سميح شبيب:-

يُشكل الاستيطان، حجر الزاوية في الفكر الصهيوني، وأساسا من أسس بناء الدولة العبرية. ويختلف الاستيطان الصهيوني، اختلافا جوهريا عن غيره من الأنماط الاستيطانية الأخرى التي شهدها العالم. ذلك أنه يرتكز على أبعاد عدة، يأتي في مقدمتها الدين والأسطورة. وبالتالي محاولة خلق حقائق كيانية داخل التجمعات الفلسطينية العربية، بغية مضايقتها ومن ثم طردها.

لعله من المفيد، محاولة إعادة قراءة الفكر الاستيطاني الصهيوني منذ بداياته، ذلك أن تلك البدايات لا تزال قائمة في شكل أو آخر، داخل الأطر والمناهج السياسية الإسرائيلية المعاصرة.

البدايات

من الممكن اعتبار مرحلة طرد اليهود من إسبانيا سنة 1492، نتيجة من نتائج الصراع الديني القائم هنا بين اليهودية والمسيحية، فاليهود الذين طردوا من إسبانيا (وهم الذين عرفوا فيما بعد باسم اليهود السفارديم – نسبة إلى سفارد- (إسبانيا بالعبرية) ويطلق عليهم عامة اسم اليهود الشرقيين، الذين توجهوا إلى المناطق التي كانت خاضعة للحكم العثماني في أوروبا وآسيا، بينما وصل بعضهم إلى فلسطين.(1)

كان اليهود في فلسطين، حتى منتصف القرن التاسع عشر، وقبل وصول طلائع المهاجرين الصهيونيين من روسيا ورومانيا إليها، أقلية ضئيلة بين السكان العرب، تعيش في نحو عشرة أماكن مختلفة من فلسطين. ويعود وجود اليهود في فلسطين في العصور الحديثة، إلى نهاية القرن الخامس عشر، أي بعد وصول السفارديم إليها.

ووفقا لما ورد في الكتاب السنوي الإسرائيلي، فإنه كان في فلسطين سنة 1822 ما يقارب 24 ألف يهودي.(2)

ويبدو أن هذا الرقم قريب من التقدير العثماني، ذلك أن السلطات العثمانية، لم تقم بإحصاءات رسمية للسكان يمكن الاعتماد على نتائجها، لكن ومع ذلك، فقد بلغ عدد سكان فلسطين، وفقا للإحصاءات التقديرية في منتصف القرن التاسع عشر نحو نصف مليون نسمة، 80% عرب مسلمون، و10% عرب مسيحيون، وربما 5%-7% يهود.(3)

ونظراً لقلة عدد اليهود في فلسطين، فقد أخذت الأفكار الصهيونية تتبلور خارج فلسطين والمنطقة العربية عموماً، منذ نهايات القرن الثامن عشر، وبدأت الدعوات لاستيطان فلسطين وتشجيع الهجرة اليهودية إليها، تظهر بوضوح. وفي هذا السياق، وضع زفي هيرش كاليشرKalisher H.Z (1795-1874) كتاب “السعي لصهيون”. وجاء فيه: إن خلاص اليهود لا يكون على يد مسيح منتظر، وإنما عن طريق الجهد البشري اليهودي، لتخليص أنفسهم بالمبادرة إلى بناء مجتمع يعتمد على ارتباط اليهودي بأرض يزرعها تكون بمثابة وطن قومي له، ولا يتم ذلك إلا في فلسطين”.(4)

ولتحقيق فكرته، قام كاليشر بخطوات عملية، فطلب من الممولين اليهود المساهمة في تكوين جمعية هدفها استثمار فلسطين، وبالتالي تشجيع يهود شرقي أوروبا وألمانيا على الهجرة إليها. وقد استطاع كاليشر، من خلال جهده الدؤوب، تأسيس “جمعية استثمار أرض إسرائيل” سنة 1864. وكانت متعاونة مع الأليانس الإسرائيلي العالمي، وأقامت أول مدرسة زراعية يهودية في فلسطين عند مدخل مدينة يافا سنة 1870، وعرفت باسم مدرسة نِتر “Netter”. ومنذ إقامتها، قام الفلاحون الفلسطينيون بمعارضة إنشائها، وحدثت مشاكل حول حدودها، ذلك أن الفلاحين الفلسطينيين لم يرحبوا بوجود مؤسسة أجنبية تتوسط قراهم. (5)

وفي سنة 1882، وضع د.ليو بنسكر (1812-1891) –واسمه الحقيقي يهوذا لايب، كتاب التحرر الذاتي “Auto Emancipation” طالب فيه بحل المشكلة اليهودية، وقال: “أن اليهود أينما وجدوا ينظر إليهم على أنهم غرباء، ومن أجل ذلك كانوا يحتقرون، وأن التحرر الحقيقي هو في خلق قومية يهودية للشعب اليهودي، ليعيش هذا الشعب على أرض موحدة ومحددة”.

وطالب بنسكر بعقد مؤتمر يهودي عالمي، هدفه شراء أرض تستوعب استيطان ملايين عدة من اليهود، دون أن يحدد فلسطين مكانا لها.(6)

ونظراً لأهمية كراس “التحرر الذاتي”، فقد اعترف ثيودور هرتزل بقيمته ودوره، وذكر بأنه لم يطلع عليه، إلا بعد نشر دعوته لقيام الدولة اليهودية عام 1896 وأضاف، أنه لو اطلع عليه من قبل لما وجد هناك مبرراً لنشر آرائه المشابهة في كراس “الدولة اليهودية”.(7)

وعملياً، فقد بدأت الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين، سنة 1881، وكانت شديدة العنصرية وضعيفة التنظيم، وجاءت، تلك الهجرة، بعد اغتيال قيصر روسيا اسكندر الثاني في آذار (مارس) 1881، وكنتيجة لاشتراك يهود فيها تبعتها هجرات، اتجهت في غالبيتها العظمى إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة، وهاجر بعضها إلى فلسطين، وأطلق اسم “هواة صهيون” أو “أحباء صهيون” حوفيفي تسيون Lovers of Zion على حركة المهاجرين اليهود من روسيا وبولونيا ورومانيا إلى فلسطين، وهم الذين أنشأوا المستوطنات اليهودية الأولى في البلد، وفق أسلوبهم السياسي، وذلك عبر الهجرة الأولى 1881-1904. (8)

وفي بريطانيا، تأسس اليانس إسرائيل Anglo Jewish Association  سنة 1870. وفي العام 1873، تأسس اليانس إسرائيلي في ألمانيا. وتمكن يهود من الأليانس المذكور، بالتعاون مع يهود من القدس، من شراء مساحة من الأرض، أقاموا عليها مستعمرة بيتح تكفا Peta Tekivah (أي بوابة الرجاء) في اللغة العبرية، وذلك في العام 1878.

في السياق ذاته، نجح رئيس الأليانس، أدولف كريميه –النائب اليهودي في مجلس النواب الفرنسي سنة 1868، في الحصول على ميثاق من السلطان العثماني عبد العزيز، يمنح الأليانس أرضاً مساحتها 2600 دونم بالقرب من يافا، وذلك بموجب عقد إيجار مدته 19 عاماً لإنشاء مدرسة زراعية، وقد تم بناء المدرسة عام 1870، بالتعاون مع البارون إدموند روتشيلد، وعرفت باسم مدرسة مكفيه إسرائيل “أمل إسرائيل”.

في سنة 1871، أسس الحاخام يهودا شيلوم حاي القلعي جمعية لاستعمار الأراضي في القدس، وكان يهدف من وراء ذلك إلى تخليص اليهود من الشتات، باعتبار أن فلسطين هي السبيل الوحيد أمام اليهود، ذلك أن الهجرة إليها تعني التوبة، والتوبة لا تعني فقط العودة إلى الله، وإنما العودة إلى الأرض أيضاً، والبحث عن صهيون.

إلى هذا قام روتشيلد، بتمويل عمليات الاستيطان، وساعد اليهود منذ العام 1877، بواسطة الزعيم الروسي واينبرغ، الأمر الذي أسهم في بناء المستعمرات الخمس الأولى، ومدها بالأموال.

في رومانيا، أسست أول جمعية لهجرة اليهود في بوخارست، سنة 1880، وتمكنت سنة 1882 من شراء 270 دونماً في الجاعونة، وأسّسوا مستوطنة روش بينا (رأس الزاوية). وفي 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1882، أقام مهاجرون من رومانيا مستوطنة زماين (زخرون يعقوب). وفي خلال السنوات 1882-1884 وصل عدد المستوطنات التي أسستها طلائع الهجرة الأولى في فلسطين إلى ثمانية. وهكذا بدأ التسلل الاستيطاني الصهيوني إلى فلسطين، وبذلك يمكن اعتبار عام 1882، نقطة تحول هامة في تاريخ فلسطين خلال القرن التاسع عشر، حيث سجلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أولى خطاها المنظمة، ذات الأغراض السياسية من أوروبا إلى فلسطين.

وفقاً للمصادر البريطانية، فقد تمكن اليهود منذ سنة 1882، وحتى سنة 1914، من شراء ما مجموعه 420,600 دونماً من أراضي فلسطين. وكانت وسائط الشراء الأساسية، المؤسسات والأفراد الذين حصلوا على 404,200 دونماً منذ الهجرة الأولى وحتى الحرب العالمية الأولى، والصندوق القومي اليهودي (الكيرن كايمت)، الذي حصل سنة 1914 على 16,400 دونماً كما يوضحها الجدول رقم 1.(9) الاستيطان الزراعي اليهودي 1882-1914 (10).

جدول رقم (1)

العام الأراضي المشتراة بواسطة الصندوق القومي اليهودي (بالدونم) المستوطنات الزراعية بواسطة الآيكا والأفراد (بالدونم) المجموع (بالدونم) عدد المستوطنات السكان
1882 25.000 25.000 5 500
1890 107.100 107.100 14 2.770
1900 220.70 220.700 22 4.950
1914 16.400 404.200 420.600 47 11.580

 

المستوطنات اليهودية في فلسطين قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول 19-21/8/1897 بازل –سويسرا كما يوضحها الجدول رقم (2)

جدول رقم (2)

الرقم الاسم سنة التأسيس
1 مكفيه يسرائيل 1870
2 بيتح  تكفا 1878
3 روش بينا 1882
4 ريشون ليتسيون 1882
5 زخرون يعقوب 1882
6 يسودها هامعليه 1883
7 نس تسيونه 1883
8 عقرون (مزكيرت باتيه) 1883
9 غديره 1884
10 بيتر طوفيا 1887
11 بات شلومو 1889
12 ميئر شافيه 1889
13 مشمار هايردن 1890
14 رحوفوت 1890
15 الخضيرة 1890

 

الموقف العثماني

تنبهت السلطة العثمانية لمخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة مستوطنات فيها منذ بدايات الحركة الاستيطانية. وعليه أصدر الباب العالي سنة 1855 قانوناً يمنع الأجانب بموجبه من الاحتفاظ أو شراء الأراضي في فلسطين. وفي سنة 1869، أصدر الباب العالي قانوناً آخر عرف باسم نظام استملاك التابعية الأجنبية للأملاك. وفي شباط (فبراير) 1887، صدرت أوامر جديدة في شأن الهجرة اليهودية وجهت إلى متصرفي القدس ويافا، تعلمهما بأنه سيسمح لليهود بدخول البلاد كحجاج أو زوار فقط، وعلى كل يهودي يصل إلى يافا أن يدفع 50 ليرة تركية لقاء تعهده بمغادرة البلاد خلال 31 يوماً.(11)

وفي سنة 1882، أصدر الباب العالي قوانين عديدة خاصة بالهجرة اليهودية إلى الدولة العثمانية، ومع ذلك استمرت جهود اليهود، بغية إقناع السلطان عبد الحميد بضرورة العدول عن هذه القوانين. وفي هذا السياق، حاول الزعيم الصهيوني هرتزل، إقناع السلطان عبد الحميد، بفوائد الهجرة اليهودية إلى فلسطين عبر وسائل شتى، لكن جهوده لم تثن السلطات العثمانية عن التمسك بقانون منع اليهود من الإقامة في فلسطين.(12)

لكن تلك القوانين والتشريعات، لم تَحل دون استمرار الهجرة وتأسيس المستوطنات، ذلك إن جمعيات الاستثمار اليهودية، كانت تواصل أنشطتها في فلسطين، عبر الأساليب غير القانونية، معتمدة على شراء الأراضي من الإقطاعيين، منتهجة أسلوب الرشوات مع الإدارة التركية الفاسدة، كي تتغاضى عن عمليات الشراء. وكانت أسرة سرسق تملك وحدها مساحات شاسعة في فلسطين تتاجر بها وتستثمرها. يقول هرتزل في يومياته “جمعية الاستمثار اليهودي تتفاوض مع عائلة رومية اسمها سرسق، من أجل شراء سبعة وتسعين قرية في فلسطين ويعيش هؤلاء الروم في باريس، وقد خسروا أموالهم في القمار وهم يريدون بيع ممتلكاتهم وهي 3% من مساحة فلسطين”.(13)

