د. مازن صلاح العجلة

 مقدمة

تزايد الاهتمام الدولي والمحلي بأهمية المساعدات منذ توقيع اتفاق أوسلو الذي اقترن مباشرة برصد 2.4 مليار دولار في حينه لدعم إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها. واستمر تدفق وتزايد هذه المساعدات بوتائر متباينة ومتأثرة بشكل مباشر بالأوضاع السياسية، وخاصة مدى التقدم في المفاوضات وعملية السلام.

وتنوعت مصادر الدعم، وشملت معظم الدول المتقدمة والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية والإسلامية. وتربعت المساعدات المقدمة من الاتحاد الأوروبي على رأس قائمة المانحين دوماً، تليها المساعدات الأميركية وبنسبة تصل إلى 30% على وجه التقريب خلال العقد السابق. وتفيد الإحصاءات أن حجم هذه المساعدات وصل إلى 5.7 مليار دولار منذ إنشاء السلطة وحتى الآن، شاملة المساعدات المباشرة للسلطة ودعم الأونروا والقطاعات الاقتصادية المختلفة والمؤسسات الأهلية.

ورغم أن المساعدات الأميركية لعبت دوراً مهمّاً في الاقتصاد الفلسطيني، خاصة على صعيد دعم الأونروا والدعم الموجه للموازنة، إلا أن ربط هذه المساعدات بمواقف سياسية محددة تراها أميركا، قلل من هذه الفائدة التي أصبحت محل شك عندما مست مصالح عليا للشعب الفلسطيني مثل قضية القدس.

وعليه، تهدف هذه الورقة، باستخدام منهجية الاقتصاد السياسي، باعتبارها الأنسب لموضوع تحركه وتحدده السياسة، في تتبع تطور المساعدات الأميركية للأراضي الفلسطينية بأنواعها وأشكالها وأهميتها، في سياق التطورات السياسية وكيف تم استخدامها أميركيّاً لفرض وجهات نظر ووقائع معينة كانت دوماً، وبالضرورة، تخدم إسرائيل على حساب تقدم وتطور سعي السلطة لإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة.

  1. المساعدات الأميركية: التسييس منهجاً

رغم أن تسييس المساعدات يمثل نهجاً عامّاً لمعظم الدول المانحة، إلا أن المساعدات الخارجية الأميركية تتصدر قائمة المانحين في تسييس المساعدات، وتنفرد بكبر حجم المساعدات العسكرية من إجمالي ما تمنحه للدول المتلقية لمساعداتها.

تؤكد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)* على موقعها الإلكتروني أن هدف المساعدة الخارجية الأميركية دائماً كان مزدوجاً يتمثل في تعزيز مصالح أميركا مع تحسين الحياة في العالم النامي. وتنفذ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية السياسة الخارجية للولايات المتحدة من خلال تعزيز التقدم البشري على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه، توسع المجتمعات المستقرة والحرة، وتخلق الأسواق والشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وتعزز النوايا الحسنة في الخارج (https://www.usaid.gov/who-we-are). ونستعرض فيما يلي أهم الجوانب التي تعكس بوضوح منهج التسييس للمساعدات الأميركية.

1.2. مبررات المساعدات الخارجية الأميركية

تُفصح الولايات المتحدة الأميركية بشكل سافر عن نواياها وأهدافها من هذا الحجم الكبير الذي تنفقه كمساعدات خارجية، سواء عسكرية أو اقتصادية أو إنسانية، حيث يُصدر الكونغرس الأميركي من خلال مركزه الخاص بالأبحاث ((Congressional Research Service العديد من التقارير الخاصة بهذه المساعدات. ويؤكد أحد التقارير ((Tarnoff & Lawson,2016 الطابع السياسي لمبررات وأهداف المساعدات، كاشفاً أنه خلال السنوات السبعين الماضية، كانت هناك ثلاثة مبررات رئيسية للمساعدة الأجنبية:

  • الأمن القومي: كان الأمن القومي المحور الرئيسي لبرامج المساعدة الأميركية. ومنذ بداية إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وتحت خطة مارشال (1948-1951)، وخلال الحرب الباردة، كان صناع السياسة ينظرون إلى برامج المساعدات الأميركية كوسيلة لمنع توغل النفوذ الشيوعي وتأمين حقوق القواعد الأميركية أو غيرها، لدعم الجهود المناهضة للسوفييت. بعد الحرب الباردة، تحول تركيز المساعدات الخارجية من معاداة الشيوعية العالمية إلى قضايا إقليمية متباينة، مثل مبادرات السلام في الشرق الأوسط، والانتقال إلى الديمقراطية في أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، والإنتاج الدولي غير المشروع للمخدرات والاتجار بها في جبال الأنديز. بيد أنه منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية فى الولايات المتحدة، كثيراً ما يتلقى صناع السياسات مساعدات خارجية كأداة في إستراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية وزيادة المساعدات للدول الشريكة في جهود مكافحة الإرهاب وتمويل برامج إعادة الإعمار الكبيرة في أفغانستان والعراق. وكما لوحظ، فقد تم إبراز التنمية العالمية كعنصر أساسي في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي في بيان السياسة لكل من بوش وأوباما.
  • المصالح التجارية: تستخدم المساعدات الخارجية كوسيلة لتعزيز الصادرات الأميركية من خلال إنشاء عملاء جدد للمنتجات الأميركية أو من خلال تحسين البيئة الاقتصادية العالمية التي تتنافس فيها الشركات الأميركية.
  • الاهتمامات الإنسانية: تقديم المساعدة الإنسانية، سواء القصيرة الأجل استجابة للأزمات والكوارث، أو المساعدة الإنمائية الطويلة الأجل الرامية إلى الحد من الفقر والجوع وغير ذلك من أشكال المعاناة الإنسانية الناجمة عن مشاكل أكثر منهجية. وكان تقديم المساعدة لأسباب إنسانية عموماً الهدف الأكثر تأييداً على نطاق واسع من المعونة من قبل الجمهور الأميركي وصناع القرار على حد سواء.

