نبيل محمود السهلي[*]

 بدأت تتوضح مواقف الإدارة الأميركية الجديدة من القضية الفلسطينية بتفاصيلها الكثيرة، وفي مقدمتها الموقف إزاء حل الدولتين، والاستيطان، والقدس، وقضية اللاجئين، فضلاً عن إمكانية حصول فلسطين على عضوية مزيد من المنظمات الدولية. ويجمع متابعون أن مواقف إدارة ترامب المندفعة بقوة العنصرية وشعارات الدعم المطلق لإسرائيل، ستكون منحازة في شكل جلي إلى التصورات الإسرائيلية وبخاصة فيما يتعلق بحل الدولتين، حيث أشار ترامب خلال حملته الانتخابية إلى أن حل الدولتين ليس ممكناً طالما أن الفلسطينيين لا يعترفون بإسرائيل كـ«دولة يهودية» ولا يتوقفون عن التحريض، وأكد على ذلك خلال لقائه نتنياهو في البيت الأبيض يوم 15-2-2017، كما أنه لا يوافق في الوقت ذاته على أن إسرائيل هي دولة احتلال، وأن أي انسحاب من الضفة الغربية ينبغي أن يكون في إطار حدود بإمكان إسرائيل حمايتها.

واللافت أيضاً أن ترامب قد أكد بأنه لا توجد أية مشكلة في المستوطنات الإسرائيلية والجدار العازل، وأن القدس ستبقى «العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل»، ولم يخف إصراره على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس، الأمر الذي دفع وزير البُنى التحتية الإسرائيلي يوفال شتاينيتس إلى القول “إن وزارته تنوي القيام بأعمال الاستيطان الواسعة النطاق في الضفة الغربية”، في حين اعتبر وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بنيت أن مواقف الرئيس الأميركي المسبقة والداعمة لإسرائيل ستقضي على فكرة الدولة الفلسطينية.

كل الدلائل تشير إلى أن إدارة ترامب ستستمر في دعم التوجهات والمواقف الإسرائيلية وإدارة الظهر والتنكر للحقوق الفلسطينية، ويعزز هذا المسار دور اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، الضاغط لاستمالة الموقف الأميركي لمصلحة إسرائيل على الدوام، وذلك عبر محاربة أعضاء الكونغرس الأميركيين الذين يحاولون الوقوف إلى جانب الحق العربي في فلسطين، واتهام عضو الكونغرس الذي يقف إلى جانب الحق الفلسطيني في أي لحظة بمعاداة السامية، وكذلك بمناهضة إسرائيل، ونجح اللوبي اليهودي في إبعاد المشرعين الأميركيين عن زيارة البلدان العربية أكثر من مرة، كما يستخدم هذا اللوبي عبر منظماته العديدة في الولايات المتحدة، المال لاستمالة بعض أعضاء الكونغرس إلى جانب إسرائيل، واستطاع اللوبي اليهودي على الدوام الضغط على الإدارات الأميركية والإبقاء على المساعدات الأميركية لإسرائيل، التي بلغت قيمتها التراكمية خلال الفترة بين 1951 و2016 نحو 145 بليون دولار، منها 60 في المائة كانت على شكل مساعدات عسكرية.

إضافة إلى قوة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة والتي ستكون عاملاً جوهرياً في دعم العهد الأميركي الجديد لإسرائيل، ثمة عامل مساعد آخر لدعم إدارة ترامب لإسرائيل، يتمثل في تحولات المشهد العربي والانقسام الفلسطيني، وقد تكون عملية نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس من أولويات الإدارة الأميركية الجديدة، كما أنها ستسعى إلى الضغط على الطرف الفلسطيني بغية العودة إلى مفاوضات غير مشروطة مع الطرف الإسرائيلي، والذهاب إلى أبعد من ذلك لانتزاع قبول فلسطيني بفكرة «يهودية إسرائيل»، في مقابل الحديث عن تجميد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية لشهور عدة– من دون تفكيك أي مستوطنة إسرائيلية-، الأمر الذي يقوض فكرة حل الدولتين.

وفي الوقت الذي يحاول فيه الفلسطينيون تعزيز حضورهم وكسب العضوية في عدد من المنظمات الدولية، ستحاول إدارة ترامب القيام بعمل ديبلوماسي وسياسي مكثف مع الحلفاء التقليديين في الغرب وكندا لإفشال تلك التوجهات الفلسطينية، وإسقاط أي مشروع قرار أممي سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يدين السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وأرضهم.

وحول الموقف المرتقب من إدارة ترامب من قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تعتبر من أهم القضايا في إطار القضية الفلسطينية، فإنها سترفض من حيث المبدأ تطبيق القرارات الدولية الداعية إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وتعويضهم عن الأضرار المادية والنفسية التي حلت بهم نتيجة طردهم، ونقصد على وجه التحديد القرار 194 الصادر في عام 1948 والقرارات ذات الصلة، بخاصة أن ترامب أكد أهمية الاعتراف وترسيخ فكرة «يهودية إسرائيل» وأمنها، شأنه في ذلك شأن إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش التي أكدت التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل والحفاظ على طابعها كدولة يهودية، وكان ذلك محاولة أميركية استمرت خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أيضاً، وستستمر تلك المحاولات خلال إدارة ترامب لشطب قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين من أجندة الأمم المتحدة.

