بدأ تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وممتلكاتهم، منذ الإعلان عن قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، إحداهما يهودية والأخرى عربية. منذ صدور هذا القرار، بدأت القوات الصهيونية، وبالتنسيق مع القوات البريطانية اتخاذ إجراءات ميدانية، لتفريغ المناطق المخصصة لليهود من العرب، عبر عمليات إرهابية ومضايقات متنوعة، ترتب عليها هجرة الفلسطينيين إلى خارج ديارهم، وكانت طلائع الهجرة تتشكل من كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال، ذلك أنهم شعروا بسخونة الحدث، وما ينتظر مدنهم من حروب وقلاقل، واستمرت عمليات التهجير إلى بدايات 1949.
حصلت موجات التهجير الكبرى، إبان الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى 1948، وما بعدها، إلا أن بدايات التهجير بدأت قبل ذلك، وامتدت إلى ما بعد ذلك أيضاً. ذلك أن قيام الدولة العبرية، لم يجرِ على الأرض المخصصة لليهود وفقاً لقرار التقسيم، بل إنه امتد ليشمل مناطق واسعة، كانت مخصصة للدولة العربية، وبلغت نسبة ما أخذته إسرائيل نحو 78% من مساحة فلسطين، في وقت بلغ عدد المهجرين الفلسطينيين إلى خارج ديارهم نحو 850 ألف شخص.
ومنذ أن استكملت إسرائيل تهجير الفلسطينيين من ديارهم وممتلكاتهم، وتعاملت مع من بقي وفق قوانين فريدة، كقانون الحاضر- الغائب وقانون أملاك الغائبين، وغيرها من القوانين “القراقوشية”، نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، كقضية دولية، لها أبعادها وذيولها الإقليمية. وفي الوقت الذي أقرت فيه إسرائيل، بتلك المشكلة، ربطت سببها بالنزوح، تماماً كما فعل الفلسطينيون والعرب، إلا أنها عزت سبب هذا النزوح إلى أسباب ودواعٍ عربية وفلسطينية، يعود بعضها إلى رغبة الفلسطينيين في الهجرة، أو بعض البيانات العسكرية الصادرة عن قيادة الجيش العربي، لإخلاء مناطق عسكرية!.
في هذا السياق، يمكن إيجاز الادعاءات الصهيونية بهذا الشأن، وفقاً لما سبق وأن دونه مؤرخو الدولة العبرية الأوائل، ماري سيركن، وجان ديفيد كيمحي، ولورش، وجوزف شختمان، من أن هجرة العرب الفلسطينيين من ديارهم، جاءت وفقاً لنداءات وأوامر القادة العرب، الداعية إلى ابتعاد السكان المدنيين عن ساحات القتال، ولإفساح المجال، لدخول الجيوش النظامية وتمركزها عند انتهاء الانتداب في الخامس عشر من أيار (مايو) 1948، إضافة لما لعبته أجهزة الإعلام العربية عبر المبالغات في وصف الأعمال العسكرية الصهيونية، الأمر الذي أسهم في نشر حالة الرعب بين العرب، ويحملّ المؤرخون الصهاينة، المسؤولية للدول العربية، ودخول قواتها العسكرية إلى فلسطين، في وقت يؤكدون فيه طيبة النوايا الصهيونية إزاء السكان الفلسطينيين، وعزم قادتهم التعايش المشترك مع السكان المحليين في استقرار وأمان!!
وما دأبت الدبلوماسية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية على تأكيده في هذا السياق، هو ترديد وتبرير لما سبق لهؤلاء المؤرخين وأن كتبوه منذ بدايات الخمسينات. ووفقاً لتلك الرؤية، رأت إسرائيل فيما حدث في الخامس عشر من أيار (مايو) 1948، استقلالاً وطنياً، دون أن تحاول جدياً رؤية الجانب التراجيدي في الحدث، ألا وهو النكبة الفلسطينية. بقيت هذه التعليلات والتفسيرات قائمة في الخطاب السياسي والتاريخي الإسرائيلي حتى ظهور ما يسمى بالمؤرخين الإسرائيليين الجدد، ولعل أبرزهم بني موريس، الذي حاول إعادة قراءة حدث 1948، وفقاً للمعطيات وللمقتضيات الجديدة، واستناداً إلى الوثائق العبرية الأصلية، واعتماد المناهج العلمية في تحليل وقائع ما حدث.