2.2. أهداف المساعدات الأميركية

في محاولة لترشيد برنامج المساعدة بشكل أوضح، وضعت وزارة الخارجية إطاراً عام 2006 ينظم المساعدات الخارجية الأميركية حول خمسة أهداف إستراتيجية، كل منها يتضمن عدداً من عناصر البرنامج، والمعروفة أيضاً باسم القطاعات، والأهداف الخمسة هي: السلام، والأمن، والاستثمار في الناس من أجل حكم عادل وديمقراطي، والنمو الاقتصادي، والمساعدة الإنسانية. ويُعتقد أن أهداف المعونة تندرج ضمن المبررات السابقة. وتشمل أهداف المساعدات تعزيز النمو الاقتصادي والحد من الفقر وتحسين الحكم وتعزيز الاستقرار في المناطق المتنازعة وحماية حقوق الإنسان وتعزيز التجارة والحد من انتشار الأسلحة وتعزيز الحلفاء. وكان من المتوقع أن تحقق الولايات المتحدة، من خلال تحقيق هذه الأهداف وغيرها من أهداف المعونة، أهدافها المتعلقة بالأمن القومي، فضلاً عن ضمان بيئة اقتصادية عالمية إيجابية للمنتجات الأميركية وإظهار الطبيعة الإنسانية لشعبها.

  • دور الكونغرس

يتمثل أحد أوجه التسييس لهذه المساعدات في أنها مرهونة بموافقة الكونغرس واعتماده، وهي تُقَر بناء على قانون مختص بتقديم المساعدات الخارجية*. حيث تضطلع العديد من لجان الكونغرس المخولة واللجان الفرعية بالمسؤولية عن المساعدات الخارجية للولايات المتحدة، وتضطلع عدة لجان بالمسؤولية عن إصدار تشريعات ووضع برامج وسياسات برامج المعونة الأجنبية. ويملك مجلس الشيوخ ولجنة العلاقات الخارجية ولجنة الشؤون الخارجية، اختصاصاً رئيسيّاً على المساعدة الإنمائية الثنائية، والمساعدة السياسية- الإستراتيجية، وغيرها من مساعدات الأمن الاقتصادي، والمساعدة العسكرية، والمنظمات الدولية. ولم يسن الكونغرس قانوناً شاملاً لتفويض المساعدات الأجنبية منذ عام 1985، بالرغم من أن المساعدات الأجنبية التي ترخص مشاريع القوانين قد أجازها مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو كلاهما في مناسبات عديدة. وكثيراً ما توقفت مشاريع المساعدات الخارجية في مرحلة ما من النقاش بسبب قضايا مثيرة للجدل أو نزاعات تتعلق بالسياسة الخارجية التنفيذية والتشريعية (Tarnoff & Lawson,2016).

4.2. ارتفاع نسبة المساعدات الأمنية والعسكرية

تعتبر الولايات المتحدة أكبر مساهم في المساعدة العسكرية للبلدان الأجنبية في العالم، وتقدم نوعاً من المساعدة لأكثر من 150 بلداً كل عام. وهي عموماً تقدم نوعين من المساعدات: الأول هو المساعدة الاقتصادية، وهي تمثل المساعدات الخارجية للبرامج ذات الأهداف الإنمائية أو الإنسانية. والنوع الثاني هو المساعدة العسكرية الخارجية التي تُقدم في المقام الأول لصالح القوات المسلحة الحكومية المتلقية، أو المساعدات التي تدعم أو تعزز بشكل كبير القدرة العسكرية (USAID,2016).

1.4.2. حجم المساعدات لدول العالم

وفقاً لتقرير المساعدات الصادر عن USAID، بلغ حجم المساعدات الأميركية لدول العالم منذ عام 1945 وحتى أيلول (سبتمبر) من عام 2016 ما مجموعه ترليون و174 مليار دولار، معظمها منح وبنسبة 91.6%، والباقي قروض ميسرة. ويشمل هذا الحجم من المساعدات كلا النوعين الاقتصادي والعسكري، حيث بلغ حجم المساعدات العسكرية لنفس الفترة 381 مليار دولار وبنسبة 32.4% من إجمالي المساعدات. وللتفصيل، فقد بلغ حجم المساعدات الأميركية لدول العالم عام 2016 ما مجموعه 49.5 مليار دولار، منها 15.5 مليار دولار مساعدات عسكرية وبنسبة 31.3%. وتبلغ نسبة القروض من المساعدات العسكرية 10.5%، بينما هي أقل في المساعدات الاقتصادية حيث تصل الى 8.4% (USAID,2016).

2.4.2. حجم المساعدات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

إذا نظرنا إلى توزيع المساعدات حسب المنطقة، ربما يساعد ذلك في تأكيد منهجية التسييس، حيث تلقت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تحظى باهتمام أميركي خاص في ظل الصراع العربي الإسرائيلي والرغبة في السيطرة على الأسواق والموارد، سنجد أن مجموع ما تلقته المنطقة من مساعدات وصل إلى 324.5 مليار دولار وبنسبة 27.6% من إجمالي مساعدات العالم. لكن النقطة الأهم أن حجم المساعدات العسكرية وصل إلى 181 مليار دولار، أي أكثر من نظيرتها الاقتصادية وبنسبة بلغت 55.8%. وتستحوذ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أقل قليلاً من نصف المساعدات العسكرية لكل دول العالم وبنسبة 48% (USAID,2016).

