[*]عبد الغني سلامة

 حين تأسست منظمة التحرير الفلسطينية في 1964، صاغت فلسفتها وأهدافها وغاياتها عبر “الميثاق القومي”.. وعندما انطلقت حركة فتح في العام 1965، وضعت لنفسها أهدافا خمسة محددة، أهمها تحرير فلسطين وعودة اللاجئين. وحددت أساليبها وأدواتها ومفاهيمها ورؤيتها لحل الصراع في “نظامها الداخلي”.. الأمر نفسه ينطبق على بقية الفصائل الوطنية، التي عبرت عن استراتيجياتها وتكتيكاتها في أدبياتها المختلفة..

لكن إدارة الصراع وخوض الكفاح الوطني لا يتم فقط من خلال إطار نظري أو رؤية فلسفية مهما كانت محكمة وشاملة، حيث أن من يعمل لا بد أن يصطدم بعقبات وعراقيل وأن يواجه تحديات لم تكن واردة في حسبانه، سيما في أرضية متحركة متغيرة على الدوام وتتداخل فيها عناصر وقوى خارجية عديدة، من هنا تبرز أهمية المراجعات والتقييمات الدورية، وضرورة وجود خط سياسي واضح ومتجدد، ورؤية بعيدة المدى، تنطلق من استراتيجية شاملة مبنية على أسس علمية، ومع ذلك، في سياق نضالها وعبر مسيرتها الثورية عقدت منظمة التحرير 20 مؤتمرا للمجلس الوطني الفلسطيني (أعلى سلطة تشريعية)، كما عقدت فتح ستة مؤتمرات حركية، وبالمثل، عقدت بقية الفصائل مؤتمراتها العامة.. والتي كانت بمثابة مراجعة وتقييم واستشراف للمستقبل وقراءة للواقع، وصياغة خط سياسي جديد يتناسب مع كل مرحلة.. ولكن تلك المؤتمرات والمراجعات وبالرغم من أهميتها لم تكن كافية، بل كانت في أكثر الأحيان مهرجانات انتخابية، أو تسمية أعضاء جدد للقيادة. وعليه يمكن المجازفة بالقول إن إدارة الصراع من الطرف الفلسطيني (رغم مرونته الظاهرة ومهارته الفائقة في إدارة التكتيكات والتغلب على كثير من العراقيل) كانت تتم بدون رؤية استراتيجية واضحة، وبدون تخطيط مسبق، بل كانت بالعموم مرتهنة بأشخاص معينين، وبطريقة الارتجال والمبادرة والتجريب وردود الأفعال، والتي كانت في كثير من الأحيان نوعا من التخبط.

وحتى حركة حماس، التي ظلت خارج إطار منظمة التحرير، هي أيضا لم تمتلك استراتيجية واضحة فيما يتصل بالشأن الوطني الفلسطيني؛ فهي أساسا أتت استجابة لتطور حدث خارجي هو الانتفاضة الأولى، فتحولت من حركة الإخوان المسلمين، إلى حركة حماس، وتغير موقفها التقليدي من رفضها لأي تسوية إلى قبولها بحل الدولتين، ثم تغير موقفها بشأن المشاركة في الانتخابات ودخول السلطة، تحت إلحاح المتغيرات التي جلبتها الانتفاضة الثانية، وكان توجهها لفرض سيطرتها على قطاع غزة نتيجة تطور حدث خارجي هو انسحاب إسرائيل من غزة بشكل أحادي الجانب، ثم رضخت للأمر الواقع بعد تغير المشهد السياسي الإقليمي فتخلت عن الحكومة وقبلت بحكومة “الوفاق الوطني”. بمعنى أن تغييرها لمواقفها وخطابها السياسي كان في كل مرة يأتي كرد فعل على تطور الأحداث المحيطة، أكثر منه تطوراً طبيعياً مبنياً على رؤية استراتيجية معلومة.

ولا شك أن غياب الاستراتيجية الواضحة عن نهج وأداء القيادة الفلسطينية على مدى العقود الماضية قد جلب نتائج كارثية على الشعب والقضية الوطنية، وكان من بين أهم عوامل التراجع والإخفاقات التي منيت بها الثورة الفلسطينية، والغريب أن الجماهير الفلسطينية التي تضم خيرة العقول والكفاءات والمفكرين، والقيادة السياسية صاحبة التجربة المريرة والخبرة الطويلة، لم تتوصل لصياغة استراتيجية شاملة بعيدة المدى، بحيث توجه الصراع بالاتجاهات الصحيحة، وتقرب ساعة النصر، أو على الأقل تقلل من حجم الخسائر.

الاستراتيجية، وأهميتها

استخدمت كلمة “الاستراتيجية” أصلا في المجالات العسكرية، وكانت تعني “فن إدارة المعارك لكسب الحرب وتدمير العدو وفق الخطة الكاملة للحرب والتى ترسم المسارات المختلفة للحملات وتنظيم المعارك”، ثم تطورت دلالاتها حتى أصبحت تعني “فن القيادة العسكرية في مواجهة الظروف الصعبة وحساب الاحتمالات المختلفة فيها واختيار الوسائل الرئيسة المناسبة لها”، أي أن الاستراتيجية تضع مخطط الحرب وتحدد التطور المتوقع لمختلف المعارك، وبالتالي هي “علم وفن توزيع واستخدام مختلف الوسائل العسكرية لتحقيق أهداف حددتها السياسة عن طريق القوة أو التهديد بها”. ثم تعددت تعريفاتها وفقا للمدارس الفكرية المختلفة، وحسب الظروف الزمانية والمكانية التي قيلت فيها، والأحداث التي انبثقت عنها، وليس هناك تعريف واحد جامع للاستراتيجية.[1] فمثلا يعرفها Pearce And Robinson بأنها “خطط مستقبلية شاملة طويلة الأجل تتعلق بتحقيق التوافق والانسجام بين البيئة التنافسية وقدرة الإدارة العليا على تحقيق الأهداف”. أو هي “مجموعة الأفكار والمبادئ التي تتناول ميدانا من ميادين النشاط الإنساني بصورة شاملة متكاملة، وتكون ذات دلالة على وسائل العمل ومتطلباته واتجاهات مساراته بقصد إحداث تغييرات فيه وصولا إلى أهداف محددة”، أو هي “مجموعة الأفعال التي تهدف إلى تحقيق الأهداف المرسومة”. ومجال الاستراتيجية هو المستقبل، لذا فإنها تأخذ بعين الاعتبار احتمالات متعددة للوصول إليه، وتكون قابلة للتعديل وفقا للمستجدات. وتحتل الاستراتيجية موقعا وسطا بين السياسة والخطة، وتُستخدم في الدراسات المعنية بأساليب التخطيط والتدبير والتنظيم.[2]

وترتبط الاستراتيجية عادة بالمرحلة التاريخية التي تنشأ فيها، ومن المفترض أن تتغير أو تتطور بتغير المرحلة ومعطياتها، ولذلك من وظائف الاستراتيجية تشخيص الوضع الراهن، وتحديد عناصره وعوامله الإيجابية والسلبية والعلاقات المباشرة وغير المباشرة بينها، وتحديد القوى والوسائل المتاحة، واختيار الأكثر ملاءمة من بينها، وتعبئة وحشد القوى والموارد اللازمة، وتنسيق استخدام العوامل والوسائل والظروف والقوى ووضعها فى منظومة واحدة مترابطة تحقق التكامل والتفاعل، مع مراعاة المواءمة مع المواقف المتغيرة وإبداء المرونة وفق الظروف المتجددة لتعزيز القدرة على الحركة.

