للكاتب الفلسطيني: ماجد كيالي[*]

مراجعة: نعيم ناصر*

 معروف أن منظمة التحرير الفلسطينية تأسست كحركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني في العام 1964. وبصفتها هذه هلل الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافة لإنشائها، على الرغم من معارضة الأردن لهذا الانبعاث، لأسباب تتعلق بالنسيج الاجتماعي للمملكة. وجاء التأسيس وفق قرار قمة عربية، دعمه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، واعتبرها الفلسطينيون – أي المنظمة – وبخاصة اللاجئين، “الوطن المعنوي لهم” ورأوا فيها طريقهم للعودة إلى الوطن الذي شردوا منه.

ولكن ما لبث هؤلاء أن أصيبوا بخيبة أمل عندما ارتهنت قرارات المنظمة للزعماء العرب، وخضعت آلية عملها لتدخلات بعض الحكومات العربية، ومُنع جيش التحرير الفلسطيني، الذي أنشأته المنظمة لتحرير فلسطين، من القيام بأي عمل عسكري انطلاقاً من أراضي الدول المحاذية لإسرائيل.

وكانت “الوطنية الفلسطينية” قبل تأسيس المنظمة، وتحديداً بعد النكبة (1948) غير متبلورة كحركة تحرير، حيث انخرطت فئات فلسطينية عديدة في الأحزاب ذات التوجه القومي، أو الأممي، أو الإسلامي، ظناً منها أن هذه الأحزاب، إذا ما وصلت إلى السلطة في البلاد العربية، أو في بعضها، ستعمل على تحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

وخلال الفترة، التي أعقبت النكبة، وبخاصة في أواخر سنوات الخمسينات، تبلورت في أذهان البعض من المؤسسين الأوائل لحركة “فتح” فكرة إبراز الكيانية الفلسطينية، وضمنوها في فكر الحركة واستراتيجيتها، عندما أعلن عن تأسيسها في العام 1958، فأخذت تروّج للخصوصية الفلسطينية، والعمل في شكل منفصل عن الأحزاب العربية، وركزت على المخيمات الفلسطينية، في ظل ظروف صعبة وقاسية.

وانطلاقاً من هذه الخصوصية شكلت “فتح” فصيلها المسلح “قوات العاصفة” ليمارس العمل المسلح ضد إسرائيل في أوائل العام 1965، وهو ما اعتبرته بداية الثورة الفلسطينية على طريق “حرب التحرير الشعبية” لتحرير فلسطين، ويقصد بها مناطق الثمانية والأربعين، كما أسمتها في حينه.

وهو ما أدركه الكاتب ماجد كيالي من الفصل الأول في كتابه الذي حمل عنوان: “صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين” بالقول: “إن الهوية الوطنية والكيانية السياسية عند الفلسطينيين برزت وتبلورت في ظروف جد صعبة، وقسرية ومعقدة، وفي إطار من القيودات والتشوهات، في أواسط الستينات. وهذا يعني أنها أيضاً، لم تنشأ بشكل طبيعي، ولم تولد نتيجة تطور اجتماعي وسياسي وثقافي في المجتمعات الفلسطينية المتشظية، والتي تخضع لمحددات وقيود ووصايات متباينة، وبالتالي فهي لم تنضج، وسط ظروف ذاتية سليمة، وإنما ولدت بفعل عوامل خارجية، ونضجت بفعل ولادة الحركات الوطنية السياسية، ولا سيما منها حركة فتح، باعتبارها حاملة لواء الوطنية والكيانية الفلسطينية”.

وعليه، كما مر، انطلقت حركة “فتح” من المخيمات الفلسطينية، وليس من داخل أراضي 48، لتحرير فلسطين، وعودة اللاجئين إلى ديارهم، دون أن تحدد في شكل واضح رؤيتها لفلسطين المستقبل بعد تحريرها.