بدأت نشاطات بني موريس عملياً، منذ عام 1980 ودراسته لوقائع وأحداث معركة اللد والرملة 12-13 تموز (يوليو) 1948، حيث توصل إلى نتائج مغايرة لما سبق للمؤرخين الصهاينة وأن توصلوا إليه. في هذا السياق. لاحظ بني موريس، نوع أساليب الحرب النفسية الصهيونية في نشر الرعب بين السكان المدنيين، بعد سقوط هاتين المدينتين، وكان منها القصف البري والجوي، وكان الهدف من وراء ذلك حمل السكان المحليين على الرحيل من ديارهم. وإضافة لترويع السكان الآمنين، فقد عثر بني موريس على وثائق صهيونية أصلية تؤكد، إقدام القوات الصهيونية، على ذبح زهاء 205-300 شخص من سكان اللد، بعد أن دخلتها تلك القوات، وإرغام ما يتراوح بين 50-70 ألف نسمة من أهالي المدينتين على الرحيل إلى خارج بلادهم، جاء ذلك تنفيذاً صريحاً ومباشراً لأوامر بن غوريون، رئيس الوزراء ووزير الدفاع آنذاك .
فتحت كتابات بني موريس باباً واسعاً أمام مؤرخين إسرائيليين جدد، لإعادة قراءة الأحداث، ومحاولة التوصل إلى تفسيرات وتعليلات علمية لما جرى، وفي هذا السياق ظهرت دراسات ذات أهمية خاصة قياساً بما سبق وأن كتب مؤرخو الحركة الصهيونية في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات خاصة. إضافة إلى ذلك، برزت دراسات وليد الخالدي وأرسكين تشلدرز كدراسات موثقة، ومدعمة بحقائق تاريخية دقيقة، قادرة على إسقاط الادعاءات الصهيونية، خاصة فيما يتعلق ببروز مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ومحاولة عزو مشكلتها إلى دخول القوات العربية إلى فلسطين بعد الخامس عشر من أيار (مايو) 1948 ذلك أن الأرقام الدقيقة تشير إلى أن ما يقارب نصف عدد اللاجئين سبق له وأن هجر من دياره قبل ذلك التاريخ، كنتيجة مباشرة لعمليات الإرهاب الصهيونية، ونشر الرعب في صفوف السكان الآمنين تنفيذاً لمخطط صهيوني، عرف باسم “خطة دالت” القائمة أساساً على تهجير السكان الفلسطينيين، وبالتالي مسح قراهم ومدنهم، وإنشاء مستوطنات جديدة بدلاً منها، عبر مخطط تغيير المعالم الجغرافية والبشرية في فلسطين. وما أن تحقق هدف التهجير في العام 1948، حتى سارعت إسرائيل إلى تدمير ما يقارب 400 قرية ما بين عامي 1948-1952 بهدف تغليب الصفة اليهودية في فلسطين سكانياً وثقافياً وحضارياً وتحويل العرب إلى أقلية لا تزيد نسبتها عن 16% فقط، في وقت لم يزد عدد اليهود، حتى العام 1947، عام صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، على 650,000 يهودي لا يمتلكون أكثر من 7% من مساحة أراضي فلسطين، وغداة حرب 1948، وتهجير الفلسطينيين عنوة من ديارهم، سيطرت إسرائيل على 78% من فلسطين، ولم يبق من السكان الفلسطينيين البالغ عددهم نحو مليون مواطن سوى 150,000 مواطن فقط .
لم يأت تنفيذ مخطط الترحيل فجأة، بل إنه اعتمد على جملة مخططات سابقة تمتد عملياً إلى ما قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897، وترمي تلك المخططات جميعها إلى استقدام يهود العالم إلى فلسطين، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية كافة، وترحيل سكانها، ذلك في نظر القادة الصهاينة جميعاً، بدءاً من بنسكر إلى بن غوريون وصولاً إلى زعامات معاصرة، أن الفلسطينيين هم بداوة ليس إلا. ولعل جوهر فلسفة الترانسفير، ومحاولة ترحيل ما تبقى من الفلسطينيين عن ديارهم، مثّل مكنونات تلك الرؤية وأبعادها الحقيقية.
لعل مراجعة تاريخية للتفسيرات الإسرائيلية لترحيل زهاء 750 ألف فلسطيني عن ديارهم، وتدمير ما يربو عن 400 قرية عربية ومسحها عن الوجود 1948-1952، فإن ما تأصل في الفكر الصهيوني إزاء ذلك، هو أن الفلسطينيين هربوا من ديارهم، وكانت فلسطين 1948، فارغة من السكان. وعلى هوامش هذا المفهوم، أخذت الدراسات والأبحاث الإسرائيلية تضخم من الدور العربي في مناشدة الفلسطينيين ترك أراضيهم، إضافة إلى دور الجيوش العربية في ترحيل الفلسطينيين عن ديارهم إبان الحرب العربية الإسرائيلية الأولى.