ويشكل التفكير والتخطيط الاستراتيجي على مستوى السياسات العامة والوطنية أهم مرتكزات النصر (إن كانت الدول في حالة حرب)، والنجاح في تحقيق الأهداف التنموية الشمولية (إن كانت الدول في حالة سلم). ويعد التفكير والتخطيط الاستراتيجي نقيضين للقدرية السياسية والارتجالية والتخبط. وإعداد الاستراتيجيات عملية مركبة ومعقدة تحتاج عقولا نيرة ومتخصصين ومراكز أبحاثٍ ودراسات، ولا يستطيع شخص بمفرده مهما أوتي من حكمة أن يضع استراتيجية شعب بأكمله، خاصة في ظل ظروف عالمية وإقليمية ومحلية معقدة ودائمة التغير، وصراع عنيف مستمر منذ أكثر من قرن.[3]

هل هناك استراتيجية فلسطينية؟

على مدى سنوات الصراع أدى غياب التفكير والتخطيط الاستراتيجي لدى القيادات الفلسطينية لنتائج مدمرة، بدءا من استنزاف مقدرات الشعب البشرية والمادية في مواجهات وصراعات جانبية، أو في مواجهات فصائلية موسمية مع العدو أدت لسقوط ضحايا من قتلى وجرحى وتدمير بيوت وممتلكات دون تحقيق أي منجز وطني، وانتهاءً بالأزمة التي يمر بها المشروع الوطني برمته. حيث تبددت كثير من الجهود المخلصة، وضاعت تضحيات جسيمة أدراج الرياح، بسبب عدم وجود رؤية استراتيجية تجمع ما بين قدرات الشعب الفلسطيني وإمكاناته في الداخل والخارج، وبين الجهود الدبلوماسية والعمل السياسي مع المقاومة المسلحة التي تمارسها الفصائل الوطنية.

اليوم، ومع انسداد الأفق السياسي، وفشل خيار المفاوضات، وغياب الكفاح المسلح (لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا)، ومع ضعف المقاومة الشعبية وعدم تبني برامج حقيقية وفاعلة لها، ومع تعقد الظروف السياسية في الإقليم، تجد القيادة الفلسطينية نفسها في موقف حرج، تكاد تنعدم فيه الخيارات. وبسبب عدم وجود استراتيجية فلسطينية عليا متفق عليها، تبرز العديد من الطروحات السياسية التي قد لا تعبر بالضرورة عن رؤية واضحة، ولا تأتي بناءً على خيارات وطنية مدروسة، بقدر ما هي مفروضة؛ منها حل الدولة الواحدة على كل فلسطين التاريخية، أو فكرة الذهاب إلى مجلس الوصاية الدولي كخطوة على طريق الوصول إلى حل الدولة الفلسطينية، وهناك فكرة تسليم إسرائيل مسؤولية الاحتلال للأراضي الفلسطينية حسب اتفاقية جنيف الرابعة، وهناك فكرة حل السلطة، وهناك من ينادي بالعودة للكفاح المسلح، أو اعتماد المقاومة الشعبية السلمية، أو التركيز على النضال السياسي والدبلوماسي… لكن يبقى خيار حل الدولتين هو الخيار المعتمد رسميا، بالرغم من كل العثرات التي أطاحت به، وجعلت منه خيارا مستحيلا. وما تقوله القيادة في تصريحاتها المتواترة عن توفر جعبة محتشدة من الخيارات البديلة عن خيار المفاوضات، فإن هذه التصريحات لا تعْدو كونها نوعا من الخطاب التعبوي، أو مجرد تهديدات.

استراتيجيات متعددة

على ضوء تطور الخطاب السياسي الفلسطيني، وبنظرة سريعة على مسار الصراع ومجريات الأحداث في العقود الماضية، يمكن التوصل لنتيجة مفادها أن الخيارات السياسية الفلسطينية المطروحة (حاليا وسابقا) قد أتت دون رؤية علمية ناجمة عن عمليات عصف ذهني وتخطيط ودراسة؛ وجميع الخيارات التي تم اعتمادها بشكل أو بآخر، أو تلك التي مثّلت الخيارات المتاحة والممكنة ضمن الوضع الراهن؛ لم تحظَ بإجماع وطني، ومن ناحية ثانية كان يبرز بعضها بقوة في مرحلة ما، أو يغيب بعضها الآخر، تبعا لتطور الأحداث. وأحيانا كانت تتعارض هذه الخيارات فيما بينها على نحو مربك. ومن أبرز هذه الخيارات:

  1. استراتيجية الكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد:

مثّلت عقيدة العمل العسكري والكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد لدى فتح وفصائل منظمة التحرير حجر الزاوية في إطار رؤيتها لحل الصراع، واعتبرته وسيلة هامة لإشغال العدو وتعبئة طاقات الجماهير، وقد جربت الفصائل الفلسطينية كافة أشكال العنف المسلح، من العمليات الفدائية، وخطف الطائرات، إلى الاشتباكات المباشرة، والعبوات الناسفة، وحتى المواجهة العسكرية المفتوحة، وفي الانتفاضة الثانية خاضت الفصائل الوطنية وقوى الأمن مواجهات مسلحة مباشرة مع جيش الاحتلال، إلى جانب العمليات التفجيرية داخل الخط الأخضر، وفي الحروب الثلاثة التي تعرضت لها غزة جربت قوى المقاومة تكتيكات الأنفاق والكمائن والصواريخ محلية الصنع.