وفي هذا يقول كيالي: “إن الهوية، وكذلك الكيانية، الفلسطينية المعاصرة تأسست وتبلورت، أصلاً، على جمهور اللاجئين في المخيمات، بدفع من مسارين اثنين: أولهما، التركيز حول حدث النكبة المتمثل بإقامة إسرائيل، التي تأسست باعتبارها دولة يهودية على أكثر من ثلثي أرض فلسطين، وتشريد حوالي مليون من الفلسطينيين من أرضهم وممتلكاتهم، الذين باتوا دون هوية وطنية، ودون وحدة مجتمعية. وثانيهما، وقد تركز حول تعريفهم كآخر، أو كلاجئين، في بلدان اللجوء (العربية)، مع ما تضمن ذلك من انتقاص لحقوقهم، وفي المعاملات التمييزية إزاءهم، والمتمثلة بطمس وجودهم، وتهميشهم سياسياً واجتماعياً، وعدم تمكينهم من إقامة كيان لهم في باقي أراضيهم (الضفة والقطاع)، وإحلالهم في مكانة المقيم المؤقت، فلا هم في مكانة مواطن، ولا هم في مكانة مقيم ذي تابعية معينة. وبدهي، فإن أية وطنية، أو هوية، تفتقر إلى مجالها الاجتماعي والجغرافي، وتخضع لسيادات مختلفة، لا بد من أن تكون معرضة لاهتزازات وتفككات، لا سيما إذا ضعف، أو ارتهن، حاملها السياسي”.

ولاحظ الكاتب، فوق ذلك، أن “الهوية والكيانية عند الفلسطينيين لم تكونا متلازمتين، أو متطابقتين، بل إن الافتراق بينهما هو الثابت الذي يشكل أحد أهم عوامل الأزمة الهوياتية والكيانية المقيمة عندهم. فالفلسطينيون في 48 حرموا من شمولهم في إطار الهوية والكيانية الفلسطينية، التي تمثلت بمنظمة التحرير، لأسباب مختلفة. وبعد إقامة السلطة في الضفة والقطاع، بدا وكأن هذه الكيانية لا تشمل الفلسطينيين اللاجئين خارج الأراضي المحتلة، أما مكانة الفلسطينيين في الأردن فباتت مقيدة بمكانتهم كمواطنين”.

*   *   *

شكلت هزيمة العرب في العام 1967، نقلة نوعية في النضال الفلسطيني، ما دفع الكوادر الفلسطينية المنضوية في صفوف القوى والأحزاب العربية، القومية والشيوعية، مثل حركة القوميين العرب، وحزب البعث، والحزب الشيوعي الأردني، إلى تبني الكفاح المسلح، على غرار حركة “فتح”، لتحرير، ليس الأراضي التي احتلت في العام 1967، فحسب، وإنما أراضي فلسطين الانتدابية، على اعتبار أن الحرب النظامية، ثبت فشلها في تحرير الأرض العربية، حسب وجهة نظرها.

وبالتساوق مع هذا التوجه اعتبرت الفصائل الفلسطينية المسلحة، قيادة م.ت.ف التي رأسها المرحوم أحمد الشقيري، قيادة مهزومة، ومسؤولة، مثلها مثل الأنظمة العربية، عما لحق بالعرب وبالفلسطينيين من هزيمة، فعملت مجتمعة على الإطاحة بها في العام 1968، بدعم من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان وراء تأسيسها، وبعض الزعماء العرب.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت م.ت.ف، بتكوينها الفصائلي المسلح، هي حركة التحرر الوطني الفلسطيني الجامعة للنضال الفلسطيني، وواحدة من حركات التحرر العربية والعالمية المتميزة.

لقد غدا الكفاح المسلح، عقب الهزيمة العربية، هو السمة الغالبة للكفاح الفلسطيني، حتى أن “العديد من المؤرخين اعتبروا الكفاح المسلح هو المولد للهوية الفلسطينية المعاصرة، وأن الكيان السياسي للشعب الفلسطيني قام من حول هذا الكفاح”.

وخلال مسيرة هذا الكفاح، فإنها خضعت للمد والجزر، “ومع هذا كله فإن النظرة إلى مكانة الكفاح المسلح لم تكن هي النظرة ذاتها طوال مراحل العمل الوطني الفلسطيني. ففي البداية تم اعتباره بمثابة وسيلة أساسية من الوسائل الأساسية للتحرير، وفيما بعد، أي في مرحلة المنافسة والمزايدة الفصائلية، بات الكفاح المسلح الطريق الوحيد للتحرير، وجرى تقديسه، وجعله قيمة عليا، وحقاً من حقوق الشعب الفلسطيني، لكأنه غاية في ذاته”، على حد تعبير الكاتب ماجد كيالي.

