مراجعة: عليان الهندي[*]

أوري بن اليعازر: الحروب الجديدة لإسرائيل

الناشر: هوتسئاه للنشر، جامعة تل أبيب، 2012. 528 صفحة

يتحدث كتاب الحروب الجديدة لإسرائيل عن نظرية لهذه الحروب طرحها المفكر الإسرائيلي مارتين فان كرفلد عام 1991 وزميله الكندي كلاووي هولست عام 1996، اللذان ادعيا أن عصر الحروب التقليدية انتهى، وبدأ عصر الحروب المتميزة باستخدام العنف المنظم والمذهل. وقسما هذا النوع من الحروب إلى قسمين هما: الأول، حروب داخلية ناتجة عن ضعف أو فشل أجهزة هذه الدولة أو تلك في حل المشاكل الداخلية الإثنية أو العرقية فيها، ومثل هذه الحروب اندلعت في السودان واليمن والكونغو ورواندا، وغيرها من الدول. والثاني، شن دولة الحرب ضد تنظيمات داخل الدولة نفسها كتلك التي شنتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، أو حروب ضد كيانات تشبه الدولة مثل حزب الله أو الفلسطينيين الذين شنت ضدهم من قبل إسرائيل منذ أكثر من عقدين.

وحول تسميات هذه الحروب، اختلف المفكرون السياسيون والعسكريون، فالبعض سماها الحروب الجديدة، أو حروب ما بعد الحداثة، أو حروب القرن الواحد والعشرين، أو حروب التكنولوجيا الحديثة، وغيرها من المسميات، التي وضعت لها مصطلحات جديدة مثل: التهديدات الجديدة، المخاطر الجديدة، الإرهاب الجديد والحرب العالمية ضده، وحروب ذات مستويات منخفضة. وكثرة الأسماء تشير إلى عدم اتفاق المفكرين حول تسمية وطبيعة وأهداف هذه الحروب. لكن إسرائيل اختارت من بين هذه الأسماء حروباً ذات مستوى منخفض، وحرب الارهاب الجديد، التي تدرب عليها الجيش الإسرائيلي خلال ما يسمى بفترة السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ليقوم بممارستها بشكل فعلي ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني بعد عام 2000.

وأهم ميزة لهذه الحروب هي أنها تدور بين دولة وبين تنظيم أو مجموعة عرقية أو إثنية مسلحة، وتستمر لسنوات طويلة من دون إلحاق الهزيمة بالخصم. كتلك التي شنت على الفلسطينيين بهدف “كي الوعي الفلسطيني” وفق ادعاء رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون، وعدم مسح السنوات السبع من الذاكرة الفلسطينية عندما يقررون مقاومة الإجراءات الإسرائيلية على أرض الواقع. ولهذا النوع من الحروب ميزة أخرى تتمثل بالعنف الشديد المستخدم بين أطرافها. حيث يحاول هنا المؤلف ربط العنف الهائل من قبل إسرائيل بنظريات جديدة طارئة، وليست مزروعة في المجتمع اليهودي الذي مارسها بأبشبع صورها خلال العقود الماضية.

ويطرح المؤلف العديد من الأسباب لهذه الحروب، من أهمهما: رغبة الطرف الأضعف بتغيير قواعد اللعبة التي فرضها الطرف الأقوى والمقصود هنا الدولة، إحساس الطرف الضعيف أن القوة التي يواجهها بدأ يدب فيها الضعف والوهن. وفي المقابل، يشن الطرف الأقوى هذه الحروب لرغبة النخبة الحاكمة بتغيير أهداف وسلوك الطرف الآخر، وخفض مستوى التوقعات، أو أن طريقة بناء المجتمع تمكن من شن مثل هذا النوع من الحروب، كإسرائيل التي بني مجتمعها اليهودي وفق رؤية بن غوريون التي تتحدث عن “مصلحة المجموع”، وهي رؤية معمول بها في إسرائيل حتى هذا اليوم، وليس وفق صيغة “مصلحة الأغلبية” المطروحة من قبل الدول الديمقراطية. وتحافظ على هذه الرؤية دولة ذات مؤسسات عامة ذات سيطرة مركزية يقف الجيش الإسرائيلي في مقدمتها، من أجل توجيه المجتمع نحو هدف محدد تقرر أن يكون ضد الفلسطينيين وتطلعاتهم منذ عام 2000 وصاعداً، وضد حزب الله في جنوب لبنان. ووفق المؤلف، فإن الحروب بين إسرائيل والفلسطينيين في العصر الجديد كانت في الكثير من أسبابها إسرائيلية داخلية.