ومنذ بدء الاستيطان. لاقت الجهود الصهيونية معارضة رسمية وشعبية واضحة، وفي هذا السياق أرسل سيلاميرل، القنصل الأميركي في القدس، في العام 1891، تقارير إلى حكومته، يشرح فيها الوضع السياسي وموقف الحكومة العثمانية من المهاجرين اليهود، ورد فيها: “أن تركيا المسلمة لن ترضى بإقامة مملكة لليهود في فلسطين، وأن فلسطين بلد فقير، وإذا ظلت الهجرة اليهودية في تدفقها الحاضر، فإن النتيجة ستكون وبالاً على اليهود وعلى سكان البلاد الأصليين معاً، وأن المسلمين لن يسمحوا لليهود بإنشاء دولة في فلسطين”.(14)

وإزاء ذلك، كانت الحركة الصهيونية، تلجأ إلى الأساليب الملتوية وغير الشرعية لإقامة المستوطنات، ومن الأمثلة على ذلك، أن الحكومة التركية، سبق لها وأن عزمت على بيع قطعة أرض تابعة لقرية عيون قارة، جنوب مدينة يافا (12 كلم). وذلك بسبب عجز أصحابها عن دفع الضرائب المستحقة عليهم. وحينذاك، حاولت “كتيبة طلائعي يسودها معليه” وهي كتيبة تنظيم روسية تعمل على شراء الأرض، لكن والي القدس رفض بيعها لليهود، فتدخل نائب قنصل بريطانيا في يافا، وتمكن من شراء المساحة المعروضة للبيع، وكانت مساحتها زهاء 3.340 دونماً، وقام بتحويلها إلى المهاجرين اليهود، وفي آب (أغسطس) 1882، وصلت عائلات روسية إلى فلسطين، ووضعت الأسس لقيام مستوطنة، أطلق عليها اسم ريشون ليتسيون (الأولى لصهيون)(15)، ويذكر في هذا السياق، إدراك الباب العالي، ومنذ البدايات، لأبعاد المخاطر السياسية الكامنة وراء الاستيطان. ولعل ما كتبه السلطان عبد الحميد في مذكراته(16)، من شأنه الكشف عن ذلك، يقول السلطان عبد الحميد: “إن الصهيونية لا تريد أراض زراعية في فلسطين لممارسة الزراعة فحسب، ولكنها تريد أن تقيم حكومة ويصبح لها ممثلون في الخارج. إنني أعلم أطماعهم جيداً، وإنني أعرف هذه السفالة لأنهم يظنون أنني لا أعرف نواياهم، ولن أقبل بمحاولاتهم، وليعلموا كم فرداً في إمبراطوريتنا يكنّ لليهود من الكراهية، طالما هذه نواياهم، وأن الباب العالي ينظر إليهم مثل هذه النظرة، وأنني أخبرهم أن عليهم أن يستبعدوا فكرة إنشاء دولة في فلسطين، لأنني لا زلت أكبر أعدائهم”.

ولعل في ذلك ما يفسر دور اليهود وحركاتهم في ثورة 1908، وخلع السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1909.(17)

وعلى الصعيد الشعبي قام الفلاحون الفلسطينيون من أبناء قرية (الجاعونة) قضاء صفد، بالهجوم على مستعمرة روش بينا سنة 1883، وفي السياق ذاته، شن الفلاحون المطرودون من أرضهم في الخضيرة وملبِّس، هجوماً على مستوطنة “بيتح تكفا”، وذلك في آذار 1886. وفي أواخر تشرين أول (أكتوبر) 1888 شهدت مستوطنة غديرة هجوماً عليها، كما شهدت مستوطنة رحبوت في آذار (مارس) 1893 هجوماً مماثلاً، وكذلك مستوطنة بيئر طوفيا، سنة 1896، وفي سنة 1901 ضد الخضيرة.

وعلى الصعيد السياسي، أبرق وجهاء القدس في العقد الأخير من القرن التاسع عشر إلى الصدر الأعظم، يعبرون عن تخوفهم من دخول أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود، يطالبون بمنعهم من دخول فلسطين، نظراً لعدم مقدرة المسلمين من السكان على منافسة المهاجرين اليهود لهم، في النواحي الاقتصادية، مما ينجم عنه سوء الحالة الاقتصادية للسكان.(18)

وعقب إقرار برنامج بال سنة 1897، تركزت الجهود الفلسطينية على الحيلولة دون تسرب أراضِ أخرى للصهيونية، ومن أجل هذا ترأس مفتي القدس، محمد طاهر الحسيني، هيئة محلية ذات صلاحيات حكومية مهمتها التدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية القدس، الأمر الذي أسهم في الحيلولة دون حصول اليهود على أراضِ زراعية جديدة لسنوات عديدة، كما أسس الفلسطينيون في يافا سنة 1897 الحزب الوطني لمحاربة الصهيونية، وعدّ الحزب التعامل مع الصهيونية جريمة قومية.(19)

مأسسة الاستيطان

انطلقت الحركة الصهيونية بزعامة ثيودور هرتزل، ووفقاً لبرنامج مؤتمر بازل، لتعزيز أنشطتها في السبل الثلاثة التالية: التنظيم، الاستيطان، الدبلوماسية، وللدلالة على أهمية مؤتمر بازل وبرنامجه في حياة اليهود، فقد عبّر هرتزل عن ذلك بقوله: “لو طُلب تلخيص مؤتمر بازل في كلمة واحدة، وكان عليّ تلفظها بصوت منخفض، لكانت هي: في بال أسست الدولة اليهودية، ولو قلت ذلك بصوت عال لضحك مني الجميع، ولكن ربما في خمس سنوات على وجه التقريب، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد، سيعلم كل واحد بالأمر”، ولعل هرتزل في قوله هذا، يشير في شكل خفي إلى ما تضمنته قرارات المؤتمر، على صعيد بلورة مؤسسات الهجرة والاستيطان. ذلك أن أولى قراراته نصت على :”تسعى الصهيونية إلى إقامة وطن لليهود في أرض إسرائيل، معترف به وفقاً للقانون العام، ولتحقيق هذا الهدف يتخذ المؤتمر إجراءات عدة، أولها، تطوير أر        ض إسرائيل، بشكل منظم بواسطة توطينها باليهود المزارعين والحرفيين والمهتمين”.(20)

وبواسطة تلك الإجراءات، دخل فلسطين خلال السنوات 1904-1914، ضمن موجة الهجرة الصهيونية الثانية، نحو 35-40 ألف مهاجر يهودي(21)، ووضعت الهجرة الثانية أسس الكيان الصهيوني في فلسطين، والتي قامت عليها الدولة العبرية فيما بعد، حيث خرج من أبناء هذه الهجرة، عدد من الزعماء الصهيونيين، في مختلف مجالات العمل الصهيوني، لعبوا أدواراً مهمة في تاريخ الصهيونية في فلسطين أو خارجها. ومن بين هؤلاء، دافيد بن غوريون، سكرتير الهستدروت (1921-1935)، ورئيس الوكالة اليهودية (1935-1948) وأول رئيس حكومة في إسرائيل ووزير دفاعها (1948-1953 و 1955-1963)، ويتسحاق بن تسفي، رئيس (هافاعاد هليئومي) اللجنة القومية، وهي اللجنة التنفيذية للمجلس المحلي اليهودي في فلسطين “كنيست يسرائيل” (1931-1948)، وثاني رئيس لإسرائيل (1952-1963)، وليفي أشكول، من كبار العاملين في مجال الاستيطان الصهيوني في فلسطين، من خلال فترة الانتداب، وثالث رئيس حكومة في إسرائيل (1963-1969)، ويوسف سبرنتساك، سكرتير الهستدروت (1945-1948) ورئيس الكنيست (1949-1959)، وبيرل كاتسنلسون، مؤسس صحيفة دافار (1925)، ودار النشر “عام عوفيد”، والمفوض الثقافي للمستوطنين العمال في فلسطين، ويتسحاق طابنكين، منظر حركة الكيبوتسات وزعيم حزب أحدوت هاعفودا (1954-1968)، وأباهام هارتسفيلد، كبير منفذي برامج الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ منتصف العشرينات، وشموئيل دايان (والد موشي دايان)، أحد مؤسسي المستوطنات من صنف الموشاف، وعيده يسمون (نيشمال) إحدى مؤسسات حركة العاملات.(22)

وفي أية حال، فقد شهد المسرح السياسي والاقتصادي في فلسطين، مع نهاية القرن التاسع عشر، بداية الهجرة الصهيونية، وقيام مشروع الصندوق القومي اليهودي Jewish National Fund، كما كان معداً للصراع بين المهاجرين الجدد وسكان فلسطين الأصليين.

كما وشكل انعقاد المؤتمر الصهيوني الخامس، في مدينة بال بسويسرا، في الفترة الممتدة من 16 إلى 20 كانون الأول (ديسمبر) عام 1906، نقطة تحول مهمة، حيث اتخذت فيه مقررات جوهرية على الصعيد الصهيوني، وكان أهم قرار في هذا المؤتمر، حول مستقبل فلسطين، هو إنشاء الصندوق القومي اليهودي (الكيرن كايمت)، لشراء الأراضي في فلسطين، وجعلها أراضي ذات ملكية جماعية وليست خاصة، وتشغيل العمال اليهود دون غيرهم، وتهويد الأرض المقدسة من جديد، وقد أوضح الصندوق أن الشروط التفضيليّة تمنح للفلاح اليهودي، الذي يستخدم العامل اليهودي فقط في أرضه.

ورغم قرار المؤتمر الخامس الصهيوني بإنشاء الصندوق، فتح مكتب له في مدينة فينا، إلا أنه بقي بلا وضع قانوني، إلى أن سُجل رسمياً في انكلترا في نيسان (إبريل) 1907، وتسببت في هذا التأخير الخلافات في شأن أساليب الاستعمار اليهودي لفلسطين، ودور الصندوق فيه، وأنشطته مع هدفه المحدد، وهو شراء الأراضي في فلسطين وسوريا.(23)

في الواقع، فقد كان الشيء الوحيد الذي فعله المؤتمر الخامس الصهيوني، في صدد الصندوق القومي اليهودي، هو تبنيه قراراً، وفقاً لخطاب كان قد ألقاه هيرمان شابيرا، في المؤتمر الصهيوني الثاني في آب (أغسطس) 1898، وهو: “يعلن المؤتمر أنه من حيث المبدأ، يعتبر إنشاء صندوق قومي، وتأسيس مصرف يهودي أمراً أساسياً، وهو من أجل ذلك، سيقوم بانتخاب لجنة الأعمال التي ستقدم بدورها خطة معدة بعناية إلى المؤتمر التالي. وبعد المؤتمر الثاني الصهيوني بثمانية أشهر، توفي شابيرا، وهكذا فإنه لم يقدّر له أن يرى تأسيس الصندوق القومي لليهود، ولا تزال الأدبيات الصهيونية، تعتبره، “أبو الصندوق القومي اليهودي”.

قام الصندوق القومي اليهودي بنشاط ملحوظ مع القوى الصهيونية الأخرى مثل الحالوكا، والخالوتزيم، لتحسين أوضاع اليهود في فلسطين، على أن أهمة الصندوق تكمن في شرائه الأراضي من اليهودي، وتحويلها إلى ملكية جماعية، كما نجح بشراء أراض واسعة المساحات في سهل حطين، ووادي الأردن، وتمكن الصندوق من شراء نحو 15 ألف دونماً من الأراضي في منطقة يافا، والجليل، في عام 1905.(24)

وعلى رغم أنشطة الصندوق، بعد تسجيله قانونياً في انكلترا، لكنه لم يأخذ دوره الفاعل، ويمارس أنشطته الواسعة في فلسطين، إلا بعد أن فتح له مكتباً عُرف باسم مكتب فلسطين، تنفيذاً لقرار المؤتمر الصهيوني الثامن، في آب (أغسطس) 1907. وبدأ المكتب أعماله بشراء الأراضي والتوسع الزراعي في أوائل سنة 1908 في يافا، بإدارة آرثر روبين(25)، وترافق ذلك مع تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية شركة لشراء الأراضي وتطويرها في فلسطين، كي تكون وكالة مركزية تشتري الأرض، ولما كان محظوراً على الصندوق أن يقوم بهذا العمل، الذي بدا أن الحاجة إليه تتزايد، فقد اعتبر قيام تلك الشركة أمراً أساسياً. وبهذه الوسيلة أملت المنظمة بأن تحد من تزايد أسعار الأرض ومن تزايد المضاربة، ومن عمليات الشراء غير المنظمة والعشوائية لقطع أرض صغيرة أو مبعثرة، وسجلت الشركة، سنة 1909، في انكلترا، باسم تطوير أراضي فلسطين المحدودة، برأس مال مقداره 50.000 جنيه إسترليني(26) (Development Company of Palestine Land).