أميركا وقضية اللاجئين

يلاحظ المتابع لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وموقفها من القضية الفلسطينية بشكل عام، ومن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص أنها اتسمت بسمات أساسية على مدار أكثر من ستة عقود خلت (1948-2017)، يمكن إجمالها بالتالي: قلة المتغيرات وقوة الثوابت، وقد ارتبط ذلك بمجموعة من الاعتبارات والمصالح الإقليمية والدولية للولايات المتحدة الأميركية، وليس بوجهة النظر التي يحملها رؤساء الولايات المتحدة الذين توالوا على قيادة الإدارات الأميركية، وقد اضطر بعضهم كالرئيس كارتر أن يتراجع عن تعهداته وقناعته بصدد القضية الفلسطينية التي تحدث عنها أثناء حملته الانتخابية. لكن لا بد من الإشارة إلى أن ثمة دوراً للرئيس الأميركي في رسم وصوغ السياسة الأميركية. وقد عملت الولايات المتحدة على احتواء الصراع العربي – الإسرائيلي، وبالتالي جوهره المتمثل بالقضية الفلسطينية، وذلك لتحقيق الأهداف المختلفة، وفي مقدمها الحفاظ على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. ويمثل موقف الإدارات الأميركية المتعاقبة من قضية اللاجئين بشكل خاص انعكاساً لمدى العلاقة مع “إسرائيل”، فكلما توطدت علاقة الإدارة معها، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية. ويمكن القول إنه منذ إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان، بقيت القضية الفلسطينية ومن ضمنها قضية اللاجئين، أسيرة الصراع الدائر بين قوى الضغط المؤيدة لـ”إسرائيل” والإدارات الأميركية المتعاقبة لجهة دعم المواقف الإسرائيلية على مستويات مختلفة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية.

وبالعودة إلى مواقف بعض رؤساء الولايات المتحدة إزاء القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، يمكن معرفة الاتجاه العام لمواقف الإدارات الأميركية إزاءها، فقد طالب الرئيس ترومان في 9/5/1949 بضرورة عودة ما بين 200 و300 ألف لاجئ فلسطيني إلى ديارهم، وذلك عبر رسالة وجهها إلى ديفيد بن غوريون، وهدد بأن تعيد الولايات المتحدة النظر في موقفها من “إسرائيل”، لكن في مقابل ذلك ركزت الولايات المتحدة على ضرورة توطين اللاجئين الفلسطينيين عبر نفوذها الكبير في لجنة التوفيق الدولية، وبدأنا نشهد مشاريع وخططاً أميركية لتوطين اللاجئين في الدول العربية المضيفة، ومن بين تلك الخطط، كان هناك مشروع يقضي بتوطين نصف مليون لاجئ في الدول العربية وبكلفة إجمالية تصل إلى 250 مليون دولار تساهم الولايات المتحدة بنصفها. ومن المشاريع الأخرى الهادفة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، مشروع غوردون كلاب، ومشروع جونستون (1953-1955)، ومشروع دالاس لعام 1955 القاضي بإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر استئناف حياة جديدة عن طريق إعادة استقرارهم، من خلال عودتهم إلى وطنهم ضمن الحد الذي يكون ممكناً، أو بتوطينهم في البلدان العربية.

وفي 2/10/1961 قدم جوزيف جونستون رئيس معهد كارنيغي للسلام مقترحاته حول قضية اللاجئين بتكليف من الرئيس جون كيندي، وتقضي بأن يستشار اللاجئون من أرباب العائلات من قبل الأمم المتحدة بعيداً عن الضغط، ويكون الخيار أمامهم بين العودة إلى فلسطين أو الحصول على التعويض، لكنه ربط هذا الاقتراح بأن لـ”إسرائيل” الحق في رفض عودة أي لاجئ حفاظاً على مصالحها الأمنية. وفيما بعد أكد الرئيس ليندون جونسون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19/6/1967 أنه يجب حل قضية اللاجئين حلاً عادلاً، وتراجع الخطاب السياسي الأميركي إزاء قضية اللاجئين الفلسطينيين في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، فقد أوضحت البيانات الصادرة عن لقاءات بين وزراء في حكومته مع وزراء إسرائيليين، بأن الولايات المتحدة لا تقبل خطط العرب فيما يتعلق بقضية اللاجئين، وقلصت إدارة الرئيس كارتر مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وطريقة حلها إلى حد كبير جداً، وجاء في الرسالة التي وجهها كارتر إلى “إسرائيل” بواسطة الحاخام الأكبر شلومو غورين، بأنه يجب إيجاد حل لقضية اللاجئين العرب واليهود وفق شروط يتم الاتفاق عليها، ومنذ مشروع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في أيلول (سبتمبر) 1982 وحتى تبوء بوش الأب سدة الحكم في الولايات المتحدة انصب الخطاب الأميركي إزاء القضية الفلسطينية على ضرورة المزاوجة بين اتفاقيتي كامب ديفيد ومشروع ريغان، وفيما عدا ذلك لا يرد في الأدبيات الأميركية سوى البحث عن حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

وخلال عهد بوش الأب استطاعت الإدارة الأميركية عقد مؤتمر مدريد في نهاية عام 1991 بحضور “إسرائيل” وأطراف عربية من بينها الطرف الفلسطيني كجزء من الوفد الأردني، سرعان ما تحول إلى وفد مستقل، وفي 13 أيلول (سبتمبر) 1993 وقعت اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و”إسرائيل”، وأجل المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون قضايا جوهرية، كاللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والسيادة إلى مفاوضات الوضع النهائي. وخلال الفترة التي تلت تلك الاتفاقيات حاولت الولايات المتحدة إيهام العالم بأنها وسيط نزيه، على الرغم من دعمها لـ”إسرائيل” عند ارتكابها المزيد من المجازر، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أسقطت العديد من مشاريع القرارات الدولية التي تدين ممارسات “إسرائيل” التعسفية خلال الانتفاضة. وبعد جمود سياسي في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، مع إصرار “إسرائيل” على فرض الشروط من خلال قوتها العسكرية، والاستمرار في بناء الجدران العازلة التي ستبتلع أجزاء كبيرة من أراضي الضفة الغربية، حدث التحول السياسي الكبير في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، حين أعلن الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في 14/4/2004، التزام الولايات المتحدة ضمان أمن “إسرائيل” والحفاظ على طابعها كدولة يهودية.