وفيما يتعلق بأهداف هذه الحروب والانتصار فيها، يشير المؤلف أن أهداف هذا النوع من الحروب يختلف عن الأهداف الموضوعة في الحروب التقليدية التي تتطلع إلى الاحتلال وإسقاط الأنظمة وغير ذلك. فالحروب الجديدة لا تملك أهدافاً محددة وواضحة في المدى القريب، بل هنالك أهداف بعيدة المدى، مثل تلك التي شنت على الرئيس الفلسطيني الراحل الشهيد ياسر عرفات التي كان الهدف المعلن منها هو استهداف وقتل ياسر عرفات، لكن عندما توقفت العملية ورأى عرفات أن إسرائيل لم تحقق هدفها بقتله، أعلن انتصاره فيها. وفي هذا الموضوع بالذات، تجاهل المؤلف أن الذي أوقف العملية العسكرية التي وجهت لقتل ضد ياسر عرفات هي ضغوط مختلفة من أهمها الضغوط التي مارسها ولي العهد السعودي آنذاك والملك الحالي عبدالله بن سعود، والهبة الجماهيرية الفلسطينية العارمة.

الرئيس ياسر عرفات

وُضع الشهيد ياسر عرفات على جدول الاستهداف الإسرائيلي بشكل فعلي في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود براك بعد إفشاله مفاوضات كامب ديفيد، أعلن فيه أنه “لا يوجد شريك فلسطيني” نتوصل لاتفاق معه. وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى شنت على ياسر عرفات ثلاث عمليات عسكرية كان الهدف منها طرده أو تصفيته. ففي العملية العسكرية الأولى التي شنت على الرئيس ياسر عرفات عام 2002 فرض عليه الحصار ومنع من الخروج من المقاطعة. وفي العملية العسكرية الثانية التي شنت في شهر آذار (مارس)، هدمت مقرات الرئيس ياسر عرفات باستثناء المكتب الذي يتواجد فيه، وطالبته إسرائيل بتسليم المطلوبين المتواجدين في المقر خاصة قتلة الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي. عندما فشلت إسرائيل في تحقيق هدفها في تلك الفترة شنت العملية العسكرية الثالثة ضد ياسر عرفات مستخدمة معه نظرية “التصفية الرمزية” وفق مصطلحات الحروب الجديدة التي شنتها إسرائيل بعد عام 2000. ونصت التصفية الرمزية على “إهانة” عرفات بواسطة سجنه وعزله عن شعبه في المقاطعة وقطع الماء والكهرباء عن مكتبه، وإحداث ضجيج حوله من الدبابات والطائرات والسماعات المعلقة في الجيبات العسكرية بهدف “تجنينه”، ومراقبة الخارج والداخل لمكتبه بإشراف امرأة باسم تاليا، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام الإسرائيلية “تاليا الهدامة”، ونشر المعطيات حول قوائم الغذاء التي تصله يومياً. وكان الهدف المركزي من هذه العمليات وما طبق بحق الرئيس الفلسطيني الراحل من إجراءات ومضايقات تحويله لشخصية لا تمثل المصالح الشرعية، وإفقاده الاحترام الذي يستحقه، وإجباره على الرحيل أو الاستسلام من دون شروط، كي تتمكن إسرائيل من إخضاع الفلسطينيين بعده. وفي كل الأحوال، كان الحصار على المقاطعة جزءاً من حرب واسعة طويلة متواصلة وعنيفة، لم تتوقف إلا بعد أن توفي الرئيس ياسر عرفات تاركاً وراءه أسئلة كثيرة حول أسباب وكيفية حدوث الوفاة، لم أتلقَ أجوبة حتى هذا اليوم.