أنشأت الحركة الصهيونية، العديد من المؤسسات الاقتصادية، التي مارست نشاطها الاستثماري في فلسطين. وعلى سبيل المثال لا الحصر أنشأت معظم تلك الشركات في لندن، ومن ثم فتحت لها فروعاً في فلسطين، ولم تكن تلك الشركات أكثر من شركات استثمارية مشتركة صهيونية-بريطانية، في آن معاً.

أما على صعيد الحركة المصرفية، فقد أقر المؤتمر اليهودي الثاني، 1898، اقتراحاً يقضي إقامة مصرف باسم “البنك الكولونيالي اليهودي”، على أن يسجل في لندن كشركة مساهمة(27). وفي العام 1902 تأسّست في لندن، الشركة البريطانية-الفلسطينية، التي تعاملت مع البنك الكولونيالي اليهودي،Jewish Colonial Trust، وتحولت بالتدريج إلى المصرف المركزي لتمويل أعمال الاستيطان في فلسطين.(28)

ومن خلال عمل الصندوق القومي ودور البنك الكولونيالي اليهودي، إضافة إلى أنشطة شركة تطوير أراضي فلسطين المحدودة، تضاعف عدد اليهود في فلسطين، بين عامي 1882-1900، حيث بلغوا عام 1882 نحو 24000، ثم ارتفع عددهم عام 1900 إلى 50,000، وفي العام 1914 أصبحوا 85.000، في حين لم يتجاوزوا الستة آلاف عام 1839.(29)

ومع اندلاع الحرب الكونية الأولى في أواخر تموز (يوليو) 1914-1918، دخلت معطيات جديدة على معادلة الموازنات الدولية، وانعكاساتها في منطقة بلاد الشام، وجاءت هذه المعطيات في معظمها، خدمة للتوجهات الصهيونية. ذلك أنه أولاً، وقبل أي شيء آخر، تغيرت خارطة التحالفات الدولية، وتبلور ذلك في بدء المفاوضات بين دول الحلفاء الثلاث: بريطانيا، فرنسا وروسيا، وذلك بهدف تقرير مصير المناطق الخاضعة للحكم التركي، الأمر الذي أسهم بدوره في رفع قبضة القوانين والإجراءات العثمانية الخاصة بالحد من الهجرة والاستيطان. ونظراً لدور بريطانيا المركزي في السياسة الدولية، آنذاك، انتقل مركز الثقل الصهيوني إلى لندن. وبدأت علائم النشاط الصهيوني، وتعاونه مع السلطات البريطانية، تظهر بوضوح عبر مراسلات حسين-مكماهون. وعندما توجه سايكس وبيكو، إلى روسيا للتفاوض في شأن المشرق العربي، كانت بريطانيا قد تعهدت بوضوح بإقامة الوطن القومي اليهودي، وبعد الإعلان عن اتفاقية سايكس-بيكو، بعام واحد، صدر تصريح بلفور، متضمناً بوضوح، تعهد بريطانيا بإقامة الوطن القومي اليهودي، وجاء التصريح في صيغة رسالة، بعث بها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، إلى اللورد روتشيلد الثري الصهيوني. وجاء فيها: “أن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وستبذل أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يسمح بأي إجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها المجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو بالمركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى”(30). وقد جاء هذا التصريح، واصفاً الشعب الفلسطيني في بلاده، بالمجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين. رغم أن عدد سكان فلسطين عند صدوره كان نحو 670 ألف نسمة، منهم نحو 60 ألف يهودي فقط، وسنة 1920 كان عدد اليهود في فلسطين يقدر بـ85 ألفاً، بينما ذكر تقرير الإدارة العسكرية قبل ذلك بأن عددهم يقارب 55 ألفاً.(31)

وترافق تصريح بلفور مع انضمام 150 متطوعاً يهودياً للجيش البريطاني، وأصبحوا نواة للفيلق اليهودي سنة 1917. وكان ذلك نتيجة لنشاط جابوتنسكي. وبتاريخ 11 كانون الأول (ديسمبر) 1917، أي بعد مرور 40 يوماً على إصدار تصريح بلفور، دخل الجنرال اللنبي، قائد القوات البريطانية إلى مدينة القدس فاتحاً بذلك عهداً جديداً في فلسطين.

الاستيطان في ظل الانتداب البريطاني

كان واضحاً منذ إعلان الانتداب على فلسطين، بأن بريطانيا عازمة على تحقيق تصريح بلفور، وتهويد فلسطين تمهيداً لإنشاء الوطن القومي اليهودي. ولعل ما عُرف بمذكرة تشرتشل المؤرخة في 1/7/1922، يمثل أول إفصاح رسمي بريطاني في هذا الشأن. فقد نصت المذكرة، بوضوح على أن تصريح بلفور “غير قابل للتغيير”، حتى يكون للطائفة اليهودية، أفضل التوقعات للتنمية الحرة، وأن تقدم فرصة كاملة للشعب اليهودي لإظهار قدراته. ومن الضروري ضمان إنشاء وطن قومي يهودي، ضماناً دولياً والاعتراف رسمياً بأنه يستند إلى صلة تاريخية قديمة، ومن الضروري لأجل تطبيق هذه السياسة، من تمكين الطائفة اليهودية في فلسطين من زيادة عددها بالهجرة، بحيث لا تكون هذه الهجرة كبيرة، إلى حد يزيد، في أية ظروف كانت، على ما تكون عليه قدرة البلاد الاقتصادية –آنذاك- على استيعاب قادمين جدد”(32)

ووفقاً لهذا التوجه الرسمي، تتالت الإجراءات البريطانية، المساعدة على دفع المشروع الصهيوني في فلسطين إلى الأمام، وذلك على ثلاثة صعد أساسية، وهي :تسهيل الهجرة اليهودية، والتضييق على الفلاحين الفلسطينيين، ومنح الامتيازات الكبرى لليهود الصهاينة. وقد تم الاستناد، فيما كانت تسنه السلطات الانتدابية، على صك الانتداب خصوصاً في مادته الثانية والمتضمنة أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية، تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي، أما المادة الرابعة، فنصت على الاعتراف بالوكالة اليهودية، كهيئة ملائمة عمومية، تشير وتعاون في إدارة فلسطين.

كما نصت المادة الحادية عشرة من الصك على أنه يجوز لإدارة البلاد أن تتفق مع الوكالة اليهودية على أن تقيم أو تستمر، بشروط العمل والإنصاف الأعمال والمصالح العمومية، وترقي مرافق البلاد الطبيعية، حيث لا تتولى الحكومة هذه الأمور بنفسها.(33)

تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين

منذ أن اعترفت سلطات الانتداب البريطاني بشرعية الوكالة اليهودية، أصبحت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، تأخذ طابعاً قانونياً، ففي السادس والعشرين من آب (أغسطس 1920) فرض أول قانون للهجرة إلى فلسطين، وبموجب هذا القانون، أُعطي المندوب السامي حق تحديد عدد المهاجرين، من آن إلى آخر، بناء عل ظروف ومتطلبات البلاد، وإصدار القواعد التي تسمح للفئات التالية الهجرة إلى فلسطين، وهي:

  1. الأشخاص الذين تضمن المنظمة الصهيونية وسائل إعالتهم، لمدة عام.
  2. الأشخاص الذين تتوافر لديهم الموارد المستقلة، أو الذين يقدمون الدليل على قدرتهم على إعالة أنفسهم.
  3. رجال الدين الذين تتوفر وسائل إعالتهم في فلسطين.(34)

إلا أنّ التغيير الجدي في ميزان الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بدأ منذ النصف الثاني من سنة 1928، حيث سنّت حكومة الانتداب البريطاني قانوناً جديداً للهجرة، تم بموجبه تصنيف المهاجرين المسموح بدخولهم إلى البلاد، وقد اعتمد القانون الجديد الوضع الاقتصادي للمهاجر.وحددت الفئات المسموح لها بالهجرة كما يلي:(35)

  • الأشخاص الذين يملكون مبلغاً لا يقل عن ألف جنيه إسترليني، وعائلاتهم.
  • ذوو المهن الذين يملكون 500 جنيه على الأقل.
  • الصناع الماهرون، الذين يملكون 250 جنيهاً على الأقل.
  • الأشخاص الذين لهم إيراد ثابت لا يقل عن أربعة جنيهات في الشهر.
  • الأيتام القادمون إلى ملاجئ في فلسطين.
  • الرجال والنساء الذين يتعاطون الأشغال الدينية والمضمونة معيشتهم ومعيشة عائلاتهم.
  • الطلبة المضمونة معيشتهم.
  • العمال من الرجال والنساء.
  • الأشخاص الذين يعتمدون في معيشتهم على أقرباء لهم في فلسطين، وكان هؤلاء الأقرباء بحالة تمكنهم من إعالتهم.

ورغم أن هذا القانون يسمح بهجرة أعداد كبيرة، فقد تمكنت الحركة الصهيونية من التحايل عليه، وإدخال المزيد من المهاجرين، وكان من شأنه إحداث خلل جديد في البناء الديمغرافي الفلسطيني، الأمر الذي أدى بدوره إلى وقوع هبة 1929.

واتخذ التحايل على القانون وسائل وطرائق مختلفة، منها دخول فلسطين، بعد استيفاء الشرط المالي، من الفئات (أ، ب، ت)، ومن ثم إعادة المبلغ إلى الخارج، لإدخال مهاجرين جدد.

وكذلك دخول البلاد لمدة عام، وعدم الخروج منها، فضلاً عن الزواج الصوري ما بين يهود من خارج فلسطين وداخلها، إضافة إلى انتحال صفة رجال الدين استيفاء لاشتراط هذه الفئة من المهاجرين. وإلى جانب تلك الطرائق، كانت الهجرة السرية، وهو ما أشار إليه تقرير لجنة بيل Peel الملكية بوضوح، فقد ورد في التقرير: “إن الهجرة اليهودية غير المشروعة، كانت تسير مع الهجرة المشروعة، جنباً إلى جنب، وتتم بدخول البلاد خلسة واجتناب مراكز المراقبة على الحدود، أو بقاء المسافر، الذي دخل البلاد بصورة مشروعة في البلاد، بعد انتهاء المدة المصرح بها، أو بزواج صوري”(36).

من جهة أخرى، فقد سمح للوكالة اليهودية، وفقاً لإجراءات الانتداب، ممارسة دور كبير في تشجيع هجرة اليهود، والإشراف عل اختيارهم، فكانت تصاريح الهجرة تسلم إلى الوكالة اليهودية التي توزعها على مكاتبها في الخارج، دون أي إشراف أو رقابة. كما منحت كذلك حق اعتبارها صاحب عمل، وتمكنت بذلك من جلب المزيد من العمال اليهود على ضمانتها، وبذلك، بلغ عدد المهاجرين سنة 1922، (7844) مهاجراً منهم (3310) عمال، وبلغ عدد المهاجرين سنة 1925 (33801) منهم (16161) عاملاً.(37)

التضييق على الفلاحين الفلسطينيين

كان الفلاح الفلسطيني، غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى، يعاني من أزمات تلك الحرب وويلاتها، ولعل همه كان في ثقل ديونه، وكان معظم الفلاحين يقترضون المال من البنك الزراعي العثماني. وما أن وضع الانتداب بدايات تشريعاته في فلسطين حتى قام بإلغاء البنك العثماني، في (19/3/1921)، حارماً بذلك الفلاحين من نيل القروض بفوائد معتدلة، ولم تكتف سلطات الانتداب بذلك، بل أخذت تطالب الفلاح، بدفع قروض “البنك العثماني الزراعي”، والتي كان قد اقترضها قبل الاحتلال البريطاني.(38)

كما نص دستور فلسطين على أنه يحق للمندوب السامي، التصرف بالأراضي العمومية، وله سلطة ممارسة تلك الحقوق على تلك الأراضي، لأنه أمين عن حكومة فلسطين، وأعطت المادة 13 من الدستور صلاحية مطلقة للمندوب السامي في أن يهب أو يؤجر تلك الأراضي، أو أي معدن أو منجم، وله أن يأذن بإشغال هذه الأراضي، واشترطت تلك المادة، على أن يجري المندوب السامي كل هبة أو إيجار أو تصرف لهذه الأراضي، وفقاً لمرسوم، أو قانون.(39)

كما جرى تأكيد ذلك، بعد معاهدة الصلح مع تركيا، سنة 1925، حيث نصت المادة 60 من المعاهدة على أن للدول المنسلخة أراضيها عن المملكة العثمانية، بمقتضى هذه المعاهدة، الحق في امتلاك جميع ما فيها من الأموال والممتلكات العائدة للسلطة العثمانية، دون دفع قيمتها.(40)

وتأسيساً عليه، سنت سلطات الانتداب في العام 1926، قانون نزع الملكية، الذي يبيح للسلطات البريطانية، نزع ملكية الأرض عن طريق فرز الأراضي المشاع في القرى ومراجعة قيود الأملاك، وانتزاع ما لا تثبت ملكيته من الأراضي، وتسجيلها باسم حكومة الانتداب، ومن ثم التصرف به، لإقامة المشاريع العامة.(41)

كما لجأت سلطات الانتداب إلى فرض الضرائب الباهظة على الأراضي ما أثقل كاهل الفلاحين، الذين كانوا يبيعون أرضهم، تخلصاً من الديون والضرائب.