ثم جاءت إدارة أوباما لتؤكد على الثوابت الرئيسية في السياسة الأميركية الشرق أوسطية من خلال التأكيد على ضمان أمن “إسرائيل” وانسياب المساعدات الأميركية لها، وذلك على رغم التباين اللفظي بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو حول حل الدولتين والاستيطان. وكانت إدارة ترامب الأكثر وضوحا منذ البداية في دعم التوجهات الإسرائيلية على كافة الصعد، وفي المقدمة منها التأكيد على ضرورة الاعتراف الفلسطيني بفكرة يهودية إسرائيل، الأمر الذي يشي بالعمل على الإطاحة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذي كفلته القرارات الدولية وخاصة القرار الأممي 194 الصادر في عام 1948. ولم تكن مواقف الإدارات الأميركية إزاء قضية القدس أقل خطورة من مواقفها تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين.

القدس والإدارات الأميركية

اتصفت مواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة وسياساتها إزاء قضية القدس بالانسجام مع السياسات الإسرائيلية إلى حد كبير، فانحازت دائماً بوضوح لإسرائيل، مع محاولتها إظهار شيء من بعض التوازن في بعض القضايا المتعلقة بالقضية نفسها، ومنها نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، على الرغم من وجود قرار للكونغرس في عام 1995 بشأن ذلك، والذي لم تنفذه الإدارات السابقة، على الرغم من المطالبات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1949، الإدارات الأميركية بضرورة ذلك، ليمثل اعترافا أميركياً بالضم “الإسرائيلي”، غير المقبول دوليا، للقدس إلى إسرائيل، وإقراراً من الولايات المتحدة بأن “القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل”. وهو ما يرفضه الفلسطينيون بشدة.

ويذكر أن العصابات الصهيونية سيطرت على القسم الغربي من القدس في 1948، إثر عدة مجازر ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، وتمّ طرد 60 ألف مقدسي إثر ذلك. وفي 1967، احتل الجيش الإسرائيلي الجزء الشرقي من مدينة القدس، وطرد 15 ألف فلسطيني. ويمكن الاستدلال على الرؤى الإسرائيلية لحل قضية القدس من خلال الأفكار التي طرحها بعض القادة والأكاديميين الإسرائيليين، فضلاً عن أفكار وتوصيات تمّ تسجيلها في نهاية ندوات عقدت في مراكز البحث الإسرائيلية. وظهرت، بعد احتلال الجزء الشرقي من القدس في حزيران (يونيو) 1967، مشاريع إسرائيلية لإبقاء القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، توّجت بإعلان المؤسسة الإسرائيلية ضم القدس الشرقية في الثلاثين من تموز/ يوليو من عام 1980. وتبعاً لذلك، صدرت عدة قرارات دولية تدين عملية الضم، وتعتبر، في الوقت نفسه، كل التغيرات الديموغرافية والجغرافية المفروضة بقوة الاحتلال لاغية وغير شرعية، لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أدارت ظهرها لتلك القرارات، واعتبرت أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وأن الأمر غير خاضع أو قابل للتفاوض. ومع عدم وجود أي ضغوط على الحكومة الإسرائيلية، للامتثال لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتواطؤ الولايات المتحدة بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، وله حق الفيتو، بات مؤكداً أن الحكومة الحالية، برئاسة بنيامين نتنياهو، ستستمر في رفض تنفيذ بنود أي قرار صادر عن الأمم المتحدة في شأن قضية القدس.

وفي ظل تحولات المشهد السياسي، ستسعى هذه الحكومة، في سباق مع الزمن، إلى تهويد المدينة، مستغلة الانقسام الفلسطيني، وعدم ارتقاء العرب والمسلمين في دعمهم السياسي والمالي للمقدسيين إلى مستوى التحدي الذي يعصف بالمدينة من جهة، فضلاً عن تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة قبل أسابيع، وتعهده بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى مدينة القدس، من جهة أخرى. هل يضرب ترامب بعرض الحائط كل الاعتبارات، وتنقل إدارته سفارة بلاده إلى القدس؟ قد يعزز هذا التوجه حالة التشرذم التي تعيشها المنطقة برمتها.

وقد اعتبر معظم رؤساء أميركا القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ولا حق للفلسطينيين فيها وحبذ رؤساء آخرون، خصوصاً بعد اتفاقات أوسلو، تأجيل تحديد مستقبل المدينة إلى مفاوضات الوضع النهائي التي تتضمن قضايا جوهرية إضافة إلى المستوطنات والحدود واللاجئين. ويمكن تقسيم مواقف الولايات المتحدة من قضية القدس إلى عدة فترات منذ عام 1947، ففي 29 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام المذكور، صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، يوصي بجعل مدينة القدس كياناً منفصلاً خاضعاً لنظام دولي خاص، وأيدته الإدارة الأميركية، لكنها غيرت فيما بعد موقفها منه، وأصبحت تتبنى فكرة إنشاء مجلس عربي/ إسرائيلي مشترك، وتطالب، في الوقت نفسه، بتدويل الأماكن المقدسة فقط، وليست المدينة بالكامل. وفي حزيران (يونيو) 1967، وبعد أسبوع من وقف إطلاق النار، حدد الرئيس الأميركي، ليندون جونسون، مشروعاً بخصوص الموقف المشتعل في المنطقة، ويتبين منه أن الولايات المتحدة ترفض عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل الخامس من حزيران (يونيو) 1967، فالمكاسب الإقليمية من جراء الحرب لا يمكن التخلي عنها. ولم ينته الأمر هنا، فقد أصدرت الأمم المتحدة القرارين 2253 و2254 في 14/7/1967 اللذين يطالبان إسرائيل بالتوقف عن أي إجراء يغيّر من وضع مدينة القدس، وإلغاء جميع ما قامت به من إجراءات، وامتنع سفير الولايات المتحدة في المنظمة عن التصويت عليهما.

