[*]عليان الهندي

إثر صعوبات واجهتها حكومة بنيامين نتنياهو بإقرار ميزانية عام 2013 وفي إيجاد بديل لقانون طال المتعلق بتجنيد اليهود المتدينين المتزمتين، ونظراً لعدم وجود منافس حقيقي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قرر تبكير موعد الانتخابات التشريعية للكنيست من شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 2013 إلى شهر كانون الثاني (يناير) عام 2013. وابتعدت خلال الحملة الانتخابية كل الأحزاب الإسرائيلية تقريبا عن وضع برامج سياسية تتعلق بالحل مع الفلسطينيين، باستثناء حركة ميرتس التي طالب برنامجها بحل دولتين لشعبين وفق حدود عام 1967، وحزب البيت اليهودي الذي طرح حلاً نهائياً للفلسطينيين على 39% من أراضي الضفة الغربية، فيما تركزت الدعاية الانتخابية للأحزاب الكبيرة والجديدة مثل حزب العمل و”يش عتيد” على القضايا الاجتماعية والاقتصادية تماشيا مع ما سمي بـ”الربيع الإسرائيلي” الذي اندلع في صيف عام 2011 وظل يتفاعل في المجتمع الإسرائيلي بصور أخرى، دفعت يئير لبيد إلى تبني شعاره المشهور “المساواة في الأعباء”[1]. أما بنيامين نتنياهو فقد توجه إلى الانتخابات من دون أي برنامج في المجالات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية معتمداً على تحالف عريض ضم المستوطنين واليمين الوسط الإسرائيلي واليهود الروس. وبلغت ثقة نتنياهو بتحقيقه الفوز بطرحه شعاراً شخصياً حمل عنوان  “رئيس حكومة قوي –إسرائيل قوية.

وعلى الرغم من تنافس كل الأحزاب على أصوات المتدينين والمستوطنين من خلال تحصين مواقع في قوائمهم لشخصيات من هاتين الفئتين، كان للجمهور الإسرائيلي رأي آخر في الانتخابات التي جرت في 22/1/2013 حيث أشارت نتائجها إلى رغبته في التغيير. وكانت أهم نتائج الانتخابات الحالية هي:

  1. استمرار دعم الجمهور الإسرائيلي لبنيامين نتنياهو مرشحاً كرئيس للوزراء، لكن وفق جدول أعمال اجتماعي واقتصادي وسياسي جديد ومختلف، يعتمد فيه على الحزبين الرئيسيين “يش عتيد” و”البيت اليهودي.
  2. هزيمة ساحقة للنخب العسكرية التي لعبت دورا سياسيا مهما خلال العقود الأربعة الماضية، نجحت فيه بتنصيب أربعة رؤساء وزراء من ذوي الخلفيات العسكرية والأمنية (إسحاق رابين وإسحاق شامير وإيهود براك وأريئيل شارون). وربما تساهم هذه الهزيمة في عودة قادة الجيش الإسرائيلي في البحث عن حروب جديدة بهدف استعادة مكانتهم المفقودة، التي بدأوا يحضرون لها من اليوم في المنطقة الشمالية –مع حزب الله.
  3. صعود المستوطنين لوسط الساحة السياسية والقرار الإسرائيلي رغم أنهم يشكلون أقل من 10% من مجموع سكان دولة إسرائيل. ويعتبر المستوطنون وأنصارهم من أكبر المنتصرين في هذه الانتخابات خاصة ان البيت اليهودي والليكود يضمان أكثر الفئات المتطرفة والمتعاطفة مع المستوطنين. وتعتبر هذه الانتخابات ذروة القوة السياسية للمستوطنين نجحوا بتحقيقها بفضل انضمام المستوطنين كأعضاء في الأحزاب الإسرائيلية الكبيرة مثل الليكود الذي يضم في عضويته أكثر من الثلث (30 ألف) مستوطن.
  4. إبعاد أحزاب المتدينين على مختلف أنواعهم عن مراكز القرار بعد أن كانوا شركاء في كل الحكومات منذ تشكيل دولة إسرائيل حتى الانتخابات الحالية. وجاءت الرغبة الجماهيرية الإسرائيلية برؤية هذا الجمهور خارج القرار الإسرائيلي لرفض قيادة الأحزاب الدينية التوصل لحلول وسط في مسألة التجند في الجيش الإسرائيلي، ورفضهم المساواة في الأعباء حيث يتمتع أكثر من 120 ألف طالب متدين بامتيازات لا يحصل عليها أمثالهم في فئات الشعب المختلفة.
  5. وفي الشق الفلسطيني أثبت الجمهور الإسرائيلي أنه غير مهتم بإيجاد حل للقضية الفلسطينية، وأنه متبنٍّ للموقف الإسرائيلي الرسمي الداعي لتجميد أي مسار للمفاوضات إلى حين اتضاح صورة الوضع كاملة في الشرق الأوسط.