ولعل أبرز إجراءات الانتداب في هذا المجال هو تشريعاته التي كان من شأنها مضاعفة الضرائب على الأراضي والمنتجات الزراعية، وبالمقابل عدم تقديم أية خدمات تتناسب مع تلك الضرائب، والتي كان من أبرزها:

  • ضريبة العُشر.
  • ضريبة الويركو.
  • ضريبة تعداد المواشي.(42)

وترافقت تلك الضرائب، مع إجراءات أخرى مرافقة، أبرزها المسارعة في جمع الضرائب المتراكمة على الفلاحين، وذلك ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما خلفه العثمانيون من مصاعب جمة.

كما قامت السلطات البريطانية، بالإهمال عمداً، في فتح الطرق إلى القرى، وربطها بالمدن، كذلك أهملت السلطات الانتدابية نشر الوعي الزراعي بين الفلاحين، أو تنظيم وسائل تصدير منتجاتهم، بل إنها قامت في فترة الحكم العسكري بمنعهم من التصدير.(43)

ومن الجدير ذكره، في سياق الضرائب أنها طبقت على المزارع اليهودي كما العربي، إلا أن نظرة متفحصة للأمر، ترينا بأن المزارع اليهودي في المستعمرات التي أقيمت في فترة الانتداب، يستفيد من كون ضريبة العشر المستبدلة، كانت قد بنيت على أساس الإنتاج المتدني للمزارعين العرب، الذين كانوا قلة، ويكون من السهل تحمل عبء الضرائب من المزارع اليهودي حيث كان دخله الصافي الإجمالي كبيراً جداً لدرجة أنّ ما يدفعه من الضريبة على ذلك الدخل يساوي ضعف الدخل الإجمالي للمزارع العربي من المساحة نفسها.(44)

ولعل ما يؤكد ذلك، ما ورد في تقرير الوكالة اليهودية، لعام 1937. حيث يقول: “فبينما دونم الأرض اليهودي المزروع قمحاً يعطي محصولاً وزنه 110 كغم، والمزروع عنباً يعطي ما وزنه 450 كغم، وبينما البقرة الواحدة الحلوب عند اليهود تعطي سنوياً 3500 لتراً من الحليب، فهي عند العرب لا تعطي زيادة عن 500 لتراً من الحليب.(45)

منح الامتيازات الكبرى للمؤسسات اليهودية

لجأت سلطات الانتداب البريطانية في فلسطين واستناداً لما تضمنه صك الانتداب، وخاصة المادة الحادية عشرة، التي تنص على إمكانية اتفاق الحكومة مع الوكالة اليهودية بشأن إنماء وتطوير الموارد الفلسطينية، إلى التعاقد مع شركات صهيونية، ومنحها الامتيازات الكبرى الأساسية في البلاد، وكان أبرزها:

شركة كهرباء فلسطين

أسست شركة كهرباء فلسطين رسمياً في 1923، بعد اتفاق بنحاس روتنبرغ، مع المندوب السامي في فلسطين، هربرت صموئيل، سنة 1921، وتعاقد الانتداب مع روتنبرغ في شأن استخدام مياه حوض العوجا، لتوليد الطاقة الكهربائية، وتوريدها للري والإنارة في قضاء يافا. تطور هذا الامتياز، في آذار (مارس) 1926، ليشمل استخدام مياه الأردن واليرموك لتوليد الطاقة الكهربائية ولمدة سبعين عاماً.(46)

كما قدمت السلطات الانتدابية تسهيلات عديدة للشركة، منها حق نزع ملكية الأراضي والمباني اللازمة لها. كما قدمت لها قرضاً بقيمة 250.000 جنيه إسترليني بكفالة وزارة الخزانة البريطانية، كما أن روتنبرغ حصل على الجنسية قبل حصوله على الامتياز، وقد أتاح هذا المشروع لليهود التوسع في الأراضي، وجلب المزيد من المهاجرين وتشغيلهم.(47) ذلك أنّ المادة (10) من الامتياز، تنص صراحة: “على المندوب السامي، بناء على طلب الشركة وعلى نفقتها أو في حالات تعذر الشراء باتفاق متبادل لقاء تعويض توافق عليه الشركة، أو تعذر الاتفاق، أن ينزع ملكية العقارات أو الأراضي أو الأبنية”.(48) وبالفعل تم تمليك هذه الشركة 18 ألف دونم، إضافة للأراضي التي شغلتها مباني المشروع.(49)

وفضلاً عن تسهيل عمل المشروع، قامت سلطات الانتداب بإعفاء شركة كهرباء فلسطين من ضرائب الأرباح، لمدة عشر سنوات. واعتبار الأرباح من المصاريف.(50)

وقد بلغ ما أنتجته الشركة في سنة 1926 (3048442) كيلووات في الساعة، قفز في العام 1929 إلى (4930960) كيلو وات في الساعة.(51)

امتياز استخراج الأملاح والمعادن من البحر الميت

تحتوي مياه البحر الميت معادن محلولة مختلفة، وهي كلوريد الصوديوم، كلوريد البوتاسيوم، كلوريد المغنيسيوم، بروميد المغنيسيوم، كلوريد الكالسيوم، سلفات الكالسيوم.(52) وقررت سلطات الانتداب استثمار هذه الأملاح في العام 1925، بعد أن ثبت لها جدوى الاستثمار، وسرعان ما تم إعطاء هذا الامتياز لمئير نوفومسكي وهو يهودي مهاجر إلى فلسطين من روسيا، وذلك بمشاركة البريطاني توماس تولوك، وتم تأسيس شركة للاستثمار في بريطانيا، تحت اسم شركة البوتاس الفلسطينية وسجلت رسمياً، في سنة 1929، برأس مال قدره 400 ألف جنيه.(53)

ونصت مواد الاتفاق ما بين الشركة والحكومة المنتدبة، على أن مدة الامتياز 75 عاماً، مع الحق في احتكار التسويق والبيع للمواد المستخرجة من معادن وأملاح في الأسواق الداخلية، والتصدير وتقدم الحكومة عند اللزوم الأراضي اللازمة لإنشاء الشركة. وقد بلغ ما منحته بريطانيا للشركة خارج منطقة الامتياز 987 ألف دونم مجاناً.(54)

امتياز أراضي الحولة

تبلغ مساحة منطقة الحولة نحو 237 ألف دونم، وتقع المنطقة ومستنقعاتها في أقصى شمال فلسطين، وكان سبق للحكومة التركية في شهر حزيرن (يونيو) 1914، أن منحت عمر بيهم وميشيل سرسق، امتيازاً بتجفيف أراضي الحولة وإحيائها،(55) إلا أنهما (بيهم وسرسق) تنازلا عن الامتياز، في 3/10/1934، إلى شركة تحسين الأراضي الفلسطينية المحدودة Palestine Land Development  وبقصد تمكين أصحاب الامتياز من وضع يدهم على أراضي الحولة، وطرد المزارعين منها، أصدرت السلطة المنتدبة، قانون حدود امتياز الحولة رقم (6) لسنة 1938، ولم يعترف هذا القانون بحقوق المزارعين العرب الذين شرعوا يزرعون ما جففوه زمن العهد التركي حتى أصبحوا يتمتعون بحقوق المزارعين ووضع اليد طيلة عشرين سنة، وكان عدد المنكوبين (1500) عائلة.(56)

المؤسسات اليهودية بدايات تأسيس كيان داخل كيان

بدأت الحركة الصهيونية، منذ ما قبل إعلان الانتداب على فلسطين، بتأسيس الأطر اللازمة لتحقيق الهجرة إلى فلسطين، وإقامة الوطن القومي اليهودي، إلا أن ما وفره الانتداب البريطاني من تسهيلات سرّع في نمو هذه المؤسسات وتحقيق برامجها، لا سيما بعد أن تضمن صك الانتداب إقراراً شرعياً بالوكالة اليهودية.

وكانت أبرز المؤسسات الصهيونية، التي تمكنت من وضع الأسس اللازمة لإقامة كيان داخل الدولة هي: الوكالة اليهودية (Jewish Agency) الهستدروت (Histradruth) الجمعية اليهودية للاستعمار بفلسطين (Colonization Association Palestine Jewish(A.C.J.P)) صندوق الائتمان اليهودي (Jewish Colonial trust) الصندوق القومي اليهودي (Jewish National Fund) الصندوق الفلسطيني التأسيسي (Fund Kern Hayesod the Palestine Foundation). ولقد شكلت هذه المؤسسات، وفي صورة خاصة الوكالة اليهودية، كياناً داخل الدولة، وكان ذلك بموافقة سلطات الانتداب، وبتسهيلات منها.

الوكالة اليهودية: تهيئة الظروف لإنشاء كيان صهيوني

كان اقتراح نشاء وكالة يهودية لفلسطين قد ورد أساساً، في صك الانتداب، الذي دعت المادة الرابعة منه حكومة فلسطين إلى الاعتراف “بوكالة يهودية كهيئة عمومية، تشير وتتعاون مع إدارة فلسطين في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك، مما يؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي، ومصالح السكان اليهود في فلسطين، وتساعد وتشترك في ترقية البلاد، تحت سيطرة حكومتها دائماً.

“وكانت المادة السادسة من ذلك الصك قد فرضت على حكومة الانتداب، أيضاً، بأن تعمل، بالاتفاق مع تلك الوكالة،على “تقوية استيطان اليهود المكثف في الأراضي الزراعية”. بينما سمحت المادة (11) للحكومة بأن تتفق معها” على أن تقيم أو تستثمر الأعمال والمصالح العمومية، وترقي موارد البلاد الطبيعية، حيث لا تتولى الحكومة هذه الأمور مباشرة بنفسها. “أما الهدف من إقامة تلك الوكالة، كما جاء في المادة الرابعة من صك الانتداب، فكان الحصول على معونة كل اليهود “غير الصهيونيين، الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن القومي اليهودي”، وذلك بضم مثل أولئك اليهود إلى تلك الوكالة، وتنشيطهم ضمن أطرها.(57) وفي اجتماع لجنة العمل الصهيونية، في تشرين الأول (أكتوبر) 1923، ووفق على عرض مشروع قرار، على المؤتمر الصهيوني، يقضي بتشكيل مجلس الوكالة اليهودية، من لجنة العمل الصهيونية، التي اكتسبت حقوق الوكالة اليهودية وفقاً للمادة الرابعة من صك الانتداب، وممثلي المنظمات اليهودية الكبرى، التي تعترف بمبادئ إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وتقبل المشاركة في تأسيسه، وكذلك ممثلي الكيرين هايسود، ومع تقدم المباحثات بين حاييم وايزمان ومجموعة تضم ممثلي منظمات يهودية غير صهيونية، عرضت على لجنة العمل الصهيونية في عام 1924، صياغة أولية للإطار الدستوري للوكالة اليهودية المقترح توسيعها.(58) وبقيت الأمور قيد المناقشات داخل المؤسسات الصهيونية، حتى عام 1929، إذ جرى إقرار توسيع الوكالة اليهودية.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لم يكن ذلك التاريخ صدفة، ذلك أنه جاء في سنة تفجر الأزمة داخل العالم الرأسمالي من جهة وبداية الصدامات الجدية في فلسطين من جهة أخرى.