وبالمقابل اجتهدت الوسائل الإعلامية والثقافية الإسرائيلية، في إخفاء دور المنظمات الصهيونية في ترحيل الفلسطينيين ويمكن إيجاز هذا الدور، في محورين رئيسين هما:
– نشاط المنظمات الصهيونية العسكرية كافة، خلال عامي1947-1948، في المدن والبلدات والقرى العربية، عبر عمليات تهجير عشوائية تطال المدنيين وتزرع الرعب في قلوب الآمنين، بهدف حملهم على الرحيل.
– تنفيذ مخطط مدروس لترحيل العرب الفلسطينيين، عبر طرائق وخطط مختلفة، أطلق على أبرزها تسمية “توخنيت دالت”، (الخطة ـ د). تم رسم هذه الخطة في العام 1942، وتم اعتمادها في العاشر من آذار (مارس) 1948. وتقضي هذه الخطة بالاستيلاء على المراكز الحيوية والاستراتيجية كافة في فلسطين، ومنها بالطبع الطرق الرئيسة، إضافة إلى نسف وترويع القرى العربية لحملها على الرحيل إلى خارج حدود التقسيم، وفي هذا السياق تحديداً، جاء تنفيذ مجازر دموية، كان أشهرها مجزرة دير ياسين، إضافة لمجزرتي اللد والدوايمة.
ولعل قراءة دقيقة ومتأنية في الوثائق الصهيونية والبريطانية، خلال فترة 1945-1955، من شأنها أن تدلل، وبوضوح، على أن عملية رحيل الفلسطينيين عن ديارهم جاءت وفق خطط مدروسة سلفاً، نفذتها العصابات الصهيونية، ومن بعدها الجيش الإسرائيلي ذاته.
ووفقاً لما استخلصه الباحث نور الدين مصالحة، في كتابه الهام، “الترانسفير” ، فإن هنالك عدة فرضيات، تشير إلى وجود خطة شاملة لترحيل الفلسطينيين سنة 1948، وأبرزها:
– أن المجازر التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية لم تحدث عفواً أو حسب المتطلبات العسكرية المباشرة فقط، وإنما جاءت في إطار خطة جغرافية وزمنية متكاملة ترمي إلى ترحيل الفلسطينيين.
– إن ما يسمى بالمليشيات “المنشقة” كانت تقوم بعمليات الإجرام بتنسيق تام مع الهاجانا وفي إطار خطة منسقة ومتكاملة.
– خطط مهاجمة القرى العربية كانت مرسومة بحيث تؤدي حتماً إلى ترحيل الأهالي.
– إنه كان لدى الإسرائيليين خطة متقنة لحرب نفسية هدفها الترحيل.
– إن الخطط والأوامر العسكرية كانت تصاغ بمصطلحات أمنية واستراتيجية ولكن تنفيذها كان يتطلب الترحيل كنتيجة حتمية.
وعلى الجانب القانوني والتشريعي، قامت إسرائيل بإعلان قانون الغائب. وقانون الغائب- الحاضر. وعلى نحو يتناقض وأبسط القواعد القانونية وأعرافها، وكذلك مع أبسط قواعد الشرعية الدولية وحقوق الإنسان. ووفق تلك القوانين والتشريعات الغريبة والعجيبة تمت مصادرة أملاك الفلسطينيين وتحويلها إلى أملاك دولة، ذلك أن تلك القوانين، تضمنت حق العدو في مصادرة الأملاك، في حين عدم السماح بعودة سكانها إليها، خلال فترة محدودة!! وبالمقابل مُنع اللاجئون من العودة!!.
إن إعادة قراءة القوانين والتشريعات الإسرائيلية، في هذا الخصوص، وفضحها على أوسع نطاق، واعتبار ما بني على هذه التشريعات الباطلة بحكم الباطل، عند مناقشة موضوع حق العودة والتعويض، هو أمر ضروري للغاية، ويقتضي بدوره تشكيل هيئة قضائية خاصة لها طابعها الدولي غير الحكومي. وعلى هامش البعد القضائي والقانوني، لعمل اللجنة المذكورة، يمكن إغناء وتعزيز مفهوم النكبة الفلسطيني، وما يسمى بإعلان الاستقلال الإسرائيلي.