يذكر أن 33 حزباً خاضت هذه الانتخابات، فاز منها 12 حزباً من بينها حزبان جديدان هما “يش عتيد” برئاسة يئير لبيد وحزب “هتنوعاه” الذي تترأسه تسيبي ليفني و”البيت اليهودي” يعتبر امتداداً لأحزاب المتدينين الوطنيين والمستوطنين. وبعد فرز الأصوات تبين أن اليمين في إسرائيل حصل 61 مقعداً من مجموع 120 مقعداً، فيما حصل اليمين الوسط على 43 مقعداً (هتنوعاه ويئير لبيد وكاديما وحزب العمل التي رفضت رئيسته شيلي يحيموفيتش تصنيف حزبها ضمن أحزاب اليسار)، واليسار الإسرائيلي (ميرتس) على 6 مقاعد، في حين حافظ العرب على قوتهم بحصولهم على عشرة مقاعد[2].

وضمت الكنيست الحالية 39 عضوَ كنيست متديناً موزعين على كل الأحزاب بما في ذلك حزب العمل، بمعنى أن ثلث الكنيست من المتدينين، وهذا أكبر بكثير من قوتهم الحقيقية. في حين حصلت النساء على 27 مقعداً، ودخل الكنيست الجديدة 9 من أبرز الصحافيين في إسرائيل، مشكلين بذلك بديلاً عن النخب العسكرية التي تراجعت قوتها في الكنيست الحالية. وبلغت نسبة التصويت 67.8%، أي 3,8 مليون مقترع (يهوداً وعرباً). في حين بلغ أصحاب حق الاقتراع 5,6 مليون مقترع. الكنيست الحالية هي الكنيست التاسعة عشرة، والحكومة التي تشكلت على إثرها هي الحكومة الثالثة والثلاثون[3].

الحكومة الإسرائيلية الثالثة والثلاثون

بعد مفاوضات مضنية من قبل المرشح لرئاسة الحكومة بنيامين نتنياهو، شكلت الحكومة الجديدة معتمدة في تشكيلتها على أربعة أحزاب هي الليكود-بيتنا (31 مقعداً) ويش عتيد (19 مقعداً) والبيت اليهودي (12 مقعداً) وهتنوعاه (6 مقاعد). وتضم الحكومة الحالية 22 وزيراً خمسة منهم من سكان المستوطنات القائمة في الضفة الغربية، وتسعة وزراء من الوجوه الجديدة، وأربع وزيرات، وثلاثة وزراء من أصول شرقية، وهي أقل حكومة إسرائيلية تضم وزراء شرقيين منذ عقود، وأربعة وزراء من التيار الديني الوطني، كما تضم الحكومة وزيرين من ذوي الخلفيات العسكرية والأمنية هما موشيه يعلون ويعقوب بيري. ويبلغ متوسط أعمار الوزراء في الحكومة الإسرائيلية الحالية 59 عاماً، أصغرهم رئيس حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت (41 عاماً) وأكبرهم عوزي لاندو (70 عاماً). وخلال المفاوضات لتشكيل الائتلاف الحاكم نجح نتنياهو بالاحتفاظ بـ11 وزارة إضافة لمنصب رئيس الوزراء ما يمنحه إمكانية اتخاذ أي قرار في الحكومة معتمداً على صوت الرئيس المرجح في حال تعادل الأصوات[4].