مع مجيئه إلى رئاسة الولايات المتحدة في 1968، قدّم ريتشارد نيكسون مبادرة بدت أكثر تعاوناً مع الجانب العربي عن سابقه ليندون جونسون، فقد شملت تعديلاتٍ على ما يتعلق بقضية القدس، منها عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعدم نقل السفارة الأميركية إليها. وبقيت الولايات المتحدة تعتبر القدس منطقةً محتلة خلال الفترة 1970-1971، حيث أكد ذلك جورج بوش الأب الذي كان سفيراً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة في 25/9/1971، ثم جاءت فترة الرئيس جيمي كارتر الذي نشط في إبرام اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. ولم يتمكّن الرئيس المصري في حينه، أنور السادات، من الوصول مع إسرائيل إلى حل بخصوص قضية القدس. وبصفة عامة، اتصفت إدارة كارتر بالثبات بشأن هذه القضية، وأكدت فصل القدس عن بقية الأراضي المحتلة، والتعامل معها على نحو منفصل وضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة لجميع السكان، وبغض النظر عن طوائفهم الدينية. جاء الرئيس التالي، رونالد ريغان، أكثر تحيزاً لصالح إسرائيل، وأصدر عدة بيانات في مناسبات مختلفة، أكد فيها أن القدس عاصمة إسرائيل، وأنه يجب أن تبقى دائماً تحت السيادة الإسرائيلية، وأصر ريغان في خطابه في 5-9-1982على معارضة إقامة الدولة الفلسطينية، وقال: “لا دولة فلسطينية في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة”. أما الرئيس اللاحق، جورج بوش الأب، فشهدت فترته خلافاتٍ في وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كان سببها تشدد الأخيرة بخصوص القدس، ورغبة الإدارة الأميركية بإيجاد حل تفاوضي بخصوصها، لكن هذا لم يمنع الكونغرس من إصدار قرار في الأثناء، وتحديداً في 22/3/1990، ونص على بقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. وجمّد الرئيس بوش صرف ضمانات قروض للحكومة الإسرائيلية بقيمة 400 مليون دولار، وربط صرفها بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة عام 1967. وقد انتقد هذه النقطة المرشح بيل كلينتون في حملته الانتخابية منافساً لبوش، كما تضمن برنامجه الانتخابي التأكيد على أن القدس هي العاصمة الموحدة الأبدية لإسرائيل. ولدعم هذا التوجه، وافقت إدارته، فيما بعد، على نقل سفارة الولايات المتحدة في تل أبيب إلى القدس المحتلة، شرط ألا يكون ذلك قبل 1999، العام الذي كان سيفضي إلى إقامة دولة فلسطينية من خلال مفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وبحيث يرتبط ذلك بمفاوضات الوضع النهائي بين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، والاتفاق على مستقبل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة. وتمّ الحديث مراراً، في أثناء إدارة جورج بوش الابن، عن ضرورة نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، لكن ذلك لم ينفذ، بل تمّ الاهتمام بإرسال وفود أمنية إلى دفع فكرة تمكين شروط التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وتحسينها، جنباً إلى جنب مع خطاب أميركي، كان يؤكد أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل. واللافت أن إدارة أوباما، تالياً، كانت الأكثر إصراراً على ضرورة تجميد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، وليس تفكيك المستوطنات باعتبارها معالم احتلالية، مقدمة لدفع المفاوضات بين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، إلى الأمام، لكن إسرائيل أدارت ظهرها لتلك المطالبات الأميركية. وثمة اعتقاد كبير بأن السبب الرئيسي لامتناع الولايات المتحدة عن التصويت، في نهاية عهد أوباما، وتمرير إصدار قرار من مجلس الأمن، في كانون الأول (ديسمبر) 2016، يدين الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس، هو امتعاض إدارة اوباما من سياسة حكومة نتنياهو، خصوصاً إزاء النشاط الاستيطاني الذي كان عقبة جوهرية في فرض تسويةٍ، غير متوازنة أصلاً، مع الفلسطينيين، ترعاها الولايات المتحدة الأميركية.