في الفصل الثاني من كتابه الذي حمل عنوان: “إشكاليات المقاومة والعمل المسلح”، وعقب انتهاء الوجود الفلسطيني المسلح في الخارج، بعد الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1982، عاد الجدل بشأن مراجعة مكانة الكفاح المسلح في العمل الوطني الفلسطيني. “وبتأثير من الانتفاضة الأولى (1987 – 1993) التي انتقلت من نمط المقاومة المسلحة إلى نمط المقاومة الشعبية، وبحكم انخراط منظمة التحرير الفلسطينية في عمليتي المفاوضة والتسوية، التي انطلقت من مؤتمر مدريد (1991)، وماتبعها من اتفاق أوسلو (1993) وقيام السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع”.

لكن فكرة انتهاج الكفاح المسلح –حسب كيالي- عادت للانتعاش باندلاع الانتفاضة الثانية (شهر أيلول (سبتمبر) 2000)، التي غلب عليها طابع المواجهات المسلحة، والتنافس على العمليات التفجيرية بين “فتح” و”حماس”، “إلا أن هذه الفكرة عادت إلى الانكفاء، إثر رحيل الرئيس ياسر عرفات (2004)، وبعد أن وجهت إسرائيل ضربات قاصمة إلى البنى التحتية للمقاومة المسلحة في الضفة، وبخاصة بعد نزوع “حماس” للتهدئة إثر هيمنتها كسلطة على قطاع غزة (2007) ووقفها عمليات المقاومة وعمليات القصف الصاروخي من القطاع”.

وعدد الكاتب عناصر خمسة كانت وراء ضعف المقاومة المسلحة، ضمنها أولاً، أن العمل الفلسطيني المسلح لم ينشأ على أرضه أو في إقليمه الخاص، وإنما نشأ في الخارج، “ما ترتب عليه الخضوع لمحددات وسلطات وتوظيفات سياسية معينة”. وثانياً، أن المقاومة المسلحة عملت في البداية من خارج بيئتها المجتمعية “ما عرضها لاحتكاكات مع مجتمع آخر، وأضعف من فعاليتها في قدرتها على مواجهة عدوها”. ثالثاً، لم تستمد المقاومة المسلحة مواردها من الإمكانات الخاصة للفلسطينيين، بقدر ما استمدتها من الدعم الخارجي “وهو ما أثر عليها ووضعها في دائرة التجاذبات والتوظيفات السياسية الخارجية”. رابعاً، إن المقاومة المسلحة لا تواجه جيشاً استعمارياً فقط، وإنما هي تواجه مجتمعاً استعمارياً، يبرر الاحتلال “بل ويعتقد أن الأرض المحتلة هي أرض الميعاد بالنسبة له”. خامساً، ليس ثمة أي توازن بين قدرات المقاومة المسلحة وجيش الاحتلال “لا من حيث التسليح ولا من حيث الإدارة، ولا من حيث التأهيل”.

وتأسيساً على ما تقدم استنتج الكاتب أن الفلسطينيين خسروا معركة الكفاح المسلح، ليس بسبب إسرائيل فقط، وإنما “خسروها بسبب فوضاهم، وتخلف إدارتهم، وبناهم الهشة”. ومع ذلك –يضيف- أن “هذا الكلام لا يقلل من شرعية المقاومة الوطنية المسلحة كما قد يدعي البعض، على العكس من ذلك، فهذا الكلام يستدعي ترشيد هذا الشكل، بمعنى تنظيمه وعقلنته، وربطه باستراتيجية سياسية واضحة، وإدارته بشكل يخدم العملية الوطنية الفلسطينية، ولا يخربها”.

*   *   *

عقب اندلاع الانتفاضة الأولى في الضفة الغربية وقطاع غزة (1987 – 1993)، وتراجع الكفاح المسلح، كما ذكر الكاتب كيالي، وانتقال الثقل النضالي الفلسطيني إلى الأرض الفلسطينية المحتلة، أصبحت فصائل م.ت.ف تولي الاهتمام الأكبر للنضال الجماهيري “السلمي”، دون إغفال الفعل المسلح من برامجها. كما “تراجعت” في برامجها السياسية عن فكرة تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وتبنت القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وبخاصة قراري مجلس الأمن 242 و338، وقراري الجمعية العمومية للأمم المتحدة 181 (قرار التقسيم) و194 (عودة اللاجئين) وقبلت بإقامة دولة فلسطينية في حدود الخامس من حزيران (يونيو) 1967.

واستناداً إلى هذه “الواقعية السياسية” الجديدة، وفي حدودها، شاركت المنظمة، وإن بشكل غير مباشر (ضمن الوفد الأردني) في مؤتمر مدريد العام 1991 ومتوالياته في واشنطن، وفي المفاوضات المتعددة الأطراف المتعلقة بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، إلى أن توقفت هذه المفاوضات نهائياً بعد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق أوسلو في العام 1993، الذي لم تلتزم به إسرائيل، حيث جردته من محتواه ولم تُبقِ منه سوى “السلطة الفلسطينية”.