تعبر الحكومة الحالية عن توجهات المستوطنين في الضفة الغربية أكثر من أية حكومة سابقة، وذلك بفضل أمرين هما: الأول، سيطرة المستوطنين على حزب الليكود، الذي يمثلون فيه ثلث أعضاء الحزب. وبرزت قوتهم بشكل واضح خلال الانتخابات التمهيدية (البرايمرز)، حيث نجح المستوطنون بدرجة كبيرة جداً في إخراج كثير من القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وممثليهم في الليكود مثل الشرقيين (مصوتين تقليديين لليكود)، وكثير من القوى الليبرالية ذات التوجهات اليمينية الوسط وأصحاب المصالح. وعليه، لم يكن غريبا خروج القيادات التقليدية الممثلة للتيارات السياسية المختلفة في الليكود مثل دان مريدور وآفي ديختر وغيرهم من قيادة الليكود، ويحل مكانهم مستوطنون متطرفون مثل موشيه بيغلين وغلعاد أردن من سكان المستوطنات في الضفة الغربية. وربما يفسر انضمام المستوطنين لليكود السبب في خسارة الحزب لقواه وقواعده الانتخابية خلال العقد الماضي لصالح قوى سياسية جديدة بدأت تتشكل مثل “كاديما” التي شكلها أريئيل شارون بعد رفض أعضاء الحزب من المستوطنين مشروع الانفصال أحادي الجانب عن قطاع غزة و”يش عتيد” التي شكلها يئير لبيد و”البيت واليهودي” بقيادة نفتالي بينيت (دفع المستوطنين لوسط الساحة السياسية والقرار الإسرائيلي من خلال التحالف مع التيار الصاعد الذي مثله لبيد مشكلا معه ظاهرة جديدة بدلا من التحالف التقليدي مع الليكود) لإدراكهم حاجة الساحة السياسة في إسرائيل لتيارات جديدة غير الموجودة حاليا التي عبر عنها الليكود المسيطر عليه من قبل المستوطنين وحزب العمل غير المستقر الذي تناوب على قيادته 8 زعماء منذ الانتخابات الإسرائيلية عام 2001 ويحاول التنصل من ماضيه بصفته أحد أحزاب اليسار الصهيوني، وكاديما التي أسست أصلاً لهدف معين وهو تنفيذ خطة الفصل أحادي الجانب عن قطاع غزة، والذي عصفت فيه الخلافات على مدار السنوات الأربع الماضية ومنعته من العمل كحزب ودفعت إلى خسارته في الانتخابات خسارة فادحة (مقعدان من أصل 29 مقعداً في الكنيست وأصبح أصغر حزب في الكنيست بعد أن كان أكبر حزب)[5].

الخطوط العريضة للحكومة

بهدف تشكيل الحكومة الجديدة، وقع الليكود-بيتنا ثلاث اتفاقيات ائتلافية مع ثلاثة أحزاب هي “يش عتيد” و”البيت اليهودي” و”هتنوعاه. ولم يأخذ الشق الفلسطيني من هذه الاتفاقيات سوى سطرين في الاتفاق مع “يش عتيد” من صفحات عددها 35 صفحة، تضمنا الدعوة لتجديد المفاوضات مع الفلسطينيين وتشكيل طاقم المفاوضات مع الفلسطينيين الذي يضم في عضويته يئير لبيد رئيس الحزب. كما طالبت الاتفاقية بالمحافظة على دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، مع المحافظة على حدود يمكن الدفاع عنها[6].

وفي المقابل، لم تشر الاتفاقية الموقعة مع “البيت اليهودي” البالغ عدد صفحاتها 21 صفحة إلى أي بند يتعلق بمسيرة السلام مع الفلسطينيين سوى مشاركة رئيس الحزب في طاقم السلام الذي يترأسه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو[7]. وفي نفس الوقت ركزت الاتفاقية الائتلافية بين الطرفين على تعزيز الاستيطان في النقب، وسن قانون لتقييد حرية التنقل بهدف السكن للفلسطينيين في النقب، وعلى أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، مع المحافظة على حدود يمكن الدفاع عنها، وأن رئيس الحزب نفتالي بينيت عضو في طاقم المفاوضات مع الفلسطينيين[8]. كما تضمن الاتفاق بنداً يتضمن اتفاق الطرفين على سن “قانون الوطنية” الذي رفضه كبار المختصين في القانون الإسرائيلي والدولي، ووجهت له انتقادات دولية مختلفة، دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى تأجيل النظر فيه، وينص القانون المذكور (الذي قدمه عضو الكنيست آفي ديختر وتبنّى البيت اليهودي النص الأصلي من دون أي تعديلات) على تخصيص الدولة موارد خاصة من أجل تطوير الاستيطان في كل أنحاء الدولة، من دون الالتزام بالبناء لأبناء القوميات الأخرى، والمقصود هنا العرب، وحذف اللغة العربية كلغة رسمية ثانية للدولة[9].