ولم تُواجَه سياسة انحياز الإدارات الأميركية المتعاقبة لإسرائيل وتعنتها إزاء القضايا الجوهرية المفصلية، وفي مقدمتها قضية القدس، بردود عربية حقيقية، سواء من الدول العربية التي تربطها علاقات ومصالح مع الولايات المتحدة، أو من جامعة الدول العربية التي اكتفت، على الدوام، بإدانات وبيانات استنكار للسياسات الإسرائيلية التهويدية تجاه مدينة القدس، في وقت أسقطت الولايات المتحدة أكثر من مشروع قرار دولي يدين تلك السياسات. وبالرغم من تضمين قرارات جامعة الدول العربية من 1967 إلى 1973 بنوداً مهمة حول القدس، إلا أن هناك تراجعاً واضحاً عن شعار التحرير إلى شعار إزالة آثار العدوان وتميزت الفترة التي تلت عام 1973 ببرود سياسي عربي، سواء في الجامعة أو كل دولة عربية على حدة، وتمّ التأكيد في الخطاب العربي الرسمي على إمكانية تحقيق السلام، في مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها الجزء الشرقي من المدينة، وبطلان كل الإجراءات الإسرائيلية في الجزء المذكور، وتكرّرت البنود الخاصة في القدس في مؤتمرات القمم العربية بين 1973-2016 في البيانات الختامية، وأصبحت بمثابة جزء من خطاب روتيني من دون جدوى، ومن دون دعم مادي ومعنوي يرقى إلى حجم التحديات التي يواجهها المقدسيون، لمقاومة هجمة التهويد المنظمة التي تجتاح المدينة من جهاتها الأربع في ظل انحياز أميركي للسياسات والرؤى الإسرائيلية إزاء مستقبل القدس.

ويبدو أن الاتجاه العام لمواقف الولايات المتحدة الأميركية من قضية القدس – بما فيها إدارة ترامب الحالية – كان ثابتاً وواضح المعالم لجهة الانحياز إلى المواقف الإسرائيلية التي تعتبر القدس بشقيها المحتلين خلال عامي 1948 و1967 عاصمة أبدية لإسرائيل ، لكن لم تتم عملية نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، نظراً لاعتبارات عدة أقلها حساسية قضية القدس في أبعادها الدينية المختلفة، فهل يضرب ترامب بعرض الحائط كل الاعتبارات وتقوم إدارته بنقل سفارة بلاده إلى القدس، قد يعزز هذا التوجه حالة التشرذم التي تعيشها المنطقة. المواقف الأميركية من القضية الفلسطينية تطرح أسئلة متعددة حول العلاقات الأميركية – الإسرائيلية ودورها في التعنت الإسرائيلي ومحاولات ترسيخ يهودية إسرائيل وخاصة خلال العقدين الأخيرين.

العلاقات الأميركية –الإسرائيلية

في قراءة متأنية لاتجاهات العلاقات الإسرائيلية مع الدول الغربية، يمكن تلمس العلاقات الإستراتيجية بين أميركا وإسرائيل. وفي هذا الإطار، يلحظ المتابع للشأن الإسرائيلي بأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948 لجأت إلى الاعتماد على حليف خارجي، له وزنه في العلاقات الدولية، وذلك بغية المزاوجة بين إمكاناتها الذاتية وبين الدعم الخارجي لها، لتعزيز شكل من أشكال القوة، واستثمار تلك القوة في اتجاهين: محاولة استكمال بناء المؤسسات الإسرائيلية مع مرور الوقت، والعمل على توفير المقومات الاقتصادية والبشرية، عبر تهيئة الظروف لجذب مزيد من يهود العالم، والعسكرية الضامنة لبقاء واستمرار إسرائيل. أما الاتجاه الثاني فيكمن في استحضار القوة للتصدي للتحديات الخارجية لإسرائيل، ونقصد هنا هاجس الخوف الإسرائيلي من القوة العسكرية العربية المتنامية.

في هذا السياق يذكر أن إسرائيل اتجهت إلى التحالف مع فرنسا في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، كمصدر أساسي لتسليحها وتطوير جيشها، كما استطاعت إسرائيل بناء علاقة وطيدة مع ألمانيا الغربية سابقاً، واستفادت من الدعم الألماني المتميز في المجالات العسكرية والاقتصادية حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، وسبق تلك العلاقات اعتماد الحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل على الدعم البريطاني في المجالات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية والمالية أيضاً.

وبعد قيام إسرائيل في عام 1948، استطاعت استحضار الحليف الأميركي القوي في إطار العلاقات الدولية التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وتميزت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بخصوصيتها بالمقارنة بعلاقات أميركا مع الدول الأخرى. وبرزت المساعدات الأميركية المباشرة وغير المباشرة لإسرائيل على أنها السمة الأساسية في إطار العلاقات بين البلدين. ويكمن السبب في الدور الذي تقوم به إسرائيل في خدمة المصالح الأميركية السياسية والإستراتيجية في الشرق الأوسط من جهة، فضلاً عن نشاط اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ودوره في الحفاظ على التأييد الأميركي لإسرائيل في كل المستويات من جهة أخرى، فضلاً عن الضغط على المشرّع الأميركي بغية الإبقاء على انسياب المساعدات المالية لإسرائيل.

ويمكن الجزم بأن حرب حزيران (يونيو) 1967 كانت الحد الفاصل بين المرحلة التي كانت فيها إسرائيل تلعب دوراً مهماً في إطار المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، والمرحلة التي أصبحت تلعب فيها الدور الرئيسي في إطار هذه المصالح، الأمر الذي ترك بصماته على علاقات الولايات المتحدة المتميزة وغير العادية مع إسرائيل.

ومن المهم الإشارة إلى أن إسرائيل موّلت حروبها وعدوانها على الدول العربية بالاعتماد على المساعدات الأميركية السنوية اللوجستية والطارئة، فقد تجاوبت الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عام 1948 مع الإستراتيجية التي تقوم على تطوير التحالف مع إسرائيل وترسيخه في مختلف الميادين، وتجلى ذلك بالدعم الأميركي لإسرائيل في الأمم المتحدة واستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي محاولة لاستصدار قرار يدين ممارسات إسرائيل واعتداءاتها المتكررة على الدول العربية والشعب الفلسطيني.