ولا يخفى على أحد أن اتفاق أوسلو نزع من م.ت.ف بعض صلاحياتها، وجردها من بعض سماتها كحركة تحرر وطني. ولعل أبرز مثال على ذلك تولي السلطة التفاوض مع إسرائيل، باسم الشعب الفلسطيني، ليس على مصير الضفة الغربية وقطاع غزة، فحسب، وإنما على مصير اللاجئين الفلسطينيين، كذلك، وذلك على الرغم من أن السلطة، كما يقال، هي أحد أجهزة م.ت.ف.

وليت الأمر اقتصر على ذلك، وإنما استخدمت إسرائيل هذا الاتفاق لتنزع من السلطة صفتها “التحريرية”، كي تكون مجرد سلطة تدير حكماً ذاتياً.

وهو ما تطرق إليه الكاتب كيالي في الفصل الثالث الذي حمل عنوان: “إشكاليات التسوية والمفاوضة” بالقول: “لقد نجم عن قيام كيان السلطة نشوء واقع من تهميش وتغييب كيان منظمة التحرير، بمعناها ومبناها، والتي كانت في مكانة الممثل الشرعي للفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة. المشكلة أن كيانية السلطة لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي كانت تحتله كيانية منظمة التحرير، لا سيما أن مسؤوليتها التمثيلية ظلت محصورة في فلسطينيي الضفة والقطاع، وبخاصة أن السلطة نفسها باتت تحوم من حولها شبهات سياسية، وأنها لم تثبت ذاتها، وأنها وصلت إلى طريق مسدود. وبالنتيجة فقد نجم عن كل ذلك أن القيادة ضيعت المنظمة، ولكنها في المقابل لم تربح السلطة”.

وخلص كيالي إلى استنتاج مفاده “أن الفلسطينيين معنيون بمراجعة خيار أوسلو وخيار السلطة، بعد هذه التجربة المريرة والخطيرة، التي يبلغ عمرها عقدين من الزمن. هذا يتطلب قوة إرادة، ونوعاً من التصميم على مراجعة التجربة السابقة مراجعة نقدية ومسؤولة وحاسمة، بغرض استعادة الحركة الوطنية الفلسطينية لطابعها كحركة تحرر وطني، وإعادة بنائها على أسس نضالية ووطنية ومؤسسية وتمثيلية، وعبر الانتخابات”.

*   *   *

في الفصل الرابع الذي حمل عنوان: “إشكاليات النظام السياسي وتوليد حركة وطنية جديدة” وعقب مراجعة متأنية وعميقة، من قبل الكاتب كيالي، لمسارات التجربة الفلسطينية، بنجاحاتها وإخفاقاتها، تكشّف له “أن هذه التجربة ظلت محكومة بنوع من الأزمة الممتدة، منبثقة من مجموعة متداخلة ومركبة من العوامل الذاتية والموضوعية” لاحظها ضمن المفاصل الخمسة التالية: أولاً، تخلف البنى الاجتماعية، وسيادة الروح “الأبوية” أو العشائرية في المجتمع الفلسطيني. ثانياً، تمزق مجتمع الفلسطينيين وحرمانهم من الوطن وعدم تمتعهم، في الداخل والخارج، باستقلالية تتيح لهم التطور والنضج الاجتماعي والسياسي والثقافي، كمجتمع مستقل. ثالثاً، التدخلات والضغوطات الخارجية (المباشرة وغير المباشرة) التي تمارس على الفلسطينيين وقيادتهم، بوسائل مختلفة، لإجبارهم على التماثل مع المعطيات السياسية السائدة. رابعاً، اتخاذ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي طابع الصراع على الوجود، بحكم طبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، وأبعاده الدينية – الأيديولوجية والوظيفية. خامساً، الخلل الفادح في موازين القوى وفي المعطيات الدولية والإقليمية لصالح إسرائيل.

