائيلية، وستطلق النار على جبين كل من يحصل على الجنسية الإسرائيلية. كما ستواصل السلطة الفلسطينية حربها الدبلوماسية ضد إسرائيل في المحافل الدولية، خاصة أمام محكمة الجنايات الدولية، وتعزز من حملات مقاطعة إسرائيل اقتصادياً وسياسياً وأكاديمياً، وغير ذلك. وفي السياق المذكور، ستشن القوات الفلسطينية “هجمات إرهابية” على إسرائيل، وستحرض الدول العربية على شن حرب ضدها.

وحول موقف سكان قطاع غزة، فإن موقفهم لن يكون له تأثير كبير نظرا لاهتمامهم بمشاكلهم الخاصة، وباختلافهم السياسي والاجتماعي والثقافي عن الفلسطينيين القاطنين في “يهودا والسامرة”.

وفيما يتعلق بموقف الفلسطينيين في الأردن الذين يعتبرون أكثر التجمعات الفلسطينية من حيث عدد السكان، فإن موقفهم لن يختلف عن موقف المواطن المصري أو العراقي أو السوري، لأن هويتهم الجمعية هي “هوية رمزية”، وفي معظم الحالات ليست “عنصرا مركزيا في هويتهم” كأفراد.

وحول الموقف العربي، تشير التوقعات والتقديرات بأن مواقف الشعوب العربية معروفة، حيث تشكل الكراهية لليهود والرغبة في تدمير إسرائيل تأييد ما نسبته 98-100% من العرب إن كانوا ذوي مواقف إسلامية أو قومية أو علمانية، لكن موقف الأنظمة العربية لن يخرج عن نطاق عبارات الشجب والاستنكار، ولن تؤدي ردود الأفعال العربية إلى حرب جديدة في المنطقة نظرا لعدة عوامل من أهمها:

  • المشاكل الداخلية الحالية التي تمر بها مصر ومن أهمها: الإرهاب الذي تشكله المجموعات المتطرفة في سيناء، وسوء الوضع الاقتصادي.
  • ينطبق نفس الوضع على المملكة الأردنية الهاشمية التي يرى حكامها الهاشميون، أنهم لا يستطيعون الاستمرار في حكم المملكة من دون دعم أمريكي وإسرائيلي. ويعتقد أن النظام الهاشمي سيحتفل بقرار الضم نظرا لأن القرار سيضعف من قوة منظمة التحرير وحركة حماس لصالح النظام الحاكم في الأردن التي يعتبر 80% من سكانها فلسطينيين.
  • السلام الموقع مع إسرائيل ليس مصلحة إسرائيلية فقط، بل هو مصلحة مصرية وأردنية، لإدراك الدولتين بتفوق إسرائيل الكامل، وعدم قدرتهما على شن حرب ضدها.

وبشكل عام لن يتطور الموقفان (الأردني والمصري) من تطبيق القانون الإسرائيلي على يهودا والسامرة من انتقادات إلى حرب، نتيجة المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تتلقاها الدولتان من الولايات المتحدة الأمريكية.

  • فيما يتعلق بالموقف السوري، فإنه لن يكون له أي تأثير نظرا لتهاوي الدولة ومؤسساتها لدرجة قد تدفع إلى تقسيمها.
  • وحول موقف حزب الله يشار أن الحزب لن يتجرأ على خوض حرب جديدة ضد إسرائيل بعد الهزيمة التي الحقتها إسرائيل به عام 2006. إضافة إلى انغماسه بالحرب الأهلية في سوريا التي يعطيها أولوية قصوى.
  • أما موقف المنظمات الإسلامية المتطرفة مثل داعش وجبهة النصرة وبيت المقدس وغيرها، فإن هذه المنظمات لا تحتاج إلى إجراءات إسرائيلية كي تهاجمها، فكلما لاحت لها فرصة لمهاجمة الأهداف الإسرائيلية فلن تتوانى عن ذلك.

وحول الموقف الأمريكي الذي أفردت له الكاتبة حيزا كبيرا جدا في الكتاب، طالبت الإدارة الأمريكية بالاعتراف بفشل سياستها الشرق أوسطية التي ترى بالقضية الفلسطينية مصدرا أساسيا لعدم الاستقرار في المنطقة، وأن منح الفلسطينيين دولة مستقلة في إطار حل “دولتين لشعبين” يساهم في تعزيز وتقوية الاستقرار في المنطقة، ويساهم في المحافظة على المصالح الأمريكية في الشرق الوسط.