من أهم ملامح الدعم الأميركي لإسرائيل على المستوى السياسي والديبلوماسي، سياسة الضغط المستمر على المنظمة الدولية التي أجبرتها على إلغاء قرارها الذي يعتبر الصهيونية حركة عنصرية، بيد أن المساعدات الأميركية برزت بكونها السمة الأهم في إطار الدعم الأميركي لإسرائيل، فحلّت تلك المساعدات العديد من الأزمات الاقتصادية الإسرائيلية مثل التضخم في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، كما حدّت من تفاقم أزمات اقتصادية أخرى، وساهمت في تمويل هجرة يهود العالم إلى فلسطين المحتلة، وبخاصة من دول الاتحاد السوفياتي السابق منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، ناهيك عن أثرها المهم في تحديث الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتجهيزها بالتكنولوجيا الأميركية المتطورة من طائرات وغيرها، وبالتالي تمويل العدوان الإسرائيلي على الدول العربية، وقد توضّح ذلك خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في صيف العام 2014، حيث أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى تقديم إدارة أوباما مساعدات مالية وعسكرية طارئة لإسرائيل خلال حربها على القطاع.

لقد وصلت قيمة المساعدات الأميركية اللوجستية السنوية لإسرائيل، وكذلك المساعدات الطارئة، خلال الفترة بين 1951 و2016 إلى 145 بليون دولار، منها نحو 60 في المائة هي نسبة المساعدات العسكرية، و40 في المئة نسبة المساعدات الاقتصادية، ويقدر أن تصل قيمة المساعدات الأميركية الحكومية المباشرة لإسرائيل إلى 148 بليون دولار نهاية العام الحالي 2017. وإذا احتسبنا المساعدات غير المباشرة من الولايات المتحدة والجالية اليهودية لإسرائيل منذ قيامها، فإن قيمة المساعدات الإجمالية تصل إلى نحو 190 بليون دولار خلال الفترة المذكورة سابقاً.

إن استمرار العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل سيبقى مرهوناً بالدور الرئيسي الذي تلعبه الثانية في خدمة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، والحديث عن تحولات وانحدارات في تلك العلاقة نتيجة تباينات في المواقف إزاء بعض الملفات هو ضرب من الخيال في المدى المنظور. وفي مقابل ذلك سيكون الحاضر الأكبر اللوبي اليهودي الذي سعى، وسيسعى في المستقبل إلى تمتين العلاقات الإستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

دور اللوبي اليهودي

ثمة تساؤلات تطرح بين فترة وأخرى حول نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وقدرته على استمالة مواقف الإدارة الأميركية إلى جانب المواقف الإسرائيلية. وفي هذا السياق استفادت إسرائيل من وجود نسبة كبيرة من يهود العالم في الولايات المتحدة، حيث وصل عددهم إلى خمسة ملايين وسبعمائة ألف يهودي في نهاية العام الماضي 2016.

واستطاعت إسرائيل الاستفادة من إنشاء لوبي يهودي ضاغط في الولايات المتحدة، بالاعتماد على القانون الأميركي الصادر عام 1946، والذي أعطى الحق للجماعات المختلفة في تشكيل مجموعة ضغط، يهدف إلى ضمان مصالحها من خلال استراتيجيات وتكتيكات متعددة، والتأثير المباشر، عبر الاتصال بكل من السلطة التنفيذية والتشريعية، فضلاً عن محاولة التأثير غير المباشر، مثل تعبئة الرأي العام، وخلق اتجاه عام يؤثر في صانعي السياسة، لإقناعهم بقرار يحقق مصلحة مثل هذه الجماعات.

وتبعاً للقانون المشار إليه استطاعت الجماعات اليهودية بدعم من الحركة الصهيونية تشكيل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) AIPAC عام 1959، وسجلت لدى الدوائر الأميركية باعتبارها لوبياً صهيونياً. وتتألف لجنة «أيباك» من رئيس ومدير تنفيذي، ويقوم مجلس الاتحاد الفيديرالي اليهودي، ومنظمة «بناي بريث»، بدعم «أيباك» لخدمة الحركة الصهيونية وإسرائيل، وذلك من خلال دعم اللوبي اليهودي، وزحف نفوذه في الكونغرس الأميركي ومواقع القرار الأخرى في الولايات المتحدة. وتحرص لجنة «إيباك» على أن يحضر ممثل عنها كل اجتماع مفتوح في الكونغرس الأميركي، ليوزع البطاقات، ويتصل بكل موظف من أعلاهم درجة إلى أدناهم. أما الاجتماعات المغلقة فيحضرها دائماً عضو من التجمع المؤيد لإسرائيل في المجلس ويطالع سجل الكونغرس بانتظام، وكل ملاحظة تدعو إلى القلق تستتبع زيارات من قبل اللجنة.

ويتضح من هذه الأمثلة مدى قوة اللوبي اليهودي في تأثيره على الكونغرس بمجلسي الشيوخ والنواب على حد سواء. إلا أن من الواضح أن المساندة الأميركية لإسرائيل تتجاوز حدود مجموعة اللوبي اليهودي، وهذا ما أكده رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين، أثناء عمله كسفير لإسرائيل في واشنطن، حيث قال: «أعتقد أن ارتباط الشعب الأميركي وإدارته بإسرائيل يفوق وزن الجالية اليهودية ونفوذها في الولايات المتحدة».

واللافت أنه في حين كان توجه الحركة الصهيونية إلى بريطانيا قبل عام 1948، أصبح بعد إنشاء إسرائيل في أيار (مايو) من نفس العام باتجاه القطب الأميركي، نظراً للنفوذ والقوة الأميركية الصاعدة في إطار العلاقات الدولية.