احتمالات السلام مع الفلسطينيين

يتحدث الفصل الأول من الكتاب عن مسيرة السلام التي دخلتها إسرائيل، ليس وفق رغبة داخلية أو توجه عام نحو السلام، بل وفق رؤية صهيونية تقليدية تقول أن “العرب سيتوجهون نحو السلام عندما يصلون لقناعة أنهم لا يمكنهم تدمير إسرائيل بالقوة العسكرية”. ووفق رأي الموقع على اتفاق أوسلو رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، جاءت هذه الفرصة، بعد التغييرات التي شهدها العالم مثل انهيار الاتحاد السوفييتي حليف العرب الأساسي، وانتهاء الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة الحليف الأبرز لإسرائيل كقوة وحيدة في العالم، وهزيمة العراق، الذي خلق حالة من الضعف والوهن في الصف العربي. ونتيجة ذلك، كان تأييد السلام داخل المجتمع الإسرائيلي متذبذباً، ولا قواعد ثابته له، وباستثناء الضغط الذي مارسه رجال الأعمال للتوصل لحل بواسطة مندوبهم في الحكومة وزير الخارجية شمعون بيرس الذي تحدث عن شرق أوسط جديد، لم تكن هناك حركات شعبية تؤيد مسيرة السلام، كتلك التي تعارضه.

ولمقاومة هذا التوجه، ووقف مسيرة السلام تجندت مؤسسات دولة إسرائيل التي أسس أركانها دافيد بن غوريون وفق نموذج الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر، التي تركز فيها الدولة السيطرة على مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ووفق أصحاب القرار وعلى رأسهم بن غوريون دار الحديث عن دولة شاملة قوية لا تمثل حركة أو قطاعاً سكانياً معيناً، بل مؤسسة “معبرة عن المجموع”. ووضع لها مبادئ سياسية تقول: “إن أي اتفاق سلام مع العرب هو مقدمة للحرب القادمة، وإن المشاكل السياسية لإسرائيل تحل بالحروب وليس بالمفاوضات.” وأن “من لا يأتي بالقوة يأتي بمزيد من القوة” و “ليس مهما ما يقوله الكفار، بل ما يفعله اليهود”.

وكان الجيش الذي أسس بعد توحيد المليشيا العسكرية اليهودية في إطار واحد أهم مؤسسات هذه الدولة، الذي وقف حارساً على المبادئ المذكورة وقاوم التوجهات السلمية لحكومة رابين بهدف المحافظة على مجتمع العسكرتاريا الذي يحتل قادته موقع الصدارة فيه. ولم يكتف الجيش وقادته الذين مثلهم في ذلك الوقت رئيسا الأركان إيهود براك وأمنون شاحك بمقاومة اتفاقية أوسلو، بل بدأ الجيش الإسرائيلي يبحث عن الصراعات والحروب التي وجدها في العمليتين العسكريتين ضد حزب الله “يوم الحساب وعناقيد الغضب” في جنوب لبنان محاولا تطبيق رؤيته في الحروب الجديدة. وخلال العملية الأولى ألقيت 25 ألف قنبلة على 70 قرية لبنانية بمعدل 357 قنبلة على كل قرية، أدت إلى عملية نزوح جماعي لـ250 ألف لبناني كي يشكلوا أداة ضغط على الحزب للتسليم بمطالب إسرائيل، وفي العملية الثانية ألقيت 20 ألف قنبلة وشرد 300 ألف لبناني، وتوقفت العملية بعد قصف إسرائيل مدرسة قانا التي اختبأ فيها الهاربون وقتلت 100 منهم، ما أدى لانتقادات دولية شديدة دفعت إلى وقف العملية، وعززت من قوة حزب الله محلياً وعربياً ودولياً.