ولتثبيت وجهة نظرها، تستعين الكاتبة بالحروب الأهلية المندلعة في المنطقة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، لتثبت أن عدم الاستقرار في المنطقة مرده الخلافات والصراعات العرقية والمذهبية والطائفية والإقليمية في المنطقة، وليس القضية الفلسطينية، ومن هنا فإن ما يجري في المنطقة هو أحد الأسباب التي تدعو الولايات المتحدة إلى الاعتراف بفشل سياستها، التي عليها أن ترى الأمور كما هي في الشرق الأوسط.

ومقابل تخلي الولايات المتحدة عن سياستها الشرق أوسطية المبنية في أحد أوجهها على حل “دولتين لشعبين”، عليها التمسك بحليفتها الوحيدة المتبقية في الشرق الأوسط، أَلا وهي دولة إسرائيل، وتعمل على تقويتها وعدم إضعافها بواسطة حل “دولتين لشعبين”، من أجل تمكينها من الدفاع عن نفسها وعن المصالح الأمريكية في المنطقة.

والاعتراف بفشل سياستها الشرق أوسطية، وتبني خطة “تطبيق القانون” على يهودا والسامرة، يوفر على الولايات المتحدة الأموال التي تقدمها للفلسطينيين، ويعيد لها ثلاثة عناصر فقدتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية وهي: الحقيقة، والأخلاق الطبيعية، والإيمان بالأمور الجيدة.

وفيما يتعلق بالموقف الأوروبي، تعتقد الكاتبة أنه سيكون أكثر المواقف انتقادا لإسرائيل، وربما يصل لمستوى فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل. وترى بأن مصادر العداء الأوروبي لإسرائيل يعود لرضوخها للضغوط العربية الاقتصادية من جهة، وإلى المعاداة للسامية المنتشرة في أوروبا من جهة أخرى. لكن لا بد من الإشارة، أن إسرائيل المتفوقة على أوروبا تكنولوجيا، والقوية اقتصاديا، تستطيع مواجهة العقوبات (تسبب بخسارة اقتصادية تقدر بـ2%) مثل التوجه نحو الأسواق الأسيوية مثل الصين والهند. وبشكل عام يمكن القول، إن الموقف الأوروبي لن يختلف كثيرا عن الموقف الفلسطيني.

خلاصة

الخطة المطروحة من قبل غليك ليست من نسج خيالها، أو نتاج ترف فكري. بل هي ترجمة واقعية وحقيقية لما يجري على الأرض من تغييرات ديموغرافية وجغرافية في الضفة الغربية حدثت خلال العقود الخمسة الماضية من عمر الاحتلال، وهي تعبير حقيقي عما يدور في خلد النخب الحاكمة في إسرائيل منذ ذلك الوقت حتى اليوم، بما فيهم إسحاق رابين الذي صرح وهو في الطائرة المتوجهة للولايات المتحدة للتوقيع على اتفاق المبادئ مع م.ت.ف عام 1993، أنه لن يوقع على أي اتفاق لو تواجد في “يهودا والسامرة” ثلاثة ملايين يهودي.

وتكمن خطورة الخطة في أحد مكوناتها، كونها لا تعترف بالعدد الحقيقي للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تطمح في مسح 1.2 مليون نسمة تحت حجج واهية، مثل: عدم لم الشمل لهم ولأولادهم الذين ولدوا في الضفة الغربية، والوجود غير الشرعي للزوار الفلسطينيين الذين يتجاوزون الفترات المسوح بقائهم فيها. أما من تبقى من الفلسطينيين في الضفة الغربية فسيفرض عليهم تقسيم جديد ينص على: وجود السكان الدائمين، والذين يحملون الجنسية، ومن لا يرغب بحمل الصفتين، و”المخربين” الذين ينتمون لكل فصائل العمل الوطني والإسلامي وفي مقدمتهم م.ت.ف وفصائلها.

وفي المقابل، يجب أن يشكل ما يجري على الأرض، وفي دهاليز السياسة الإسرائيلية، عند الفلسطينيين حافزا ودافعا لتشكيل جبهة وطنية وإسلامية واحدة، بعيدة عن الصراعات والخلافات، للتصدي لما يجري على الأرض، خاصة أن ذلك ليس قدرا محتوما يجب التسليم به، فالمشروع الصهيوني الذي تقوده دولة إسرائيل اليوم لم يحقق النجاحات المطلوبة له بعد أكثر مائة عام من الصراع مع الفلسطينيين والعرب، كما أن الفلسطينيين لم تلحق بهم هزيمة نهائية، فهم الأغلبية بعد مائة عام من محاولات الطرد والتهجير. فهل ينجحون في منع نكبة ونكسة أخرى؟.

[*] باحث في الشؤون الإسرائيلية، ومترجم للغة العبرية، مقيم في رام الله.