وتضمنت الاتفاقية الثالثة التي وقعت مع حزب هتنوعاه الذي تقوده تسيبي ليفني على تشكيل طاقم لمسيرة السلام برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي بدوره يخول وزيرة العدل تسيبي ليفني بإجراء مفاوضات مع الفلسطينيين بهدف التوصل لحل نهائي معهم ينهي النزاع، وفي حال تم التوصل لاتفاق يعرض على الحكومة والكنيست لإقراره، أو يعرض على الاستفتاء العام. ونص الاتفاق، على عدم عقد ليفني لأي اجتماع مع الفلسطينيين من دون مرافقة مندوب عن رئيس الحكومة، واشترط أن تطلع ليفني رئيس الحكومة على نتائج المفاوضات مع الفلسطينيين أولا بأول. والأمر الغريب في الاتفاق مع حزب “هتنوعاه” هو البند الذي يطلب من رئيس الحكومة بأن يعطي تعليماته لأجهزة الأمن المعنية بالمفاوضات مع الفلسطينيين توفير كل المعلومات والإمكانيات لتسهيل عمل طاقم المفاوضات الإسرائيلي، وتضمن الاتفاق تشكيل طاقم وزراء لمتابعة مسيرة السلام مع الفلسطينيين يضم كلاً من رئيس الحكومة رئيساً للطاقم ووزيرة العدل تسيبي ليفني قائم مقام رئيس الطاقم والمخولة بإجراء المفاوضات مع الفلسطينيين ووزير الدفاع موشيه يعلون ووزير المالية يئير لبيد ووزير الصناعة والتجارة نفتالي بينت ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان بعد عودته لتسلم حقيبة الخارجية[10].

ونتيجة للاتفاقيات الحكومية تم التوصل لوثيقة سميت بالخطوط الأساسية للحكومة وأرفقت بالاتفاقيات الائتلافية، حيث نصت على:

  1. للشعب اليهودي الحق غير المشكوك فيه بدولة ذات سيادة في أرض إسرائيل، التي تعتبر وطنه القومي والتاريخي.
  2. تتطلع إسرائيل إلى التوصل لاتفاق سلام مع الفلسطينيين بهدف التوصل لتسوية تنهي النزاع. وإذا تم التوصل لمثل هذا الاتفاق يقدم للحكومة والكنيست لإقراره، وإذا كانت هناك ضرورة يعرض على الاستفتاء العام.
  3. تعمل إسرائيل بشكل فعال على تعزيز الأمن القومي الإسرائيلي وتوفير الأمن الشخصي لمواطني الدولة، وتعلن أنها ستخوض صراعاً شديداً لا هوادة فيه ضد العنف والإرهاب.
  4. ستعمل الحكومة على التقدم بمسيرة السلام السياسية، والتقدم باتجاه السلام مع كل جاراتها، مع المحافظة على المصالح الأمنية والتاريخية والقومية لدولة إسرائيل.
  5. تبذل الحكومة الجهود للمحافظة على الطابع اليهودي لدولة وإرث إسرائيل. وتحترم الأديان الأخرى في الدولة وفق قيم وثيقة الاستقلال.
  6. تعمل الحكومة على تخفيض مستوى الغلاء بكل الوسائل التي تملكها ومن بينها زيادة المنافسة الحرة وإضعاف المركزية الاقتصادية بما في ذلك الأفرع الاقتصادية الثانوية.
  7. تعمل الحكومة على منح كل طفل وطفلة في إسرائيل تعليماً واسعاً يؤهله لمواجهة تحديات العالم المتجدد والعيش باحترام.
  8. تضع الحكومة التعليم والتعليم العالي على سلم أولوياتها.
  9. تبذل الحكومة الجهود من أجل زيادة المساواة في تحمل الأعباء من أجل مساواة كل فئات السكان في الخدمة بالجيش أو بالخدمة المدنية.
  10. تعمل الحكومة على تعزيز سلطة القانون والمحافظة على مكانة محكمة العدل العليا.
  11. تعمل الحكومة قدر استطاعتها على تخفيض ثمن الشقق.
  12. توظف الحكومة جهودا خاصة هدفها توفير ظروف اقتصادية تسمح بالنمو الدائم وتخفيض الغلاء، مع المحافظة على أماكن العمل القائمة.
  13. تسعى الحكومة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الاجتماعية والنضال الدائم ضد الفقر وإيجاد أماكن عمل جديدة وتوفير حلول للسكن.
  14. تطور الريف الجغرافي والاجتماعي، وتعمل على المساواة بين جميع السكان بغض النظر عن أماكن سكناهم أو مكانتهم الاجتماعية.
  15. العمل على تغيير أسلوب الحكم من أجل تعزيز السلطة والاستقرار الحكومي.
  16. تضع الحكومة مسألة الهجرة إلى إسرائيل على سلم أولوياتها، وتعزز الهجرة إليها من كل أنحاء المعمورة
  17. ستعمل الحكومة على تقليص الفوارق الاجتماعية وتحارب الفقر.
  18. تعمل الحكومة على الدفاع عن البيئة وتحسين مستوى حياة سكان الدولة.
  19. تحسن الحكومة من الخدمات الدينية، وتنسيق ذلك مع كل فئات السكان.
  20. تعمل الحكومة على زيادة تعريف مواطنيها على مصادر المعرفة والإرث اليهودي[11].