ومع كل هذا؛ لم يؤدِّ العمل العسكري إلى النتائج المطلوبة؛ لأسباب موضوعية، وأخرى تتعلق بأخطاء تكتيكية. اليوم يواجه الكفاح المسلح أزمة مستعصية، جعلت منه خيارا شبه مستحيل؛ فقد كان الكفاح المسلح خيارا ناجحا وفاعلا في زمن الحرب الباردة، وعندما كانت الفصائل الوطنية (المسلحة) في الخارج، وكان لدى دول الطوق استعداد لتأمين الحماية للفلسطيني، ثم تراجع الكفاح المسلح، ليس بسبب ضراوة الهجمات الإسرائيلية وحسب؛ بل بسبب حدوث مواجهات مع الأردن وسوريا ولبنان، حيث صار العدو الإسرائيلي يضرب الدول التي ينطلق منها العمل المسلح، وبالتالي لم تعد هذه الدول تتحمل استمرار هذا الوضع، وبدلا من الرد على إسرائيل توجهت لضرب الفلسطيني، لأنه حسب هذه الدول فإن الكفاح المسلح يورطها في حرب لا تريدها!

وحتى يتمكن الكفاح المسلح من إحداث التغيير، يحتاج جملة من الشروط الذاتية والموضوعية أهمها توفر الدعم اللوجستي من دول المحيط، أو من دولة واحدة على الأقل، وتوفر حلفاء دوليين بمقدورهم تحقيق معادلة سياسية كونية فيها قدر من التوازن السياسي الدولي والإقليمي، ومثل هذه الشروط غير متوفرة بالمطلق، بل إن الوضع الإقليمي والدولي والمحلي يشكل عقبة حقيقية تمنع إمكانية اعتماد الكفاح المسلح. وهذا يعني أن تبني الكفاح المسلح ضمن المعادلة السائدة حاليا بات أمرا متعذرا، سيما وأن السلطة الوطنية وكافة مقومات النظام السياسي الفلسطيني ما هي إلا نتاج اتفاق سياسي وتوافق إقليمي ودولي، وبالتالي فإن الكفاح المسلح ستكون له تبعات وأكلاف ليس بمقدور الشعب تحملها، وليس هناك أي ضمانات أو حتى مؤشرات على نجاحه، أو تحقيقه لأي منجزات سياسية.

وفي سياق متصل، من الواضح أن الحروب التي شنت على غزة، قد حطمت آمال الناس، وتركت وراءها آلاف الجرحى وأصحاب الإعاقات الدائمة، وآلاف الأيتام، وعشرات الآلاف من الأسر التي فقدت بيوتها وخسرت ممتلكاتها، ودمرت الاقتصاد المحلي والبنية التحتية للقطاع، وجعلته يغرق بالأزمات المتلاحقة والمركّبة حتى بات العيش فيه مستحيلا، ما يعني أن غزة لا تحتمل أي حرب جديدة.

  1. المقاومة الشعبية السلمية:

إذا كان الكفاح المسلح غير ممكن حاليا؛ فإن المقاومة الشعبية هي البديل الصحيح. لأنها أكثر تأثيراً على واقع الصراع من المقاومة المسلحة، ولأنها النمط الوحيد من المقاومة القادرة على التعايش مع مفهوم المفاوضات، والتي تستطيع توفير عوامل القوة والدعم للمفاوض الفلسطيني، ولأنها كانت على الدوام الأقل تكلفة على الشعب، حيث يستمر معها إيقاع الحياة الطبيعية (المدارس، الخدمات الصحية، التنمية الاقتصادية، النمو العمراني..) ويبقى الأمن المجتمعي إلى حد ما مستقرا، مع تكبيد العدو خسائر سياسية ومعنوية مهمة. بينما كانت جولات الصراع المسلح توقع عشرة أضعاف عدد الشهداء، وتلحق دمارا هائلا في المجتمع على كافة الأصعدة، من دون نتائج وإنجازات سياسية، بل إن أهم إنجازات إسرائيل السياسية وأخطرها حققتها خلال انتفاضة الأقصى وخلال حروبها على غزة، أي في ذروة العمل المسلح.

بيد أنه لا يبدو واضحا إذا كان خيار المقاومة الشعبية هو نهج فتح الجديد، وأنه مبني على خطة استراتيجية ورؤية واضحة، أم هو خيار لتيار في فتح؟ الأمر نفسه ينسحب على بقية الفصائل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حماس والجهاد الإسلامي لم تعتمدا هذا الخيار حتى اللحظة. القيادي في فتح د.”نبيل شعث” أوضح أن التوجه الفلسطيني الآن هو استخدام اللاعنف في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وحسب رأيه، فإن النضال اللاعنيف ليس اختراعا جديدا أو شاذا، بل هو خيار جاء من معاناة ومن ممارسة طويلة لها جذورها، ويضيف قائلاً: “المرحوم “فيصل الحسيني” كان يقول دوما عندما تواجه بطلا في الملاكمة وتتاح لك فرصة اختيار السلاح في المواجهة من الخطأ القاتل أن تختار الملاكمة، لأنه سيسحقك حينها بكل تأكيد، بل تختار أسلوبا آخر كالشطرنج مثلا، لأنه في الشطرنج من الممكن أن تنتصر بينما في الملاكمة لا يمكنك ذلك، لأنك تعطيه الفرصة لاستخدام أقوى سلاح لديه ضد أضعف سلاح لديك، بينما في الشطرنج يحدث العكس، فلذلك النضال غير العنيف مبني على حسبة وعلى فلسفة وتجربة لها تاريخ”. وهنا يوضح د.”شعث” بأنه في برنامج فتح الذي أقره المؤتمر الحركي السادس ثمة نصوص واضحة تتبنى برنامج المقاومة الشعبية، (إلى جانب الحراك الدولي، والسعي لتحقيق الوحدة الوطنية، وبناء المؤسسات والإعداد للدولة)، فهو برنامج متكامل يحتوي على هذا كله، وهو مبني على تحليل القيادة بأن المفاوضات لم تعد مجدية، لأن العدو يستخدمها كذريعة لتوسيع الاستيطان.[4]

  1. الانتفاضة الشعبية

مع تزايد انتهاكات الاحتلال وممارساته العدوانية تولدت قناعة لدى شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني أن إطلاق انتفاضة شعبية هو الرد الطبيعي على استمرار الاحتلال، والرد الأمثل على حالة الركود السياسي، والبديل الوطني عن المفاوضات.