وإضافة إلى العوامل الموضوعية سالفة الذكر، والتي ظلت تكمن في أساس كل الأزمات التي شهدتها التجربة الفلسطينية، لفت الكاتب الانتباه لحقيقة أن ولادة النظام السياسي الفلسطيني المعاصر (في أواسط الستينات من القرن الماضي) متمثلاً بمنظمة التحرير وفصائل المقاومة، جاءت بدورها مشوبة بالتباسات وإشكاليات عدة بانت أهميتها في النواحي التالية:

  1. افتقاد منظمة التحرير الفلسطينية لممارسة السيادة على إقليم معين، منذ تأسيسها، على الرغم من وصفها بالكيان المعنوي للفلسطينيين، علماً أن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، كانت قبل الخامس من حزيران (يونيو) 1967 خارج السيطرة الإسرائيلية.
  2. الانفصام بين طبيعة المنظمة، التي جاءت على شكل كيان، وبين التحرر الوطني الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.
  3. تحكم التجاذبات والاستقطابات والتدخلات العربية بمسارات المنظمة.
  4. انبثاق الفصائل الفلسطينية، التي تتبنى نهج الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وأهمها “فتح”، من خارج المنظمة ومن خارج المعادلات الرسمية العربية، وأحياناً بدعم منها، ما أوجد نوعاً من التمايز والتنافس بين المنظمة والفصائل، وهو ما أدى إلى تأسيس نوع من الازدواجية في النظام الفلسطيني، بين المنظمة والفصائل.
  5. سيادة الروح الشعاراتية والعاطفية في العمل الفلسطيني، بما يتناقض واستحقاقات النظام الذي يتعامل مع حقائق الواقع وموازين القوى، والمعطيات المحلية والإقليمية والدولية.
  6. اعتماد الكيانات السياسية الفلسطينية (المنظمة والفصائل والسلطة) على الموارد الخارجية، أكثر من اعتمادها على شعبها، بل ثمة قطاعات واسعة من شعبها تعتمد عليها، لا سيما في لبنان والأرض الفلسطينية المحتلة.

وخلص الكاتب في هذا الفصل إلى “أن النظام الفلسطيني، منذ انتفاضة عام 2000، بدا وكأنه يعيش أكثر مراحله تصدعاً. فالسلطة فقدت المبادرة والقدرة على السيطرة، مع انفلات الانتفاضة، وطغيان ظاهرة المقاومة المسلحة، من دون أي ارتباط باستراتيجية سياسية واقعية ومنطقية، ومع تزايد دور الجماعات المليشياوية المنفلتة من عقالها ومرجعياتها، ومع انغلاق أفق المسار السياسي والتفاوضي، وسعي إسرائيل للتملص من التسوية وتعمد تقويض السلطة . حتى أن السلطة ذاتها لم تكن مقنعة في سعيها لبناء كيان سياسي، مع تفشي دور الأجهزة الأمنية، وارتفاع نسبة الفساد والتخبط الإداري، وعليه بدت القيادة كأنها ضحت بالمنظمة ولم تستطع بناء سلطة”.

وعزا الكاتب هذا التصدع إلى عوامل عديدة، أبرزها غياب الرئيس ياسر عرفات عام 2004، وصعود ظاهرة الإسلام السياسي على الصعيد الإقليمي، وتعثر قدرة “فتح” على تجديد ذاتها، وعدم قدرة الفصائل اليسارية على لملمة أوضاعها. ما أدى إلى تصدع شعبية الفصائل الفلسطينية، وانفضاضها عنها (وضمنها فتح وحماس) لأسباب من بينها “استهلاك العمل الفلسطيني لذاته، بشعاراته ووسائل عمله، والإحباط الناجم عن استعار الخلافات الداخلية والإخفاق في أي من الخيارات التي أخذتها القيادة على عاتقها، من المقاومة إلى التسوية، ومن الانتفاضة إلى المفاوضة إلى تجربة بناء الكيان”.

وجواباً عن سؤال مفترض: ما العمل راهناً؟ طالب الكاتب بـ”قلب الطاولة”، أو تغيير المعادلات والخيارات السياسية القائمة. “إذ بات التمسك بحرفية اتفاق أوسلو وتوابعه، من الاتفاقات الأمنية والاقتصادية، مجرد طوق يكبل الفلسطينيين،، ويشل حركتهم، فضلاً عن أن إسرائيل ذاتها تجاوزت، منذ أكثر من عقد من الزمن، هذا الاتفاق الذي كان يفترض أن ينتهي في العام 1999، مع بقاء هيمنتها على الفلسطينيين وتعزيزها الاستيطان في أراضيهم، وبنائها الجدار الفاصل، وانسحابها الأحادي من قطاع غزة وفرضها الحصار عليه”.