ويضيف المؤلف، أن الجيش وفي سنوات التسعينات التي كانت مبشرة بالسلام في المنطقة، وبدلاً من وضع ميزانيات تتلاءم ومسيرة السلام، وضع ميزانيات تمكن الجيش الإسرائيلي من مواجهة التحديات الجديدة. ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل بدأ الجيش يضع نظرية جديدة لمواجهة الفلسطينيين سميت بـِ”حروب ذات قيود” خاصة بعد أحداث النفق التي اعتبرها الجيش وعلى لسان رئيس أركانه أمنون شاحك “تجرؤ الفلسطينيين على التشكيك بتفوق الجيش الإسرائيلي عليهم”. ونصت النظرية الجديدة التي شارك في صياغتها الجنرالات عوزي ديان نائب رئيس الأركان وموشيه يعلون رئيس جهاز الاستخبارات وإسحاق إيتان قائد لواء السامرة والدكتور تسفي ليبنة من كبار ضباط الاستخبارات السابقين على: أولاً، استخدام الوسائل العسكرية والسياسية لتحقيق الأهداف. ثانياً، مشاركة الجيش في رسم السياسات واتخاذ القرار. ثالثاً، الرد بأكبر قوة عسكرية خاصة أن الطرف الأضعف هو الذي يبادر لمثل هذه المواجهات. رابعاً، اعتبار الارهاب مهدداً استراتيجياً. خامساً، اعتبار هذا النوع من الحروب صراعاً على الوعي والذاكرة، وهو الذي اعتبره صناع نظرية المواجهة مع الفلسطينيين الأهم. وعليه، كان الجيش من أشد المعارضين لاستمرار مسيرة السلام، ووضع الخطط المختلفة مع حلفائه الجدد من المستوطنين والمتدينين الوطنيين لوقفها.

ويضيف المؤلف أن عناصر التيار الديني الوطني الذي اعتبروا نصر عام 1967 مساعدة لله من أجل تسريع الخلاص وجمع المنافي، كانوا الطرف الثاني وقد عملوا بقوة من أجل إفشال مسيرة السلام. ومن أجل ذلك، أسسوا التنظيمات المختلفة المعارضة للاتفاقيات، والمؤيدة لأرض إسرائيل الكاملة، والمحرضة على موقعي الاتفاق ياسر عرفات وإسحاق رابين الذي نعتوه بالخائن، وصدرت بحقه الفتاوى المختلفة المطالبة بقتله. ووصلت ذروة التحريض، إلى قتل إسحاق رابين من قبل أحد أنصار هذا التيار يغيئال عمير الذي صرح، خلال التحقيق الأولي معه في الساحة التي سميت على اسم القتيل أن الساحة التي خطب فيها رابين نصفها من العرب.

وشكلت عملية قتل رابين بداية توقف مسيرة السلام التي عبر عنها خليفته شمعون بيرس برفضه استخدامها في دعايته الانتخابية استعداداً لانتخابات عام 1996، وحاول تصوير نفسه على أنه شخصية أمنية من الطراز الأول، ومركزاً على الإنجازات الأمنية التي حققها لإسرائيل خلال سنين عمله الطويلة في الوظيفة العمومية، وبحث عن طرق للتحالف مع أنصار التيار الذي شارك في قتل رابين، ما دفع أنصار هذا التيار إلى تصوير عملية قتل رابين وكأنها مؤامرة ضد التيار الديني الوطني في إسرائيل.

ويشير الكاتب أن تحالفاً نشطاً وقوياً نشأ بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين والتيار الديني الوطني خلال العقدين الماضيين، نجح خلاله هذا التحالف بتدمير عملية السلام مع الفلسطينيين، وبإعادة تشكيل المجتمع الإسرائيلي وفق أسس جديدة أخرج من خلالها مؤيدي السلام أو ما يوصفون في إسرائيل باليهود اليساريين، وكذلك العرب في فلسطين ما قبل عام 1948 الذين بدأ الحديث حول مستقبلهم خارج إسرائيل.