وفي المقابل؛ ثمة رأي وطني مفاده أن الانتفاضة الأخيرة كلفت الفلسطينيين الكثير؛ سواء في عدد الشهداء الكبير، أم في عدد الجرحى والمعوقين، وما ترتب على ذلك من مآسٍ اجتماعية فاجعة، أم في تدمير البنية التحتية وتدمير الاقتصاد والخسائر المادية الفادحة، أم في الفوضى الأمنية والفلتان الذي ترافق معها، أم في الخسائر السياسية الباهظة وأبرزها تكثيف الاستيطان، وبناء الجدار، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي، وتهويد القدس وإغلاق المؤسسات الفلسطينية فيها.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن الفصائل الفلسطينية وقعت في خطأ قاتل أثناء الانتفاضة الثانية، هو عسكرتها منذ وقت مبكر، الأمر الذي أدى إلى تحييد الجماهير الشعبية، وإخراجها من ميدان المواجهة، وبالتالي تمكنت إسرائيل من التحكم بشكل شبه كامل في مجريات الأحداث، فحققت من خلالها إنجازات خطيرة؛ فيما كان الفلسطينيون في موقع رد الفعل، والمتلقي للضربات، وفي النتيجة كانت الانتفاضة وبالاً سياسيا بمقاييس كثيرة.

وحتى لو استفاد الفلسطينيون من التجارب والأخطاء السابقة، وحتى لو تمكنوا من إطلاق انتفاضة شعبية خالية من الأخطاء؛ فإن الظرف السياسي الإقليمي والدولي لا يخدمهم في هذه المرحلة، بل على العكس، فبسبب انشغال الدول العربية بتبعات وتداعيات ما سمي بالربيع العربي، وبسبب حالة الفوضى والصراعات الداخلية التي تعيشها بعض الدول المهمة خاصة مصر وسورية والعراق، فإن الأنظمة العربية لن تقدم أي مساعدة لا سياسية ولا مادية للفلسطينيين، وستتركهم لمصيرهم.. وهذا الأمر ينطبق إلى حد ما على المجتمع الدولي، وبالتالي فإن إسرائيل ستجد في الانتفاضة فرصة لتصفية حساباتها وتنفيذ مخططاتها تحت غطاء دفاعها عن النفس، وستتفرد بالفلسطينيين دون أي رادع لا دولي ولا عربي.

وبخصوص الهبة الجماهيرية الأخيرة التي انطلقت مع أول تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، يمكن القول بأنها لم تتمكن من تحريك المجتمع الدولي، أو إجبار الإدارة الأميركية على أن تتصرف وتأخذ موقفا جديا، أو إحداث اختراق في الموقف الإسرائيلي، بل إنها حتى لم تحرك الجماهير العربية؛ إلا أن هذا كله لا يقلل من أهميتها؛ إذ أنها بهذه الوتيرة السلمية المتصاعدة، وبامتلاكها روح الإصرار والتحدي والبطولات الفردية، وبتقديمها كل هذه التضحيات، من المفترض أن تلتقط الفصائل الوطنية والقيادة السياسية الفرصة السانحة، وتعمل على تحويلها إلى “انتفاضة استنزاف”، على غرار حرب الاستنزاف التي تجري عادة بوتيرة أقل من الحروب التقليدية، ويتجنب فيها الطرفان استخدام كافة عناصر قوتهم، الأمر الذي يقلل من حجم الخسائر.

  1. خيار المفاوضات:

المفاوضات عبارة عن أسلوب قديم حديث مورس تاريخيا لحل الصراعات، وتقتضي عادة وجود طرفين يقومان بالتفاوض من أجل تحقيق أهداف عجزا عن تحقيقها بالوسائل الأخرى، وبالتالي عليهما الوصول إلى نقطة ما في الوسط، وقد تكون المفاوضات أسلوبا لكسب الوقت تعطي أحد الطرفين أو كليهما هامشا من المناورة لتحقيق مكاسب معينة. وهنالك علاقة مباشرة على درجة كبيرة من التأثير المتبادل بين المفاوضات والمقاومة، واعتبار أن المفاوضات وحدها أو المقاومة وحدها استراتيجية ناجعة هو اعتبار خاطئ من حيث المبدأ. والفصل الحاد بين المفاوضات والمقاومة إلى حد القطيعة إنما هو أسلوب دوغمائي وعدمي تلجأ إليه عادة الجهة التي تعتمد أحد الأسلوبين دون الآخر.[5]

وقد جربت القيادة الفلسطينية المفاوضات سنين طويلة دون طائل، والنتيجة أنها كانت تعود في كل مرة إلى المربع الأول، وهنالك مقولة شائعة يرددها المحللون مفادها أن الاستراتيجية الفلسطينية اعتمدت المفاوضات وحدها عشرين سنة، وكانت النتيجة صفر، والحقيقة التي أغفلتها هذه المقولة، هي أن الفلسطينيين قد خاضوا الصراع بأسوأ طريقة ممكنة؛ فبسبب التنافس والصراع بين الطرفين (المقاوم والمفاوض) لم يكن هنالك أي تنسيق أو تناغم أو تكامل بين العمل العسكري وبين العمل السياسي، فلم يأخذ أي منهما فرصته؛ بل كان كل طرف يعطل على الآخر.

وفي واقع الأمر بعد مفاوضات مدريد وأوسلو وطابا، وبعد الاتفاق الانتقالي الذي وقعه عرفات مع رابين لم تحدث بعدها أي مفاوضات ناجحة على الإطلاق، (بما في ذلك اتفاق واي ريفر 1998)، وقد تفاوض الطرفان في الفترة بين 1996 لغاية 2000 إلى أن انتهت بفشل مفاوضات كامب ديفيد (تموز 2000) ومفاوضات طابا (كانون الأول 2000)، انتهت كلها دون نتائج، ودون إنجازات، وأصبحت المفاوضات عبئا ثقيلا، تُستخدم لثني الفلسطينيين عن استخدام أي وسيلة نضالية أخرى في مواجهة الاحتلال، حيث أن خطاب الضمانات الأميركية الذي قدمه وزير الخارجية الأميركي “جيمس بيكر” عشية مؤتمر مدريد (1992) يمنع التوجه لمجلس الأمن وتقديم شكوى ضد إسرائيل طالما أن الطرفين اختارا المفاوضات كأسلوب للتوصل إلى حل.

ليس غريبا أن تعتمد القيادة السياسية خيار المفاوضات (رغم أنها متوقفة)، طالما أنها ستؤدي في النهاية إلى تحقيق الأهداف بأقل قدر من الخسائر؛ لكن الغريب أن تتمسك بها وتسقط أو تتخلى عن الخيارات والبدائل الأخرى، فهذا النهج أدى إلى هذا الوضع المزري، وأدى إلى إضعاف قوة المفاوض الفلسطيني، خاصة مع ضعف الدعم العربي، ومع سياسة الانحياز الأميركية المكشوفة، والتي عادة ما تستسهل الضغط على الطرف الأضعف (الفلسطيني). وفي المحصلة، استغلت إسرائيل المفاوضات لإكمال مخططاتها الاستيطانية وفرض الحقائق بالقوة على أرض الواقع، وبات خيار المفاوضات (وحدها) خيارا فاشلا، بل موضع تندر.