وختم كيالي جوابه بالقول: “إذا كانت إسرائيل تريد مقاسمة الفلسطينيين في الـ22 في المئة خاصتهم، ينبغي على الفلسطينيين في المقابل أن يقاسموها الـ”78” في المئة “خاصتها”. وبدلاً من العيش في دولة كانتونات، فليكن الكفاح من أجل العيش في دولة ديمقراطية علمانية واحدة، أليس هذا أحد العناوين التي طرحتها الثورة الفلسطينية المعاصرة في بداياتها؟”.

*   *   *

وفي خاتمة الكتاب، التي حملت عنوان: “السؤال عن البديل”، طرح الكاتب أسئلة استراتيجية على الصعيد السياسي تتعلق بالإجابة عن السؤال سالف الذكر، ما زالت القيادة الفلسطينية تتجاهلها، رغم أهميتها الاستراتيجية وهي: “هل انتهت مرحلة منظمة التحرير الفلسطينية؟ وماذا بعد مرحلة أوسلو؟ ثم ماذا بشأن الخيارات الأخرى، وضمنها الانتفاضة والمقاومة والتسوية وحل السلطة والوصاية الدولية؟ وما هو مصير القضية الفلسطينية والنظام الفلسطيني السائد؟”.

وبعد أن توسع الكاتب في معطيات هذه الأسئلة قال: “إن أي بديل سيحتاج بداهة، بعد كل هذه التجربة المهيضة، إلى مشروع وطني ملهم، يجب أن يجاوب عن أسئلة الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة، ويوقظ الحلم مجدداً عندهم ويحفز هممهم، بعد كل الضياع والإحباط، على أساس تضمين قيم الحقيقة والعدالة والكرامة”.

وهذا يتطلب، يضيف: “الإجابة عن سؤال اللاجئين بالعودة، وعن سؤال الفلسطينيين في الضفة وغزة بالتحرر من الاحتلال، وعن سؤال فلسطينيي 48 في الكفاح ضد العنصرية وحقهم في المساواة الفردية والجماعية، بما يطابق بين قضية فلسطين وأرضها وشعبها، وبما يعيد لحركتها الوطنية طابعها كحركة تحرر وطني، بعد أن طغى عليها طابعها كسلطة تتعايش مع الاحتلال (…) هكذا سيأتي البديل، لكن في أوانه، أي بعد توفر شروطه وحوامله المجتمعية والسياسية”.

*   *   *

ما تقدم من قراءة لكتاب ماجد كيالي إجابة عن الغرض الذي دفعه لتأليفه، وبعنونته بـ”الثورة المجهضة”. وعلى الرغم من أهمية الكتاب وعمق طروحاته، فإن محاولة ماجد كيالي هذه “لا تدعي امتلاك الحقيقة، بقدر ما تتوخى حث التفكير السياسي النقدي، ولا تحاول تقديم الإجابات الجاهزة، بقدر ما تحاول توليد الأسئلة، والبدائل، التي تتولد عن الطبيعة المعقدة لقضية الفلسطينيين في صراعهم الطويل والمديد مع المشروع الصهيوني ووليدته إسرائيل”، كما جاء في مقدمة الكتاب.

وثمة هدف مهم للكتاب، يبدو أن الكاتب جهد كي ينجزه في وقت تندلع فيه ثورات شعبية عربية وليدة ما زالت أصداؤها تتفاعل، لينبه أن هناك ثورة فلسطينية قد أجهضت، تتطلب جهوداً لاستنهاضها من جديد وفق مسوغات سياسية جديدة، وآليات متجددة.

وفي الختام لا يفوتني أن أشير، ولو باختصار، إلى أن الكاتب كيالي، عندما ألف كتابه هذا، وكتباً أخرى عديدة تتعلق بالقضية الفلسطينية، وبالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والعربي – الإسرائيلي، لم يتناول مضامينها مستنداً على المراجع، فحسب، وإنما، كذلك، من معايشته النضالية وانخراطه في النشاط السياسي ولاحقاً في الحقل الإعلامي الفلسطيني، منذ بلغ السادسة عشرة من عمره، خصوصاً وأنه ابن عائلة فلسطينية ذاقت مرارة اللجوء في مدينة حلب، ثم في دمشق، ليضطر هو وعائلته إلى اللجوء، بعد المأساة السورية، عموماً، ومأساة اللاجئين الفلسطينيين في سورية، خصوصاً، إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

[*] كاتب فلسطيني، مقيم في واشنطن.

* كاتب وصحافي فلسطيني، مقيم في رام الله.