لا شك أن هذه التوجهات للمساعدات الأميركية تتحدد بناء على الأهمية الإستراتيجية للدولة المتلقية ضمن المصالح الأميركية الأمنية والاقتصادية، وفي سياق التحالفات التي تعتبر المنطقة مرتعاً خصباً لها. وغالباً ما تتوسع وتتعدد الأدوات الأميركية لتتجاوز المساعدات إلى التدخل المباشر، وخير مثال على ذلك تدخلها العسكري في العراق وأفغانستان، وأخيراً في سورية. ويجب ألا نغفل أبداً عن مكانة إسرائيل الإستراتيجية في المشهد العام للمساعدات وأهدافها، التي تحظى بالدعم الأكبر وفقاً للبند التالي.

3.4.2. حجم المساعدات لإسرائيل

تشير الإحصاءات الصادرة عن تقرير USAID (USAID,2016)، إلى أن إسرائيل حصلت على 135.5 مليار دولار للفترة 1945-2016، معظمها مساعدات عسكرية وبنسبة 67.5%. وتمثل حصة إسرائيل وفقاً لذلك نصف المساعدات العسكرية التي تلقتها دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعة. وما زال مستوى المساعدات الأميركية لإسرائيل هو الأعلى، إذ بلغ عام 2016 حوالي 33% من الحجم العالمي، بينما كانت نسبة المساعدات الاقتصادية والأمنية 39%، 20% على الترتيب.

  1. نظرة عامة على المساعدات الخارجية للأراضي الفلسطينية

وضع البنك الدولي عام 1993، بُعيد توقيع اتفاق أوسلو الأول، خطةً اقتصادية للفلسطينيين تحت مسمى “استثمارٌ في السلام“، وكان الهدف منها إرشاد المانحين الثنائيين الرئيسيين حول سُبل صرف المعونة بما يدعم عملية السلام (The World Bank, 1993). وكانت فلسفة خطة البنك الدولي تتمثل في تحسين مستوى حياة الفلسطينيين وتشجيعهم على المشاركة في عملية السلام بالاستفادة من “عوائد السلام”.

وقد بدأت قصة المساعدات المرتبطة بوضع سياسي محدد “عملية السلام”* بانعقاد مؤتمر الدول المانحة في واشنطن في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1993، حيث كان الهدف الأساسي لهذا المؤتمر هو حشد المساعدات للشعب الفلسطيني، ووضع آلية لتنسيق المساعدات المالية والفنية للسلطة الفلسطينية، وذلك لتمكينها من إدارة المناطق الفلسطينية التي ستؤول إليها بموجب الاتفاقيات السياسية مع الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى دورها في إعادة تأهيل البنية التحتية، وتمويل إدارة عملية التنمية في الأراضي الفلسطينية. وقد جاء هذا التحرك الدولي السريع بدافع إكساب اتفاق أوسلو مصداقية اقتصادية لدى المواطنين الفلسطينيين الذين أبدوا حذرًا وترددًا في دعم الترتيبات السياسية والأمنية المنبثقة عنه. وكان الافتراض الأساسي لهذا التحرك هو: إذا كان لهذا الاتفاق أن يعمل على الأرض ويصمد أمام التحديات، فلا بد أن يلمس المواطن الفلسطيني العادي تغيرًا إيجابيًّا في نوعية حياته اليومية. وقد تطور هذا الاقتراح فيما بعد، إلى ما أصبح يعرف بمفهوم “توزيعات عوائد السلام” في أدبيات المؤيدين لمشروع التسوية السلمية للصراع العربي (ماس، 2005).

لذلك، لم يكن غريباً بروز الأهداف السياسية لهذه المساعدات بشكل سافر، إذ تشير أدبيات الموضوع إلى أن الدول المانحة اتفقت على خطوط عريضة لأهداف وأغراض تقديم المساعدات للمناطق الفلسطينية، يمكن تلخيصها فيما يلي (العمد وعورتاني، 2003):

  • دعم عملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عن طريق دفع عجلة التنمية الاقتصادية في المناطق الفلسطينية، وتنفيذ المشاريع التي من المفترض أن تعمل على تحسين مستوى المعيشة، ونوعية الحياة للفلسطينيين.
  • إنشاء نظام شرق أوسطي قائم على أساس الأمن الجماعي والاستقرار، والتقدم لشعوب المنطقة، ودمجها ضمن سوق عالمية مشتركة في إطار الاقتصاد العالمي.
  • إزالة واحتواء أسباب النزاع والتوتر والعنف، وتشجيع اقتصاديات السوق وترسيخ الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان.

وقد أكد البنك الدولي هذا التوجه عندما أشار إلى أن المانحين ومنذ البداية، أقروا الحاجة لتحسن اقتصادي سريع في الضفة وغزة إذا ما أُريد تجذير عملية السلام (البنك الدولي، 2003). وتعهدت الجهات (الدول والمؤسسات) المانحة في لقائها الأول في واشنطن بتقديم حوالي2400  مليون دولار للفلسطينيين خلال ال سنوات  الخمس التالية لتاريخ انعقاد اللقاء، واستمر هذا المبلغ بالارتفاع وبشكل مطرد خلال السنوات اللاحقة نتيجة لتعثر عملية التسوية السياسية، وما رافق ذلك من تردٍّ للأوضاع السائدة في الأراضي الفلسطينية، وازدياد الاحتياجات، التي تفاقمت نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية جراء الإجراءات الإسرائيلية وعلى رأسها الاعتداءات العسكرية، خاصة في قطاع غزة غداة الانقسام في حزيران (يونيو) 2007، الأمر الذي ترتب عليه تزايد الحاجة للمساعدات، سواء لدعم موازنة السلطة لتعزيز قدرتها على مواصلة دورها ومهامها، أو لإعادة بناء ما دمره الاحتلال من البنى التحتية، أو لإقامة المشاريع ذات العلاقة بالأوضاع التعليمية والصحية والبيئية.