  1. النضال السياسي والدبلوماسي:

تحظى القضية الفلسطينية بأهمية سياسية كبيرة ليس على مستوى الإقليم وحسب، بل على مستوى العالم بشكل عام، وذلك لأن إسرائيل في الأساس عبارة عن مشروع سياسي نشأ وترعرع في الساحة الدولية، ما يعني أن حل القضية يتطلب توافقا دوليا، وبالتالي فإن الخصوصية الدولية للقضية الفلسطينية ستُكسِب العمل السياسي أهمية قصوى، ولكنها من ناحية أخرى ستقيّد هذا العمل بالقوانين الدولية، وستخضعه لحسابات موازين القوى العالمية.

وتكمن أهمية العمل السياسي وقوته في انسجامه مع الشرعية الدولية، وفي إمكانياته الهائلة في إحداث تغييرات كبيرة على المعادلة السياسية، والضغط على إسرائيل. وقد ظل العمل السياسي والدبلوماسي ركنا هاما في النضال الوطني منذ نهاية الستينات، وحتى الآن، بهدف تجميع قوى عالمية وبناء تحالفات تخدم القضية، سواء لتجنيدها في معارك الأمم المتحدة، أو للحصول على اعتراف دولي بالحقوق الفلسطينية (مع أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين لن ينهي الاحتلال، لكنه سيصعب المهمة على إسرائيل، وسيقرب الفلسطينيين أكثر من تحقيق أهدافهم الوطنية)، أو بهدف فضح ممارسات إسرائيل، وتعبئة الرأي العام العالمي ضدها، وتطوير الموقف الدولي إلى الحد الذي يجعله يكرر ما فعله مع دولة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حين أسفرت العقوبات الدولية وسياسة العزلة التي فرضتها على الدولة عن إنهاء حكومة الفصل العنصري.

والمشكلة، أن إسرائيل ممعنة في تحديها الشرعية الدولية، والمجتمع الدولي لا يضغط عليها، والدول العربية لا توظف ثقلها السياسي والاقتصادي لصالح القضية؛ ومن ناحية ثانية فإن الدول الغربية لا تدفع أي ثمن عندما تتخذ مواقف مؤيدة لإسرائيل، أو عندما تتغاضى عن الحقوق الفلسطينية، وهذا كله يضعف من فاعلية الحراك السياسي الفلسطيني. لذلك، فإن الحراك السياسي مهما كان ذكيا، لن يكون مؤثرا ما لم تسنده قوة شعبية فلسطينية على الأرض وقوة سياسية عربية على الساحة الدولية، وهذان الأمران غير متحققين بالقدر الكافي.

  1. خيار حل الدولتين:

على مدى نحو ربع قرن، تمحور الحراك السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، على أساس “حل الدولتين”، والذي سيتحقق، عبر المفاوضات. وبالرغم من تولد قناعات لدى القيادة بأنّ هذا الحل لم يعد ممكنا، بسبب السياسات الاستيطانية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع التأييد الشعبي له، إلا أنه ظل الحل المفضل لدى القيادة، فحتى الآن ما زال الموقف الفلسطيني الرسمي المطروح هو حل الدولتين، معبرا عنه بقرارات اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي، واللجنة المركزية لحركة فتح، وكل التنظيمات الأخرى، حيث ما زال السعي للوصول إلى دولة مستقلة على حدود الـ67 وعاصمتها القدس مع حل قضية اللاجئين، هو الموقف القائم حاليا والذي لم يتغير.

وفي هذا الصدد، في مواجهة واقع فشل حل الدولتين، والخيارات المتاحة كتب القيادي الفلسطيني “أحمد قريع”: “إزاء تفاقم المصاعب الحقيقية، وضآلة الخيارات المتاحة، وتغير البيئة السياسية المحيطة، واشتداد المخاطر المحيقة بالمصير الفلسطيني، يبدو أنه لا مفر أمامنا من محاولة الخروج، مرة إثر مرة، من هذا النفق المظلم، والكف عن التعلق بالأوهام الساذجة، والافتراضات العتيقة، والرهانات المعلقة في سماء بعيدة، والمكابرات التي لا طائل من ورائها، ومن ثم الشروع في إجراء حوار داخلي شامل يبدأ على شكل عصف فكري في الدوائر الصغيرة، قبل أن يتم عرضه إلى نقاش وطني أشمل، نتوصل فيه بعد حين قد لا يطول، إلى وجوب إحداث استدارة كاملة عن حل الدولتين بعد أن تعطلت آلياته وفقد مقوماته، والتحول من ثم إلى خيارات بديلة، وأساليب عمل جديدة، وخطط وبرامج كفاحية مختلفة”.[6]

  1. حل الدولة الفلسطينية الديمقراطية:

سبق أن قدمت حركة فتح في العام 1968 حلا سياسيا شاملا للقضية الفلسطينية عبرت عنه بحل الدولة الفلسطينية الواحدة على كامل أراضي فلسطين التاريخية، التي يعيش فيه الفلسطينيون ومن يرغب من اليهود تحت سيادة دولة واحدة ديمقراطية يحكمها قانون المواطنة. وطبعا قوبل هذا الحل من قبل إسرائيل بالرفض المطلق، وحتى أن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة (1971) الذي طُلب منه اتخاذ موقف من مشروع الدولة الديمقراطية لم يتطرق إليها، كما لو أنه طوى هذا الملف وأغلقه قبل أن يتحول إلى برنامج سياسي، وهكذا تراجع هذا الحل لصالح البرنامج المرحلي (1974).[7]

  1. حل الدولة الواحدة:

حول حل الدولة الواحدة ثنائية القومية، أوضح د.”شعث” أن ما يدور من حديث عنها عبارة عن أفكار للضغط على إسرائيل للقبول بحل الدولتين، وعندما يتم الحديث عن حل الدولة الواحدة فالمقصود به حديث عن دولة إسرائيل، وليس حديثاً عن دولة فلسطينية، بمعنى أن فكرة فتح الأساسية للدولة الواحدة كانت تتحدث عن دولة ما بعد التحرير، أي بعد تفكيك المشروع الصهيوني والانتصار على إسرائيل وتحرير كل الأرض الفلسطينية من الاحتلال، بعدها نقيم الدولة الواحدة الديمقراطية التي يعيش في ظلها اليهود كمواطنين، وقد كان هذا يمثل حل إنسانيا لمشكلة الوجود اليهودي، الآن وبعد إخفاق الفلسطينيين في تحرير 22% من الأرض لم يعد ممكنا الحديث عن هذا الحل، فالمطروح الآن هو توريط إسرائيل بهذا الحل، أي القول بأننا لم نعد نريد دولة فلسطينية، بل نريد مواطنة بحقوق كاملة في دولة إسرائيل، أي أننا نطالب بالتصرف كما لو أننا في جنوب إفريقيا، وأن إسرائيل تمثل دولة أبارتهايد، ونحن أصحاب البلاد الأصليين وأنتم محتلون، وبالتالي يتحول الصراع إلى صراع مضاد للفصل العنصري (Antiapartheid)، أي أن من يتحدث عن حل الدولة الواحدة هو عمليا لا يمتلك مشروعاً لهذا الحل ولا هو قادر على تنفيذه، بل لديه مشروع توريط إسرائيل بهذا الحل من خلال مطالبتها بالدولة الواحدة وبالمواطنة الكاملة، وبالتالي يكون هذا تهديداً وليس مشروعاً، وأكثر من كتب عن هذا هو “جون بوتويك”، الذي قال إذا كنت تريد دولتين طالب بدولة واحدة، حيث أن إسرائيل ستخاف من المشكلة الديموغرافية مما يؤدي لقبولها بحل الدولتين.

وبالطبع ترفض إسرائيل بشدة هذا الحل، لأنه يهدد هوية دولة إسرائيل، ويلغي طبيعة الحركة الصهيونية، ويفقدها مبررات وجودها، بل ويخلق لها أزمة جديدة، هي مشكلة التوازن الديمغرافي؛ فالآن عدد الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية مساوٍ لعدد اليهود، وإذا ما استمر الوضع كما هو عليه الآن فإنه بعد عشرين سنة سيكون للفلسطينيين الأغلبية المطلقة في هذه الدولة، وبالتالي يكون هذا التهديد بما يخيف إسرائيل فعليا، وهو بالتالي مشروع نضالي لتغيير نمط الصراع من نمط إنهاء الاحتلال من جزء من الأرض الفلسطينية إلى نمط طلب المواطنة في دولة إسرائيل على أمل الانتصار عليها عبر تغير المعادلات الديمغرافية والجغرافية والسياسية والقانونية بعد سنوات، وهي ليست بديلا يخطَّط له كما يخطَّط للدولة الفسطينية المستقلة، ولهذا فإن كل هذه الأفكار والمقترحات هي بدائل تطرح أشكالا جديدة ومختلفة من النضال السياسي في وجه استمرار الاحتلال، واستمرار حرمان الشعب في حقه في تقرير مصيره.[8]

خلاصة أولية

الحالة المزرية التي وصلت إليها القضية الفلسطينية سببها الارتهان لخيار المفاوضات، وإهمال الخيارات الأخرى، ووضع كل البيض في سلة التسوية، وقد فشلت المفاوضات في التوصل لأي نتيجة مُرضية بسبب ضعف الحالة الفلسطينية من جهة، وتعنّت الموقف الإسرائيلي ومراوغته من جهة ثانية، خاصة وأن الكفاح المسلح بات خيارا صعبا، وخيار الانتفاضة الشعبية الشاملة في هذا التوقيت، أي في ظل الموقف الإقليمي والدولي المعقد والصعب، وبسبب الانقسام سيكون خيارا خاطئا، والمقاومة الشعبية بهذه الطريقة لن تكون كافية، فقد ظلت محصورة في مناطق معينة (القرى الحدودية)، ولم تحقق سوى إنجازات رمزية وإعلامية، مثل إجبار الإسرائيليين على تقليص الأراضي المصادرة، أو تعديل مسار الجدار أو منعه في مناطق معينة، أو على صعيد زيادة الوعي الدولي لواقع الاحتلال.[9]

والخيارات المتاحة أو المفروضة على الفلسطينيين أخذت تتقلص شيئا فشيئا: خيار حل الدولتين أفشلته إسرائيل بسياسة الاستيطان، وأفشلته أميركا بانحيازها السافر لإسرائيل، وخيار حل الدولة الواحدة لا يعدو أكثر من كونه وسيلة صغط على إسرائيل والمجتمع الدولي للنظر للاحتلال بوصفه نظام أبارتهايد.

وعلينا أن نقر بأن التغيرات التي حصلت في فتح (وكذلك بقية الفصائل)، كما يقول الباحث “ماجد كيالي” لم تكن كلها استجابة لسياقات التطور الطبيعي، ولم تأتِ في سياق التكيف الاضطراري مع التحولات المتولدة فيها، أو المحيطة بها، وإنما هي تغيرات ناجمة عن طبيعة نكوصية، أو تراجعية، وهي تغيرات لم تحصل بضغط العوامل الخارجية الموضوعية فقط، وإنما حصلت أيضا بفعل عوامل ذاتية، ناجمة عن ثقافة معينة وبنى وعلاقات قامت عليها، أو انزاحت إليها هذه الفصائل.[10]

وأمام الحالة الفلسطينية التي لم تشهد تراجعا مشابها منذ عقود طويلة، حيث الانقسام، وتآكل الشرعيات، وتغييب دور منظمة التحرير، وتعطيل مشاريع إصلاحها وتفعيلها، وغياب البرامج الوطنية الثورية، وضعف الموقف الشعبي الذي سببه ضعف أداء القيادة.. أمام هذا كله، تبرز الحاجة الملحة أكثر من أي وقت سابق لتبني استراتيجية فلسطينية شاملة، تعمل على استنهاض كل عناصر القوة الفلسطينية، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، ووضع الأمور في نصابها الصحيح. فالحالة الفلسطينية ليس أمامها سوى مسارين: إما النهوض أو الأفول، ويتوقف الذهاب باتجاه أي من هذين المسارين على ما تفعله، أو ما لا تفعله الفصائل الفلسطينية، وبشكل خاص حركة فتح.

خطوط عريضة لاستراتيجية فلسطينية

أي استراتيجية وطنية لا بد أن ترتكز على فكرة مواصلة الكفاح، بحيث إذا أخفق مسار كفاحي معين، يتوجب تبني مسار بديل، وعدم النكوص والتراخي بأي شكل، وأن يتأسس الكفاح الوطني على فكرة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وممارسة كافة أشكال المقاومة الشعبية، والنضال ضد كل تجليات الاحتلال والعنصرية، وأن يتواكب النضال داخل الأرض المحتلة (وأيضا داخل الخط الأخضر) في مسارات موازية ومتصلة مع النضال خارجها، أي في المنافي والشتات.