وفي السياق، أصدر المكتب المركزي للمنظمة الصهيونية العالمية بياناً، جاء فيه أن اللجنة الصهيونية قد حددت الحادي عشر من آب (أغسطس) 1929، لعقد جلسة الافتتاح لمجلس الوكالة في شكلها الموسع في زيوريخ، وأوضح حاييم وايزمان، في بيان أذاعه، أنه توصل عبر مباحثاته مع الأطراف المعنية بتوسيع إطار الوكالة اليهودية، إلى رسم الملامح العامة للاتفاق مع غير الصهيونيين، وهي: تشجيع الهجرة، ونشر اللغة العبرية والثقافة اليهودية، وحيازة الأرض كملكية أبدية للشعب اليهودي، إضافة إلى توظيف العمال اليهود في الأشغال كلها، بوساطة الوكالة اليهودية، وتحت إشرافها، ووضع الكيرن هايسود تحت تصرف الوكالة اليهودية، وأشار وايزمان في رسالة للمؤتمر، إلى ثلاث نقاط مركزية، يجب وضعها في الاعتبار، عند وضع البرنامج العام للوكالة في شكلها الموسع، وهي:

  • رعاية المستوطنات والمستعمرات السابق إنشاؤها.
  • تعزيز المقدرة الاقتصادية للعامل اليهودي.
  • تأمين مساحات من الأراضي تكون كافية لتمكين حركة التوطين من التقدم دونما عقبات(59). عقد الاجتماع العام الموسع للوكالة اليهودية في 11 آب (أغسطس) 1929، ووقعت الاتفاقية بين رئاسة الحركة الصهيونية وممثلي الوكالة اليهودية في الرابع عشر من الشهر نفسه، رغم ظهور بعض المعارضة داخل الحركة الصهيونية.

وبذلك، أرادت الحركة الصهيونية من وراء استقطاب غير الصهيونيين من الرأسماليين، تحديداً، دعم المشروع الاستيطاني في فلسطين، كما أن إقامة الوكالة اليهودية، في شكلها الموسع، كان من شأنه أن يشير بوضوح، إلى الترابط العضوي بين الحركة الصهيونية وبين الرأسماليين الذين ترتبط مصالحهم، وفي شكل حيوي، بالنظام البريطاني في فلسطين، ولهذا عملت المنظمة الصهيونية على استغلال تفجر الأزمة الاقتصادية العالمية، بهدف دفع مشروع إقامة الوطن اليهودي في فلسطين إلى الأمام. وذلك باستنفار يهود العالم، خصوصاً الأغنياء منهم، لمد يد العون للاستيطان الصهيوني في فلسطين، ومساعدته على فرض سيطرته اقتصادياً، وإحداث تغيير نوعي في معركة الصراع مع الوجود الفلسطيني، لصالح الوطن القومي اليهودي، لذا “استغلت المنظمة الصهيونية الأزمة الاقتصادية الشعبية في البلدان الرأسمالية لدفع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، ونظمت في العام 1929، عام الهبة في فلسطين ضد الاستعمار والصهيونية، الهجرة الخامسة، التي استمرت حتى العام 1931، وكانت السمة الأساسية لهذه الهجرة أنها هجرة مدنية، من الفئات الاجتماعية المتوسطة والصغيرة والصناعية والتجارية، التي ضربت الأزمة مصالحها في البلدان الرأسمالية، وهاجرت إلى فلسطين على أمل استرداد “جنتها المفقودة”، في السوق والصناعة في فلسطين”.(60)

الهستدروت

جاء تأسيس الهستدروت، كاتحاد عمالي حديث، في سياق بناء الأسس اللازمة لقيام الكيان الصهيوني وبناء الدولة العبرية، وبذلك لم يكن عمله نقابياً فحسب، أو تنظيماً شعبياً بالمعنى السائد للتعبير بمعناه النقابي-السياسي، لذا انصب اهتمامه الأول على إيجاد الظروف الملائمة لبناء الطبقة العاملة، ومن ثم تنظيمها وتأطيرها في شكل يؤدي إل بناء اجتماعي متكامل، في إطار تكوين سياسي جديد، وعليه، فقد كرس كل اهتمامه، لتوفير الظروف المالية لبناء مشروعه العمالي، وأسس منذ بداياته في سنة 1921، بنك العمال (هبوعليم) الذي أصبح فيما بعد ذراعه المالي، وقام بدور مهم في تنظيم عمليات التمويل والاستثمار وتقديم الاعتمادات المصرفية للقطاع المالي، وكان يقوم بأعمال مالية على نطاق واسع، في ميدان التسليف، سواء للأفراد أو للمؤسسات.

نما الهستدروت بسرعة، وزاد عدد المنضمين إليه 4433 عضواً في العام 1920، إلى 9000 عضو في عام 1929، وأصبح الهستدروت، من خلال أنشطته يمثل اتحاد العامل وصاحب العمل في وقت واحد. وأسس المؤسسات الاقتصادية التالية:

  • شركة نير، وهي مؤسسة تقوم بتسليف المستوطنين الزراعيين، سلفيات نقدية، ويبلغ رأس مالها نحو 215.000 جنيه فلسطيني.
  • شركة تنوفا، وهي شركة تسويقية زراعية، بلغت قيمة ما تداولته، من البضائع، حتى العام 1935، نحو 500.000 جنيه فلسطيني.
  • مؤسسة التموين المركزي، انحصرت مهمتها في تزويد التعاونيات الزراعية بالآلات الحديثة. وبلغ قيمة ما تداولته الشركة، حتى العام 1935، نحو 750.000 جنيه فلسطيني.
  • مؤسسة شكون، وهي مؤسسة هندسية، مهمتها الإشراف على بناء المنازل العمالية، وصل رأس مالها في عام 1935، إلى نحو 70.000 جنيه فلسطيني.
  • مؤسسة هاكوبرازيا، وهي مؤسسة تعاونية للنقل والمنتجين الصناعيين، وشركة ياخين، وكانت تشرف على مزارع الحمضيات في حال غياب مالكيها.
  • شركة سوليل بونيه، وهي شركة إنشاء هندسي، إضافة لأنشطتها الصناعية الأخرى وإنتاجها لمعدات البناء كالزجاج، والاسمنت، والقرميد.
  • شركة التأمين هسنيه، وبلغ عدد المؤمنين بها، حتى آب (أغسطس) 1937، نحو 2563 نسمة، وبلغت قيمة التأمينات لديها، حتى ذلك التاريخ 773.00 جنيه فلسطيني.
  • صندوق المرضى (كوبات هاحوليم) أنشأ عام 1933، وكان يدير ثلاث مستشفيات كبيرة وعدداً من المصحات ودور النقاهة، وكانت خدماته مجانية، وبلغت ميزانيته، حتى عام 1937، نحو 220.000 جنيه فلسطيني.
  • صندوق البطالة، أسس عام 1933، وزاول أعماله حتى عام 1936، وكان يجمع رأس المال من أعضاء الهستدروت، إضافة للمساعدات التي كانت ترد إليه من الخارج. وبلغ إيراده حتى عام 1937، نحو 138.000 جنيه فلسطيني، جمع منها العمال أنفسهم 120.000 جنيه.

وإضافة إلى دور الهستدروت، فقد نمت المؤسسات الصناعية مع نمو الرأسمال اليهودي في فلسطين، وشكل الهستدروت بحق مؤسسة العمال المالية والنقابية والسياسية في حين وضع الهستدروت عند تأسيسه دستوراً، نصت مادته الأولى على: “أن النقابة العامة (الهستدروت) توحد جميع العمال، وأصحاب الأعمال الحرة في البلد، الذين يعيشون من كدهم، دون استغلال عمل غيرهم، وذلك من أجل تنظيم شؤون العاملين في البلد الاستيطانية والاقتصادية، وأيضاً الثقافية”. نما الهستدروت بسرعة (وزاد عدد المنضمين إليه من 4433 عضواً، سنة 1920 إلى 9000 عضواً) سنة 1929،(61) وكانت العضوية في الهستدروت عربية-يهودية.

كما شهدت أنشطة الهستدروت محاولات للتقارب مع أنشطة العمال العرب، وذلك على قاعدة النضال العمالي المشترك، الفلسطيني-اليهودي، والذي تجلى بأوضح صوره، في عام 1924، عندما أقيمت نقابة عمال القطارات، التي ضمت نحو ثلاثمائة عامل عربي ويهودي، وكانت تلك النقابة، أول نقابة في فلسطين، يُعترف بها من قبل رب العمل، وهو إدارة القطارات، وكانت قيادة العمال، مؤلفة من عشرة أعضاء، خمسة منهم عرباً وخمسة يهوداً”.(62)

إلا أن التعاون العربي-اليهودي العمالي، بدأ يتقلص رويداً رويداً، حتى وصل إلى درجة التلاشي، بعد هبة سنة 1929 في فلسطين، وما تركته من آثار سلبية على هذا التعاون، ساد ما كانت تسعى إلى تحقيقه، التيارات الصهيونية داخل النقابات العمالية، وهو “تهويد العمل” أو ما سمي آنذاك سياسة “العمل العبري”، والتي تقوم على أساس أن يكون الهستدروت وكذلك النقابات الأخرى، نقابات يهودية فقط، وألا يعمل في المؤسسات اليهودية عرب.(63)

أما مبرر دعاة العمل العبري، فهو أنّ “العمل اليهودي” قام بفضل نشاط رأس المال اليهودي ذاته، وأن المعنيين بتطوير هذا الاقتصاد، هم غير معنيين أساساً بالعامل العربي.(64)

ومنذ العام 1929، بدأت سياسة العمل العبري تشمل المناحي كافة، الزراعية والصناعية وخلافهما، وفي العام 1933، ألقى دافيد بن غوريون، السكرتير العام للهستدروت، خطاباً في معهد “التخنيون” في حيفا، دعا فيه إلى ضرورة تهويد العمل، ومنع تشغيل العمال العرب، ولو بالقوة، في المشاريع اليهودية، الصناعية والزراعية.

لعبت الهستدروت، دور الحاضنة الأم  للاتحادات الصهيونية النقابية كافة، حيث تمكن من إقامة اتحادات تابعة مثل اتحاد العمال الزراعيين واتحاد الكتاب واتحاد العاملين في البناء والمقاولات واتحاد العاملين في الصناعة العامة واتحاد عمال المعادن واتحاد المدرسين واتحاد عمال المعادن واتحاد المدرسين واتحاد العاملين في الصناعات الغذائية واتحاد العاملين في النسيج والملابس والجلود واتحاد العاملين في وسائل النقل واتحاد عمال الخشب، واتحاد عمال القطاع الصحي واتحاد المهندسين الفنيين واتحاد عمال الطباعة والورق واتحاد العاملين في البحار وصناعة الماس، واتحاد الأعمال الحرة.(65)

الجمعية اليهودية للاستعمار في فلسطين، أسس هذه الجمعية الثري اليهودي ادموند روتشيلد، وكان ذلك في سنة 1883، وتمثل هدفها في تقديم الخدمات والتسهيلات للمهاجرين اليهود إلى فلسطين، وتشجيعهم على تملك الأراضي.(66)

صندوق الائتمان اليهودي: أُنشئ بقرار من المنظمة الصهيونية العالمية، في سنة 1899، ومنذ العام 1903، أنشأ الصندوق شركة فرعية له في فلسطين، حملت اسم (بنك انجلو فلسطين) وكان لهذا البنك نشاطه الملحوظ في تقديم القروض للمؤسسات اليهودية، في خلال فترة الانتداب.(67)

الصندوق القومي اليهودي: تأسس في العام 1907 بمبادرة من المنظمة الصهيونية العالمية في بريطانيا، ومنذ العام 1922، تغير اسمه إلى الكيرن كايمت Kern Kaymeth، وقد لعب هذا الصندوق دوراً مهماً في شراء الأراضي، واستيعاب المهاجرين، وتقديم الخدمات اللازمة لهم.(68)

الصندوق الفلسطيني التأسيسي: أنشأ في العام 1920، بقرار من المؤتمر الصهيوني، وحدد هدفه في المساعدة على استيطان المهاجرين اليهود واستيعابهم، وكان مركزه لندن. وسُجل كشركة انجليزية. (69) كما لعب هذا الصندوق، دوراً بارزاً في خلق الظروف الملائمة للنشاط الصناعي والمشاركة في الإنفاق على التعليم والأشغال العامة وتنمية المدن وغيرها. وقد غطى الصندوق مصاريف الوكالة اليهودية التي بلغت 204.600 جنيهأ فلسطينياً في عام 1932 حسب التوزيع الآتي. (70)

أوجه الصرف المبلغ بالجنيه الفلسطيني
الاستعمار الزراعي 71.700
استثناء محطة التجارب الزراعية في عتليت
التعليم 40.000
المؤسسات القومية والاجتماعية 14.700
الاستثمارات في الأرض والأبنية 13.700
الهجرة والأشغال العامة 10.700
الصحة العامة 6.200
المؤسسات الدينية والمزراحية (الشرقية) 3.900
المصاريف الأخرى 43.700
المجموع 204.600

 

ويمكننا هنا، أن نلاحظ بوضوح، أن الاستعمار الزراعي، حظي بالنسبة الأعلى من مصروفات الصندوق، لما كانت تعول عليه الحركة الصهيونية وعلى دوره في إقامة الكيان الصهيوني خلال تلك الفترة.