وعليه، وصل حجم المساعدات خلال الفترة (1993-2016) وفقاً للإحصاءات الفلسطينية إلى حوالي 30 مليار دولار (سلطة النقد الفلسطينية، الموقع الإلكتروني)، بينما تُقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ((OECD ما وصل إلى الأراضي الفلسطينية بحوالي 35 مليار دولار (الموقع الإلكتروني لمنظمة (OECD. ووفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أيضاً، قدّم أكبر 12 مانحاً لفلسطين، حوالي 89% من مجموع المساعدات، وأكبر ستة مانحين، هم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) والنرويج وألمانيا وبريطانيا، حوالي 70% من مجموع المساعدات.

على أية حال، فقد دلت المعطيات المتاحة حول المساعدات الدولية، على أن وتيرة هذه المساعدات- كمًّا ونوعًا- تأثرت إلى حد كبير بمدى التقدم الحاصل في مسيرة التسوية السياسية مع الحكومة الإسرائيلية. وهذا يؤيد الافتراض الأساسي للمانحين من وراء تقديم المساعدات، وهو تمويل عملية السلام وتوفير مستلزمات إنجاحها (ماس، 2005). وليس خافياً أن هذا التوجه ساهم مع الإجراءات الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني في فشل المساعدات في إزالة الآثار السلبية الناجمة عن السياسة الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، ورسخت حالة التبعية.

  1. المساعدات الأميركية للأراضي الفلسطينية: السياق السياسي

ارتبطت المساعدات الأميركية بشكل سافر بأجندة سياسية تتمحور حول أمن وسلامة إسرائيل. وهي تدعم من وجهة نظر أميركية ثلاث أولويات رئيسية تهم الكونغرس ((Zanott. 2012 :

  • مكافحة الإرهاب ومنعه ضد إسرائيل.
  • خلق حالة من الاستقرار والازدهار تشجع الفلسطينيين على التعايش السلمي مع إسرائيل وتُعدهم للحكم الذاتي.
  • تلبية الاحتياجات الإنسانية ومنع المزيد من زعزعة الاستقرار، ولا سيما في قطاع غزة.

وتؤكد الإحصاءات أن معظم المساعدات قد قُدمت تزامناً مع انطلاق عملية السلام وتوقيع اتفاق أوسلو، إذ تشير إحصاءات USAID إلى أن مجموع ما تلقته الأراضي الفلسطينية من مساعدات من عام 1945 وحتى 2016 بلغ 7.5 مليار دولار، صُرف معظمها بعد أوسلو، حيث بلغ حجم المساعدات الأميركية منذ عام 1993 وحتى الآن حوالي 6 مليارات دولار، أي بنسبة 80% من إجمالي المساعدات (USAID,2016).

وغالباً ما تربط الإدارة الأميركية مساعداتها للسلطة بشرطين (العمد وعورتاني، 2003):

الأول: موافقة الكونغرس على حجم ونوع المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية، وهو موضوع يُطرح تحت عنوان “أهلية منظمة التحرير الفلسطينية لتلقي المساعدات”. وتعتمد هذه الأهلية على جهود السلطة الوطنية في “مكافحة الإرهاب” وحماية أمن إسرائيل.

الثاني: مدى التزام السلطة الفلسطينية بتنفيذ بنود السلام مع إسرائيل بغض النظر عن التزام الطرف الإسرائيلي والعراقيل التي تضعها إسرائيل أمام تنفيذ الاتفاقات، ومواصلة حملات الاستيطان.

قيود الكونغرس على المساعدات للفلسطينيين

وفقاً لصلاحيات الكونغرس بشأن الموافقة على المساعدات واعتمادها، فإنه قد جمد دفع العديد من المساعدات حجماً ونوعاً لأسباب تتعلق بأمن إسرائيل، وبحجة أن هناك مخاوف لدى الكونغرس أنه قد يتم تحويل الأموال إلى الجماعات التي يسميها (الإرهابية الفلسطينية)، لذلك، تخضع المساعدات الأميركية لمجموعة من متطلبات التدقيق والرقابة والقيود التشريعية. وهناك عدد من هذه الأسباب والقضايا التي يناقشها الكونغرس بشكل دوري، حين النظر في تقديم المساعدات للفلسطينيين من أجل اعتمادها، ومن أهم القضايا التي يُثيرُها ((Zanott. 2012:

  • الفعالية العامة للمعونة والآثار المحتملة لحالات حجب الكونجرس غير الرسمية في مستويات المساعدة وأنواعها ضمن السياقين الإقليمي والدولي.
  • مخاوف بشأن العنف الإسرائيلي الفلسطيني، وموثوقية وقدرات قوات الأمن الفلسطينية التي تدعمها الولايات المتحدة، والتنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة.
  • تخفيضات تشريعية في مبالغ المعونة فيما يتعلق بالمدفوعات الفلسطينية الرسمية للأفراد المتورطين في الإرهاب و/ أو أسرهم.
  • ما إذا كانت هناك حاجة لدعم حكومة السلطة الفلسطينية التي وافقت عليها حماس، مثل الحكومة التي تم تشكيلها في حزيران (يونيو) 2014 عملاً باتفاق الشاطئ والتي تم تغييرها بشكل جزئي، من دون مساهمة حماس في عام 2015، وكيفية دعمها.
  • معالجة المبادرات الفلسطينية فيما يتعلق بالمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية.
  • التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية المتعددة الأوجه القائمة في قطاع غزة.