وتجلى النهج الصهيوني الإسرائيلي من أجل تحقيق الهدف المذكور في أنماط متعددة، بعضها رئيسي وبعضها فرعي، وأهم هذه الأنماط إطلاقاً، وأشدها سيطرة على النهج بأكمله، هو النمط المرحلي، فالمرحلية هي اللون السائد في لوحة السياسة الإسرائيلية، أو الخيط المتصل بنسيجها، والحديث عن النهج الصهيوني أو البرنامج الصهيوني الإسرائيلي، هو في أصدق معانيه الحديث عن النمط المرحلي الذي يتخلله بأكمله ويتجلى في كل لحظة من لحظاته وفي كل حركة من حركاته، وقوام فكرة المرحلية في نظرية العمل الصهيوني وتالياً إسرائيل تتلخص بأربعة مبادئ:

أولاً: الواقعية، التي تعين الحد الأقصى لما تطالب به الحركة الصهيونية وإسرائيل في كل ظرف، طبقاً للأوضاع والظروف المتاحة.

ثانياً: المرونة، التي تقوم بتكييف الأشكال والوسائل.

ثالثاً: مبدأ اللاتراجع، الذي يعين الحد الأدنى للمطالب الصهيونية والإسرائيلية في كل ظرف.

رابعاً: التصاعد أو الانتقال، بعد استنفاد مكاسب ذلك الظرف إلى مرحلة جديدة، تفصح فيها الحركة الصهيونية عن مطالب جديدة، يكون حدها الأدنى ما كان في المرحلة السابقة حداً أقصى ومطلباً كاملاً مدعوماً. وتبعاً لتلك المبادئ يمكن فهم العلاقات الإسرائيلية المتشعبة مع دول العالم خلال السنوات الأخيرة.

ويجمع متخصصون بأن اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة استطاع على مدار السنوات السابقة محاربة أعضاء الكونغرس الذين حاولوا الوقوف إلى جانب الحق العربي في فلسطين، ويتهمون عضو الكونغرس الذي يقف إلى جانب الحق الفلسطيني بمعاداة السامية، وبمناهضة إسرائيل، ونجح اللوبي اليهودي في إبعاد المشرعين الأميركيين عن زيارة البلدان العربية، بقدر نجاحه في عرض وجهات نظر إسرائيل دون سواها، وبالتالي الإبقاء على الدعم الأميركي لإسرائيل على كافة المستويات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية.

الاستفادة من الدعم الأميركي

أدى الانحياز الأميركي لإسرائيل إلى تمسك الأخيرة بمواقف ثابتة إزاء القضايا الجوهرية، وثمة اتفاق بين كل الأطياف السياسية الإسرائيلية على حل تلك القضايا، حيث تؤكد جميع الأحزاب الإسرائيلية بتلاوينها المختلفة على الدوام أن حل قضية اللاجئين يجب أن يتم عبر توطين اللاجئين في الدول المضيفة، وبالتالي عدم القبول بمبدأ حق العودة حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وترى تلك الأحزاب أن القدس بشقيها الشرقي والغربي يجب أن تبقى العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل، وتؤكد على شرعية النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، مع الإصرار على السيطرة الإسرائيلية المطلقة على الحدود حتى الأردن من الشرق، فضلا عن إبقاء السيطرة على المصادر المائية الفلسطينية. وقد تكون الوثيقة الموقعة في العام 1996 بين حزبي العمل والليكود ذات دلالة على الرؤى والتصورات الإسرائيلية المشار إليها إزاء قضايا الوضع النهائي.

وفي الاتجاه نفسه أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة على أهم القضايا التي برزت مع ظهور القضية الفلسطينية، وأكد في سياق أحاديثه مع الإعلام على ثوابت إسرائيل المعهودة من تلك القضايا، حيث يوجد إجماع إسرائيلي. وبالنسبة للقضية الأبرز قضية اللاجئين الفلسطينيين (6 ملايين لاجئ فلسطيني) ارتأى أن تحل في خارج إسرائيل، وبالتالي عدم تحميل إسرائيل أية مسؤولية سياسية أو قانونية عن تلك القضية وتداعياتها. كما يلاحظ المتابع لقضية اللاجئين الفلسطينيين أن هناك إجماعاً بين الأطياف السياسية الإسرائيلية إزاء مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث يؤكد الخطاب السياسي أن قضية اللاجئين هي قضية جوهرية، لكن إسرائيل غير مسؤولة عن بروزها وتبعاتها السياسية والقانونية والإنسانية، وبالتالي يكمن الحل – وفق الخطاب الإسرائيلي- بتوطين اللاجئين في أماكن إقامتهم الحالية، أي في الدول المستضيفة لهم، وبالتحديد الأردن وسوريا ولبنان، أو إعادة تهجيرهم إلى دول عديدة في العالم مثل كندا وغيرها.

كما أكد نتنياهو على ثابت من ثوابت الخطاب السياسي الإسرائيلي حيال إبقاء القدس بشقيها المحتلين الشرقي والغربي عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل، ويعتمد نتنياهو في ذلك على وقائع تحاول المؤسسات الإسرائيلية فرضها على الأرض في مدينة القدس بغية تهويدها والإطباق عليها. وفي هذا السياق تشير الدراسات المختلفة إلى أن السياسات الإسرائيلية في المدينة استطاعت أن تنال من المدينة، فبات هناك طوقان من المستوطنات الإسرائيلية يصل عددها إلى 26 مستوطنة حول القدس الشرقية ويتركز فيها نحو 190 ألف مستوطن إسرائيلي. وثمة محاولات إسرائيلية ما زلنا نشهد فصولها لتهويد الأحياء العربية القديمة من خلال الإخطارات اليومية لهدم منازل العرب وطردهم والسيطرة أيضا على ما تبقى من عقارات ومحال تجارية عربية بغية تهويدها وفرض الأمر الواقع الاحتلالي.