اللاجئون ما بعد الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي
اعترف الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي ببعضهما البعض، مع الإقرار بوجود حالات عالقة، في المقدمة منها قضية اللاجئين. وفي الوقت الذي بقيت هذه القضية مغيبة ومبهمة، خلال فترة 1948-1993، عادت وبرزت إلى الوجود، وتم طرحها بقوة على مائدة البحث، رغم صدور ثلاثين قراراً عن الأمم المتحدة، تؤكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض. استخدمت الولايات المتحدة في كل مرة، حق النقض لإبطال هذه القرارات التي تدين إسرائيل.
قامت الولايات المتحدة في مؤتمر مدريد 1991، بتقسيم المحادثات بين العرب وإسرائيل إلى مسارين، الأول: محادثات ثنائية تجري بين أطراف النزاع العربية (لبنان، سوريا، الأردن، فلسطين) والثاني: محادثات متعددة الأطراف تتناول المواضيع الرئيسة التي يتطلب حلها تعاون جميع الأطراف. وكان نصيب قضية اللاجئين في محادثات متعددة الأطراف، التي بدأت في موسكو، كانون الثاني (يناير) 1992، وتشكلت فيها مجموعة عمل اللاجئين، وأوكلت إليها المهام التالية: تكوين قاعدة البيانات الأساسية المتعلقة باللاجئين، ولم شمل الأُسر الفلسطينية، وتنمية المصادر البشرية، والتدريب المهني وخلق فرص العمل، والصحة العامة، ورعاية الطفولة، والبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وتم تكليف، عدة دول، برعاية كل نقطة من هذه النقاط وفقاً للاحتياجات وإعداد التقارير، وهذه الدول هي: النرويج، وفرنسا، وأمريكا، وإيطاليا، والسويد، والاتحاد الأوروبي.
عقدت مجموعة عمل اللاجئين ثماني جلسات، قاطعت إسرائيل ثاني اجتماعاتها، المنعقد في أوتاوا -كندا. أيار (مايو) 1992، كما قاطعت اجتماعات اللجنة، عند مناقشة، لم الشمل، وبعد ذلك قاطعت جامعة الدول العربية، اجتماعات المتعددة الأطراف، احتجاجاً على عدم جدية الطرف الإسرائيلي.
في المفاوضات السرية الفلسطينية- الإسرائيلية، بخصوص إعلان أوسلو، تم تأجيل مناقشة قضية اللاجئين، وعند الإعلان عن الاتفاق الفلسطيني-الإسرائيلي، أدرجت قضية اللاجئين مع قضايا الحل النهائي. تشكلت لجنة تحضيرية رباعية تعمل خلال المرحلة الانتقالية، لاستكمال أعمال مجموعة عمل متعددة الأطراف، المنبثقة عن محادثات مدريد، ووفقاً لإعلان المبادئ، فقد تم تكوين اللجنة المذكورة من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والأردن ومصر.
برز خلال فترة ما بعد إعلان الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي، موقفان إزاء قضية اللاجئين، الموقف الفلسطيني والموقف الإسرائيلي. وتبلورت الخطوط الحمراء للموقف الفلسطيني عبر النقاط التالية:
– الالتزام بحق العودة للاجئين الفلسطينيين في كافة مراحل لجوئهم.
– حق التعويض للاجئين.
– الالتزام بمقررات الشرعية الدولية كأساس لحل هذه القضية، ولا سيما قرار الأمم المتحدة، رقم 194 الصادر في 11/12/1948.
وبالمقابل تبلور الموقف الإسرائيلي برفض “حق العودة” رفضاً مطلقاً، أكان ذلك للاجئين أم النازحين على حد سواء. وهنالك ما يشبه الإجماع الإسرائيلي حول هذه النقطة، على اعتبار أن استخدام هذا الحق، يعني تدمير الدولة العبرية، وإلغاء هويتها وكيانها. ذلك أن مشروعية عودة اللاجئين، سيكون له كبير الأثر على التركيبة السكانية الإسرائيلية، عبر تلاقيهم مع إخوانهم في الداخل، والبالغ عددهم زهاء المليون نسمة، وكذلك تحالفهم مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والبالغ عددهم ثلاثة ملايين ونيفاً. كما اتسم الموقف الإسرائيلي في مسألة دفع التعويضات للاجئين الفلسطينيين بالتحفظ، وربط ذلك، بدفع تعويضات متعادلة لليهود من الدول العربية، والذين غادروها إلى إسرائيل! إلى ذلك، طرحت إسرائيل، نقاطاً لتسوية قضية اللاجئين، أبرزها:
– اعتبار العودة، قضية إنسانية وليست سياسية.