فإذا كان الهدف المعلن لفلسطينيي الأرض المحتلة هو إقامة دولة مستقلة، وكانت مطالب فلسطينيي الداخل هي المساواة، ومطالب فلسطينيي الشتات هي العودة؛ فإن الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة، يجب أن تتضمن هذه الأهداف العادلة، وتصوغ برامجها الكفاحية على أساسها، بحيث تحافظ على وحدة الشعب، لأن تهميش أي فئة من الشعب الفلسطيني داخل أو خارجه ستؤدي إلى تقويض الهوية الوطنية، كما أن التركيز على هدف الدولة، أو اختزال الشعب الفلسطيني بفلسطينيي الأرض المحتلة، يعني إزاحة سردية النكبة أو تغييبها بكل ما تحمله من معانٍ ودلالات وطنية وسياسية، لصالح سردية النكسة وما نشأ عنها من أطروحات لتسويات سياسية منتقصة. أي تصويب المسار الذي اتخذته السلطة حين همشت دور منظمة التحرير، بإعادة الاعتبار للمنظمة لما تمثله من كيانية سياسية جامعة وموحدة، ووطن معنوي لكل الشعب الفلسطيني.[11]

كما يجب على الاستراتيجية الفلسطينية أن لا تفقد بوصلتها في سياق كفاحها لبناء الدولة المستقلة، بحيث تحافظ على طبيعة الصراع ضد إسرائيل بوصفها كياناً استعمارياً عنصرياً معادياً للإنسانية، تأسس على أسطورة دينية، وفي الوقت نفسه تواصل كفاحها لبناء المجتمع الفلسطيني وتنمية كيانه السياسي بكل متطلباته الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية. وهذا يعني ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وتطوير مكوناته الذاتية (المنظمة، والسلطة، والمجتمع المدني)، ويعني أيضا مواصلة الكفاح لتحرير الإنسان نفسه بالتزامن مع تحرير الأرض، وضرورة المزاوجة بين مفاهيم التحرير والحرية، وبين الحرية والعدالة، وبين الحرية والديمقراطية.

كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن أي استراتيجية وطنية لا تُشرك الجماهير الشعبية بها، وبشكل خاص الشباب والمرأة، ستظل قاصرة ومعزولة عن محيطها الشعبي.

وعند الشروع بصياغة استراتيجية فلسطينية شاملة، وهي مهمة وطنية ملحة، ينبغي أولا حسم مسألتين هامتين، وتحديد ماهيتهما بدقة، لأن الاستراتيجية بأكملها ستبنى عليهما، وهما الأهداف والوسائل.

أولاً: الأهداف:

لا شك بأن الهدف الأسمى لأي فلسطيني هو تحرير كل فلسطين، ولكن في عالم السياسة لا مكان للأحلام، إلا بالقدر الذي تستطيع فيه تحقيقه (جزئيا أو كليا)، ولما كان تحرير فلسطين وتصفية الكيان الصهيوني يتطلب تجييش الأمتين العربية الإسلامية، وإحداث تغييرات جذرية في المعادلة السياسية الدولية، وفي بنية النظام الدولي، وتغيير الأنظمة القائمة، وبناء تحالفات جديدة؛ فإننا أمام واقع مختلف كليا؛ واقع يجعل من انتظار هذا الأمر ضربا من العبث والوهم؛ وطالما أن هذه الشروط خارج حدود القدرات الفلسطينية، بالتالي كان لا بد من التحرك في ضوء ما تسمح به موازين القوى والمعادلات السياسية التي تحكم العالم، أي التحرك وفق الحدود التي يسمح بها المجتمع الدولي، ولكن بواقعية ثورية وسياسية. وهنا، سيكون أمام الفلسطينيين خياران:

  1. مواصلة النضال من أجل بناء دولة فلسطينية مستقلة على حدود الـ67، خالية من المستوطنات وعاصمتها القدس، وضمان حل عادل لقضية اللاجئين، وهو ما يعرف بحل الدولتين، وهو الحل الوحيد المطروح حاليا، على الأقل على المستوى الإعلامي، بيد أنه وحتى هذه اللحظة، ورغم كل علامات الموت السريري لمشروع حل الدولتين، ورغم تعثر المفاوضات واصطدامها بحائط التعنت الإسرائيلي، إلا أن مختلف الأطراف تتجاهل هذه الحقيقة، ليس لأنها لا ترى بوضوح؛ بل لأن الإقرار رسميا بموت حل الدولتين يعني البدء بالبحث عن بدائل، وهو ما لا تريده كافة الأطراف.
  2. التوقف كليا عن أطروحات حل الدولتين، بعد تبين فشل هذا الخيار، والتوجه لخيار الدولة الواحدة، وهذا يتطلب تبني نهج نضالي مختلف، يفضي إلى التحرر من فكرة حصر الكفاح من أجل تحرير الأرض، إلى الكفاح من أجل انتزاع الحقوق، لضمان التطابق بين وحدة القضية ووحدة الأرض ووحدة الشعب، وبدلا من النضال من أجل إقامة دولة على جزء من فلسطين، النضال من أجل دولة واحدة على كل الأرض الفلسطينية، أي دولة ديمقراطية علمانية لكل مواطنيها، وطرح هذا التحدي على إسرائيل، وعلى العالم.[12]

ثانياً: الأساليب

على ضوء ما تقدم، ليس أمام الفلسطينيين من خيار سوى مواصلة الكفاح، ولكن، بالاستفادة من التجارب السابقة، أي تجاوز الأخطاء القاتلة التي مورست سابقا، سواء في الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية، أم في المفاوضات؛ بالنسبة للمفاوضات ينبغي بداية حسم الموقف منها، والإجابة على السؤال: هل الأزمة في مسار المفاوضات وتكتيكاته المتبعة؟ أم في الخيار التفاوضي نفسه؟ فإذا كانت الأزمة في المسار والتكتيكات، فيمكن تحسين الشروط والأداء، أما إذا كانت في الخيار نفسه، فينبغي التوقف كليا عن هذا التوجه، والبدء فورا بتبني خيارات استراتيجية مختلفة كليا.