ومن الواضح أن الخطوط الأساسية للحكومة الحالية لم ترتق لمستوى خطاب جامعة بار إيلان الذي أعلن فيه بنيامين نتنياهو عن موافقته على حل “دولتين لشعبين”، وهو أكثر تطرفا من الخطوط الأساسية للحكومة الإسرائيلية السابقة، حيث أضيف للخطوط الأساسية للحكومة الحالية ثلاثة بنود لم تكن موجودة في السابقة، وهي: المطالبة بحدود يمكن الدفاع عنها لدولة إسرائيل، أي السيطرة على غور الأردن. وتقييد حرية سكن الفلسطينيين البدو في النقب. وعدم وضع حدود واضحة بين المستوطنين في الضفة الغربية وبقية مواطني الدولة العبرية[12].

 تعامل الوزراء مع الشأن الفلسطيني

نتيجة للاتفاقيات الائتلافية بين الأحزاب الإسرائيلية الأربعة على تشكيل الحكومة الجديدة تقرر تشكيل الطاقم الإسرائيلي للمفاوضات مع الفلسطينيين برئاسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي بنت حكومته 6867 شقة سكنية، لم يتفوق عليه سوى رئيس الوزراء الأسبق إسحاق شامير في بداية تسعينات القرن الماضي[13]. ويعد الطاقم الجديد من أكثر الطواقم الإسرائيلية تطرفاً التي أدارت مفاوضات مع الفلسطينيين، ومن الناحية العملية يضم الطاقم الوزراء الذين لا يريدون مفاوضات مع الفلسطينيين. حيث يضم الطاقم رئيس وزراء يرى بالحكم الذاتي أقصى ما يمكن تقديمه للفلسطينيين وهو مرتاح لأسلوب السيطرة الحالي على الفلسطينيين، ويحتاج للمفاوضات من أجل الخروج من العزلة الدولية التي تتهم إسرائيل بتعطيل المسيرة السلمية. أما رئيس حزب “البيت اليهودي” الذي شغل في السابق رئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية ومديراً لمكتب نتنياهو، فيؤمن بضروة الحل مع الفلسطينيين على أساس منحهم دولة على 39% من أراضي الضفة الغربية، أي على مناطق A وB، وضم ما تبقى من هذه الأراضي لإسرائيل. وفيما يتعلق بوزير الدفاع موشيه يعلون -نائبه داني دانون من الليكود عين مسؤولاً عن الاستيطان، ودانون من أكثر أعضاء الكنيست تطرفاً- فهو صاحب المقولة المشهورة في الانتفاضة الثانية بأنه يجب “كي الوعي الفلسطيني” وأن “من لا يأتي بالقوة يأتي بمزيد من القوة”، ولا يرى بتجميد البناء في المستوطنات الطريق الوحيد للعودة إلى طاولة المفاوضات، ويتهم القيادة الفلسطينية وفي مقدمتهم الرئيس محمود عباس “أبو مازن” بأنهم لا يريدون السلام وهدفهم عزل إسرائيل في العالم، وهم مع بقية الفلسطينيين مجموعة مخادعين[14]. أما وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان فقد دعا في أكثر من مناسبة إلى عزل القيادة وفي مقدمتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يفترض أنه سيتفاوض معه للتوصل إلى حل نهائي. أما تسيبي ليفني فهي قادمة لتبحث مع الفلسطينيين عن حل يضمن بأن تكون إسرائيل وطناً قومياً للشعب اليهودي يحقق لهم أمانيهم. أما وزير المالية الجديد يئير لبيد فلا يبدو أنه منشغل في الهم الفلسطيني كثيراً، ولم يتردد في التنازل عن وزارة الخارجية لصالح وزارة المالية، كما لم يشهد له التاريخ اجتماعه بأي من القيادات الفلسطينية، وإذا ُقُيِّمَ لبيد وفق الاتفاق الموقع مع الليكود لتشكيل الحكومة الحالية فإن القضية الفلسطينية بالنسبة له لم تستحق أكثر من سطرين من اتفاق بلغ عدد صفحاته 35.

