[*]دينا سَـليم حَـنحن

ماذا كانت تفعل الداية أم منصور عند دار الحنّ تلك الليلة؟

لقد بحثوا عنها ولم يجدوها في بيتها ولا عند ابنتها، خير إن شاء الله؟ هذا ينادي وآخر يصرخ ولا من سميع أو مجيب، أيمكن أن تكون قد اختبأت منهم؟ فعصابة (الهاغاناة)[1] دقوا أرجلهم في المكان والدّاية أم منصور لم تكن في بيتها في حينه، طلبوا منها الرحيل من خلف الباب وقد ظنّوا أنها في الداخل، ورددوا جملتهم المعهودة التي قالوها لجميع أهل المدينة، وبالعربية المكسرة:

  • يالله روخ عند عبد الله… إند عبد الله روخ (روح أو إرحل).

بحث الجميع في ذلك النهار عن أم منصور، نهار حار جدا والرصاص ينهمر مثل المطر فوق الرؤوس، المدينة تقاوم وحدها تحت النيران، اختفى الشباب ولم يعد الرجال إلى بيوتهم، حمل غبار الأرض سيقان أكثريتهم التي غادرت مهرولة دون عودة، العدو لم يشبه أي عدو آخر في ذلك العصر، ويقف لهم بالمرصاد، يتأمل ويحصي عدد النازحين، يا لها من جلبة مقيتة، تلك التي حدثت يوم سقوط مدينة اللد!

فيوليت تصرخ فمخاض الولادة لا يهمل أي حامل عند اكتمال شهرها، مستشفى المدينة الكبير فرغ من العاملين والعاملات. هرب الأطباء والممرضات بسيارات الاسعاف، ومستشفى الدجاني المختص بالولادات بعيد، والطريق إلى يافا مقطوعة، ووجع المخاض لا يمهل، ولم يجدوا الداية التي اختفت فجأة، وتفاقمت المشكلة عندما وقع زوج فيوليت يعقوب أسيراً أيضاً.

وسلوى، أخت فيوليت لم تعد إلى البيت، ابنة العشر سنوات اختفت وضاع أثرها، تشوش كل شيء في هذا اليوم بالذات، وعندما سألوا والدها داود عنها قال:

  • (بنتي الأولى فوتين، ترحل مع زوجها وأسرتها تحت وابل الرصاص ولا أعرف إلى أين، والثانية فيوليت، تنجب طفلها الثاني الآن بغياب زوجها، والثالثة سلوى، اختفت ولا أعرف كيف أجدها، لكنها حتما ستعود، أشعر أنها بخير، والكبير سالم مهزوم، (هارب)، وسليم نفد (تخلّص) منهم لكنهم طلبوه وذهب معهم لا أعلم إلى أين، أخاف ليصير هو جثة كمان… بكون عوضنا على الله فيهم، ويخللي لنا منير وجبرا وجورج، شو بدنا نعمل يعني؟ المهم أنه مهما حصل لن أترك بلدي فهذا مكاني)!
  • لماذا لا نترك مع النازحين فجميعهم يرحلون، هل نبقى وحدنا هنا؟ قالت له زوجته نايفة.
  • (والله، والله، والله لن أترك مكاني حتى يوم مماتي، أنا الجندي الشجاع، هل نسيت أنني عدت سالما من الجيش التركي بعد أن حاربت على جبهات كثيرة معهم أكثر من عشرين سنة؟ مات جميع من كان معي، أنا جندي والجندي لا يخاف، لقد رأيت الجثث المتناثرة أمامي بالمئات وساعدت عشرات الجرحى، وشاهدت مئات الإعدامات… بعد كل هذه السنوات التي أمضيتها أركض في الوعور وتائها في الغابات المليئة بالذئاب والوحوش المفترسة، بدك يعني أخاف من هدول الزعران… يا بنت الحلال، هدول زعران خايفين منا)؟
  • لكننا سنموت هنا، ألا ترى أخوتك، جميعهم رحلوا إلى رام الله، لنرحل معهم إذن!
  • ليذهبوا اخوتي، لن أرحل من هنا، وأنا سأحميك منهم يا زوجتي الحبيبة، أنا بطلكِ، لا تخشي فبصحبتك بطل، أم أصبحت الآن عجوزا بعينيكِ يا أم سالم! قال لها مداعبا.
  • (خلص عاد، عيب هيك قدام الناس)! أجابته بدلال.

وإن حصل وسأله أحد الفضوليين عن الجبهات التي حارب فيها مع الجيش التركي في حينه، يقول غاضبا:

  • (الأبطال بأسرارها يا أولاد الخاينة…)!