وإذا كان الجانب الفلسطيني مُجبرا أو مضطرا للعودة للمفاوضات؛ فعليه اشتراط إجراء تغييرات جذرية في هذا المسار، كأن يتمسك بالمرجعية الدولية، وأن تتحول أميركا من دور المراقب والشاهد إلى دور الشريك، وأن تتخلى عن انحيازها لإسرائيل، وإعطاء دور أكبر وفاعل للرباعية الدولية، وأن تحصل مسبقا على اعتراف دولي (أو أميركي) بالدولة الفلسطينية بحدود الرابع من حزيران، وأن تسير هذه المفاوضات وفق جدول أعمال معين وبسقف زمني محدد ومنضبط لرقابة دولية، وحتى لو تعذرت الاستجابة لهذه الشروط على الفلسطينيين التمسك بموقف حازم. وحينها يمكن التوجه لكسر خيار المفاوضات المباشرة الثنائية والتحول إلى مسار المفاوضات الجماعية للحل الإقليمي الشامل على قاعدة المبادرة العربية للسلام.[13]

وفي حال فشل هذه الخيارات، يمكن اللجوء لتكتيكات بديلة؛ مثل خيار التدويل، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والسياسية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، يفضي إلى إنهاء الاحتلال، كما حدث في ناميبيا وكوسوفو. أو التوجه لمجلس الأمن (أو الجمعية العامة) لاستصدار قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإلزام إسرائيل بإنهاء الاحتلال، أو عقد مؤتمر دولي لإقرار حل وتسوية عادلين على قاعدة الشرعية الدولية، أو حل السلطة الوطنية في إطار خطة منسقة مع جامعة الدول العربية والرباعية الدولية والتوجه إلى الأمم المتحدة بطلب وضع الأراضي الفلسطينية تحت نظام الوصاية الدولية.[14]

هذه خيارات ممكنة، ويجب أن تدعم ببرامج سياسية عملية لإخراجها من هامش التهديد إلى حيز الفعل إذا لزم الأمر، ولكن قبل ذلك، وبالتوازي معه، المطلوب من حركة فتح، والتي هي الآن أمام فرصة تاريخية، تصويب مسارها، واستعادة مكانتها الريادية في الكفاح الفلسطيني، وعليها إنهاء خلافاتها الداخلية، وعقد مؤتمرها الحركي، لتخرج ببرنامج كفاحي مقاوم يرتقي إلى مستوى الأحداث، ويليق بإرثها النضالي، ثم بعد ذلك عليها أن تنجز المصالحة الوطنية وتنهي خلافها مع حماس بأي شكل، الأمر الذي يتطلب منها ومن حماس تقديم التنازلات المتبادلة لإنهاء الانقسام، ثم التوجه مباشرة لعقد المجلس الوطني الفلسطيني، والبدء فورا بعمليات إصلاح وتجديد لهياكل منظمة التحرير الفلسطينية، دون الحاجة للدخول في حوارات داخلية من جديد، فهناك اتفاقية القاهرة 2005، والعديد من التفاهمات الوطنية. أي بمعنى مختصر، ترتيب البيت الفلسطيني وتمتين الجبهة الداخلية.

أما بالنسبة لخيار المقاومة؛ فينبغي مراجعته وتقييمه، باعتبار أنه لا يوجد أسلوب كفاحي يتمتع بالقدسية، فكل الأساليب والأدوات خاضعة للنقاش، على قاعدة أن الوظيفة الأساسية للمقاومة هي تحويل التضحيات إلى منجزات. وهذا ممكن في حال اختيار الأدوات والمواقيت والأشكال النضالية بفهم وطني واعٍ، بحيث يتم تحييد الآلة العسكرية الإسرائيلية وحرمان العدو من ميزة التفوق العسكري. وأن تُمارس المقاومة بالشكل الذي يؤدي إلى تقوية المجتمع الفلسطيني، وتقوية الكيانية السياسية، لا إضعافها (كما جرى في غزة مثلا)، أي أن الفلسطينيين بحاجة إلى مقاومة توجع إسرائيل أكثر مما توجعهم، مقاومة تسهم في تعزيز الانشقاقات والتناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي، لا أن تؤدي إلى تعزيز تماسكه وتوحده والتفافه حول قيادته المتطرفة.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن المقاومة بحد ذاتها ليست هدفا، إنما وسيلة، وأنها لا بد أن تمتلك برنامجا وهدفا سياسيا، وبالتالي فإن المقاومة وحدها لا تكفي، بل إنها قد تجر نتائج سلبية مدمرة، كما أن المفاوضات وحدها خيار فاشل، ما يعني أن الخيار الأمثل هو المزاوجة بين المقاومة والمفاوضات، لأنه فقط في هذه الحالة سيخدم هذان المساران بعضهما البعض.

بالاستناد إلى هذه الرؤية، يمكن صياغة برنامج كفاحي وطني متكامل، يقوم كل طرف بدوره ضمن استراتيجية شاملة، وهنا على فتح وحماس والفصائل الأخرى والسلطة ومنظمات المجتمع المدني والجماهير أن تضطلع بدورها التاريخي، من خلال تصعيد المقاومة الشعبية وتعميمها، وخوض حرب استنزاف ضد المستوطنين، مع استمرار المقاطعة الاقتصادية، إلى جانب حملة منظمة في المحاكم الدولية لمحاسبة إسرائيل، وحملة سياسية تركز على العلاقات الثنائية مع الدول الصديقة، وهجمة دبلوماسية وإعلامية في المحافل والمنظمات الدولية، وصولا إلى محاصرة إسرائيل وعزلها، كما حدث لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

 الهوامش:-

[*] باحث مقيم في رام الله.

[1]  عميد ركن إبراهيم إسماعيل كاخيا، الاستراتيجية العسكرية المعاصرة والمذاهب العسكرية العالمية السائدة، مجلة الدفاع العربي، لبنان. http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=508479

[2]  د. محمد نصحي إبراهيم، تطور مفهوم الاستراتيجية وتعريفها، http://kenanaonline.com/drnoshy

[3]  إبراهيم أبراش، هل توجد استراتيجية فلسطينية لمواجهة الحرب القادمة، الحوار المتمدن، العدد 4697.

[4]  مقابلة خاصة مع د. نبيل شعث، عضو مركزية فتح، أجراها معه الباحث في مكتبه، في 2012.

[5]د. عبد المجيد سويلم، قضية المقاومة والمراجعة المطلوبة، صحيفة الأيام الفلسطينية  22/5/2008.

[6] أحمد قريع، حل الدولتين بين الفشل والتفشيل، وكالة وفا،  http://www.wafa.ps/arabic/index.php?action=detail&id=126405.

[7]  د. محمد حمزة، الخيارات الاستراتيجية البديلة، مجلة آفاق المستقبل، العدد 9، شباط (فبراير) 2011، مركز الإمارات للأبحاث والدراسات.

[8]  مقابلة خاصة مع د. نبيل شعث، مصدر سبق ذكره.

[9]أحمد جميل عزم، حراك الضفة الغربية في سياق حرب غزة، مجلة الدراسات الفلسطينية، خريف 2014. بيروت. ص 131.

[10]  ماجد كيالي، فتح 50 عاما، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- لبنان، ط1، 2016.

[11]  المصدر نفسه.

[12]  المصدر نفسه.

[13]  د. محمد حمزة، الخيارات الاستراتيجية البديلة، مصدر سبق ذكره.

[14]  المصدر نفسه.