– ضرورة تحسين الأوضاع المعيشية للاجئين في أماكن لجوئهم، عبر صندوق دولي، قد تساهم فيه إسرائيل.
– العمل على توطين اللاجئين حيث هم، عبر اتفاقات دولية.
تأسيساً على ما سبق، فمن الواضح أن الموقف الإسرائيلي إزاء قضية اللاجئين، يتمتع بتأييد إسرائيلي واسع، ومن الصعب وضع احتمالات مستقبلية بشأن تغيير جدي في هذا المفهوم إسرائيلياً، ذلك أن قيام الدولة الإسرائيلية، فوق الأراضي التاريخية الفلسطينية، واستقدام مهاجرين من دول العالم، بدلاً عن السكان الأصليين، من شأنه أن يفضي إلى الموقف الرسمي الإسرائيلي، وبالتالي فإن حالة التحسس الشعبي الفلسطيني داخل إسرائيل، لمعنى قيام الدولة العبرية، وما شكله ذلك من حالة نكبة فلسطينية من شأنه أن يفضي بدوره، لأشكال من الصراع يطال جوهر الأمور، وعلى هامش ذلك يمكن فهم وثيقة سبق وأن صدرت عن مؤتمر هرتسليا تدعو صراحة للترانسفير، وتحذر من مخاطر الوجود العربي الفلسطيني في إسرائيل، بعدما سقطت مناهج الأسرلة.
حق العودة، هو حق شخصي وتاريخي وقانوني. لا يتمكن أحد من إسقاطه أو إلغائه. محاولات إسرائيل المتتالية، التي حاولت طمسه ومن ثم تجاوزه، باءت بفشل ذريع. إسرائيل تدرك ذلك، لكنها لا تتمكن من التعامل معه على نحو سياسي معقول. ودون تسوية هذا الأمر، على نحو عادل ومقبول من الأطراف جميعاً، سيبقى عائقاً أمام أي تسوية شاملة ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على حد سواء.
إن حق العودة، إضافة إلى أنه حق ثابت، تكفله القوانين الدولية وقرارات الشرعية الدولية، فإنه حق يحتاج إلى ثقافة العودة، وبناء مؤسسات تلك الثقافة. هنالك جزء من الشعب الفلسطيني يعيش في إسرائيل، وإجراءاتها تهدف إلى أسرلته، وهنالك جزء آخر، لا يزال يعاني من موروثات الاحتلال والحصار في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهنالك جزء ثالث لاجئ في سوريا ولبنان ومصر والعراق، يعيش تحت قوانين وأنظمة تلك الدول، وهو معرض بشكل أو بآخر لفقدان هويته الوطنية، والابتعاد رويداً رويداً عن حق العودة، وهنالك جزء هام في الأمريكيتين وأوروبا، خاصة الدول الإسكندنافية.
لا يكفي، والحالة هذه، أن نقول بحق العودة، وأن نشدد على شعار حق العودة، دون ممارسته ثقافياً وحضارياً.
حق العودة، يحتاج إلى ثقافة خاصة به. ليورث من جيل إلى جيل، ولعل من أشكال تلك الثقافة الناجعة، التواصل ما بين الخارج والداخل، وقد حدث ذلك في نهايات القرن الماضي، وأعطى نتائج إيجابية، كتواصل أهالي صفورية في الخارج، مع أهلهم في صفورية التاريخية. لعله من المجدي، تأسيس وتكوين مؤسسات أهلية، لتجمع وبالتواصل ووسائله الحديثة والقديمة في آن، ما بين سكان المدن الفلسطينية، يافا، وحيفا، وصفد وعكا وغيرها من المدن والبلدات والقرى، ما بين الداخل والخارج، وعقد مؤتمرات تجمعهم في عاصمة عربية أو أوروبية.
من شأن ذلك، الابقاء على جذوة حق العودة، حية وقائمة ومتجددة.
ومن الوسائل الثقافية الناجعة، التمسك بالملابس الشعبية الفلسطينية، في المناسبات الاجتماعية، إضافة لأشكال الفنون كافة، ومنها الرقص الشعبي. هنالك وسائل ثقافية متعددة، تستدعيها الهوية الوطنية الفلسطينية، ومن شأنها تعزيز حق العودة، وهي تحتاج لجهود دؤوبة وصادقة وشعبية في آن.