وتشير تقارير الكونغرس عادة إلى الهدف المركزي للمساعدات وهو عملية السلام بقولها: “حتى لو تحققت الأهداف المباشرة لخطط المساعدة الأميركية للفلسطينيين، فإن عدم إحراز تقدم نحو حل سياسي سلمي يستند إلى حل الدولتين، يمكن أن يُقوض فائدة المساعدات الأميركية في مساعدة الناس لكي يصبحوا أكثر تماسكاً واستقراراً واعتماداً على الذات في المدى الطويل ((Zanott. 2012.

وللتذكير، فإن المساعدات الأميركية توقفت غداة فوز حركة حماس في انتخابات عام 2006 وتشكيلها للحكومة العاشرة. وتم استئناف هذه المساعدات بعد سيطرة حماس على قطاع غزة بالقوة العسكرية في حزيران (يونيو) 2007، حيث عززت الولايات المتحدة مستويات المساعدة للفلسطينيين، وذلك بالدعم المباشر لأمن السلطة الفلسطينية، والحكم والتنمية. ونتيجة لذلك، فإن المتوسط السنوي للمساعدة الثنائية الأميركية بعد عام 2007 أكبر بكثير من المتوسط السنوي التقريبي البالغ 170 مليون دولار من عام 2000 إلى عام 2007، و70 مليون دولار من عام 1994 إلى عام 1999 ((Zanott.2016.

ولا ننسى في هذا السياق القرار الأميركي بقطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني، مشروع تايلور– فورس، تشرين الأول (نوفمبر) 2017، الذي يتعلق بخصم قيمة مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى من المعونات المقدمة للفلسطينيين. كما تم العمل على تمرير قانون يجرم مقاطعة إسرائيل، وقانون محاسبة الفلسطينيين، الذي فتح الباب على تشريع سلسلة من العقوبات على الفلسطينيين والمنظومة الدولية.

وكذلك تهديد الرئيس ترامب بقطع جميع المساعدات عن الشعب الفلسطيني ما لم يقبلوا العودة للمفاوضات بالشروط الأميركية، كما أعلن الرئيس ترامب في دافوس يوم 25/1/2018، بدءاً بقطع 304 ملايين دولار عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا (سنتعرض لموضوع الأونروا لاحقاً).

  1. تطور حجم المساعدات الأميركية للأراضي الفلسطينية

تنوعت المساعدات الأميركية المقدمة للأراضي الفلسطينية، ما بين مساعدات إنمائية ثنائية، أي من الحكومة الأميركية إلى السلطة الفلسطينية مباشرة، ومساعدات موجهة عن طريق USAID إلى المنظمات غير الحكومية، ومساعدات موجهة إلى الأونروا عن طريق الأمم المتحدة.

1.5. حجم المساعدات الكلية

بلغ حجم المساعدات الأميركية جميعها منذ النكبة وحتى عام 2016 (وفقاً لتصنيف تقرير USAID) 7.6 مليار دولار، وبتأثير التطورات السياسية المصاحبة لانطلاق العملية السلمية، ثم بتأثير الانقسام الذي حدث في حزيران (يونيو) 2007، فإن السنوات العشر السابقة (2008-2017) شهدت أكبر حجم للمساعدات الأميركية بلغ 5.7 مليار دولار (USAID,2016). والجدول أدناه يوضح أن حجم المساعدات لم يقل عن 417 مليون دولار طوال الفترة (2008-2015)، حيث انخفض خلال عام 2017 إلى 267.5 مليون دولار في سياق تباين وجهات النظر السياسية بين الإدارة الأميركية والسلطة الوطنية الفلسطينية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المبالغ السابقة هي عبارة عن التعهدات بالصرف، ولكن ما صُرف فعلاً وصل إلى 4971.4 مليون دولار، أي بنسبة 87.25% من حجم التعهدات.

تطور حجم المساعدات الأميركية للأراضي الفلسطينية (2008-2017) مليون دولار

السنة حجم المساعدات لدعم الموازنة للأونروا
2008 512 200 195
2009 1041 160 267
2010 687 223 238
2011 461 52 229
2012 472 254
2013 769 348 276
2014 497 189 398
2015 557 390
2016 417 78 360
2017 285 75 350
المجموع 5698 1325 2957

           المصدر: حجم المساعدات (USAID,2016)، دعم الموازنة: وزارة المالية، تقرير العمليات المالية، موقع الوزارة الإلكتروني، إحصاءات الأونروا، ((Zanott.2016

منذ بدء تدفق المعونات الأميركية، وضعت USAID، وهي الوكالة المشرفة على تقديم المساعدات ومراقبة تنفيذ المشاريع، جدولاً بأولويات القطاعات والمشاريع الفلسطينية الممولة من قبل الولايات المتحدة. وتتصدر هذه الأولويات مشاريع قطاع المياه، مثل شبكات المياه والمجاري، وحفر آبار جديدة للتعويض عن كميات المياه التي تضخها إسرائيل (العمد وعورتاني، 2003)، تلت ذلك المساهمة في تطوير مرافق البنية التحتية، ثم مشاريع دعم القطاع الخاص، والمشاريع الإغاثية.