الاستيطان والرأسمال اليهودي وانعكاساته على أوجه الاقتصاد الفلسطيني 1932-1939

شهدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، حركة لافتة للنظر، ترافقت مع صعود النازية للحكم في ألمانيا 1933.

ومع تلك الهجرة، تدفقت رؤوس الأموال إلى فلسطين.(71) عدا أموال اليهود الألمان التي دخلت إلى فلسطين عبر المصارف الألمانية، في صورة رسمية، وتنفيذاً لاتفاق فصل أموال اليهود الألمان مقابل بضائع ألمانية، وعدا الأموال الواردة من مصادر أخرى، وفي هذا السياق شجعت حكومة الانتداب انتقال الأموال اليهودية، خلال فترة الحكم النازي في ألمانيا، دون فرض رسوم جمركية عليها، كي يتمكن المهاجرون اليهود الألمان من نقل أموالهم إلى فلسطين.

كما أتاحت الإجراءات البريطانية، المترافقة مع صعود النازية، دخول السائحين اليهود إلى فلسطين، وفي شكل استثنائي، الأمر الذي استغله اليهود، لإدخال 44.474 سائحاً ما بين 1931-1935، دون مغادرة.(72) وبذلك استغلت الحركة الصهيونية مسألة العنف الهتلري من جهة، والتحايل على القوانين والإجراءات البريطانية من جهة أخرى، من أجل إدخال ما معدله 40.000 مهاجر سنوياً إلى فلسطين، إضافة إلى تدفق رؤوس الأموال.

ويبين الجدول التالي هجرة أصحاب رؤوس الأموال اليهود إلى فلسطين، ما بين 1933-1935.(73)

جدول رقم (3)

العام 1933 العام 1934 العام 1935
عدد المهاجرين من أصحاب رؤوس الأموال نسبتهم إلى عدد المهاجرين الإجمالي عدد المهاجرين من أصحاب رؤوس الأموال نسبتهم إلى عدد المهاجرين الإجمالي عدد المهاجرين من أصحاب رؤوس الأموال نسبتهم إلى عدد المهاجرين الإجمالي
3250 11% 5124 12% 6309 10%

 

وقد بلغ عدد المهاجرين إلى فلسطين 9 آلاف عام 1932، و30 ألفاً عام 1933، و40 ألفاً عام 1934، و61 ألفاً سنة 1935.(74)

ولعل أبرز المظاهر المترتبة على الهجرة، خلال تلك الفترة، إضافة للعوامل الاقتصادية والسياسية، هو الاختلاف الذي خلفته تلك الهجرة في اللباس والمسلك ومناهج الحياة، بين القادمين من قلب أوروبا وبين السكان العرب، فكانت قوالب السكان التي أتى بها هؤلاء، إضافة إلى قيمهم الاجتماعية، تبدو متناقضة مع البنية الاجتماعية للعرب.(75)

وتفيد الأرقام المتوافرة، إلى أنه ما بين الأعوام 1933-1936 دخل إلى فلسطين، حسب الإحصاءات الرسمية، 13870 يهودياً، يملكون أكثر من ألف ليرة فلسطينية، و1719 يهودياً يعتمدون عليهم، مقابل نحو 130 ألف يهودي وصفوا رسمياً، بأنهم قادمون للاستخدام أو معتمدون على هؤلاء القادمين أو على مهاجرين سبقوهم.(76)

واصلت الحركة الصهيونية، خلال تلك الفترة (1933-1936) حملة شراء الأراضي وتشريد سكانها، وسنت حكومة الانتداب جملة قوانين كانت في صالح عملية الاستيطان، من هذه القوانين، إيجاد ضمانات للفلاح الذي يطرد من أرضه، فبحسب تقرير الإدارة البريطانية لسنة 1933، أعلن وزير الدولة البريطاني، في مجلس العموم في 14 تموز (يوليو) 1933، عزم حكومته على توطين المزارعين المشردين، بقرض ينفق على تطوير الأراضي، ولم يكن هذا الإعلان وضمانات القانون سوى ضريبة كلامية يستهدف من ورائها التضليل وإعطاء التغطية الشرعية للممارسات الصهيونية وتشريد الفلاحين العرب. لهذا، وحتى العام 1936، اشتدت حدة الأزمة الزراعية في القطاع العربي، وتقلصت مساحة الأراضي التي يملكها العرب. فمن العام 1933 إلى العام 1936، واصل كبار ملاك الأراضي بيع الأراضي لليهود، وحسب المعطيات الرقمية، فما بين 1933-1936 كان 62.7% من مجموع الأراضي التي اشتراها الصهاينة، أراضي ملاكين متواجدين في فلسطين، و14.8% أراضي ملاكي غائبين و22.5% أراضي فلاحين صغار.(77) وبحسب الاستقصاء الذي أجري من قبل الحكومة البريطانية عام 1936، والذي شمل 322 قرية، كان توزّع ملكية الأراضي في فلسطين في ذلك العام، على النحو التالي:

توزيع ملكية الأراضي في فلسطين سنة 1936. (78)

جدول رقم (4)

حجم الحيازة – بالدونمات المالكون كنسبة مئوية من مجموع السكان (%) المساحة المملوكة كنسبة مئوية من مجموع الأراضي (%)
أكثر من 5000 0.01 19
من 1000-5000 0.02 8.2
من 100-1000 8.15 35.8
من صفر – 100 91.82 37

 

كان من شأن تعزيز الملكية الخاصة، أن تحولت الأراضي إلى سلعة، في ظل وجود مؤسسات صهيونية قادرة على الشراء، وانتشار حالات الفقر المدقع بين الفلاحين الفلسطينيين.

كان انتقال ملكية الأرض عاملاً مهماً، من العوامل التي أدت إلى تهجير العرب إلى المدن، وهو ما ترتب عليه نتائج سلبية، منها أن الخيار الوحيد الذي بقي لأولئك المزارعين السابقين، وفي حالات كثيرة، هو الانضمام إلى صفوف العاطلين عن العمل، ومن المرجح، أن معدل توجّه اليهود إلى الريف يساوي، تقريباً، معدل توجه العرب إلى المدن، خلال تلك الفترة.

توزيع ملكية وحيازة الأراضي التي انتقلت إلى اليهود في فلسطين 1882-1939(79)

جدول رقم (5)

الفترة الكيرن كايمت إسرائيل شركة الاستيطان اليهودية لفلسطين (بيكا) شركة تطوير أراضي فلسطين ومؤسسات خاصة وأفراد أملاك عامة المجموع النسبة المئوية من مساحة فلسطين الكلية (26320)
1882-1914 16000 369000 35600 420600 1.59
1920-1922 72400 484600 37000 594000 2.25
1923-1927 196700 323000 345000 38300 903000 3.43
1928-1932 296900 709800 51800 1058500 4.02
1933-1936 369800 435000 426000 161800 1392600 5.29
1937-1939 463500 419100 473000 177800 1533400 5.83

 

كان اليهود في أكثريتهم، يقطنون المدن، وخصوصاً الكبرى منها، فمن بين عدد اليهود الإجمالي البالغ آنذاك 174809 نسمة، كان هنالك 119918 نسمة (أي 68.6 في المئة) يعيشون في المدن الثلاث الكبرى، القدس 51222 يهودي من بين 90503 نسمة كانوا يقطنون المدينة آنذاك، (أي 56.6 في المائة) ويافا تل أبيب (52773) منهم 45564 في تل أبيب، من بين 97967، أي 53.9 في المئة)، وحيفا (15923 من بين 50403، أي 31.6 في المئة) وإضافة إلى ذلك شكل اليهود أكثرية في طبريا، أيضا (5381) من بين 8601، أي 62.6 في المئة)، ونسبة ملحوظة في صفد (2547 من بين 9441، أي 27.30 في المائة)(80).

ومع ازدياد تلك الهجرة، حمل الوافدون إلى فلسطين، ما بين 1932-1935، 31 مليون جنيه فلسطيني(81)، الأمر الذي زاد من قوة التجمع اليهودي وحفزه في اتجاه التطور الرأسمالي ومنافسة الاقتصاد والوجود العربيَّين.

انهمكت الوكالة اليهودية، أيضا، خلال تلك الفترة في دراسة، مشاريع ترحيل السكان العرب من المنطقة المقترحة للدولة اليهودية، فقبل شهر من صدور تقرير لجنة بيل، علم موشيه شاريت بأن تلك اللجنة تنظر بإيجابية، إلى الاقتراح الذي قدمته إليها الوكالة اليهودية في شأن ترحيل السكان العرب من المنطقة المخصصة للدولة اليهودية، إذ أقر مشروع التقسيم(82) وقد قبلت لجنة بيل فعلا هذا الاقتراح وأوصت في تقريرها بترحيل السكان العرب، قسراً من الدولة اليهودية، بعد أن قدرت عددهم بنحو 225 ألف نسمة، مقابل 1250 يهودياً ينبغي ترحيلهم من الدولة العربية. وبتقديمها لهذا الاقتراح، أوضحت اللجنة أن هذه هي الطريقة الوحيدة، حسب رأيها، لضمان إقامة دولتين مستقلتين ومستقرتين، لا تعانيان من مشاكل أقليات قومية داخلها ضاربة مثلا على ذلك ما تم من تبادل ترحيل السكان القسري بين تركيا واليونان، عقب الحرب التي نشبت بينهما، سنة 1922(83)، وكان تأثير هذا الاقتراح على بن غوريون، أكثر من غيره من زعماء الوكالة اليهودية، فاندفع إلى المندوب السامي يعرض عليه ترحيل الفلاحين العرب من فلسطين وإعادة توطينهم في أراضٍ تشترى لأجلهم في شرق الأردن، وحبذ المندوب السامي هذا الاقتراح(84).

وقد اتخذت كل وسائل الترحيل العديد من الطرق، وكان أبرزها، تصرف المندوب السامي بالأراضي الأميرية، وترحيل العرب عنها.

شهد الاستيطان الصهيوني، خلال السنوات 1932-1935 انتعاشاً لم يسبق له مثيل، حتى أن جريدة فلسطين، ذهبت إلى حد القول بأن: “أمواج الهجرة اليهودية تتعاظم وتطغى على الجبهة العربية، بفضل أموال اليهود وقوة تنظيمهم، ولن يكون اليوم الذي تنجح فيه الصهيونية في طمس المعالم العربية في البلاد ببعيد”.(85)

كان عدد اليهود في المدن الثلاث، القدس ويافا – تل أبيب وحيفا، وأقضيتها قد ازداد بشكل ملحوظ. خلال العشرينات، نتيجة لاتجاههم للسكن في تلك المدن، فخلال الفترة الواقعة بين إحصائي 1922، 1931 ارتفع عدد اليهود في أقضية القدس ويافا وحيفا من 67.314 إلى 147.694 نسمة أي بزيادة 58.4 في المئة، وفي قضاء حيفا من 24138 إلى 69789 أي 189.1 في المائة، وفي قضاء يافا من 8745 إلى 23367، أي 167.2 في المائة) وقد استمرت أعداد اليهود، على كل حال، في الازدياد في هذه المدن بعد ذلك، وكان لهذه الوقائع تأثيرها في سيطرتهم عليها، خلال المراحل الأولى من حرب 1948.

أما اليهود الآخرون، الذين كانوا يقطنون خارج المدن الست التي مر ذكرها، والبالغ عددهم 46.963 نسمة، فقد كانوا يقيمون في 101 مستوطنة ونقطة استيطانية مختلفة، عدا عن تل أبيب، وتراوح عدد سكان كل منها، في شكل عام بين بضع عشرات وبضع مئات، وكانت هذه المستوطنات موزعة على 11 قضاء من بين أقضية فلسطين الثمانية عشرة، منها في قضاء صفد 7 مستوطنات، حيفا 18، طبريا 11، بيسان 6، الناصرة 16، طولكرم 5، القدس 3، الرملة 14، يافا 17، بما في ذلك تل أبيب، بئر السبع1 غزة 3. أما المناطق الباقية، وهي أقضية عكا، جنين، نابلس، رام الله، أريحا، بيت لحم والخليل، فقد كانت خالية من أي مستوطنات يهودية.(86)

ومع نهاية السنوات الأربع (1932-1935) كان قد أقيم 53 مستوطنة جديدة، مقابل 101 مستوطنة أقيمت خلال السنوات الخمسين (1882-1931)، ووصل عدد المستوطنات في فلسطين، مع نهاية سنة 1935 إلى 154 مستوطنة شكلت بسكانها وأراضيها أساساً مادياً لتجمع اليهود في فلسطين.