ولا بد من الإشارة إلى وزير الإسكان أوري أوريئيل الذي يعتبر من أوائل مؤسسي مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويتوقع منه أن يعمل على شرعنة البؤر الاستيطانية غير الشرعية وفق المفهوم الإسرائيلي والتي يزيد عددها عن أكثر من 110 بؤرات استيطانية جديدة من خلال تطبيق توصيات القاضي أدموند ليفي الذي رأى بالبؤر الاستيطانية حقاً شرعياً وقانونياً[15]. وبشكل عام يمكن القول إن الحكومة الحالية تعتبر من أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفا وتشددا خاصة في المجال الفلسطيني.

خلاصة

لم تحمل الانتخابات الإسرائيلية، ولا الحكومة التي شكلت على إثرها أي جديد بالنسبة للفلسطينيين. بل على العكس، مكنت الإجراءات الإسرائيلية على الأرض التي فصلت الفلسطينيين عن إسرائيل بواسطة جدران، وعن المستوطنين المنتشرين في الضفة الغربية بواسطة شوارع وأنفاق، والإجراءات التي قامت بها إثر الربيع العربي بهدف تقليل الاحتكاك مع سكان الضفة الغربية خشية اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، ما يعيد القضية الفلسطينية لواجهة الأحداث، إلى تجاهل الفلسطينيين ومطالبهم، والتعامل معهم وفق سياستين مختلفتين الأولى تتعلق بقطاع غزة وتنص على “هدوء مقابل هدوء”، وأخرى تتعلق بالضفة الغربية وتنص على الانتظار أو سياسة “اجلس ولا تعمل شيئا” لحين ما تدعيه إسرائيل اتضاح الصورة الإقليمية الفارضة نفسها ليس فقط على إسرائيل، بل على كل المنطقة. معطية أولوية لما تسميه إسرائيل بالتهديد النووي الإيراني الذي يهددها بالخطر.

وما يجري على الأرض من استمرار بناء المستوطنات وتعزيزها في مختلف أنحاء الضفة، يلغي إلى الأبد حل دولتين لشعبين. ويخلق واقعاً جديداً يفرض على القيادة الفلسطينية تبني سياسة ونهجٍ غير المتبعين حالياً. وفي الوقت الحاضر، وحتى المستقبل القريب، فإن أقصى ما تستطيع إسرائيل تقديمه للفلسطينيين هو مجموعة من بوادر حسن النية تركز فيها على الإفراج عن أسرى تم اعتقالهم قبل التوقيع على اتفاقيات أوسلو وضخ أموال الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل عبر موانئها بطريقة سلسة “وتجميد صامت لبناء المستوطنات” باستثناء البناء في القدس والكتل الاستيطانية الكبيرة البالغ عددها سبعاً، وربما إخلاء بعض المستوطنات المنعزلة بهدف إحكام السيطرة على الفلسطينيين. مقابل التزام الفلسطينيين بعدم التوجه لخطوات أحادية الجانب مثل التوجه للأمم المتحدة للحصول على مكانة دولة كاملة العضوية، أو التوجه لمحكمة العدل الدولية، والعودة لطاولة المفاوضات التي لن يجنى منها الفلسطينيون سوى المساعدة في رفع العزلة الدولية المتزايدة لإسرائيل، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة.