صرخة الوليد شقّت حدود السماء عند المساء، من بعدها تلاشت صرخات الألم، أنجبت فيوليت أخيرا، لتحل مكانها ارهاصات الراحة، ذهبت في غفوة عميقة، فقد خلصها الله من الموت الأكيد، وها هي بقلبها الحنون ترى فلذة كبدها معافى وسليما، أخفوه في مكان آمن وأبعدوه من النافذة المطلة على الشارع كي لا يسمعه أحد.

تخفى اليهود باللباس التقليدي الأردني، واعتمروا الحطّات يوهمون المحليين بأن جيش الانقاذ جاء لانقاذهم، اندسوا بين المواطنين وساروا في الشوارع بهدوء، في ذات الوقت سقطت المدينة بعد أن اختلط الحابل بالنابل، ضاع من ضاع، وتاه من تاه كما ضاع حليب المرضعة من ثديها… لقد أعلن الطفل عن نفسه فأتوا مسرعين يدقون الباب ببنادقهم!

  • افتخ باب…افتخ باب..

فتحت جميع الأبواب… أُسِرَت المدينة بأكملها!

ساعة الغياب، عادت سلوى من غيبتها مع العربة وهي تلهث، متعبة وجائعة، منهكة ومعتزة بنفسها، وهو أن العربة لم تضع منها، لم تعد بدون عربة الخضرة التي استخدمها النازحون لنقل حاجياتهم فيها، فأصبحت عربة دار داود حنحن أشهر من النار على علم، تلك العربة التي حملت حاجياتهم حتى خروجهم من البلد، وكلما عادت بها فارغة وجدت من يأخذها منها ليحمّل حاجياته ويغادر فيها، إن تمنعت، يشدونها منها عنوة فتضطر للسير مع النازحين من جديد وحتى الحدود لكي تعود بها، لم تخش على نفسها بقدر خشيتها على العربة التي لا تساوي شيئا، والتي كانت مهملة ومتروكة في حوش البيت فيما سبق، لكنها أصبحت بقدرة قادر، وفجأة وبدون تردد عربة مطلوبة وحيوية جدا.

صرخات متتالية من خلف الأبواب تحث باقي السكان على الرحيل، وعندما وجدوا الطفل بحضن والدته يتلهف على ثديها باكيا قالوا لها:

  • امشِ عند عبد الله، يالله روخ..
  • لكنني أنجبت اليوم فقط، إن حصل ورحلت سأموت وسيموت الطفل معي، أرجوكم اتركوني! قالت لهم فيوليت باكية.
  • وين أبو الطفل ولمين هذا، وضعوا يدهم على رأس ابنها الأول الياس.
  • هذا ابني الياس، هذا إلي!
  • وين زوجك؟
  • هو أسير، أسير… زوجي أسير عندكم!
  • هيا أخرجوا من البيوت، هيا، احملي ولد وكمان ولد وروحي إلى الكنيسة، يالله! أمروها ومن كان معها.
  • طيب، حاضر، سأذهب إلى الكنيسة.
  • إلى الكنيسة يالله. قالوا لها.

أُغلقت الطرق المؤدية إلى المدينة وحوصرت وكأنها في (غيتو)، هرب من هرب وبقي من بقي،  كل شيء حصل بسرعة فائقة، سرق الفلسطيني قوته من أرضه ليلا، ومن لا يملك أرضا أو مؤونة سرق مؤونة غيره لكي يأكل، ويوجد من سرق وهرب حتى اختفت آثاره، وبقي هؤلاء الذين اقتنوا الطحين الملوث فتناولوا الخبز مرّا، من لوّث لهم الطحين وباي مادة خلطوه؟ ربما كان طحينا ملوثا وصلته الأوبئة، لا أحد يدري، لقد تناولوا الطحين العث الذي استخرج من المخازن، لقد ذاقوا طعم المرار!

وبعد عدة أيام…

ذهب البعض إلى الكنيسة والجامع، بحجة الصلاة، أراد كل منهم تفقد الآخر والتحقق من الموجودين، البحث عن القتلى والاستفسار عن النازحين، وعندما ظهر بعض الشبان فجأة قامت قوة (الهاغاناة) التي ترصدتهم بأسرهم، من ضمنهم كان سالم (أخو) فيوليت، أصبح جميع شباب العائلة قيد الأسر حتى إشعار آخر، وانقطع التواصل بين العائلات تماما.