2.5. المساعدات الأميركية للأونروا

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية الداعم الأكبر للأونروا، إذ تبلغ مساهمتها في موازنة الأونروا أكثر من 40%. ويتضح من بيانات الجدول رقم (1) أن المساعدات الأميركية للأونروا شهدت تزايداً ملحوظاً خلال السنوات سنوات الموضحة، حيث بلغ حجمها 2.9 مليار دولار. وللمقارنة، فقد بلغ ما قدمته الولايات المتحدة طوال الفترة السابقة (1993-2007) 1.5 مليار دولار. والأغرب أن السنوات الأربع الأخيرة (2014-2017) استحوذت على حوالي 51% من حجم المساعدات التي قُدمت خلال السنوات العشر السابقة، نتيجة ارتفاع حجم المساعدة المقدمة سنويّاً خلال هذه الفترة إلى 350 مليوناً في المتوسط، بدلاً من 253 مليوناً في المتوسط خلال السنوات الخمس السابقة لها.

الغرابة في الموضوع أن الولايات المتحدة ومنذ عام 2009 تقريباً، وهي تُوجه النقد واللوم للأونروا، خاصة من بعض أعضاء الكونغرس، بحجة أن المساهمات الأميركية للأونروا يمكن أن تستخدم لدعم (الإرهابيين)، حيث تنص المادة 301 (ج) من قانون المساعدة الخارجية لعام 1961 على أنه “لا يجوز تقديم تبرعات من الولايات المتحدة إلى الأونروا إلا بشرط اتخاذ التدابير الممكنة لضمان عدم استخدام أي جزء من المساهمة الأميركية لتقديم المساعدة إلى أي لاجئ يتلقى تدريباً عسكريّاً بوصفه عضواً في أي منظمة أو يشارك في أي عمل إرهابي” ((Zanott.2016. لذلك، عمد هؤلاء الأعضاء إلى دعم تشريعات أو قرارات تهدف إلى زيادة الرقابة على الأونروا، وتعزيز إجراءات فحصها و/ أو الحد من المساهمات الأميركية. بل إن الكثير من النقاش أُثير حول أن الأونروا تعمل على إدامة قضية اللاجئين من خلال تقديم الخدمات إلى أحفاد اللاجئين الأصليين منذ عام 1984. وهذا التوجه يتماهى مع الدعوات الإسرائيلية لإنهاء عمل الأونروا.

وصل الأمر إلى إعداد دراسات لتقييم عمل الأونروا، حيث أعد معهد واشنطن للشرق الأدنى دراسة عام 2009 بعنوان “تصويب الأونروا: إصلاح نظام الأمم المتحدة المضطرب في تقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين”*، حيث أكدت الدراسة أن الولايات المتحدة، ورغم الدعم الكبير للأونروا في جعلها تعكس أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة؛ فقد اشتبكت في السنوات الأخيرة مع سياسات الأونروا، ويبدو أن الجهود التي بذلتها أميركا مؤخراً لتشكيل الأونروا كانت غير فعالة. وتوصي الدراسة بأنه قد حان الوقت للولايات المتحدة مع الجهات المانحة الأخرى من جانبها، للمطالبة بالتغييرات في الأونروا بما يسمح لها بالوفاء بمهمتها الأصلية “إعادة دمج اللاجئين الفلسطينيين في اقتصاد الشرق الأوسط بشكل كامل، ومساعدة الأمم المتحدة على وضع حد لها، والسماح للفلسطينيين بتحمل المسؤولية عن مستقبلهم (Lindsay,2009).

ويبدو أن هذا التوجه الأميركي الخطير قد أثمر فعلاً في تفعيل هذه التوصيات عندما أعلن ترامب في كانون الثاني (يناير) 2018 تخفيضاً كبيراً في المساعدات المقدمة للأونروا التي تعاني أصلاً من عجز في موازنتها.

  1. المساعدات الأميركية للأراضي الفلسطينية: تقييم ونقد

– تعتبر المساعدات الأميركية بكافة تصنيفاتها من المساعدات المهمة لدعم الشعب الفلسطيني، فقد بلغت نسبتها 31% من إجمالي المساعدات التي تدفقت إلى الأراضي الفلسطينية خلال العقد السابق، حيث بلغ حجم إجمالي المساعدات 18.2 مليار دولار خلال السنوات العشر السابقة (سلطة النقد الفلسطينية، www.pma.ps/ar). وتتفاوت هذه الأهمية حسب جهة الصرف، حيث تبلغ الأهمية ذروتها للمساعدات الموجهة للأونروا، التي تساهم، كما أسلفنا، بأكثر من 40% من موازنتها، وتصل في بعض السنوات لأكثر من ذلك. بينما تقل أهمية ذلك الجزء المخصص لدعم الموازنة، فهو يساهم فقط بحوالي 11% من إجمالي الدعم الموجه للموازنة، حيث يتصدر دعم الاتحاد الأوروبي للموازنة قائمة المانحين وبنسبة تصل إلى 30% في المتوسط.

لا بد من التأكيد هنا ونحن في معرض التقييم، أن أهمية المساعدات مهما كبرت حجماً ودوراً في التنمية وإنشاء المشاريع، لا تمثل معياراً رئيسيّاً في التقييم إذا كانت الدولة بصدد قضايا سياسية إستراتيجية تمس صميم المشروع الوطني، حيث تصبح المفاضلة بين التنازل عن قضايا مفصلية مقابل استمرار تدفق المساعدات ابتزازاً سياسيّاً مرفوضاً يستوجب تصويب العلاقة مع الدولة المانحة. لقد سيست أميركا مساعداتها وقيدتها بالشروط والمحاذير، لضمان التماهي مع سياساتها التي تصب في مجملها لحماية إسرائيل والدفاع عن سطوتها وتغولها ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية. لقد وضعت أميركا السلطة في موقف المفاضلة كما تبين في نهاية عام 2017 وبداية 2018، خاصة بعد قرار ترامب بشأن القدس. وكانت النتيجة خسارة السلطة لجزء من المساعدات حين اختارت الانحياز للمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.