ونتيجة للسياسات الإسرائيلية على الأرض الرافضة لأي حلول سلمية، مطلوب من الفلسطينيين اليوم: تبني سياسة جديدة تأخذ بعين الاعتبار العامل الديموغرافي الذي يميل بكل تأكيد لصالح الفلسطينيين في كل فلسطين التاريخية. وفي السياق المذكور لن يكون طرح خيار الدولة الواحدة غريباً ولا جديداً على الساحة السياسية الفلسطينية، أو العودة إلى الصراع من نقطة الصفر والمطالبة بإعادة تقسيم فلسطين من جديد اعتماداً على المعطيات الديمغرافية التي تحاول إسرائيل تجاهلها بشدة من خلال التقسيمات التي فرضتها على الفلسطينيين خلال العقود الستة الماضية.

الهوامش

[*]  باحث في الشؤون الإسرائيلية ومترجم عن اللغة العبرية، مقيم في رام الله – فلسطين.

[1]. البرنامج الكامل لحزب “يش عتيد”، خطة خدمة متساوية للجميع، ص15، صدر البرنامج في شهر كانون الثاني (يناير) عام 2013.

[2]. الانتخابات للكنيست التاسعة عشرة، تقرير خاص صادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 22 كانون الأول (ديسمبر) عام 2013.

[3]. المصدر نفسه، ص2.

[4]. عوفر كينج، الحكومة الـ 33، مؤشرات لصورتها، تقرير خاص صادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 19 آذار (مارس) 2013.

[5]. المصدر نفسه، ص2.

[6]. الاتفاق الموقع بين الليكود – بيتنا مع “يش عتيد”، وثيقة الخطوط الأساسية للحكومة الإسرائيلية الثالثة والثلاثين، الموقع في 15 آذار (مارس) 2013. موقع الكنيست الإسرائيلي على الإنترنت  www.knesset.gov.il.

[7]. الاتفاق بين البيت اليهودي والليكود على تشكيل الحكومة الإسرائيلية الـ33، والموقع بين الطرفين بتاريخ 15/3/2013. موقع الكنيست الإسرائيلي على الإنترنت  www.knesset.gov.il.

[8]. المصدر نفسه.

[9]. المصدر نفسه.

[10]. الاتفاق بين حزب هتنوعاه والليكود – بيتنا على تشكيل الحكومة الإسرائيلية الـ33، والموقع بين الطرفين بتاريخ 15/3/2013. موقع الكنيست الإسرائيلي على الإنترنت www.knesset.gov.il.

[11]. الاتفاق الموقع بين الليكود – بيتنا و”يش عتيد”، وثيقة الخطوط الأساسية للحكومة الإسرائيلية الثالثة والثلاثين، ص9، الموقع في 19 شباط (فبراير) 2013. موقع الكنيست الإسرائيلي على الإنترنت  www.knesset.gov.il.

[12]. الاتفاق الموقع بين إسرائيل بيتنا والليكود، وثيقة الخطوط الأساسية للحكومة الإسرائيلية، ص15، الموقع في 15 آذار (مارس) 2009. موقع الكنيست الإسرائيلي على الإنترنت  www.knesset.gov.il.

[13]. تقرير صادر عن حركة السلام الآن بعنوان :سياسة الاستيطان لحكومة نتنياهو 2009-2012. ص1، 2013.

[14]. رون بن يشاي، بوغي والبقرات المقدسة، توجهات يعلون الأمنية، يديعوت أحرنوت، 19/3/2013.

[15]. تقرير صادر عن حركة “يش دين” هناك قانون، لجنة أدموند ليفي تعمل لخرق القانون، صدر عن الحركة بتاريخ 5/4/2012.