ومع ارتفاع عدد المستوطنات ازدادت، مساحة الأراضي الزراعية التي كان اليهود يستغلونها، خصوصاً ما كان منها مغروساً بأشجار الحمضيات، وثمارها سلعة رئيسية، وقد وصلت مساحة ما كان منها بحوزة اليهود، سنة 1936، إلى نحو 12 ألف دونم، مقابل 106.4 آلاف دونم يملكها العرب.(87)

كانت أعداد المهاجرين، تشهد قفزات نوعية، فبعد أن كان عدد اليهود، سنة 1922 (93.794 قفز هذا العدد إلى 164.796 عام 1931، وإلى 445,457 في عام 1939.(88)

وترافقت موجات الهجرة وتزايدها، مع التوسع في شراء الأراضي، وزراعتها، وقد اتسعت المساحة المزروعة أثماراً حمضية من 22.000 دونم تخص العرب و10.000 دونم تخص اليهود في سنة 1922، إلى 278.00 دونم منها 135.000 دونم تخص العرب و143.000 دونم تخص اليهود، سنة 1935.(89) وفي سياق التوسع اليهودي في الأراضي، بلغ ما دفعه اليهود ثمناً لأراضي فلسطينية مشتراة 1.700.000 جنيه فلسطيني، مقابل (72.905 دونم).(90)

وترتب على ذلك، ووفقاً شهادات أدلى بها موظفون بريطانيون، فقدان المزيد من الفلاحين الفلسطينيين لأراضيهم، من دون أن يجدوا أرضاً بدلاً لها، وأفادت الشهادات إلى ازدياد مستمر في طبقة المشردين العرب الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه من البلاء، بسبب انتزاع أراضيهم منهم ونقلها لليهود.(91)

جدول رقم (6)

مصدر شراء الأراضي إجمالي الأراضي المشتراة النسبة المئوية
كبار الملاك الغائبين 358.974 52.6
كبار الملاك المقيمين 167.802 24.6
الحكومة والكنائس والشركات الأجنبية 91.001 13.4
الفلاحون 64.201 9.4
إجمالي الأراضي المشتراة 681.978 100.00

 

يمكن تلخيص سياسات استملاك الأراضي التي وضعتها وطبقتها الوكالة اليهودية خلال السنوات 1920-1936 كما يلي: البحث عن بائعي الأراضي (وخصوصاً الأراضي الكبيرة) وكسبهم بدلاً من الاكتفاء باستملاك ما يعرض للبيع. تجنب عزل المستعمرات وجعلها (مجمعات مستعمرات) أو “مناطق يهودية”. وقد أدى هذا أحياناً إلى توسيع المستعمرات، أكثر مما أدى إلى إنشاء مستعمرات جديدة، استملاك الأرض لأغراض مختلفة –الزراعة والصناعة وتطوير المدن- مع أن التشديد استمر على الأراضي الريفية، استملاك أكبر قدر ممكن من الأرض، بأسرع وقت ممكن(92) وجاء هذا الإسراع نتيجة اعتبارين، أولهما الارتفاع المستمر في أسعار الأراضي، وحمل الصندوق سماسرة الأرض ومالكيها العرب المسؤولية (لأنهم كانوا يرفضون البيع لتوقعهم المزيد من الارتفاع). وأهم من كل ذلك كثيراً قيام اليهود بالمضاربة، التي رفعت الأسعار إلى مبالغ خيالية، وثانيهما التوقع الدائم لحدوث تغيير في سياسة بريطانيا إزاء الوطن القومي. ومن المهم أن نلاحظ أن الصندوق لم يتوقع حدوث تغييرات في مصلحة مشروعه، وإضافة إلى هذه السياسات كانت هناك ممارسات أو إرشادات يمكن اعتبارها سياسات(93)، الاقتصار على استملاك الأراضي الجيدة، أي الصالحة أو القابلة للزراعة، شراء قطع الأرض (وخصوصاً الأراضي الكبيرة)، شرط أن يطرد المالك المزارعين جميعاً، وأن يكون في حل من أية مطالبة (بحقوق في الأرض أو بحماية قانونية.

إن انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، بمختلف الأساليب والإغراءات وحيل الوسطاء والسماسرة، و الضغوط والظروف القاسية التي رزح تحتها الفلاح الفلسطيني في ظل حكومة الانتداب، أدى إلى خلق المناخات الملائمة، لإثارة أعمال العنف وسخط وصراع دموي في الوسط العربي، إزاء كل من اليهود وسلطات الانتداب.

جاءت المستوطنات، التي أقيمت خلال فترة الثورة 1936-1939، وكان عددها خمسين مستوطنة، تتسم بمعلمين، جدار الأسلاك الشائكة الذي يطوقها وبرج المراقبة القائم في وسطها، أو ما أطلق عليها تسميته “بسور وبرج”.(94)

ووفقاً لتعبير تقرير لجنة بيل، فقد كان للمستعمرات اليهودية كيانها الخاص بها، من أرض وسكان ومؤسسات اقتصادية واجتماعية وعسكرية وسياسية، آخذة في النمو والتوسع، في شكل يهدد بفرض سيطرتها على معظم مناطق فلسطين وتحويلها إلى دولة يهودية. (دولة داخل دولة) (95)

وخلال فترة الثورة العربية الكبرى في فلسطين (1936-1939) ازدادت المستوطنات الجماعية (الكيبوتز). وذلك على أساس الملكية الجماعية، فأرض القرية ومبانيها وأدواتها ملكاً جماعياً للقرية، والحياة فيها مشتركة، حيث يتناول أفراد الكيبوتز أكلهم جماعياً، وينام الأولاد في مهجع واحد. ووصل عدد سكان الكيبوتز، في السنة الأولى من ثورة 1936 إلى 15.500 نسمة، بعدما كان عددهم 4.506 نسمات، في العام 1930.(96)

كان لإقامة الكيبوتز هدفان أولهما اقتصادي، يقوم على توطين المهاجرين وتوفير المسكن والطعام لهم، والثاني عسكري، يرمي إلى الإشراف على المناطق العربية وعزلها عن بعضها بعضاً، ولهذا غلب على سكانها الطابع العسكري، فان الشبان منهم مدربين على حمل السلاح والأعمال الزراعية، في آن.

أما المستوطنات التعاونية (الموشاف) فكانت عبارة عن قرى زراعية ذات طابع تعاوني عائلي، وارتفع عددها في العام 1939 إلى 103 بعدما كانت 27 موشافاً، في العام 1936. (97)

التوزيع الجغرافي للمستوطنات اليهودية 1936-1939.(98)

جدول رقم (7)

عدد المستوطنات لعام 1936 عدد المستوطنات لعام 1939
السهل الساحلي 163 186
مرج بن عامر وغور الأردن 18 30
الجليل الأعلى والجليل الأسفل 13 26
المرتفعات الجبلية 8 10
المجموع 202 252

 

يستدل من الجدول أعلاه، أن النشاط الصهيوني الاستيطاني، تموضع في معظمه في السهل الساحلي، وأن تزايد عدد المستوطنات، تنامى إبان ثورة 1936-1939، بوتائر عالية بلغت الضعف تماماً في الجليل الأعلى والجليل الأسفل.

لقد أدت موجات الهجرة، التي بلغت أوجها من حيث عدد المهاجرين في العام 1935، إلى نتائج عدة، كان لها أكبر الأثر على رسم مسار التطور حتى نهاية العام 1939، ومن أهم هذه النتائج:

  1. إحداث تغير نوعي في البنية الديموغرافية (السكانية) في فلسطين، إذ أصبح اليهود يؤلفون نحو ثلث السكان. (99)
  2. إحداث تغير نوعي في ملكية الأراضي الصالحة للزراعة لصالح الاستيطان الصهيوني.
  3. الطابع المميز للهجرة، في الأعوام 1931 – 1936، تمثل في تدفق المهاجرين الأثرياء من أصحاب رؤوس الأموال، وأدت هجرتهم إلى فلسطين إلى تحول جذري في البنية الاقتصادية لصالح الاستيطان الصهيوني.

وبلغ رأس المال اليهودي الذي تدفق على فلسطين، منذ فرض الانتداب البريطاني في عام 1922 وحتى العام 1939، 126 مليون جنيهاً فلسطينياً، الأمر الذي أسهم بحق، في تشكيل صناعتين في فلسطين (الصناعة اليهودية في فلسطين) و(الصناعة الفلسطينية)، إذ كان في الواقع اقتصادان في فلسطين، خلال الانتداب، يتقاسمان أرضاً مشتركة، ولكن تقررهما قوى مختلفة، وأحياناً متنازعة، فالاقتصاد اليهودي الذي تولد عن رغبة الصهيونيين في أوروبا وأمريكا في إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، قد تميز بفيض متواصل من المهاجرين ورؤوس الأموال، وإلى جانبه كان يقوم الاقتصاد العربي وهو اقتصاد زراعي في معظمه، ويتسم بنمو سكان طبيعي سريع وتراكم بطيء في رأس المال واليد العاملة الماهرة).(100)

استنتاجات أساسية

تأسيساً عل الحقائق الرقمية والمعلوماتية الواردة، والمستقاة أساساً من مصادر وثائقية أصلية، بريطانية وصهيونية في معظمها، فإن ما يمكن استنتاجه موضوعياً:

  1. أن الحركة الصهيونية اعتمدت اعتماداً أساسياً على الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها، وإلى ذلك، شكل الاستيطان حجر الزاوية الأساسي في بناء الفكر الصهيوني، وحوله تحلقت الأنشطة الصهيونية كافة، من مالية وسياسة ودبلوماسية واقتصادية وأمنية وخلافها، ومع نمو النشاط الاستيطاني، نمت المؤسسات الصهيونية وتعاظم دورها. ومع هشاشة الوضع اليهودي والاستيطان عموماً في فلسطين، خلال فترة النشاط الأولى، في ظل العهد العثماني، لم تتمكن الصهيونية من تحقيق تقدم يذكر في مجال الاستيطان، وترتب على نشاطها الاستيطاني في مراحله الأولى، إيقاظ المشاعر الوطنية الفلسطينية، والمخاوف الإسلامية عموماً من الوجود اليهودي. وبدأت حدة التناقضات الفلسطينية اليهودية تبرز على السطح، بعد أن كانت غائبة غياباً تاماً من قبل بدء الاستيطان. ذلك أن نمط الاستيطان من حيث اعتماده على المهاجرين القادمين من روسيا ورومانيا وألمانيا، واختلاف لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم عن لغة وعادات المنطقة من جهة، إضافة لما نقلوه إلى فلسطين، من نمط “العزلة” ومحاولة الانغلاق، والانكفاء على الذات، والنظر للمحيط على أنه محيط معادٍ من جهة أخرى، أسهم إسهاماً كبيراً في خلق هوة عدائية ما بين القادمين الجدد، والسكان المحليين، وترتب على ذلك بروز المقاومة الفلسطينية ضد المستوطنات والمهاجرين، منذ بدايات الاستيطان.
  2. وبالرغم من وضوح التشريعات العثمانية، في شأن الحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والحيلولة دون استيطانهم فيها، إلا أن الحركة الصهيونية تمكنت من وضع بعض اللبنات الأولى في الهيكل الاستيطاني في فلسطين. مستفيدة في ذلك من الضعف الإداري للسلطنة العثمانية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين.
  3. شكّل الانتداب البريطاني على فلسطين، الحاضنة الحقيقية لنمو الاستيطان وتكثيف الهجرة. وفي كنفه تمكنت الحركة الصهيونية من تأسيس دولة داخل دولة. وذلك من خلال التشريعات البريطانية الخاصة بفتح أبواب الهجرة. وتسهيل انتقال الأراضي إلى الحركة الصهيونية، وصولاً لحماية الاستيطان بقوة السلاح.
  4. مع نهاية الثورة الفلسطينية الكبرى في فلسطين سنة 1939، كانت الحركة الصهيونية وبالتعاون مع الانتداب البريطاني وعلى المستويات كافة، قد أنجزت عملياً إقامة الدولة العبرية داخل إطار الانتداب البريطاني. وبالتالي، كانت الحركة الصهيونية، عملياً، قد سيطرت على السوق المالي والاقتصادي، وأصبحت هي القوة الحاسمة القادرة على التحكم برأس المال المحلي، وفي المجال الأمني والعسكري، فقد استفادت الحركة الصهيونية من مجريات الأحداث خلال سنوات الثورة ووظفتها لمصلحتها الأمنية، ومن خلال التواطؤ البريطاني الفاضح مع المشروع الصهيوني فقد تم بناء الهيكل العسكري الصهيوني، وفق قواعد عصرية، وأصبحت المستوطنات كافة، تجمعات سكانية-عسكرية، يحيط بها سور، ويتوسطها برج مراقبة.
  5. أسهم الرأسمال اليهودي، إسهاماً أساسياً في المشروع الاستيطاني، ولعبت التوازنات السياسية الدولية، دوراً حاسماً في تسهيل نموه، كمشروع مواز وداعم للمشروع الاستعماري البريطاني في المنطقة.
  6. بالرغم من تمكّن الحركة الصهيونية من شراء بعض أراضي الغائبين، وأراض أخرى من العائلات الكبيرة المالكة، إلا أن ذلك، لم يشكل ركيزة حاسمة في إنجاح المشروع الصهيوني، كما أن مردود المستوطنات الزراعية، كان أقل مما يصرف عليها، وبالتالي، فإن الاستيطان، شكل مشروعاً سياسياً استعمارياً يهدف إلى مضايقة السكان المحليين ومن ثم طردهم. وإلى ذلك، لم يسهم الاستيطان في تطوير القدرة الاقتصادية اليهودية، بقدر ما أسهم في تكريس واقع استعماري على حساب طرد السكان الأصليين، ومن ثم استثمار حالة العدوان، وليس تنمية الاقتصاد المحلي.