اختفت أيضا لعبة الرأس التي انتشرت في حينه كطقس حيوي، أسموها لعبة (المناطحة) أو شجار الرأس الذي أعتمده الرجال الأقوياء في ذلك الوقت، حيث وضع كل واحد جبينه على جبين الآخر، يلتصقون معا بمعزل اليدين، يسيرون أزواجا ببطء شريطة أن يبقى الجبين على الجبين والعين تحدق بالعين والنبض يوافق النبض، يبدأ الشدّ والنزاع على أتفه الأمور، يا للرؤوس الصلبة الجامدة التي دعت المتفرجين إلى هذه الوليمة! يتوسطون الجمع الغفير الذي تنحى جانبا دون تدخل، إن حصل وشذ أحدهم أو عرج من مساره أو زلت قدمه أو زحزح رأسه، أو شخر، حينها يبدأ القتال العنيف، ما كانت تلك الطقوس إلا للتسخين قبل أن يبدأ الشجار، فالشجار علامة المرجلة! لذلك انتشرت مقولة (ما أيبس راسك) أو (شو هالراس اليابس) كنية أهالي اللد.

أقام الأهالي في الكنيسة عدة أيام ثم خرجوا منها ليقيموا في المستشفى مدة طويلة، ثم انتقلوا للسكن في أماكن أخرى، لم يعد إلا القليل منهم إلى بيته، وعندما عاد يعقوب من الأسر، بحث عن عائلته التي تركت البيت حتى وجدها فالتم الشمل مجددا.

وعندما سأل زوجته عن سبب تسمية الطفل بهذا الاسم، قالت:

  • (أسير) طفل بريء ولد ووالده وجميع أهل المدينة وقعوا أسرى، بل المدينة بأكملها، بل فلسطين كلها وقعت أسيرة بأيديهم، وهل يوجد لقب معبر أكثر من هذا اللقب؟
  • على كل حسنا فعلتِ، بسبب ولادته بقينا في وطننا، لولاه لكنا الآن من النازحين مشتتين.
  • لكنهم أخبرونا أنهم سيعودون، أقصد النازحين؟
  • لا تكوني ساذجة يا امرأة، لماذا إذاً فعلوا الذي فعلوه بنا، من سيعود؟! من هرب هرب، ومن بقي بقي، ربما سيعلقون المشانق لنا هنا، من يدري، الله أعلم ماذا سيحدث، على كل، سنبقى هنا حتى نرى ماذا سيحدث، وعوضنا على الله، هاتي (أسير) لأضمه أكثر، هاته.

وعندما هدأ الحال، وصل الخبر أن الداية (أم منصور) هربت وابنتها مع النازحين، بعد أن تركت مفتاح دارها عند دار فلان[2]، آملة بالعودة عندما تهدأ الأحوال، ولم نعرف إلى أين وصل بها الحال وكيف مضت بها الأيام، لقد كانت ونيسة ومعينة النساء الحوامل في القرى المجاورة للمدينة، وقد رأتها الجنكية[3] وهي تعبر جسر جنداس، بل وأقسمت أنها رأتها تركض حافية، لكن من يصدّق جنكية! أما عن الجنكية فلها حكاية أخرى تخصها سوف أرويها مستقبلا.

توفيت فيوليت في عمر مبكر وقد أنجبت سبعة أبناء، وتوفي زوجها يعقوب من بعدها حزينا على فقدانها، وتوفي أخواها سالم وسليم. أما سلوى شقيقتها فتقيم في المدينة الآن ولم تبارحها لا هي ولا أبناؤها، وما زال (أسير) يقيم في اللد أيضا مع زوجته وعائلته، رجل خلوق طيب السمعة، والجميع يعلم كم يبلغ من العمر الآن.

الهوامش:

[*] قاصة وروائية فلسطينية، تقيم في أستراليا.

[1]تأسست منظمة الهاغاناة الصهيونية (بالعبرية تعني الدّفاع) في العام 1921 في مدينة القدس وهي تكتّل عسكري في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين في الفترة السّابقة لإعلان دولة إسرائيل. كان الهدف المعلن من تأسيسها الدفاع عن أرواح وممتلكات المستوطنات اليهودية في فلسطين خارج نطاق الانتداب البريطاني. بلغت المنظمة درجةً من التنظيم مما أهّلها لتكون حجر الأساس لجيش إسرائيل الحالي. (الموسوعة Wikipedia)

[2] دار فلان: بما معناه عائلة فلان – الكاتبة بتصرف.

[3]الجنكية: الراقصة.