وكان التيار العلماني اليميني المتمثل بالليكود وملحقاته وإيهود براك، التيار الثالث الذي عارض عملية السلام مع الفلسطينيين، وتحالف مع التيارات الدينية والجيش من أجل إسقاط مسيرة السلام والموقعين عليها. حيث شكل فوز بنيامين نتنياهو هزة قوية لمسيرة السلام التي بدأت في عهده تترنح، إلى أن تلقت الضربة القاضية من قبل إيهود براك (رئيس الحزب الذي وقع على اتفاقيات أوسلو) الذي بحث عن طريقة للخروج كلية منها، والتي قدمها له رئيس قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي عاموس غلعاد من خلال نظرية “عدم وجود شريك” و”الكشف عن الوجه الحقيقي لياسر عرفات”، من خلال تقديم اقتراحات لحل نهائي له، يرفضها، ومن ثم يتهم بإفشال مسيرة السلام.

ويلفت المؤلف الانتباه، أنه ومقابل ذلك لم تبرز قوى سلام جماهيرية إسرائيلية لتأييد الاتفاقيات مع الفلسطينيين، بل حصل العكس من ذلك، فقد تراجعت قوة حركة السلام الآن، وانصهرت في أحزاب اليسار الصهيوني ولم تعد تشكل قوة يحسب لها حساب.

وفي 2000 كان الإسرائيليون والفلسطينيون أمام عهد جديد من الصراع تمثل باندلاع انتفاضة الأقصى.

انتفاضة الأقصى

وفق المخطط الذي وضعه الجنرالات، خاصة شاؤول موفاز وموشيه يعلون، وبدعم من التيار الديني الوطني والقيادة السياسية المتمثلة برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود براك، تطلب الأمر البحث عن مبررات وشريك في الحرب التي روجت لها المجموعة المذكورة بقولها أن مشاركة الفلسطينيين في مسيرة السلام خدعة، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن عرفات تخلى عن هدفه النهائي بمسح دولة إسرائيل عن الوجود. ووفق المؤلف تطلب الوضع حينها “جر هذا الشريك إلى المصيدة المنصوبة له” المتمثلة بتوجه الأطراف إلى مفاوضات كامب ديفيد التي اعترف إيهود براك عام 2009 بأنه توجه لها مفترضاً أنه لن يكون هناك اتفاق، وأنه يعلم بأن عرفات يخطط لانتفاضة في شهر (أيلول) سبتمبر. وعليه، أراد، قبل أن تضرب إسرائيل الفلسطينيين، أن تظهر وكأنها بذلت كل الجهود للتوصل لتسوية.

كما احتاجت هذه الحرب لشرارة تمثلت بموافقة براك على زيارة زعيم المعارضة أريئيل شارون للحرم الشريف الذي اختار له يوم الخميس، لإدراكه أن يوم الجمعة يشهد رداً خاصاً من الفلسطينيين. وكان له ما أراد حيث انتشرت المظاهرات في كل أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة وفي أوساط الفلسطينيين في أراضي عام 1948. واعتبر الجيش هذه المظاهرات فرصته التي انتظرها وخطط لها وحان وقت تنفيذها، حيث شن هجوماً شاملاً ومتواصلاً وطويلاً على الفلسطينيين أوقع في صفوفهم آلاف القتلى وعشرات آلاف الجرحى، ودمر اقتصادهم وبناهم التحتية ومقرات السلطة واتبع سياسة الأرض المحروقة خاصة في قطاع غزة، لمعاقبتهم على رفضهم مقترحات السلام، وعلى تجرئهم الانتفاضة على الجيش. وفي السياق المذكور، وصف تقرير أعده الدكتور ستيفان ميليس (ضابط سابق في الشرطة البريطانية) لصالح منظمة حقوق الانسان الدولية “أمنستي”، القمع الذي يمارسه الجيش في الضفة الغربية بأنه “إبادة”.

