
يُعَد إصدار وثيقة «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي» في كل إدارة جديدة تقليدًا تاريخيًا يتيح للعالم النظر لما يجري داخل «البيت الأبيض»، التي تمثل رؤية رئيس الولايات المتحدة وبعض الأساليب التي سيتم التركيز عليها لتحقيق هذه الرؤية عمليًا. تنظر الولايات المتحدة إلى العالم بأسره، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، باعتباره الساحة الرئيسية لدورها القيادي عالميًا، حيث تحتضن جميع مصالحها العليا من الناحية السياسية، والأمنية والعسكرية، والاقتصادية، والثقافية، والتكنولوجية. لذا، لا تتجاهل الولايات المتحدة ما يحدث في العالم، سواء كان يصب في مصلحتها ويعزز هيمنتها، أو ما يتعلق بطموحات دول أخرى تسعى لمنافستها.
وهو ما يجعل استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي محط اهتمام الدول والباحثين ووسائل الإعلام، لما للولايات المتحدة الأمريكية من دور في النظام السياسي العالمي بشكل عام، ولأهمية الإستراتيجية والسياسة الخارجية الساعية لتنفيذها بشكل خاص. حيث تعد السياسية الخارجية من بين الموضوعات الأكثر جدلًا واهتمامًا على المستوى الدولي، ويعود ذلك إلى عدة عوامل تتداخل فيما بينها على المستوى الأمريكي الداخلي، لضمان نفوذ وهيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي».
نبع أهمية هذه الدراسة من الناحية الموضوعية في شخصية الرئيس الأمريكي، وما أحدثه من تغييرات على مستوى الفكر والمفاهيم، التي انعكست بوضوح على السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال ولايته الأولى في البيت الأبيض (2016-2020). وقد أُطلق على هذه الظاهرة في حقل العلوم السياسية مصطلح «الترامبية Trumpism». ومع عودته اليوم إلى البيت الأبيض وإصداره استراتيجيته الجديدة، يبرز تساؤل جوهري: ما طبيعة التحولات في المفاهيم والتوجهات السياسية الأمريكية في المرحلة الراهنة؟…