– إذا تجاوزنا حجم المساعدات الأميركية وتفاصيل استخداماتها، فإن معيار الأمر الواقع اقتصاديّاً واجتماعيّاً يعكس كيف أن هذه المساعدات وغيرها فشلت في تأمين الاستقرار والازدهار للفلسطينيين، في ظل تراجع كافة مؤشرات النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر، خاصة في قطاع غزة. وحدث ما كان يخشاه الجميع من تكريس اعتماد السلطة على المعونات، الأمر الذي ألحق ضرراً واضحاً بموازنتها عندما بدأت هذه المساعدات في التراجع خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ولاحظت إحدى الدراسات أن استمرار تدفق المساعدات أدى إلى تجذّر حالة الاعتمادية، وعزّز التشوهات والاختلالات البنيوية في الاقتصاد الفلسطيني، وسلبه مقوماته الأساسية لدعم صمود الفلسطينيين، ومقاومتهم سياسات الاستعمار والفصل العنصري والاضطهاد (الترتير، 2018). بينما يرى آخرون (ماس، 2005) أن هذه المساعدات فشلت، وأن مصدر هذا الفشل نابع من الأهداف الأساسية لتقديم المساعدات، والمتمثلة بدعم العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإعطائها الزخم المطلوب، وذلك عن طريق دعم الاقتصاد الفلسطيني واحتواء أسباب التوتر والعنف في المنطقة، ونشر مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بين الفلسطينيين. وكان ذلك– بالطبع- على حساب إحداث التنمية الحقيقية التي يسعى إليها الفلسطينيون. بل على العكس من ذلك، يمكن أن تكون هذه المساعدات قد ساهمت -ولو بشكل غير مقصود- في إعفاء السلطة الإسرائيلية من تحمل الأعباء الاقتصادية والخدماتية المترتبة على إعادة احتلالها لمعظم المناطق الفلسطينية منذ العام 2001، وذلك من خلال تمكينها لمؤسسات السلطة الرسمية وأجهزتها وكذلك المؤسسات الأهلية من الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

– ليس غريبًا، إذاً، أن يكون هناك توافقٌ عام في الأدبيات المنشورة على أن المعونة خذلت الشعب الفلسطيني كونها كانت مسيسة بداية، وكون مانحيها ساهموا في تبرير الإجراءات الإسرائيلية خاصة عندما كانت تدمر ما بناه هؤلاء المانحون، وذلك باستمرار تدفق المعونات في ظل عدم توفر البيئة المناسبة لضمان بناء الدولة الفلسطينية.

ومع ذلك، ثمة خلافٌ حول السبب وراء فشل المعونة، وقد حددته إحدى الدراسات (وايلدمان والترتير، 2013) بأربعة مذاهب أو مجموعات. ويمكن تسمية المذهب الأول بالمذهب “الذرائعي”، وهو يرى أن أساسيات خطة الاستثمار في السلام سليمةٌ، وأنه ينبغي المحافظة على هذا النموذج، ولكنه يحتاج ببساطة إلى تطبيق أفضل. ويساعد النهج الذرائعي في تفسير السبب وراء عدم تغير نموذج الاستثمار في السلام المعتمد عام 1993 بعد عقدين من الصراع والانهيار الاقتصادي. أما المجموعة الثانية، فهي مجموعة “الذرائعيين الناقدين”، وهي تركز على الاحتلال باعتباره العقبة الرئيسية في طريق السلام والتنمية. ومع ذلك، تؤمن كلتا المجموعتين إيمانًا ذرائعيًّا بقدرة السياسات على إحداث التغيير الإيجابي.

وتضم المجموعة الثالثة منتقدي نموذج أوسلو المتبع في المعونة، وكثيرون منهم يؤكدون أن نموذج المعونة في حد ذاته هو جزءٌ من الاحتلال، لأنه مصممٌ ليقوِّض التنمية الفلسطينية ويعزز الاحتلال الإسرائيلي ويدعمه، بموازاة السياسات الإسرائيلية المطبقة منذ أيام النكبة 1948 وما قبلها.  وبالنسبة للمنتقدين، فإن التنمية ليست السياسة الملائمة التي ينبغي تطبيقها، بل تنبغي مقاومة الهيمنة، لأن الغرض المخفي من وراء المعونة الإنمائية في حالة فلسطين-إسرائيل إنما يرمي إلى تعزيز الاحتلال.

ثمَّة مجموعةٌ رابعة لا يُلتفت إليها في الغالب عند تحليل تأثير المعونة، وهي مجموعة المستعمرين الجدد الذين يؤمنون بنجاح أوجه المعونة الخارجية، ولا سيما في الضفة الغربية، حيث جرى تسكين حدة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي إلى حد كبير، في حين تحققت أهداف السياسة الإسرائيلية بدرجةٍ كبيرة. ولهذا المنظور نفوذٌ كبير، وبخاصة في الولايات المتحدة، حيث يُثبت فاعليته في الاصطفاف إلى جانب مصالح الحكومة الإسرائيلية ورسم ملامح سياسة المعونة الأميركية تجاه الفلسطينيين. وعلى سبيل المثال، ما انفكت منظماتٌ من قبيل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تدعو منذ عقد الثمانينيات على الأقل إلى اتباع نهج في المعونة يوفر الحوافز الاقتصادية للفلسطينيين مقابل تخليهم عن حقوقهم.