جنبا إلى جنب مع تلك المواقف لا يمر يوم إلا وتعلن فيه حكومة نتنياهو عن إنشاء أو التخطيط لبناء وحدات استيطانية في عمق الضفة الغربية، ومن المهم الإشارة إلى أنه رغم تفكيك المستوطنات من قطاع غزة عام 2005، فإن النشاط الاستيطاني لم يتوقف في الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس التي تواجه أكبر موجة نشاط استيطاني منذ العام 1967. وأدى النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية منذ عام 1967، إلى بناء 151 مستوطنة تضم نحو 400 ألف مستوطن، إضافة إلى 26 مستوطنة تلف القدس بطوقين من جميع الجهات، ويتركز فيها نحو 190 ألف مستوطن كما أشرنا، وهناك مخططات لفرض وقائع استيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية وفي داخل الأحياء العربية القديمة من مدينة القدس. وقد صادرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أكثر من 40 في المائة من مساحة الضفة الغربية لإنشاء المستوطنات والطرق الالتفافية التي تربط بينها، ناهيك عن سيطرة إسرائيل على أكثر من 80 بالمائة من مساحة مدينة القدس. وقد تمّ إنفاق نحو 70 بليون دولار أميركي منذ عام 1967 على بناء تلك المستوطنات. أما الجدار العازل، فهو من أكبر النشاطات الاستيطانية في عمق الضفة الغربية، حيث اعتبرته محكمة العدل الدولية قبل سنوات غير شرعي، ومنافياً للقوانين الدولية.
وفي مواجهة القوانين الدولية التي تؤكد عدم شرعية النشاطات الاستيطانية، اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسات محددة للإطباق على الأرض الفلسطينية و”شرعنة” بناء المستوطنات وذلك بغية رسم جغرافيا قسرية. فقد استصدرت السلطات الإسرائيلية أمراً عسكرياً عام 1967 تسيطر بموجبه على أملاك الغائبين، واستحدثت حارساً لأملاكهم، حيث تم من خلاله منع بيع أو تأجير تلك الأملاك من دون موافقة السلطات الإسرائيلية. وثمة أهداف كامنة وراء مصادرة إسرائيل أراضي الفلسطينيين وبناء المستوطنات، وفي مقدمها طرد أكبر عدد من العرب، وإحلال مزيد من المهاجرين اليهود مكانهم.

وبناءً على قرار مجلس الأمن الأخير الذي يعتبر المستوطنات الإسرائيلية غير شرعية، بات الأمر يتطلب تبني خطاب سياسي فلسطيني جديد يسعى إلى تطبيق القانون الدولي الداعي إلى تفكيك المستوطنات وليس تجميدها فحسب. وفي هذا السياق أكدت عشرات القرارات الدولية أن المستوطنات تمثل عقبة أمام تحقيق السلام العادل والشامل وإنشاء الدولة الفلسطينية التي تتمتع بالسيادة الكاملة على الأرض.

في مقابل الثوابت الإسرائيلية التي أكد عليها نتنياهو إزاء القضايا الجوهرية في إطار الصراع العربي الإسرائيلي، تؤكد السلطة الفلسطينية ومرجعيتها العليا منظمة التحرير الفلسطينية على الثوابت في قضايا الوضع النهائي، فيشير الفلسطينيون إلى ضرورة إيقاف النشاط الاستيطاني وتفكيك المستوطنات من الضفة الغربية بناء على قرارات صادرة عن الأمم المتحدة، في المقدمة منها القرار 479 الصادر عن مجلس الأمن الذي يعتبر الاستيطان والمستوطنات باطلة ويجب تفكيكها وبشكل خاص في مدينة القدس، وكذلك هي الحال بالنسبة للجدار العازل، حيث دعت محكمة العدل الدولية إلى تفكيكه وعدم شرعيته.

وتؤكد منظمة التحرير في الوقت ذاته على ضرورة أن تفضي أية مفاوضات مع إسرائيل إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة على كامل مساحة الضفة والقطاع (ستة آلاف كيلومتر مربع) وعاصمتها الجزء الشرقي من مدينة القدس المحتلة في حزيران (يونيو) من عام 1967. كما تؤكد منظمة التحرير الفلسطينية على حق عودة اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وفي المقدمة منها القرار 194 الصادر في نهاية عام 1948، ناهيك عن ضرورة سيطرة الفلسطينيين على مواردهم المائية التي صادرتها إسرائيل لمصلحة الاستيطان في الضفة الغربية.

ويمكن الجزم بأن إدارة ترامب ستقوم بعملية ضغط كبير على الطرف الفلسطيني للعودة إلى مفاوضات غير مشروطة بمرجعية سياسية معينة وبسقف زمني محدد مع المفاوض الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه ستدعم التوجهات الإسرائيلية التهويدية عبر تشريع الاستيطان لمحاصرة فكرة إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، الأمر الذي يتطلب تجميع الجهود العربية السياسية والقانونية والدبلوماسية لمواجهة تحدي العهد الأميركي الجديد الذي تنكر منذ اليوم الأول للحقوق الفلسطينية الثابتة التي أقرتها الشرعية الدولية.

[*] كاتب، مقيم في بيروت.