وخلال هذه الحرب حرص الجيش على: (1) عدم تحقيق النصر وشن حرب استنزاف طويلة جداً أو “حرب على نار هادئة” (وفق مفاهيم الحروب الجديدة) ضد الفلسطينيين، لإيصالهم لقناعة بعدم فائدة نضالهم، وتثبيت السيطرة والسيادة والتفوق اليهودي الذي حاول الفلسطينيون التشكيك فيه. (2) إطلاق النار بغزارة على أية مظاهرة سلمية لمنع تحويل الانتفاضة الحالية إلى انتفاضة سلمية تشبه الانتفاضة التي وقعت في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي. (3) تحميل ياسر عرفات مسؤولية فشل المفاوضات ومسيرة السلام كلها. ووصلت الحرب ذروتها في العملية الإسرائيلية العسكرية “السور الواقي” التي احتلت خلالها كل مدن الضفة الغربية وفرضت حصاراً على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقره بالمقاطعة. وبعد فشلها في إلقاء القبض عليه أو قتله، مارست بحق الرجل ما يسمى بـ “التصفية الرمزية”.

ورغم التفاصيل الكثيرة والمثيرة والأدلة التي يكشفها المؤلف، التي تشير جميعها إلى الدور الإسرائيلي في التصعيد، والمهمة التي قام بها رئيسا الأركان شاؤول موفاز وموشيه يعلون والقيادة السياسية بقيادة إيهود براك وأريئيل شارون وبدعم من المستوطنين والتيارات الدينية، إلا أنه يحمل الفلسطينيين دوراً في التصعيد من خلال استخدامهم للعمليات الاستشهادية التي أوقعت المئات من القتلى وآلاف الجرحى في صفوف الإسرائيليين، متناسياً أن التوجه الفلسطيني نحو هذا النوع من العمليات جاء بعد أن فشلت كل الجهود لوقف آلة القتل والدمار التي تحدث عنها كثيراً في هذا الكتاب.

وفي جميع الأحوال، أدت العملية العسكرية التي شارك فيها 30 ألف جندي (نفس عدد الجنود الذين حاربوا في قناة السويس عام 1973) إلى إعادة السيطرة الإسرائيلية على كل المدن الفلسطينية، وإلى إعادة العلاقة معهم المبنية وفق قاعدة خضوع المحكوم للحاكم، وإلى نهاية غير رسمية لاتفاقيات أوسلو من قبل إسرائيل. وفي السياق المذكور، أبلغ أريئيل شارون وزير خارجيته شمعون بيرس أنه سيمسح عرفات وما يمثله عرفات.

لكن، عدم قدرة إسرائيل على إخضاع الفلسطينيين في حروبها الجديدة، ومواصلتهم الرد على عملياتها العسكرية بواسطة العمليات الاستشهادية وغيرها، دفعها لاستخدام وتجربة نوع جديد من السيطرة تمثل بالفصل أحادي الجانب عن غزة وببناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية، أو “الحل الثالث” على حد وصف المؤلف.

سياسة الحدود والفصل الإسرائيلية

عدم القدرة على الحد من العمليات العسكرية التي شنها الفلسطينيون ضد إسرائيل، وبروز حركات إسرائيلية تدعو للانفصال عن الفلسطينيين بواسطة الجدران، وعدم وجود شريك فلسطيني، والرغبة بمواصلة السيطرة على الفلسطينيين بطرق أخرى، وبهدف إفشال أية مسيرة سلام مستقبلية معهم، تبنى رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون سياسة الفصل أحادي الجانب عن قطاع غزة. وبعد تنفيذ الانفصال، احتفظت إسرائيل بسيطرتها على الجو والبحر والبر وعلى الأطياف الكهرومغناطيسية، وعلى كل مظاهر السيادة في قطاع غزة باستثناء معبر رفح الذي تم التوصل بخصوصه لتسويات خاصة تضمن استمرار مراقبة وموافقة إسرائيل على الداخل والخارج منه.

وخلال الانفصال عن غزة حرص أريئيل شارون على عدم التفاوض مع الفلسطينيين ورئيسهم محمود عباس، الذين اعتبرهم طرفاً لا يؤخذ برأيهم أو احتياجاتهم. ما تسبب بخيبة أمل عميقة للرئيس الفلسطيني وخلق تشاؤماً بإمكانية توقف الحرب والعودة لطاولة المفاوضات. لكن شارون فضل التفاوض مع الولايات المتحدة على ترسيم الحدود الجديدة بين إسرائيل والفلسطينيين، وتلقى منها مجموعة من التعهدات والالتزامات أخذت بعين الاعتبار المصالح الإسرائيلية من دون أي اهتمام بالمصالح الفلسطينية.