– مهما يكن من شيء، فقد حفلت الأدبيات الخاصة بالمعونات وآثارها بآراء شتى وتوجهات متباينة، متأثرة غالباً بالرؤى والمواقف السياسية لأصحابها. ولكن الاتفاق ينعقد حول أهمية المساعدات للشعب الفلسطيني كاستحقاق قانوني تعويضاً عما لحق بالشعب الفلسطيني من نكبات وضياع للحقوق السياسية والإنسانية. غير أن الإجماع ينعقد أيضاً على ضرورة عدم تسييس هذه المساعدات واستخدامها لأغراض سياسية تضر بمصالح القضية والشعب معاً، وتتحمل السلطة والمنظمة وكافة مكونات الشعب بلورة المواقف الوطنية الداعمة لهذا التوجه.

  1. 7. الخلاصة

إن المساعدات الخارجية شكلت دعماً ثابتاً للفلسطينيين منذ عام 1948، إلا أن طريقتها وأنواعها وقنواتها اختلفت مع الزمن بشكل واضح، وأن هذه التحولات تتزامن مع الحقائق السياسية هنا في فلسطين وحول العالم بدلاً من الاستجابة لاحتياجات التنمية المحلية. ودلت المعطيات المتاحة حول المساعدات الدولية على أن وتيرة هذه المساعدات- كمًّا ونوعًا- تأثرت إلى حد كبير بمدى التقدم الحاصل في مسيرة التسوية السياسية مع الحكومة الإسرائيلية. وهذا يؤيد الافتراض الأساسي الموجود في ذهن المانحين من وراء تقديم المساعدات، وهو تمويل عملية السلام وتوفير مستلزمات إنجاحها.

تبدت ملامح وشروط المساعدات الأميركية منذ البداية، خاصة بعد تزايدها المستمر كاستحقاق لعملية السلام منذ توقيع اتفاق أوسلو، وتباين حجمها من سنة لأخرى وفقاً لالتزام السلطة بعملية السلام من وجهة نظر أميركية محكومة غالباً بتوجهات الكونغرس وضغوطاته.

وتوزعت المساعدات الأميركية التي بلغت حوالي 5.6 مليار دولار بين دعم موازنة السلطة والأونروا ومنظمات المجتمع المدني. وبلغت حوالي 30% من إجمالي المساعدات الخارجية لفلسطين خلال العقد الماضي.

ترجع جذور تخفيض المساعدات للسلطة والأونروا معاً لأسباب سياسية تتعلق بوجهة نظر أميركا في حل الصراع التي تنحاز باستمرار إلى الرؤية الإسرائيلية وتساندها فعلاً وقولاً.

المراجع

– ماس، 2005، نحو توظيف أنجع للمساعدات الخارجية المقدمة للشعب الفلسطيني، معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، رام الله، فلسطين.

– العمد، عدنان، عورتاني، باسل، 2003، المساعدات الدولية والتنمية الاقتصادية- الحالة الفلسطينية، في: الاقتصاد الفلسطيني في المرحلة الانتقالية، تحرير: د. محمد اشتية، ط2، المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار)، فلسطين.

– البنك الدولي، 2003، أخبار تنموية، مجموعة البنك الدولي، نيسان، واشنطن.

– وزارة المالية، تقرير العمليات المالية، الموقع الإلكتروني للوزارة.

– سلطة النقد الفلسطينية، تطور حجم المساعدات الخارجية، إحصاءات الموقع الإلكتروني للسلطة.

– الترتير، علاء، 2018،  نظرة في المساعدات الدولية للفلسطينيين. شبكة السياسات الفلسطينية https://al-shabaka.org/op-eds

– وايلدمان، جيرمي، الترتير، علاء، 2013، ألم يحن الوقت لدفن نموذج معونة أوسلو، شبكة السياسات الفلسطينية shabaka.org/briefs/%D8%A3%D9%84%D9%85 https://al-

– The World Bank, Developing the Occupied Territories: An Investment  in Peace, Washington, D.C. September 1993.

– USAID,2016, U.S. Overseas Loans and Grants, Obligations and Loan Authorizations, July 1, 1945 – September 30, 2016. https://www.usaid.gov

– Tarnoff, Curt &  Lawson ,Marian L., 2016, Foreign Aid: An Introduction to U.S. Programs and Policy, Congressional Research Service 7-5700 www.crs.gov R40213, June 17

– Zanotti, Jim,2012, U.S. Foreign Aid to the Palestinians, Congressional Research Service, 7-5700> www.crs.gov

– Lindsay, James G.,2009, Fixing UNRWA: Repairing the UN’s Troubled System of Aid to Palestinian Refugees, Policy Focus #91 | January, Washington Institute for Near East Policy

*  أنشأ الرئيس جون كينيدي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأمر تنفيذي عام 1961، لتحقيق أهداف الولايات المتحدة الأميركية وتعزيز مصالحها الخارجية من خلال المساعدات. ولكن هناك العديد من الوكالات الاتحادية يمكنها أن تقدم مساعدات خارجية.

*  المساعدة الأجنبية محددة  في المادة 634 (ب) من قانون المساعدة الخارجية لعام 1961، بصيغته المعدلة، على أنها “… أي بند ملموس أو غير ملموس تقدمه حكومة الولايات المتحدة إلى بلد أجنبي أو منظمة دولية بموجب هذا القانون أو أي قانون آخر (USAID,2016)”.

*  بدأ تدفق المعونات للشعب الفلسطيني غداة النكبة مباشرة لإغاثة المهجرين، واستمرت حتى توقيع اتفاق أوسلو بهدف تحسين حياة اللاجئين تخفيفاً عن كاهل دولة الاحتلال صاحبة المسؤولية وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة.

*  العنوان الأصلي للدراسة: Fixing UNRWA: Repairing the UN’s Troubled System of Aid to Palestinian Refugees

للتحميل اضغط هنا