المراجع:-

  1. صبري جريس، تاريخ الصهيونية، الجزء الأول 1826-1917، بيروت مركز الأبحاث 1976، ص 13.
  2. The Israel Yearbook. 1950/51: Tel Aviv. Israel Publication 1952-p 81.
  3. Janet Abu- Loghod. The Demo Graphic Transformation on Palestine. Northwestern University Press. 197.p140.
  4. حسن حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909، بيروت: دار الهدى، ط2 1990، ص 35.
  5. عبد العزيز عوض، مقدمة تاريخ فلسطين الحديث، 1914 – 1931، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983، ص73.
  6. جريس، مصدر سبق ذكره، ص 92.
  7. الحلاق، مصدر سبق ذكره، ص 38.
  8. جريس، مصدر سبق ذكره، ص 376-379.
  9. جدول مستخرج، خاص بالدراسة.
  10. Hyamson: The British Consulate in Jerusalem In Relation to A. the Jewish in Palestine. 1914 – 1938. London. Vo12. P558.
  11. Mandel Turks, Arabs and Jewish Immigration into Palestine. N 1882-1914 St. Antony’s papers No 17 – Middle Eastern Affairs. No 4 ed. By a. Horami (Oxford 1965). Pp 7—110.
  12. أنيس صايغ (إعداد) يوميات هرتزل (ترجمة هيلدا صايغ)، بيروت: مركز الأبحاث، 1973، ص 519.
  13. مانويل فرنك، بين أمريكا وفلسطين (تعريب يوسف حنا)، عمان 1967، ص 31.
  14. جريس: مصدر سبق ذكره، ص 102-103.
  15. نقلاً عن الملحق رقم (3) من كتاب الحلاق، مصدر سبق ذكره، ص 352.
  16. للتوسع انظر: مذكرات خالد العظم كتاب الخطر المحيق بالإسلام، جواد رفعت، مقالة سعيد أفغاني، مجلة العربي الكويت، كانون أول 1972، العدد 1969.
  17. إبراهيم عبد الكريم، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، الكويت العدد 33، شتاء 1989، ص 89.
  18. عبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، سلسلة عالم المعرفة (61)، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983، ص 135.
  19. جريس مصدر سبق ذكره، ص 155.
  20. المصدر ذاته، ص 266.
  21. المصدر ذاته، ص 268-269.
  22. يوسف الصايغ، الاقتصاد الإسرائيلي، بيروت: مركز الأبحاث 1966، ص 24.
  23. Esco Foundation For Palestine: A study of Jewish. Arab British Policies. New Haven Yale University Press. 1949 p>p 330-339.
  24. وولترلين. الصندوق القومي اليهودي (ترجمة محمد زايد ورضوان مولوي). بيروت مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وجامعة الكويت، 1990 ص 35.
  25. المصدر ذاته، ص 47.
  26. المصدر ذاته.
  27. تمار كوجانسكي، تطور الرأسمالية في فلسطين (ترجمة حنا إبراهيم) تونس. دائرة الثقافة في م.ت.ف. 1987، ص 54.
  28. المصدر ذاته، ص 55.
  29. عبد العزيز عوض. متصرفية القدس أواخر العهد العثماني. شؤون فلسطينية (بيروت) العدد 4 أيلول (سبتمبر) 1971. ص 133.
  30. عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1970، ص 84.
  31. سليمان موسى، الحركة العربية، بيروت: دار النهار، 1977، ص 365.
  32. Great Britain Government, Palestine Statement of Policy. Cit. 1700. 1922 p.p 1920.
  33. Great Britain Parlamantry paper leage of Nation Mandate for Palestine Pre sented to Parliament Command of His Majesty’s stationary office. 1922.
  34. Esco Foundation For Palestine, p.315-35
  35. جون هوب سمبسون تقرير عن الهجرة ومشاريع الإسكان والهجرة في فلسطين 1930، ص 172.
  36. Jeffries, Palestine, the reality, London, Gongmans, Green> 1939. p 749.
  37. محمد عادل الجادر، أثر قوانين الانتداب البريطاني في إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، بغداد: مركز الدراسات الفلسطينية، دون تاريخ ونشر، ص 121.
  38. انظر شهادة جمال الحسيني، أمام اللجنة الملكية البريطانية، محمد توفيق جانا، الشهادات السياسية أمام اللجنة الملكية، دمشق 1937.
  39. روبرت هاري درايتون، مجموعة المناشير والأوامر والقوانين الفلسطينية، القدس، مطبعة دير الروم، 1934، مرسوم دستور فلسطين 1922.
  40. سعيد حمادة، النظام الاقتصادي في فلسطين، بيروت: الجامعة الأمريكية 1937، ص 107.
  41. الجادر، محمد عادل، التشريعات البريطانية وتهويد الأراضي الفلسطينية 1917-1948، بغداد مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد الثالث، كانون الأول (ديسمبر) 1975، ص 75-117.
  42. تمار كوجانسكي، تطور الرأسمالية في فلسطين، مصدر سبق ذكره، ص 170-171.
  43. كانت الضرائب المباشرة في الأرياف ضريبة الويركو، ضريبة الأملاك.
  44. إبراهيم الجندي، سياسة الانتداب البريطانية الاقتصادية، 1922 – 1929، عمان دار الكرمل 1986، ص 121-122.
  45. الجادر، أثر قوانين الانتداب البريطاني، مصدر سبق ذكره، ص 277.
  46. اقتصاديات فلسطين بين العرب واليهود، نشرات الوكالة اليهودية، القدس 1937، نشرات الوكالة اليهودية نشرة رقم (3) ص 58-59.
  47. المصدر ذاته، ص 224.
  48. صبري جريس، تاريخ الصهيونية، الجزء الثاني، مصدر سبق ذكره، ص 234، معهد التخنيون.
  49. للتوسع، انظر يوسف الصايغ، الاقتصاد الإسرائيلي، ص 21-23.
  50. المصدر ذاته، ص 21-23.
  51. الجادر، أثر قوانين الانتداب البريطاني، مصدر سبق ذكره، ص 132.
  52. High Commissioner For Palestine to 37356/257/733 O.C Principle secreetary of state for the Colonice. 3rd Novermber 1934.
  53. إبراهيم الجندي، الصناعة في فلسطين إبان الانتداب البريطاني، عمان: دار الكرمل، 1986، ص 181-182.
  54. أحمد سعد، التطور الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين، حيفا: دار الاتحاد، 1985، ص 115.
  55. Report of his majesty’s Government of Administration of Palestine and Trans-Jordan for the year 1935. P 49.
  56. أحمد سعد، مصدر سبق ذكره، ص 123.
  57. المصدر ذاته، ص 125.
  58. تسي ىل بيلج، الثورة العربية الفلسطينية 1936-1939 (تعريب خليل عثامنة- عن العبرية)، القدس، مطبعة الشروق التعاونية، ص 1978، ص 20.
  59. الجامعة الإسلامية، يافا، 10/7/1935.
  60. سعيد حمادة، النظام الاقتصادي في فلسطين، بيروت: الجامعة الأميركية، 1937، ص 26-27.
  61. روز صايغ، الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع إلى الثورة (ترجمة خالد عايد)، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية 1980.
  62. وولتراين، الصندوق القومي اليهودي (ترجمة محمود زايد ورضوان مولوي)، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، جامعة الكويت، 1990، ص 80.
  63. صبري جريس، تاريخ الصهيونية، ج2، نيقوسيا، مركز الأبحاث، 1986، ص 280.
  64. المصدر نفسه، ص 242.
  65. أحمد سعد، مصدر سبق ذكره، ص 112.
  66. Palestine Statement of Policy. May 1939. Cmd. Gol. London P 10.
  67. P11.
  68. P12.
  69. الوقائع الفلسطينية، العدد 1239، تاريخ 24/9/1942- الأوامر الرسمية.
  70. فلسطين، يافا، 23/1/1935.
  71. جريس، تاريخ الصهيونية، مصدر سبق ذكره، 243.
  72. المصدر نفسه، 281.
  73. Report by his majesty’s Government of Administration of Palestine and Trans-Jordan for the Year 1939. P 85.
  74. Statistical Abstract of Palestine, Keren Hayssod, 1039. P85.

اقتصاديات فلسطين بين العرب واليهود، القدس، الوكالة اليهودية، 1937، ص27.

75British Palestine Government, The Royal Commission Report. Cmd, 5479, 1937, P127.

76 وولترلين، مصدر سبق ذكره، ص 67.

  1. المصدر ذاته.
  2. صبري جريس، تأسيس الوطن القومي اليهودي في ظل الانتداب، شؤون فلسطينية، العدد 97، كانون الأول (ديسمبر)، 1987، ص 33-67.
  3. جريدة الشمس، القاهرة 10/5/1954.
  4. Statistical Abstract of Palestine, 1944, P44.
  5. Government of Palestine, Survey of Palestine, Supplement, Jerusalem 1947, P 17-23.
  6. Statistical Abstract of Palestine, 1944, P44, P114.
  7. كيرن ميركورد، الصناعة اليهودية واعتمادها على الرأسمال الأجنبي 1922-1936، شؤون فلسطينية، العدد 17، كانون الثاني (يناير) 1973، ص 103.
  8. انظر مجموعة المناشير والأوامر والقوانين الفلسطينية، درايتون، قانون امتياز الكهرباء رقم (9) لسنة 1927، ص 707-719.
  9. درايتون، مصدر سبق ذكره، الصفحة  ذاتها.
  10. محمد عادل الجادر، مصدر سبق ذكره، ص 330.
  11. انظر المادتين 35-36 من حق الامتياز، درايتون، مصدر سبق ذكره.
  12. Government of Palestine, General Monthly Bolection of Current statistics of Palestine 1937 P38.
  13. مجلة الاقتصاديات العربية (القدس) عدد(7)، كانون الأول (ديسمبر) ص 9.
  14. مجلة الاقتصاديات العربية (القدس) العدد 535، 16/5/1929.
  15. مجلة الاقتصاديات العربية (القدس) عدد(7)، كانون الأول (ديسمبر) ص 15.
  16. انظر قانون حدود امتياز الحولة رقم (6) السنة 1938، الجريدة الرسمية، العدد 770، 24/4/1939.
  17. Great Britain. Parliamentary paper. League pf Nation, Mandate for Palestine, op. Cit. P11.
  18. محمد سليم، نشاط الوكالة اليهودية بفلسطين منذ إنشائها وحتى قيام دولة إسرائيل 1925-1948، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 90-92.
  19. المصدر ذاته، ص 89-90.
  20. أحمد سعد، مصدر سبق ذكره، ص 85.
  21. Esco Foundation. Vol 1. Op. Cit. P36.
    1. كلمة عبرية تعني النقابة، وكان الهستدروت الأول، هو هستدروت ارتز-إسرائيل أي منظمة عمال أرض إسرائيل.
  22. إبراهيم الجندي، سياسة الانتداب-الاقتصادية، مصدر سبق ذكره، ص 162-163.
  23. صبري جريس، تاريخ الصهيونية 1918-1939، الجزء الثاني، نيقوسيا: مركز الأبحاث، 1986، ص 122.
  24. غوجانسكي، مصدر سبق ذكره، ص 224.
  • باحث مقيم في رام الله.رئيس تحرير” شؤون فلسطينية”.
  • الويركو ضريبة كانت تجبى في العهد العثماني بموجب القانون الصادر في 5 آب (أغسطس) 1886 من أصحاب الأملاك بنسب متفاوتة وتصاعدية حسب قيمة العقار.

شؤون فلسطينية، العدد 248