وكانت صيغة الانفصال أحادي الجانب عن قطاع غزة وبناء الجدار في الضفة الغربية، هي الصيغة التي اختارها شارون والقيادة العسكرية لدفن مسيرة أوسلو، ومعها أية إمكانية للتوصل لحل وسط يتضمن إقامة دولة فلسطينية.

وبعد تنفيذ الانفصال أحادي الجانب أصبح قطاع غزة أكبر سجن في العالم، حيث أغلقت إسرائيل في وجوههم، ولم يسمح لهم التنقل بحرية من مصر، ومن الناحية العملية لم يبق أمامهم مخرج لا جوياً ولا برياً ولا بحرياً. وعلاوة على ذلك، واصلت إسرائيل عمليات الاغتيال المختلفة بحق الفلسطينيين في القطاع، ما دفعهم إلى الرد بصواريخ محلية على القرى والتجمعات اليهودية المحيطة في قطاع غزة. وهو ما دفع إسرائيل لشن سلسلة عمليات عسكرية كانت كلها باسم المطر مثل :أول المطر وأمطار الصيف وأمطار الخريف التي اتبع فيها أسلوب “أضرب واهرب” على حد تعبير قائد المنطقة الحنوبية حينها يؤاف غالنت. ودلت معارك المطر الإسرائيلية على استمرار الحروب الجديدة التي تحركها العواطف وليس العقل. وأخيراً، شنت إسرائيل عملية الرصاص المنصهر على قطاع غزة تصرفت خلالها وكأنها “دولة مجنونة”، حيث أطلقت قوة نيران هائلة جدا كي يتحرك جنودها من دون خوف من الخطف أو القتل. وعلى عكس كل حروب إسرائيل السابقة شارك حاخامات التيار الديني الوطني لرفع معنويات الجنود والحض على القتال وطرد الكفار المشاركين لهم في احتلال الأرض المقدسة. وعلى أية حال، كانت مشاركة رجال الدين اليهود بالجبهات الحربية سمة أخرى من سمات الحروب الجديدة التي شنتها إسرائيل خلال العقدين الماضيين.

أما في الضفة الغربية فقد مارس شارون السياسة الإسرائيلية الداعية إلى تحديد الواقع الإقليمي من دون مشاركة أي طرف عربي، خاصة إذا كان فلسطينياً، خوفا من توصل إسرائيل لحلول وسط حول الأراضي التي سيطرت عليها بالقوة العسكرية. ونصت السياسة التي سماها مؤلف هذا الكتاب “ربط المنوي فصله” على بناء جدار يكون جزءاً من الحرب الجديدة، وليس جزءاً من إنهاء هذه الحرب. وعليه، فضل شارون الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين داخل “المناطق” وليس فصلا بين إسرائيل وبين هذه المناطق. وبعد بنائه، تبين أن الجدار جاء لاستكمال العقاب والحرب ضد الشعب الفلسطيني.

خلاصة

يخلص المؤلف إلى القول أن الحروب الجديدة التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين منذ عام 2000 وحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أوقعت 6500 قتيل فلسطيني و40 ألف جريح، فيما قتل من الإسرائيليين 1200 وجرح 8000 آخرون، ناهيك عن عملية دمار شاملة لحقت بالبنية التحتية الفلسطينية. ولا بد من الإشارة أن ما جرى ليس حرباً جديدة بـ”مستويات منخفضة” بل هي حرب تقليدية بكل ما في الكلمة من معنى، الجديد فيها هو المصطلحات فقط.

وفي المجال السياسي، لا بد من الإشارة، أن حكومة إسرائيلية يقودها بنيامين نتنياهو وإيهود براك وزيراً للدفاع ستدفن أية إمكانية للتوصل لحل قائم على دولتين لشعبين، وستبحث عن حلول مبدؤها الأساسي “ربط المنوي فصله”!!

[*]  باحث في الشؤون الإسرائيلية، ومترجم للغة العبرية، مقيم في رام الله.